Translate

الأربعاء، 24 أغسطس 2022

ج21.وج22.تفسير القرطبي

ج21. الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى : 671هـ)

جميع ما في الأرض، وعهد الله إليه عهدا فيه أمره ونهيه وحله وحرامه، وزعم أنه أمره أن يعرض ذلك على السماوات والأرض والجبال، فما تصنع السماوات والأرض والجبال بالحلال والحرام؟ وما التسليط «1» على الانعام والطير والوحش! وكيف إذا عرضه على ولده فقبله في أعناق ذريته من بعده. وفي مبتدأ الخبر في التنزيل أنه عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال حتى ظهر الإباء منهم، ثم ذكر أن الإنسان حصلها، أي من قبل نفسه لا أنه حمل ذلك، فسماه" ظَلُوماً" أي لنفسه،" جَهُولًا" بما فيها. وأما الآثار التي هي بخلاف ما ذكر، فحدثني أبي رحمه الله قال حدثنا الفيض بن الفضل الكوفي حدثنا السري بن إسماعيل عن عامر الشعبي عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: لما خلق الله الأمانة مثلها صخرة، ثم وضعها حيث شاء ثم دعا لها السماوات والأرض والجبال ليحملنها، وقال لهن: إن هذه" الْأَمانَةَ"، ولها ثواب وعليها عقاب، قالوا: يا رب، لا طاقة لنا بها، وأقبل الإنسان من قبل أن يدعي فقال للسموات والأرض والجبال: ما وقوفكم؟ قالوا: دعانا ربنا أن نحمل هذه فأشفقن منها ولم نطقها، قال: فحركها بيده وقال: والله لو شئت أن أحملها لحملتها، فحملها حتى بلغ بها إلى ركبتيه، ثم وضعها وقال: والله لو شئت أن أزداد لازددت، قالوا: دونك! فحملها حتى بلغ بها حقويه «2»، ثم وضعها وقال: والله لو شئت أن أزداد لازددت، قالوا: دونك، فحملها حتى وضعها على عاتقه، فلما أهوى ليضعها، قالوا: مكانك! إن هذه" الْأَمانَةَ" ولها ثواب وعليها عقاب وأمرنا ربنا أن نحملها فأشفقن منها، وحملتها أنت من غير أن تدعى لها، فهي في عنقك وفي أعناق ذريتك إلى يوم القيامة، إنك كنت ظلوما جهولا. وذكر أخبارا عن الصحابة والتابعين تقدم أكثرها." وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ" أي التزم القيام بحقها، وهو في ذلك ظلوم لنفسه. وقال قتادة: للأمانة، جهول بقدر ما دخل فيه. وهذا تأويل ابن عباس وابن جبير. وقال الحسن: جهول بربه. قال: ومعنى" حَمَلَهَا" خان فيها. وقال الزجاج والآية في الكافر والمنافق والعصاة على قدرهم على هذا التأويل. وقال ابن عباس وأصحابه
__________
(1). في ا: (وما تسليطه).
(2). الحقو (بفتح الحاء وكسرها): الخاصرة. [.....]

والضحاك وغيره:" الْإِنْسانُ" آدم، تحمل الأمانة فما تم له يوم حتى عصى المعصية التي أخرجته من الجنة. وعن ابن عباس أن الله تعالى قال له: أتحمل هذه الأمانة بما فيها. قال وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت. قال: أنا أحملها بما فيها بين أذني وعاتقي. فقال الله تعالى له: إني سأعينك، قد جعلت لبصرك حجابا فأغلقه عما لا يحل لك، ولفرجك لباسا فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك. وقال قوم:" الْإِنْسانُ" النوع كله. وهذا حسن مع عموم الأمانة كما ذكرناه أولا. وقال السدي: الإنسان قابيل. فالله أعلم. (لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ) اللام في" لِيُعَذِّبَ" متعلقة ب"- حمل" أي حملها ليعذب العاصي ويثيب المطيع، فهي لام التعليل، لان العذاب نتيجة حمل الأمانة. وقيل ب"- عَرَضْنَا"، أي عرضنا الأمانة على الجميع ثم قلدناها الإنسان ليظهر شرك المشرك ونفاق المنافق ليعذبهم: الله، وإيمان المؤمن ليثيبه الله. (وَيَتُوبَ اللَّهُ) قراءة الحسن بالرفع، يقطعه من الأول، أي يتوب الله عليهم بكل حال. (وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) خبر بعد خبر ل"- كانَ". ويجوز أن يكون نعتا لغفور، ويجوز أن يكون حالا من المضمر. والله أعلم بالصواب.

[سورة سبإ]
سورة سبإ مكية في قول الجميع، إلا آية واحدة اختلف فيها، وهي قوله تعالى:" وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ" الآية. فقالت فرقة: هي مكية، والمراد المؤمنون أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قاله ابن عباس. وقالت فرقة: هي مدنية، والمراد بالمؤمنين من أسلم بالمدينة، كعبد الله بن سلام وغيره، قاله مقاتل. وقال قتادة: هم أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المؤمنون به كائنا من كان. وهي أربع وخمسون آية.

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة سبإ (34): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1)
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ)" الَّذِي" في موضع خفض على النعت أو البدل. ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ، وأن يكون في موضع نصب بمعنى أعني. وحكى سيبويه" الحمد لله أهل الحمد" بالرفع والنصب والخفض. والحمد الكامل والثناء الشامل كله لله، إذ النعم كلها منه. وقد مضى الكلام فيه في أول الفاتحة «1». (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ) قيل: هو قوله تعالى:" وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ" «2» [الزمر: 47]. وقيل: هو قوله" وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" «3» [يونس: 10] فهو المحمود في الآخرة كما أنه المحمود في الدنيا، وهو المالك للآخرة كما أنه المالك للأولى. (وَهُوَ الْحَكِيمُ) في فعله. (الْخَبِيرُ) بأمر خلقه.

[سورة سبإ (34): آية 2]
يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2)
قوله تعالى: (يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ) أي ما يدخل فيها من قطر وغيره، كما قال:" فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ" «4» [الزمر: 21] من الكنوز والدفائن والأموات وما هي له كفات «5». (وَما يَخْرُجُ مِنْها) من نبات وغيره. (وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ) من الأمطار والثلوج والبرد والصواعق والأرزاق والمقادير والبركات. وقرا علي بن أبي طالب" وما ننزل" بالنون والتشديد. (وَما يَعْرُجُ فِيها) من الملائكة وأعمال العباد، قاله الحسن وغيره (وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ).
__________
(1). راجع ج 1 ص 131.
(2). راجع ج 15 ص 284 فما بعد.
(3). راجع ج 8 ص 313.
(4). راجع ج 15 ص 245.
(5). الكفات: الموضع الذي يضم إليه الشيء ويقبض.

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)

[سورة سبإ (34): الآيات 3 الى 4]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (3) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)
قوله تعالى: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ) قيل: المراد أهل مكة. قال مقاتل: قال أبو سفيان لكفار مكة: واللات والعزى لا تأتينا الساعة أبدا ولا نبعث. فقال الله:" قُلْ" يا محمد" بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ" وروى هارون عن طلق المعلم قال: سمعت أشياخنا يقرءون" قل بلى وربي ليأتينكم" بياء، حملوه على المعنى، كأنه قال: ليأتينكم البعث أو أمره. كما قال:"لْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ
" «1» [الانعام: 158]. فهؤلاء الكفار مقرون بالابتداء منكرون الإعادة، وهو نقض لما اعترفوا بالقدرة على البعث، وقالوا: وإن قدر لا يفعل. فهذا تحكم بعد أن أخبر على ألسنة الرسل أنه يبعث الخلق، وإذا ورد الخبر بشيء وهو ممكن في الفعل مقدور، فتكذيب من وجب صدقه محال. (عالم الغيب) بالرفع قراءة نافع وابن كثير على الابتداء، وخبره (لا يَعْزُبُ عَنْهُ) وقرا عاصم وأبو عمرو" عالِمِ" بالخفض، أي الحمد لله عالم، فعلى هذه القراءة لا يحسن الوقف على قوله:" لَتَأْتِيَنَّكُمْ". وقرا حمزة والكسائي:" علام الغيب" على المبالغة والنعت. (لا يَعْزُبُ عَنْهُ) أي لا يغيب عنه،" ويعزب" أيضا. قال الفراء: والكسر أحب إلى. النحاس: وهي قراءة يحيى بن وثاب، وهي لغة معروفة. يقال: عزب يعزب ويعزب إذا بعد وغاب. (مِثْقالُ ذَرَّةٍ) أي قدر نملة صغيرة. (فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ) وفي قراءة الأعمش" وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ" بالفتح فيهما عطفا على" ذَرَّةٍ". وقراء العامة
__________
(1). راجع ج 10 ص 102.

وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (5)

بالرفع عطفا على" مِثْقالُ". (إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) فهو العالم بما خلق ولا يخفى عليه شي. (لِيَجْزِيَ) منصوب بلام كي، والتقدير: لتأتينكم ليجزي. (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) بالثواب، والكافرين بالعقاب. (أُولئِكَ) يعني المؤمنين. (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) لذنوبهم. (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) وهو الجنة.

[سورة سبإ (34): آية 5]
وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (5)
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا) أي في إبطال أدلتنا والتكذيب بآياتنا. (مُعاجِزِينَ) مسابقين يحسبون أنهم يفتوننا، وأن الله لا يقدر على بعثهم في الآخرة، وظنوا أنا نهملهم، فهؤلاء" لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ" يقال: عاجزة وأعجزه إذا غالبه وسبقه. و" أليم" قراءة نافع بالكسر نعتا للرجز، فإن الرجز هو العذاب، قال الله تعالى:" فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ" «1» [البقرة: 59]. وقرا ابن كثير وحفص عن عاصم" عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ" برفع" الميم" هنا وفي" الجاثية" «2» نعتا للعذاب. وقرا ابن كثير وابن محيصن وحميد بن قيس ومجاهد وأبو عمرو" معجزين" مثبطين، أي ثبطوا الناس عن الايمان بالمعجزات وآيات القرآن.

[سورة سبإ (34): آية 6]
وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6)
لما ذكر الذين سعوا في إبطال النبوة بين أن الذين أوتوا العلم يرون أن القرآن حق. قال مقاتل:" الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ" هم مؤمنو أهل الكتاب. وقال ابن عباس: هم أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقيل جميع المسلمين، وهو أصح لعمومه. والرؤية بمعنى العلم، وهو في موضع نصب عطفا على" لِيَجْزِيَ" أي ليجزي وليرى، قاله الزجاج والفراء. وفية نظر،
__________
(1). راجع ج 1 ص 415 فما بعد.
(2). راجع ج 16 ص 159 فما بعد.

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7)

لان قوله:" لِيَجْزِيَ" متعلق بقوله:" لَتَأْتِيَنَّكُمْ" الساعة، ولا يقال: لتأتينكم الساعة ليرى الذين أوتوا العلم أن القرآن حق، فإنهم يرون القرآن حقا وإن لم تأتهم الساعة. والصحيح أنه رفع على الاستئناف، ذكره القشيري. قلت: وإذا كان" لِيَجْزِيَ" متعلقا بمعنى أثبت ذلك في كتاب مبين، فيحسن عطف" وَيَرَى" [عليه [، أي وأثبت أيضا ليرى «1» الذين أوتوا العلم أن القرآن حق. ويجوز أن يكون مستأنفا." الَّذِي" في موضع نصب على أنه مفعول أول ل"- يَرَى"" هُوَ الْحَقَّ" مفعول ثان، و" هُوَ" فاصلة. والكوفيون يقولون" هُوَ" عماد. ويجوز الرفع على أنه مبتدأ. و" الْحَقَّ" خبره، والجملة في موضع نصب على المفعول الثاني، والنصب أكثر فيما كانت فيه الالف واللام عند جميع النحويين، وكذا ما كان نكرة لا يدخله الالف واللام فيشبه المعرفة. فإن كان الخبر اسما معروفا نحو قولك: كان أخوك هو زيد، فزعم الفراء أن الاختيار فيه الرفع. وكذا كان محمد هو عمرو. وعلته في اختياره الرفع أنه لم تكن فيه الالف واللام أشبه النكرة في قولك: كان زيد هو جالس، لان هذا لا يجوز فيه إلا الرفع. (وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) أي يهدي القرآن إلى طريق الإسلام الذي هو دين الله. ودل بقوله:" الْعَزِيزِ" على أنه لا يغالب. وبقوله:" الْحَمِيدِ" على أنه لا يليق به صفة العجز.

[سورة سبإ (34): آية 7]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7)
قوله تعالى:" وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ" وإن شئت أدغمت اللام في النون لقربها منها." يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ" هذا إخبار عمن قال:" لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ
" [سبأ: 3] أي هل نرشدكم إلى رجل ينبئكم، أي يقول لكم: إنكم تبعثون بعد البلى في القبور. وهذا صادر عن فرط إنكارهم. الزمخشري:" فإن قلت: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مشهورا علما في قريش، وكان إنباؤه بالبعث شائعا عندهم، فما معنى قولهم:
__________
(1). في الأصول: (وأثبت أيضا رؤية الذين ..).

أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (8)

" هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ" فنكروه لهم وعرضوا عليهم الدلالة عليه، كما يدل على مجهول في أمر مجهول. قلت: كانوا يقصدون بذلك الطنز «1» والهزؤ والسخرية، فأخرجوه مخرج التحكي «2» ببعض الاحاجي التي يتحاجى بها للضحك والتلهي، متجاهلين به وبأمره. و" إِذا" في موضع نصب والعامل فيها" مُزِّقْتُمْ" قاله النحاس. ولا يجوز أن يكون العامل فيها" يُنَبِّئُكُمْ"، لأنه ليس يخبرهم ذلك الوقت. ولا يجوز أن يكون العامل فيها ما بعد" إن"، لأنه لا يعمل فيما قبله، وألا يتقدم عليها ما بعدها ولا معمولها. وأجاز الزجاج أن يكون العامل فيها محذوفا، التقدير: إذا مزقتم كل ممزق بعثتم، أو ينبئكم بأنكم تبعثون إذا مزقتم. المهدوي: ولا يعمل فيه" مُزِّقْتُمْ"، لأنه مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف. وأجازه بعضهم على أن يجعل" إذا" للمجازاة، فيعمل فيها حينئذ ما بعدها لأنها غير مضافة إليه. وأكثر ما تقع" إذا" للمجازاة في الشعر. ومعنى" مزقتم كل ممزق" فرقتم كل تفريق. والمزق خرق الأشياء، يقال: ثوب مزيق وممزوق ومتمزق وممزق.

[سورة سبإ (34): آية 8]
أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (8)
قوله تعالى: (أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً) لما دخلت ألف الاستفهام استغنيت عن ألف الوصل فحذفتها، وكان فتح ألف الاستفهام فرقا بينها وبين ألف الوصل. وقد مضى هذا في سورة" مريم" عند قوله تعالى:" أَطَّلَعَ الْغَيْبَ" «3» [مريم: 78] مستوفى. (أَمْ بِهِ جِنَّةٌ) هذا مردود على ما تقدم من قول المشركين، والمعنى: قال المشركون" أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً". والافتراء الاختلاق." أَمْ بِهِ جِنَّةٌ" أي جنون، فهو يتكلم بما لا يدري. ثم رد عليهم فقال: (بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ) أي ليس الامر كما قالوا، بل هو أصدق الصادقين، ومن ينكر البعث فهو غدا في العذاب، واليوم في الضلال عن الصواب، إذ صاروا إلى تعجيز الاله ونسبة الافتراء إلى من أيده الله بالمعجزات.
__________
(1). الطنز: السخرية.
(2). في الكشاف والبحر: (التحلي) باللام.
(3). راجع ج 11 ص 147

أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (9)

[سورة سبإ (34): آية 9]
أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (9)
أعلم الله تعالى أن الذي قدر على خلق السماوات والأرض وما فيهن قادر على البعث وعلى تعجيل العقوبة لهم، فاستدل بقدرته عليهم، وأن السماوات والأرض ملكه، وأنهما محيطتان بهم من كل جانب، فكيف يأمنون الخسف والكسف كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة. وقرا حمزة والكسائي" إن يشأ يخسف بهم الأرض أو يسقط" بالياء في الثلاث، أي إن يشأ الله أمر الأرض فتنخسف بهم، أو السماء فتسقط عليهم كسفا. الباقون بالنون على التعظيم. وقرا السلمي وحفص" كسفا" بفتح السين. الباقون بالإسكان. وقد تقدم بيانه في" سبحان" «1»" وغيرها. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً) أي في هذا الذي ذكرناه من قدرتنا" لآية" أي دلالة ظاهرة. (لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) أي تائب رجاع إلى الله بقلبه. وخص المنيب بالذكر لأنه المنتفع بالفكرة في حجج الله وآياته.

[سورة سبإ (34): آية 10]
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10)
(وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا) بين لمنكري نبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن إرسال الرسل ليس أمرا بدعا، بل أرسلنا الرسل وأيدناهم بالمعجزات، وأحللنا بمن خالفهم العقاب." آتَيْنا" أعطينا." فضلا" أي أمرا فضلناه به على غيره. واختلف في هذا الفضل على تسعة أقوال: الأول- النبوة. الثاني- الزبور. الثالث- العلم، قال الله تعالى:" وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً" «2» [النمل: 15]. الرابع- القوة، قال الله تعالى:" وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ" «3» [ص: 71]. الخامس- تسخير
__________
(1). راجع ج 10 ص (330)
(2). راجع ج 13 ص 163 فما بعد. [.....]
(3). راجع ج 15 ص 158

الجبال والناس، قال الله تعالى:" يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ" «1». السادس- التوبة، قال الله تعالى:" فَغَفَرْنا «2» لَهُ ذلِكَ" [ص: 25]. السابع: الحكم بالعدل، قال الله تعالى:" يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ «3» خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ" [ص: 26] الآية. الثامن- إلانة الحديد، قال تعالى:" وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ" «4». التاسع- حسن الصوت، وكان داود عليه السلام ذا صوت حسن ووجه حسن. وحسن الصوت هبة من الله تعالى وتفضل منه، وهو المراد بقوله تبارك وتعالى:" يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ" «5» [فاطر: 1] على ما يأتي إن شاء الله تعالى. وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لابي موسى: (لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود). قال العلماء: المزمار والمزمور الصوت الحسن، وبه سميت آلة الزمر مزمارا. وقد استحسن كثير من فقهاء الأمصار القراءة بالتزيين والترجيع. وقد مضى هذا في مقدمة الكتاب «6» والحمد لله. قوله تعالى: (يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ) أي وقلنا يا جبال أوبي معه، أي سبحي معه، لأنه قال تبارك وتعالى:" إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ" «7» [ص: 18]. قال أبو ميسرة: هو التسبيح بلسان الحبشة، ومعنى تسبيح الجبال: هو أن الله تعالى خلق فيها تسبيحا كما خلق الكلام في الشجرة، فيسمع منها ما يسمع من المسبح معجزة لداود عليه الصلاة والسلام. وقيل: المعنى سيرى معه حيث شاء، من التأويب الذي هو سير النهار أجمع وينزل الليل. قال ابن مقبل:
لحقنا بحي أوبوا السير بعد ما ... دفعنا شعاع الشمس والطرف يجنح
وقرا الحسن وقتادة وغيرهما:" أوبي معه" أي رجعي معه، من آب يؤوب إذا رجع، أوبا وأوبة وإيابا. وقيل: المعنى تصرفي معه على ما يتصرف عليه داود بالنهار، فكان إذا قرأ الزبور صوتت الجبال معه، وأصغت إليه الطير، فكأنها فعلت ما فعل. وقال وهب ابن منبه: المعنى نوحي معه والطير تساعده على ذلك، فكان إذا نادى بالنياحة أجابته الجبال
__________
(1). راجع ج 15 ص 184
(2). راجع ج 15 ص 188
(3). راجع ج 15 159
(4). راجع ج 15 159
(5). راجع ص 318 فما بعد من هذا الجزء.
(6). راجع ج 1 ص 11 فما بعد.
(7). راجع ج 15 ص 159

بصداها، وعكفت الطير عليه من فوقه. فصدى الجبال الذي يسمعه الناس إنما كان من ذلك اليوم إلى هذه الساعة، فأيد بمساعدة الجبال والطير لئلا يجد فترة «1»، فإذا دخلت الفترة اهتاج، أي ثار وتحرك، وقوى بمساعدة الجبال والطير. وكان قد أعطي من الصوت ما يتزاحم الوحوش من الجبال على حسن صوته، وكان الماء الجاري ينقطع عن الجري وقوفا لصوته." والطير" بالرفع قراءة ابن أبي إسحاق ونصر عن عاصم وابن هرمز ومسلمة بن عبد الملك، عطفا على لفظ الجبال، أو على المضمر في" أوبي" وحسنه الفصل بمع. الباقون بالنصب عطفا على موضع" يا جبال" أي نادينا الجبال والطير، قاله سيبويه. وعند أبي عمرو ابن العلاء بإضمار فعل على معنى وسخرنا له الطير. وقال الكسائي: هو معطوف، أي وآتيناه الطير، حملا على" ولقد آتينا داود ما فضلا". النحاس: ويجوز أن يكون مفعولا معه، كما تقول: استوى الماء والخشبة. وسمعت الزجاج يجيز: قمت وزيدا، فالمعنى أوبي معه ومع الطير. (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) قال ابن عباس: صار عنده كالشمع. وقال الحسن: كالعجين، فكان يعمله من غير نار. وقال السدي: كان الحديد في يده كالطين المبلول والعجين والشمع، يصرفه كيف شاء، من غير إدخال نار ولا ضرب بمطرقة. وقاله مقاتل. وكان يفرغ من الدرع في بعض اليوم أو بعض الليل، ثمنها ألف درهم. وقيل: أعطي قوة يثنى بها الحديد، وسبب ذلك أن داود عليه السلام، لما ملك بني إسرائيل لقي ملكا وداود يظنه إنسانا، وداود متنكر خرج يسأل عن نفسه وسيرته في بني إسرائيل في خفاء، فقال داود لذلك الشخص الذي تمثل له: (ما قولك في هذا الملك داود)؟ فقال له الملك (نعم العبد لولا خلة فيه) قال داود: (وما هي)؟ قال: (يرتزق من بيت المال ولو أكل من عمل يده لتمت فضائله). فرجع فدعا الله في أن يعلمه صنعة ويسهلها عليه، فعلمه صنعة لبوس كما قال عز وجل في سورة الأنبياء «2»، فألان له الحديد فصنع الدروع، فكان يصنع الدرع فيما بين يومه وليلته يساوي ألف درهم، حتى ادخر منها كثيرا وتوسعت
__________
(1). الفترة: الضعف.
(2). راجع ج 11 ص 320

أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11)

معيشة منزله، ويتصدق على الفقراء والمساكين، وكان ينفق ثلث المال في مصالح المسلمين، وهو أول من اتخذ الدروع وصنعها وكانت قبل ذلك صفائح. ويقال: إنه كان يبيع كل درع منها بأربعة آلاف. والدرع مؤنثة إذا كانت للحرب. ودرع المرأة مذكر. مسألة- في هذه الآية دليل على تعلم أهل الفضل الصنائع، وأن التحرف بها لا ينقص من مناصبهم، بل ذلك زيادة في فضلهم وفضائلهم، إذ يحصل لهم التواضع في أنفسهم والاستغناء عن غيرهم، وكسب الحلال الخلي عن الامتنان. وفي الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إن خير ما أكل المرء من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده). وقد مضى هذا في" الأنبياء مجودا والحمد لله.

[سورة سبإ (34): آية 11]
أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11)
قوله تعالى: (أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ) أي دروعا سابغات، أي كوامل تامات واسعات، يقال: سبغ الدرع والثوب وغيرهما إذا غطى كل ما هو عليه وفضل منه. (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) قال قتادة: كانت الدروع قبله صفائح فكانت ثقالا، فلذلك أمر هو بالتقدير فيما يجمع من الخفة والحصانة. أي قدر ما تأخذ من هذين المعنيين بقسطه. أي لا تقصد الحصانة فتثقل، ولا الخفة فتزيل المنعة. وقال ابن زيد: التقدير الذي أمر به هو في قدر الحلقة، أي لا تعملها صغيرة فتضعف فلا تقوى الدروع على الدفاع، ولا تعملها كبيرة فينال لابسها. وقال ابن عباس: التقدير الذي أمر به هو في المسمار، أي لا تجعل مسمار الدرع رقيقا فيقلق «1»، ولا غليظا فيفصم الحلق. روي" يقصم" بالقاف، والفاء أيضا رواية." فِي السَّرْدِ" السرد نسج حلق الدروع، ومنه قيل لصانع حلق الدروع: السراد والزراد، تبدل من السين الزاي، كما قيل: سراط وزراط. والسرد: الخرز، يقال: سرد يسرد إذا خرز. والمسرد: الأشفى، ويقال سراد، قال الشماخ:
__________
(1). القلق: ألا يستقر في مكان واحد.

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12)

فظلت «1» تباعا خيلنا في بيوتكم ... كما تابعت سرد العنان الخوارز
والسراد: السير الذي يخرز به، قال لبيد:
يشك صفائحها بالروق شزرا ... كما خرج السراد من النقال «2»
ويقال: قد سرد الحديث والصوم، فالسرد فيهما أن يجئ بهما «3» ولاء في نسق واحد، ومنه سرد الكلام. وفي حديث عائشة: لم يكن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسرد الحديث كسردكم، وكان يحدث الحديث لو أراد العاد أن يعده لأحصاه. قال سيبويه: ومنه رجل سرندي أي جريء، قال: لأنه يمضي قوما «4». واصل ذلك في سرد الدرع، وهو أن يحكمها ويجعل نظام حلقها ولاء غير مختلف. قال لبيد:
صنع الحديد مضاعفا أسراده ... لينال طول العيش غير مروم
وقال أبو ذؤيب:
وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع «5»
(وَاعْمَلُوا صالِحاً) أي عملا صالحا. وهذا خطاب لداود واهلة، كما قال:" اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً" [سبأ: 13]. (إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).

[سورة سبإ (34): آية 12]
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (12)
قوله تعالى: (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ) قال الزجاج، التقدير وسخرنا لسليمان الريح. وقرا عاصم في رواية أبي بكر عنه:" الريح" بالرفع على الابتداء، والمعنى له تسخير الريح، أو بالاستقرار،
__________
(1). رواية البيت كما في ديوانه:
شككن بأحشاء الذنابى على هدى ... كما تابعت ......... إلخ

(2). الروق: القرن. والنقال: جمع النقل (بالتحريك) والنقل وهو الخف الخلق.
(3). في الأصول: (به). [.....]
(4). أي لم يعرج ولم ينثن يوصف به الذكر والأنثى.
(5). قضاهما أحكمهما أو فرغ منهما. والصنع (بالتحريك): الحذق في العمل. والصنع هاهنا تبع وهو ملك من ملوك حمير. ويروى: (أو صنع السوابغ).

أي ولسليمان الريح ثابتة، وفية ذلك المعنى الأول. فإن قال قائل: إذا قلت أعطيت زيدا درهما ولعمرو دينار، فرفعته فلم يكن فيه معنى الأول، وجاز أن يكون لم تعطه الدينار. وقيل: الامر كذا ولكن الآية على خلاف هذا من جهة المعنى، لأنه قد علم أنه لم يسخرها أحد إلا الله عز وجل. (غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ) أي مسيرة شهر. قال الحسن: كان يغدو من دمشق فيقيل بإصطخر، وبينهما مسيرة شهر للمسرع، ثم يروح من إصطخر ويبيت بكابل، وبينهما شهر للمسرع. قال السدي: كانت تسير به في اليوم مسيرة شهرين. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان سليمان إذا جلس نصبت حواليه أربعمائة ألف كرسي، ثم جلس رؤساء الانس مما يليه، وجلس سفلة الانس مما يليهم، وجلس رؤساء الجن مما يلي سفلة الانس، وجلس سفلة الجن مما يليهم، وموكل بكل كرسي طائر لعمل قد عرفه، ثم تقلهم الريح، والطير تظلهم من الشمس، فيغدو من بيت المقدس إلى إصطخر، فيبيت ببيت المقدس، ثم قرأ ابن عباس:" غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ". وقال وهب بن منبه: ذكر لي أن منزلا بناحية دجلة مكتوبا فيه- كتبه بعض صحابة سليمان، إما من الجن وإما من الانس-: نحن نزلنا وما بنيناه، ومبنيا وجدناه، غدونا من إصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه إن شاء الله تعالى فبائتون في الشام. وقال الحسن: شغلت سليمان الخيل حتى فاتته صلاة العصر، فعقر الخيل فأبدله الله خيرا منها وأسرع، أبدل الريح تجري بأمره حيث شاء، غدوها شهر ورواحها شهر. وقال ابن زيد: كان مستقر سليمان بمدينة تدمر، وكان أمر الشياطين قبل شخوصه من الشام إلى العراق، فبنوها له بالصفاح «1» والعمد والرخام الأبيض والأصفر. وفية يقول النابغة:
إلا سليمان إذ قال الاله له ... قم في البرية فاحددها «2» عن الفند
وخيس «3» الجن إنى قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصفاح والعمد
__________
(1). الصفاح (كرمان): حجارة عريضة رقيقة.
(2). الحد: المنع. والفند: الخطأ.
(3). خيس: ذلل.

فمن أطاعك فانفعه بطاعته ... كما أطاعك وأدلله على الرشد
ومن عصاك فعاقبه معاقبة ... تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد «1»
ووجدت هذه الأبيات منقورة في صخرة بأرض يشكر، أنشأهن بعض أصحاب سليمان عليه الصلاة والسلام:
ونحن ولا حول سوى حول ربنا ... نروح إلى الأوطان من أرض تدمر
إذا نحن رحنا كان ريث رواحنا ... مسيرة شهر والغدو لآخر
أناس شروا لله طوعا نفوسهم ... بنصر ابن داود النبي المطهر
لهم في معالي الدين فضل ورفعة «2» ... وإن نسبوا يوما فمن خير معشر
متى يركبوا الريح المطيعة أسرعت ... مبادرة عن شهرها لم تقصر
تظلهم طير صفوف عليهم ... متى رفرفت من فوقهم لم تنفر
قوله تعالى: (وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) القطر: النحاس، عن ابن عباس وغيره. أسيلت له مسيرة ثلاثة أيام كما يسيل الماء، وكانت بأرض اليمن، ولم يذب النحاس فيما روي لاحد قبله، وكان لا يذوب، ومن وقته ذاب، وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله تعالى لسليمان. قال قتادة: أسأل الله عينا يستعملها فيما يريد. وقيل لعكرمة: إلى أين سألت؟ فقال: لا أدري! وقال ابن عباس ومجاهد والسدي: أجريت له عين الصفر ثلاثة أيام بلياليهن. قال القشيري: وتخصيص الاسالة بثلاثة أيام لا يدرى ما حده، ولعله وهم من الناقل، إذ في رواية عن مجاهد: أنها سألت من صنعاء ثلاث ليال مما يليها، وهذا يشير إلى بيان الموضع لا إلى بيان المدة. والظاهر أنه جعل النحاس لسليمان في معدنه عينا تسيل كعيون المياه، دلالة على نبوته. وقال الخليل: القطر: النحاس المذاب. قلت: دليله قراءة من قرأ:" من قطران". (وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ) أي بأمره (وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا) الذي أمرناه به من طاعة سليمان.
__________
(1). الضمد: الحقد.
(2). في الأصول:) رأفة) والتصويب عن البحر وروح المعاني.

يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13)

(نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ) أي في الآخرة، قاله أكثر المفسرين. وقيل ذلك في الدنيا، وذلك أن الله تعالى وكل بهم- فيما روى السدي- ملكا بيده سوط من نار، فمن زاغ عن أمر سليمان ضربه بذلك السوط ضربة من حيث لا يراه فأحرقته. و" مِنَ" في موضع نصب بمعنى وسخرنا له من الجن من يعمل. ويجوز أن يكون في موضع رفع، كما تقدم في الريح.

[سورة سبإ (34): آية 13]
يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (13)
فيه ثماني مسائل: الاولى- قوله تعالى:" مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ" المحراب في اللغة: كل موضع مرتفع. وقيل للذي يصلي فيه: محراب، لأنه يجب أن يرفع ومعظم. وقال الضحاك:" مِنْ مَحارِيبَ" أي من مساجد. وكذا قال قتادة. وقال مجاهد: المحاريب دون القصور. وقال أبو عبيدة: المحراب أشرف بيوت الدار. قال:
وماذا عليه أن ذكرت أو أنسا ... كغزلان رمل في محاريب أقيال «1»
وقال عدي بن زيد:
كدمي العاج في المحاريب أو كال ... - بيض في الروض زهره مستنير
وقيل: هو ما يرقى إليه بالدرج كالغرفة الحسنة، كما قال:" إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ" «2» [ص: 21] وقوله:" فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ" «3» [مريم: 11] أي أشرف عليهم. وفي الخبر (أنه أمر أن يعمل حول كرسيه ألف محراب فيها ألف رجل عليهم المسوح يصرخون إلى الله دائبا، وهو على الكرسي في موكبه والمحاريب حوله، ويقول لجنوده إذا ركب: سبحوا الله إلى ذلك العلم، فإذا بلغوه قال: هللوه إلى ذلك العلم فإذا بلغوه قال: كبروه إلى ذلك العلم الآخر، فتلج الجنود بالتسبيح والتهليل لجة واحدة.
__________
(1). البيت لامرئ القيس. والأقيال: جمع قيل وهو الملك.
(2). راجع ج 15 ص (165)
(3). راجع ج 11 ص 14

الثانية- قوله تعالى: (وَتَماثِيلَ) جمع تمثال. وهو كل ما صور على مثل صورة من حيوان أو غير حيوان. وقيل: كانت من زجاج ونحاس ورخام تماثيل أشياء ليست بحيوان. وذكر أنها صور الأنبياء والعلماء، وكانت تصور في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة واجتهادا، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن أولئك كان إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور). أي ليتذكروا عبادتهم فيجتهدوا في العبادة. وهذا يدل على أن التصوير كان مباحا في ذلك الزمان، ونسخ ذلك بشرع محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة" نوح" «1» عليه السلام. وقيل: التماثيل طلسمات كان يعملها، ويحرم على كل مصور أن يتجاوزها فلا يتجاوزها، فيعمل تمثالا للذباب أو للبعوض أو للتماسيح في مكان، ويأمرهم ألا يتجاوزوه فلا يتجاوزه واحد أبدا ما دام ذلك التماثل قائما. وواحد التماثيل تمثال بكسر التاء. قال:
ويا رب يوم قد لهوت وليلة ... بآنسة كأنها خط تمثال «2»
وقيل: إن هذه التماثيل رجال اتخذهم من نحاس وسأل ربه أن ينفخ فيها الروح ليقاتلوا في سبيل الله ولا يحيك «3» فيهم السلاح. ويقال: إن إسفنديار كان منهم، والله أعلم. وروي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أطلق النسران أجنحتهما. الثالثة- حكى مكي في الهداية له: أن فرقة تجوز التصوير، وتحتج بهذه الآية. قال ابن عطية: وذلك خطأ، وما أحفظ عن أحد من أئمة العلم من يجوزه. قلت: ما حكاه مكي ذكره النحاس قبله، قال النحاس: قال قوم عمل الصور جائز لهذه الآية، ولما أخبر الله عز وجل عن المسيح. وقال قوم: قد صح النهي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنها والتوعد لمن عملها أو أتخذها، فنسخ الله عز وجل بهذا ما كان مباحا قبله، وكانت الحكمة في ذلك لأنه بعث عليه السلام والصور تعبد، فكان الأصلح إزالتها.
__________
(1). راجع ج 18 ص 307 فما بعد.
(2). البيت لامرئ القيس.
(3). حاك السيف حيكا: أثر وعمل.

الرابعة- التمثال على قسمين: حيوان وموات. والموات على قسمين: جماد ونام، وقد كانت الجن تصنع لسليمان جميعه، لعموم قوله:" وَتَماثِيلَ". وفي الإسرائيليات: أن التماثيل من الطير كانت على كرسي سليمان. فإن قيل: لا عموم لقوله:" وَتَماثِيلَ" فإنه إثبات في نكره، والإثبات في النكرة لا عموم له، إنما العموم في النفي في النكرة. قلنا: كذلك هو، بيد أنه قد اقترن بهذا الإثبات في النكرة ما يقتضي حمله على العموم، وهو قوله:" ما يَشاءُ" فاقتران المشيئة به يقتضي العموم له. فإن قيل: كيف استجاز الصور المنهي عنها؟ قلنا: كان ذلك جائزا في شرعه ونسخ ذلك بشرعنا كما بينا، والله أعلم. وعن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرما. الخامسة- ومقتضى الأحاديث يدل على أن الصور ممنوعة، ثم جاء (إلا ما كان رقما «1» في ثوب) فخص من جملة الصور، ثم ثبتت الكراهية فيه بقوله عليه السلام لعائشة في الثوب: (أخريه عني فإني كلما رأيته ذكرت الدنيا). ثم بهتكه «2» الثوب المصور على عائشة منع منه، ثم بقطعها له وسادتين تغيرت الصورة وخرجت عن هيئتها، فإن جواز ذلك إذا لم تكن الصورة فيه متصلة الهيئة، ولو كانت متصلة الهيئة لم يجز، لقولها في النمرقة المصورة: «3» اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها، فمنع منه وتوعد عليه. وتبين بحديث الصلاة إلى الصور أن ذلك جائز في الرقم في الثوب ثم نسخه المنع منه. فهكذا استقر الامر فيه والله أعلم، قاله ابن العربي. السادسة- روى مسلم عن عائشة قالت: كان لنا ستر فيه تمثال طائر وكان الداخل إذا دخل استقبله، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (حولي هذا فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا). قالت: وكانت لنا قطيفة كنا نقول علمها حرير، فكنا نلبسها. وعنها قالت: دخل علي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا مستترة بقرام «4» فيه صورة، فتلون وجهه،
__________
(1). الرقم: النقش والوشي. [.....]
(2). الهتك: الخرق والشق.
(3). النمرقة (بضم النون والراء وبكسرهما وبغير هاء): الوسادة.
(4). القرام: الستر الرقيق.

ثم تناول الستر فهتكه، ثم قال: (إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله عز وجل). وعنها: أنه كان لها ثوب فيه تصاوير ممدود إلى سهوة «1»، فكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي إليه فقال: (أخريه عني) قالت: فأخرته فجعلته وسادتين. قال بعض العلماء: ويمكن أن يكون تهتيكه عليه السلام الثوب وأمره بتأخيره ورعا، لان محل النبوة والرسالة الكمال. فتأمله. السابعة- قال المزني عن الشافعي: إن دعي رجل إلى عرس فرأى صورة ذات روح أو صورا ذات أرواح، لم يدخل إن كانت منصوبة. وإن كانت توطأ فلا بأس، وإن كانت صور الشجر. ولم يختلفوا أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة غير محرمة. وكذلك عندهم ما كان خرطا أو نقشا في البناء. واستثنى بعضهم (ما كان رقما في ثوب)، لحديث سهل بن حنيف. قلت: لعن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المصورين ولم يستثن. وقوله: (إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم) ولم يستثن. وفي الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الله عليه وسلم: (يخرج عنق «2» من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق يقول: إني وكلت بثلاث: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها آخر وبالمصورين) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح. وفي البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون). يدل على المنع من تصوير شي، أي شي كان. وقد قال عز وجل:" ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها" «3» [النمل: 60] على ما تقدم بيانه فأعلمه. الثامنة- وقد أستثني من هذا الباب لعب البنات، لما ثبت، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تزوجها وهي بنت سبع سنين، وزفت إليه وهي بنت تسع
__________
(1). السهوة: بيت صغير منحدر في الأرض قليلا شبيه بالمخدع والخزانة. وقيل: هو كالصفة تكون بين يدي البيت. وقيل: شبيه بالرف أو الطاق يوضع فيه الشيء.
(2). العنق: القطعة.
(3). راجع ج 13 ص 219

ولعبها معها، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة سنة. وعنها أيضا قالت: كنت ألعب بالبنات عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا دخل ينقمعن «1» منه فيسربهن «2» إلي فيلعبن معي. خرجهما مسلم. قال العلماء: وذلك للضرورة إلى ذلك وحاجة البنات حتى يتدربن على تربية أولادهن. ثم إنه لا بقاء لذلك، وكذلك ما يصنع من الحلاوة أو من العجين لا بقاء له، فرخص في ذلك، والله أعلم. قوله تعالى: (وَجِفانٍ كَالْجَوابِ) قال ابن عرفة: الجوابي جمع الجابية، وهي حفيرة كالحوض. وقال: كحياض الإبل. وقال ابن القاسم عن مالك: كالجوبة من الأرض، والمعنى متقارب. وكان يقعد على الجفنة الواحدة ألف رجل. النحاس:" وَجِفانٍ كَالْجَوابِ" الاولى أن تكون بالياء، ومن حذف الياء قال سبيل الالف واللام أن تدخل على النكرة فلا يغيرها عن حالها، فلما كان يقال جواب ودخلت الالف واللام أقر على حاله فحذف الياء. وواحد الجوابي جابية، وهي القدر العظيمة، والحوض العظيم الكبير الذي يجبى فيه الشيء أي يجمع، ومنه جبيت الخراج، وجبيت الجراد، أي جعلت الكساء فجمعته فيه. إلا أن ليثا روى عن مجاهد قال: الجوابي جمع جوبة، والجوبة الحفرة الكبيرة تكون في الجبل فيها ماء المطر. وقال الكسائي: جبوت الماء في الحوض وجبيته أي جمعته، والجابية: الحوض الذي يجبى فيه الماء للإبل، قال:
تروح على آل المحلق جفنة ... كجابية الشيخ العراقي تفهق «3»
ويروى أيضا.
نفي الذم عن آل المحلق جفنة ... كجابية السيح «4» ....
ذكره النحاس.
__________
(1). أي يتغيبن ويدخلن في بيت أو من وراء ستر حياء وهيبة له عليه السلام.
(2). أي يرسلهن ويبعثهن
(3). البيت للأعشى. والفهق: الامتلاء. وخص العراقي لجهله بالمياه لأنه حضري فذا وجدها ملا جابيته واعدها ولم يدر متى يجد المياه وأما البدوي فهو عالم بالمياه فهو لا يبالى ألا يعدها.
(4). السيح: الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض.

قوله تعالى: (وَقُدُورٍ راسِياتٍ) قال سعيد بن جبير: هي قدور النحاس تكون بفارس. وقال الضحاك: هي قدور تعمل من الجبال. غيره: قد نحتت من الجبال الصم مما عملت له الشياطين، أثافيها «1» منها منحوتة هكذا من الجبال. ومعنى" راسِياتٍ" ثوابت، لا تحمل ولا تحرك لعظمها. قال ابن العربي: وكذلك كانت قدور عبد الله بن جدعان، يصعد إليها في الجاهلية بسلم. وعنها عبر طرفة بن العبد بقوله:
كالجوابي لا تني مترعة ... لقرى الأضياف أو للمحتضر
قال ابن العربي: ورأيت برباط أبي سعيد قدور الصوفية على نحو ذلك، فإنهم يطبخون جميعا ويأكلون جميعا من غير استئثار واحد منهم على أحد. قوله تعالى: (اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) قد مضى معنى الشكر في" البقرة" «2» وغيرها. وروى أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صعد المنبر فتلا هذه الآية ثم قال: (ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود) قال فقلنا: ما هن. فقال: (العدل في الرضا والغضب. والقصد في الفقر والغنى. وخشية الله في السر والعلانية). خرجه الترمذي الحكيم أبو عبد الله عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة. وروي أن داود عليه السلام قال: (يا رب كيف أطيق شكرك على نعمك. وإلهامي وقدرتي على شكرك نعمة لك) فقال: (يا داود الآن عرفتني). وقد مضى هذا المعنى في سورة" إبراهيم" «3». وأن الشكر حقيقته الاعتراف بالنعمة للمنعم واستعمالها في طاعته، والكفران استعمالها في المعصية. وقليل من يفعل ذلك، لان الخير أقل من الشر، والطاعة أقل من المعصية، بحسب سابق التقدير. وقال مجاهد: لما قال الله تعالى" اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً" قال داود لسليمان: أن الله عز وجل قد ذكر الشكر فاكفني صلاة النهار أكفك صلاة الليل، قال: لا أقدر، قال: فاكفني- قال الفاريابي، أراه قال إلى صلاة الظهر- قال نعم، فكفاه. وقال الزهري:
__________
(1). الأثافي (جمع الأثفية): ما يوضع عليه القدر.
(2). راجع ج 1 ص 397 فما بعد.
(3). راجع ج 9 ص 343.

فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)

" اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً" أي قولوا الحمد لله. و" شُكْراً" نصب على جهة المفعول، أي اعملوا عملا هو الشكر. وكان الصلاة والصيام والعبادات كلها هي في نفسها الشكر إذ سدت مسدة، ويبين هذا قوله تعالى:" إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ" «1» [ص: 24] وهو المراد بقوله" وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ". وقد قال سفيان بن عيينة في تأويل قوله تعالى" أَنِ اشْكُرْ لِي" [لقمان: 14] أن المراد بالشكر الصلوات الخمس. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقوم من الليل حتى تفطر «2» قدماه، فقالت له عائشة رضي الله عنها: أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: (أفلا أكون عبدا شكورا). انفرد بإخراجه مسلم. فظاهر القرآن والسنة أن الشكر بعمل الأبدان دون الاقتصار على عمل اللسان، فالشكر بالأفعال عمل الأركان، والشكر بالأقوال عمل اللسان. والله أعلم. قوله تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) يحتمل أن يكون مخاطبة لآل داود، ويحتمل أن يكون مخاطبة لمحمد صلى الله الله عليه وسلم. قال ابن عطية: وعلى كل وجه ففيه تنبيه وتحريض. وسمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجلا يقول: اللهم اجعلني من القليل، فقال عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال الرجل: أردت قوله تعالى" وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ". فقال عمر رضي الله عنه: كل الناس أعلم منك يا عمر! وروي أن سليمان عليه السلام كان يأكل الشعير ويطعم أهله الخشكار «3» ويطعم المساكين الدرمك «4». وقد قيل: إنه كان يأكل الرماد ويتوسده، والأول أصح، إذ الرماد ليس بقوت. وروي أنه ما شبع قط، فقيل له في ذلك فقال: أخاف إن شبعت أن أنسى الجياع. وهذا من الشكر ومن القليل، فتأمله، والله أعلم.

[سورة سبإ (34): آية 14]
فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ (14)
__________
(1). راجع ج 15 ص 165 فما بعد. [.....]
(2). تفطر: تتشقق.
(3). الخشكار: ما خشن من الطحين (فارسية).
(4). الدرمك: دقيق الحوارى. وهو الدقيق الأبيض.

قوله تعالى: (فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ) أي فلما حكمنا على سليمان بالموت حتى صار كالأمر المفروغ منه ووقع به الموت (ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ) وذلك أنه كان متكئا على المنسأة (وهي العصا بلسان الحبشة، في قول السدي. وقيل: هي بلغة اليمن، ذكره القشيري) فمات كذلك وبقي خافي الحال إلى أن سقط ميتا لانكسار العصا لأكل الأرض إياها، فعلم موته بذلك، فكانت الأرضة دالة على موته، أي سببا لظهور موته، وكان سأل الله تعالى ألا يعلموا بموته حتى تمضي عليه سنة. واختلفوا في سبب سؤاله لذلك على قو لين: أحدهما ما قاله قتادة وغيره، قال: كانت الجن تدعي علم الغيب، فلما مات سليمان عليه السلام وخفي موته عليهم" تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ" ابن مسعود: أقام حولا والجن تعمل بين يديه حتى أكلت الأرضة منسأته فسقط. ويروى أنه لما سقط لم يعلم منذ مات، فوضعت الأرضة على العصا فأكلت منها يوما وليلة ثم حسبوا على ذلك فوجدوه قد مات منذ سنة. وقيل: كان رؤساء الجن سبعة، وكانوا منقادين لسليمان عليه السلام، وكان داود عليه السلام أسس بيت المقدس فلما مات أوصى إلى سليمان في إتمام مسجد بيت المقدس، فأمر سليمان الجن به، فلما دنا وفاته قال لأهله: لا تخبروهم بموتى حتى يتموا بناء المسجد، وكان بقي لإتمامه سنة. وفي الخبر أن ملك الموت كان صديقه فسأل عن آية موته فقال: أن تخرج من موضع سجودك شجرة يقال لها الخرنوبة، فلم يكن يوم يصبح فيه إلا تنبت في بيت المقدس شجرة فيسألها: ما اسمك؟ فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا، فيقول: ولاي شي أنت؟ فتقول: لكذا ولكذا، فيأمر بها فتقطع، ويغرسها في بستان له، ويأمر بكتب منافعها ومضارها واسمها وما تصلح له في الطب، فبينما هو يصلي ذات يوم إذا رأى شجرة نبتت بين يديه فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخرنوبة، قال: ولاي شي أنت؟ قال: لخراب هذا المسجد، فقال سليمان: ما كان الله ليخربه وأنا حي، أنت التي على وجهك هلاكي وهلاك بيت المقدس! فنزعها وغرسها في حائطه ثم قال. اللهم عم عن الجن موتي حتى تعلم الانس أن

الجن لا يعلمون الغيب. وكانت الجن تخبر أنهم يعلمون من الغيب أشياء، وأنهم يعلمون ما في غد، ثم لبس كفنه وتحنط ودخل المحراب وقام يصلي واتكأ على عصاه على كرسيه، فمات ولم تعلم الجن إلى أن مضت سنة وتم بناء المسجد. قال أبو جعفر النحاس: وهذا أحسن ما قيل في الآية، ويدل على صحته الحديث المرفوع، روى إبراهيم بن طهمان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (كان نبي الله سليمان بن دواد عليهما السلام إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه فيسألها ما اسمك؟ فإن كانت لغرس غرست وإن كانت لدواء كتبت، فبينما هو يصلي ذات يوم إذا شجرة نابتة بين يديه قال ما اسمك؟ قالت: الخرنوبة، فقال: لاي شي أنت؟ فقالت: لخراب هذا البيت، فقال: اللهم عم عن الجن موتى حتى تعلم الانس أن الجن لا يعلمون الغيب، فنحتها عصا فتوكأ عليها حولا لا يعلمون فسقطت، فعلم الانس أن الجن لا يعلمون الغيب فنظروا مقدار ذلك فوجدوه سنة. وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس" تبينت الانس أن لو كان الجن يعلمون الغيب". وقرا يعقوب في رواية رويس" تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ" غير مسمى الفاعل. ونافع وأبو عمرو" تأكل منسأته" بألف بين السين والتاء من غير همز. والباقون بهمزة مفتوحة موضع الالف، لغتان، إلا أن أبن ذكوان أسكن الهمزة تخفيفا، قال الشاعر في ترك الهمزة:
إذا دببت على المنسأة من كبر ... فقد تباعد عنك اللهو والغزل
وقال آخر فهمز وفتح:
ضربنا بمنسأة وجهه ... فصار بذاك مهينا ذليلا
وقال آخر:
أمن أجل حبل لا أباك ضربته ... بمنسأة قد جر حبلك أحبلا
وقال آخر فسكن همزها:
وقائم قد قام من تكأته ... كقومة الشيخ إلى منسأته

واصلها من: نسأت الغنم أي زجرتها وسقتها، فسميت العصا بذلك لأنه يزجر بها الشيء ويساق. وقال طرفة:
أمون كألواح الاران نسأتها ... على لاحب كأنه ظهر برجد «1»
فسكن همزها. قال النحاس: واشتقاقها يدل على أنها مهموزة، لأنها مشتقة من نسأته أي أخرته ودفعته فقيل لها منسأة لأنها يدفع بها الشيء ويؤخر. وقال مجاهد وعكرمة
: هي العصا، ثم قرأ" منسأته" أبدل من الهمزة ألفا، فإن قيل: البدل من الهمزة قبيح جدا وإنما يجوز في الشعر على بعد وشذوذ، وأبو عمرو بن العلاء لا يغيب عنه مثل هذا لا سيما واهل المدينة على هذه القراءة. فالجواب على هذا أن العرب استعملت في هذه الكلمة البدل ونطقوا بها هكذا كما يقع البدل في غير هذا ولا يقاس عليه حتى قال أبو عمور: ولست أدري ممن هو إلا أنها غير مهموزة لان ما كان مهموزا فقد يترك همزه وما لم يكن مهموزا لم يجز همزة بوجه. المهدوي: ومن قرأ بهمزة ساكنة فهو شاذ بعيد، لان هاء التأنيث لا يكون ما قبلها إلا متحركا أو ألفا، لكنه يجوز أن يكون ما سكن من المفتوح استخفافا، ويجوز أن يكون لما أبدل الهمزة ألفا على غير قياس قلب الالف همزة كما قلبوها في قولهم العالم والخاتم، وروي عن صعيد بن جبير" من" مفصولة" سأته" مهموزة مكسورة التاء، فقيل: إنه من سئة القوس في لغة من همزها، وقد روي همزسية القوس عن رؤبة. قال الجوهري: سية القوس ما عطف من طرفيها، والجمع سيات، والهاء عوض من الواو، والنسبة إليها سيوي. قال أبو عبيدة: كان رؤبة يهمز" سية القوس" وسائر العرب لا يهمزونها. وفي دابة الأرض قولان: أحدهما- أنها أرضة، قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وقد قرئ" دابة الأرض" بفتح الراء، وهو «2» جمع الأرضة، ذكره الماوردي. الثاني- أنها دابة تأكل العيدان. قال الجوهري: والأرضة (بالتحريك): دويبة تأكل الخشب، يقال: أرضت الخشبة تؤرض أرضا (بالتسكين) فهي مأروضة إذا أكلتها.
__________
(1). الأمون: التي يؤمن عثارها. والاران: تابوت الموتى. واللاحب: الطريق الواضح والبرجد: كساء مخطط
(2). في نسخ الأصل: (وهو واحد).

قوله تعالى (فَلَمَّا خَرَّ) أي سقط (تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ) قال الزجاج: أي تبينت الجن موته. وقال غيره: المعنى تبين أمر الجن، مثل:" وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ" [يوسف: 82]. وفي التفسير- بالأسانيد الصحاح عن ابن عباس قال: أقام سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام حولا لا يعلم بموته وهو متكئ على عصاه، والجن منصرفة فيما كان أمرها به، ثم سقط بعد حول، فلما خر تبينت، الانس أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين. وهذه القراءة من ابن عباس على جهة التفسير. وفي الخبر: أن الجن شكرت ذلك للأرضة فأينما كانت، يأتونها بالماء. قال السدي: والطين، ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب فإنه مما يأتيها «1» به الشياطين شكرا، وقالت: لو كنت تأكلين الطعام والشراب لاتيناك بهما. و" أَنْ" في موضع رفع على البدل من الجن، والتقدير: تبين أمر الجن، فحذف المضاف، أي تبين وظهر للانس وانكشف لهم أمر الجن أنهم لا يعلمون الغيب. وهذا بدل الاشتمال. ويجوز أن تكون في موضع نصب على تقدير حذف اللام. و(لَبِثُوا) أقاموا. و(الْعَذابِ الْمُهِينِ) السخرة والحمل والبنيان وغير ذلك. وعمر سليمان ثلاثا وخمسين سنة، ومدة ملكه أربعون سنة، فملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وابتدأ في بنيان بيت المقدس وهو ابن سبع عشره سنة. وقال السدي وغيره: كان عمر سليمان سبعا وستين ستة، وملك وهو ابن سبع عشرة سنة. وابتدأ في بنيان بيت المقدس وهو ابن عشرين سنة، وكان ملكه خمسين سنة. وحكى أن سليمان عليه السلام ابتدأ بنيان بيت المقدس في السنة الرابعة من ملكه، وقرب بعد فراغه منه أثنى عشر ألف ثور ومائة وعشرين ألف شاة، واتخذ اليوم الذي فرغ فيه من بنائه عيدا، وقام على الصخرة رافعا يديه إلى الله تعالى بالدعاء فقال: اللهم أنت وهبت لي هذا السلطان وقويتني، على بناء هذا المسجد، اللهم فأوزعني شكرك على ما أنعمت علي وتوفني على ملتك ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، اللهم إني أسألك لمن دخل هذا المسجد خمس خصال: لا يدخله مذنب دخل للتوبة إلا غفرت له وتبت عليه. ولا خائف إلا أمنته. ولا سقيم
__________
(1). في ج، ح، ك: (فإنها مما يأتيها بها).

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15)

إلا شفيته. ولا فقير إلا أغنيته. والخامسة: ألا تصرف نظرك عمن دخله حتى يخرج منه، إلا من أراد إلحادا أو ظلما، يا رب العالمين، ذكره الماوردي. قلت: وهذا أصح مما تقدم أنه لم يفرغ بناؤه إلا بعد موته بسنة، والدليل على صحة هذا ما خرجه النسائي وغيره بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أن سليمان بن داود لما بنى بيت المقدس سأل الله تعالى خلالا ثلاثة: حكما يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله تعالى ملكا لا ينبغي لاحد من بعده فأوتيه، وسأل الله تعالى حين فرغ من بنائه المسجد ألا يأتيه أحد لا ينهزه «1» إلا الصلاة فيه أن يخرج من خطيئته كيوم ولدته أمه) وقد ذكرنا هذا الحديث في" آل عمران" «2» وذكرنا بناءه في" سبحان" «3».

[سورة سبإ (34): آية 15]
لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15)
قوله تعالى: (لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ «4» آيَةٌ) قرأ نافع وغيره بالصرف والتنوين على أنه أسم حي، وهو في الأصل أسم رجل، جاء بذلك التوقيف عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. روى الترمذي قال: حدثنا أبو كريب وعبد بن حميد قالا حدثنا أبو أسامة عن الحسن بن الحكم النخعي قال حدثنا أبو سبرة النخعي عن فروة بن مسيك المرادي قال: أتيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلت: يا رسول الله، ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم، فأذن لي في قتالهم وأمرني، فلما خرجت من عنده سأل عني: (ما فعل الغطيفي) «5»؟ فأخبر أني قد سرت، قال: فأرسل في أثري فردني فأتيته وهو في نفر من أصحابه فقال: (ادع القوم فمن أسلم منهم فأقبل منه ومن لم يسلم فلا تعجل حتى أحدث إليك، قال: وأنزل في سبإ ما أنزل، فقال رجل: يا رسول الله، وما سبأ؟ أرض أو امرأة؟ قال: ليس بأرض ولا بامرأة
__________
(1). أي لا يحركه.
(2). راجع ج 4 ص (137)
(3). راجع ج 10 ص (211)
(4). (في مساكنهم) قراءة نافع وبها كان يقرأ المؤلف رحمة الله عليه.
(5). في الأصول والترمذي: (القطيفي) بالقاف بدل الغين وهو تحريف.

ولكنه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة. فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسان وعاملة. وأما الذين تيامنوا فالأزد والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار. فقال رجل: يا رسول الله وما أنمار؟ قال: (الذين منهم خثعم وبجيلة). وروي هذا عن ابن عباس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وقرا ابن كثير وأبو عمرو" لسبأ" بغير صرف، جعله اسما للقبيلة، وهو اختيار أبي عبيد، واستدل على أنه أسم قبيلة بأن بعده" في مساكنهم". النحاس: ولو كان كما قال لكان في مساكنها. وقد مضى في" النمل" «1» زيادة بيان لهذا المعنى. وقال الشاعر في الصرف:
الواردون وتيم في ذرى سبأ ... قد عض أعناقهم جلد الجواميس
وقال آخر في غير الصرف:
من سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيلها العرما
وقرا قنبل وأبو حنيفة والجحدري" لسبأ" بإسكان الهمزة." في مساكنهم" قراءة العامة على الجمع، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، لان لهم مساكن كثيرة وليس بمسكن واحد. وقرا إبراهيم وحمزة وحفص" مسكنهم" موحدا، إلا أنهم فتحوا الكاف. وقرا يحيى والأعمش والكسائي موحدا كذلك، إلا أنهم كسروا الكاف. قال النحاس: والساكن في هذا أبين، لأنه يجمع اللفظ والمعنى، فإذا قلت" مسكنهم" كان فيه تقديران: أحدهما- أن يكون واحدا يؤدي عن الجمع. والآخر- أن يكون مصدرا لا يثني ولا يجمع، كما قال الله تعالى:" خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ" «2» [البقرة: 7] فجاء بالسمع موحدا. وكذا" مَقْعَدِ صِدْقٍ" «3» [القمر: 55] و" مسكن" مثل مسجد، خارج عن القياس، ولا يوجد مثله إلا سماعا." آيَةٌ" اسم كان، أي علامة دالة على قدرة الله تعالى على أن لهم خالقا خلقهم، وأن كل الخلائق لو اجتمعوا على أن يخرجوا من الخشبة ثمرة لم يمكنهم ذلك، ولم يهتدوا إلى اختلاف أجناس الثمار وألوانها وطعومها وروائحها وأزهارها، وفي ذلك ما يدل على أنها لا تكون إلا من عالم قادر. (جَنَّتانِ) يجوز
__________
(1). راجع ج 13 ص (181)
(2). راجع ج 1 ص (185)
(3). راجع ج 17 ص 149 [.....]

أن يكون بدلا من" آيَةٌ"، ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف، فوقف على هذا الوجه على" آيَةٌ" وليس بتمام. قال الزجاج: أي الآية جنتان، فجنتان رفع لأنه خبر ابتداء محذوف. وقال الفراء: رفع تفسيرا للآية، ويجوز أن تنصب" آية" على أنها خبر كان، ويجوز أن تنصب الجنتين على الخبر أيضا في غير القرآن. وقال عبد الرحمن بن زيد: إن الآية التي كانت لأهل سبأ في مساكنهم أنهم لم يروا فيها بعوضة قط ولا ذبابا ولا برغوثا ولا قملة ولا عقربا ولا حية ولا غيرها من الهوام، وإذا جاءهم الركب في ثيابهم القمل والدواب فإذا نظروا إلى بيوتهم ماتت الدواب. وقيل: إن الآية هي الجنتان، كانت المرأة تمشي فيهما وعلى رأسها مكتل «1» فيمتلئ من أنواع الفواكه من غير أن تمسها بيدها، قاله قتادة. وروى أن الجنتين كانتا بين جبلين باليمن. قال سفيان: وجد فيهما قصران مكتوب على أحدهما: نحن بنينا سلحين في سبعين خريفا دائبين، وعلى الآخر مكتوب: نحن بنينا صرواح، مقيل ومراح، فكانت إحدى الجنتين عن يمين الوادي والأخرى عن شماله. قال القشيري: ولم يرد جنتين اثنتين بل أراد من الجنتين يمنة ويسرة، أي كانت بلادهم ذات بساتين وأشجار وثمار، تستتر الناس بظلالها." كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ" أي قيل لهم كلوا، ولم يكن ثم أمر، ولكنهم تمكنوا من تلك النعم. وقيل: أي قالت الرسل لهم قد أباح الله تعالى لهم ذلك، أي أباح لكم هذه النعم فاشكروه بالطاعة. (مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ) أي من ثمار الجنتين. (وَاشْكُرُوا لَهُ) يعني على ما رزقكم. (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ) هذا كلام مستأنف، أي هذه بلدة طيبة أي كثيرة الثمار. وقيل: غير سبخة. وقيل: طيبة ليس فيها هوام لطيب هوائها. قال مجاهد: هي صنعاء. (وَرَبٌّ غَفُورٌ) أي والمنعم بها عليكم رب غفور يستر ذنوبكم، فجمع لهم بين مغفرة ذنوبهم وطيب بلدهم ولم يجمع ذلك لجميع خلقه. وقيل: إنما ذكر المغفرة مشيرا إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام. وقد مضى القول في هذا في أول" البقرة" «2». وقيل: إنما امتن عليهم بعفوه عن عذاب الاستئصال بتكذيب من كذبوه من سالف الأنبياء إلى أن استداموا الإصرار فاستؤصلوا.
__________
(1). المكتل: شبه الزنبيل.
(2). راجع ج 1 ص 177

فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16)

[سورة سبإ (34): آية 16]
فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْ ءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16)
قوله تعالى: (فَأَعْرَضُوا) يعني عن أمره واتباع رسله بعد أن كانوا مسلمين. قال السدي ووهب: بعث إلى أهل سبأ ثلاثة عشر نبيا فكذبوهم. قال القشيري: وكان لهم رئيس يلقب بالحمار، وكانوا في زمن الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم. وقيل: كان له ولد فمات فرفع رأسه إلى السماء فبزق وكفر، ولهذا يقال: أكفر من حمار. وقال الجوهري: وقولهم" أكفر من حمار" هو رجل من عاد مات له أولاد فكفر كفرا عظيما، فلا يمر بأرضه أحد إلا دعاه إلى الكفر، فإن أجابه وإلا قتله. ثم لما سال السيل بجنتيهم تفرقوا في البلاد، على ما يأتي بيانه. ولهذا قيل في المثل:" تفرقوا أيادي سبا". وقيل: الأوس والخزرج منهم. (فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ) والعرم فيما روي عن ابن عباس: السد فالتقدير: سيل السد العرم. وقال عطاء: العرم اسم الوادي. قتادة: العرم وادي سبأ، كانت تجتمع إليه مسايل من الأودية، قيل من البحر وأودية اليمن، فردموا ردما بين جبلين وجعلوا في ذلك الردم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض، فكانوا يسقون من الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث على قدر حاجاتهم، فأخصبوا وكثرت أموالهم، فلما كذبوا الرسل سلط الله عليهم الفأر فنقب الردم. قال وهب: كانوا يزعمون أنهم يجدون في علمهم وكهانتهم أنه يخرب سدهم فأرة فلم يتركوا فرجة بين صخرتين إلا ربطوا إلى جانبها هرة، فلما جاء ما أراد الله تعالى بهم أقبلت فأرة حمراء إلى بعض تلك الهرر فساورتها حتى استأخرت عن الصخرة ثم وثبت ودخلت في الفرجة التي كانت عندها ونقبت السد حتى أوهنته للسيل وهم لا يدرون، فلما جاء السيل دخل تلك الخلل حتى بلغ السد وفاض الماء على أموالهم فغرقها ودفن بيوتهم. وقال الزجاج: العرم اسم الجرذ الذي نقب السكر عليهم، وهو الذي يقال له الخلد- وقاله قتادة أيضا- فنسب السيل إليه لأنه بسببه. وقد قال ابن الاعرابي أيضا: العرم من

أسماء الفأر. وقال مجاهد وابن أبي نجيح: العرم ماء أحمر أرسله الله تعالى في السد فشقه وهدمه. وعن ابن عباس أيضا أن العرم المطر الشديد. وقيل العرم بسكون الراء. وعن الضحاك كانوا في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام. وقال عمرو بن شرحبيل: العرم المسناة، وقاله الجوهري، قال: ولا واحد لها من لفظها، ويقال واحدها عرمة. وقال محمد بن يزيد: العرم كل شي حاجز بين شيئين، وهو الذي يسمى السكر، وهو جمع عرمة. النحاس: وما يجتمع من مطر بين جبلين وفي وجهه مسناة فهو العرم، والمسناة هي التي يسميها أهل مصر الجسر «1»، فكانوا يفتحونها إذا شاءوا فإذا رويت جنتاهم سدوها. قال الهروي: المسناة الضفيرة تبني للسيل ترده، سميت مسناة لان فيها مفاتح الماء. وروي أن العرم سد بنته بلقيس صاحبة سليمان عليه الصلاة والسلام، وهو المسناة بلغة حمير، بنته بالصخر والقار، وجعلت له أبوابا ثلاثة ببعضها فوق بعض، وهو مشتق من العرامة وهي الشدة، ومنه: رجل عارم، أي شديد، وعرمت العظم أعرمه وأعرمه عرما إذا عرقته، وكذلك عرمت الإبل الشجر أي نالت منه. والعرام بالضم: العراق من العظم والشجر. وتعرمت العظم تعرقته. وصبي عارم بين العرام (بالضم) أي شرس. وقد عرم يعرم ويعرم عرامة (بالفتح). والعرم العارم، عن الجوهري. قوله تعالى: (وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ) وقرا أبو عمرو (أكل خمط) بغير تنوين مضافا. قال أهل التفسير والخليل: الخمط الأراك. الجوهري: الخمط ضرب من الأراك له حمل يؤكل. وقال أبو عبيدة: هو كل شجر ذي شوك فيه مرارة. الزجاج: كل نبت فيه مرارة لا يمكن أكله. المبرد: الخمط كل ما تغير إلى ما لا يشتهي. واللبن خمط إذا حمض. والاولى عنده في القراءة" ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ" بالتنوين على أنه نعت ل"- أُكُلٍ" أو بدل منه، لان الأكل هو الخمط بعينه عنده، فأما الإضافة فباب جوازها أن يكون
__________
(1). في ج: (الحبس) والحبس (بكسر الحاء): حجارة أو خشب تبنى في مجرى الماء لتحبسه كي يشرب القوم ويسقوا أموالهم والجمع أحباس.

تقديرها ذواتي أكل حموضة أو أكل مرارة. وقال الأخفش: والإضافة أحسن في كلام العرب، نحو قولهم: ثوب خز والخمط: اللبن الحامض وذكر أبو عبيد أن اللبن إذا ذهب عنه حلاوة الحلب ولم يتغير طعمه فهو سامط، وإن أخذ شيئا من الريح فهو خامط وخميط، فإن أخذ شيئا من طعم فهو ممحل، فإذا كان فيه طعم الحلاوة فهو فوهة «1». وتخمط الفحل: هدر. وتخمط فلان أي غضب وتكبر. وتخمط البحر أي التطم. وخمطت الشاة أخمطها خمطا: إذا نزعت جلدها وشويتها فهي [خميط، فإن نزعت شعرها وشويتها فهي «2»] سميط. والخمطة: الخمر التي قد أخذت ريح الإدراك كريح التفاح ولم تدرك بعد. ويقال هي الحامضة، قاله الجوهري. وقال القتبي في أدب الكاتب. يقال للحامضة خمطة، ويقال: الخمطة التي قد أخذت شيئا من الريح، وأنشد:
عقار كماء الني ليست بخمطة ... ولا خلة يكوي الشروب شهابها «3»
(وَأَثْلٍ) قال الفراء: هو شبيه بالطرفاء إلا أنه أعظم منه طولا، ومنه اتخذ منبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وللأثل أصول غليظة يتخذ منه الأبواب، وورقه كورق الطرفاء، الواحدة أثلة والجمع أثلاث. وقال الحسن: الأثل الخشب. قتادة: هو ضرب من الخشب يشبه الطرفاء رأيته بفيد. وقيل هو السمر. وقال أبو عبيدة: هو شجر النضار. [النضار: الذهب. والنضار: خشب يعمل منه قصاع، ومنه: قدح نضار «4»]. (وَشَيْ ءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ) قال الفراء: هو السمر، ذكره النحاس. وقال الأزهري: السدر من الشجر سدران: بري لا ينتفع به ولا يصلح ورقه للغسول وله ثمر عفص لا يؤكل، وهو الذي يسمى الضال. والثاني- سدر ينبت على الماء وثمره النبق وورقه غسول يشبه شجر العناب. قال قتادة: بينما شجر القوم من خير شجر إذ صيره الله تعالى من شر الشجر بأعمالهم، فأهلك أشجارهم المثمرة
__________
(1). في المخصص لابن سيده: (.. فهو قوهة صاحب العين: فوهة بالفاء). وفي كتب اللغة (القوهة بالضم): اللبن تغير قليلا وفيه حلاوة. والفوهة (كقبرة: اللبن فيه طعم الحلاوة.
(2). ما بين المربعين ساقط من نسخ الأصل. وهو من كتب اللغة.
(3). الخلة: التي جاوزت القدر فخرجت من حال الخمر إلى حال الحموضة والخل. والشروب: الندامى. يقول: هي في لون اللحم الني.
(4). ما بين المربعين ساقط من ش.

ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)

وأنبت بدلها الأراك والطرفاء والسدر. القشيري: وأشجار البوادي لا تسمى جنة وبستانا ولكن لما وقعت الثانية في مقابلة الاولى أطلق لفظ الجنة، وهو كقوله تعالى:" وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها" «1» [الشورى: 40]. ويحتمل أن يرجع قوله" قَلِيلٍ" إلى جملة ما ذكر من الخمط والأثل والسدر.

[سورة سبإ (34): آية 17]
ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (17)
قوله تعالى: (ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا) أي هذا التبديل جزاء كفرهم. وموضع" ذلِكَ" نصب، أي جزيناهم ذلك بكفرهم. (وهل يجازى إلا الكفور) قراءة العامة" يجازي" بياء مضمومة وزاي مفتوحة،" الكفور" رفعا على ما لم يسم فاعله. وقرا يعقوب وحفص وحمزة والكسائي:" نُجازِي" بالنون وكسر الزاي،" الْكَفُورَ" بالنصب، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، قالا: لان قبله" جَزَيْناهُمْ" ولم يقل جوزوا. النحاس: والامر في هذا واسع، والمعنى فيه بين، ولو قال قائل: خلق الله تعالى آدم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من طين، وقال آخر: خلق آدم من طين، لكان المعنى واحدا. مسألة- في هذه الآية سؤال ليس في هذه السورة أشد منه، وهو أن يقال: لم خص الله تعالى المجازاة بالكفور ولم يذكر أصحاب المعاصي؟ فتكلم العلماء في هذا، فقال قوم: ليس يجازى بهذا الجزاء الذي هو الاصطلام «2» والإهلاك إلا من كفر. وقال مجاهد: يجازى بمعنى يعاقب، وذلك أن المؤمن يكفر الله تعالى عنه سيئاته، والكافر يجازى بكل سوء عمله، فالمؤمن يجزى ولا يجازى لأنه يثاب «3». وقال طاوس: هو المناقشة في الحساب، وأما المؤمن فلا يناقش الحساب. وقال قطرب خلاف هذا، فجهلها في أهل المعاصي غير الكفار، وقال: المعنى على من كفر بالنعم وعمل بالكبائر. النحاس: وأولى ما قيل في هذه الآية وأجل ما روي فيها: أن الحسن قال مثلا بمثل. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
__________
(1). راجع ج 16 ص 38 فما بعد
(2). الاصطلام: الاستئصال.
(3). في نسخ الأصل: (لا يثاب).

وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18)

يقول: (من حوسب هلك) فقلت: يا نبي الله، فأين قوله عز وجل:" فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً" «1» [الانشقاق: 8]؟ قال: (إنما ذلك العرض ومن نوقش الحساب هلك). وهذا إسناد صحيح، وشرحه: أن الكافر يكافأ على أعماله ويحاسب عليها ويحبط ما عمل من خير، ويبين هذا قوله تعالى في الأول:" ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا" وفي الثاني: وهل يجازى إلا الكفور" ومعنى" يجازى": يكافأ بكل عمل عمله، ومعنى" جَزَيْناهُمْ". وفيناهم، فهذا حقيقة اللغة، وإن كان" جازى" يقع بمعنى" جزى". مجازا.

[سورة سبإ (34): آية 18]
وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ (18)
قوله تعالى: (وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً) قال الحسن: يعني بين اليمن والشام. والقرى التي بورك فيها: الشام والأردن وفلسطين. والبركة: قيل إنها كانت أربعة آلاف وسبعمائة قرية بورك فيها بالشجر والثمر والماء. ويحتمل أن يكون" بارَكْنا فِيها" بكثرة العدد. (قُرىً ظاهِرَةً) قال ابن عباس: يريد بين المدينة والشام. وقال قتادة: معنى" ظاهِرَةً": متصلة على طريق، يغدون فيقيلون في قرية ويروحون فيبيتون في قرية. وقيل: كان على كل ميل قرية بسوق، وهو سبب أمن الطريق. قال الحسن: كانت المرأة تخرج معها مغزلها وعلى رأسها مكتلها ثم تلتهي بمغزلها فلا تأتي بيتها حتى يمتلئ مكتلها من كل الثمار، فكان ما بين الشام واليمن كذلك. وقيل" ظاهِرَةً" أي مرتفعة، قاله المبرد. وقيل: إنما قيل لها" ظاهِرَةً" لظهورها، أي إذا خرجت عن هذه ظهرت لك الأخرى، فكانت قرى ظاهرة أي معروفة، يقال: هذا أمر ظاهر أي معروف. (وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ) أي جعلنا السير بين قراهم وبين القرى التي باركنا فيها سيرا مقدرا من منزل إلى منزل، ومن قرية إلى قرية، أي جعلنا بين كل قريتين نصف يوم حتى يكون المقيل في قرية والمبيت في قرية أخرى. وإنما يبالغ الإنسان في السير لعدم الزاد والماء
__________
(1). راجع ج 19 ص 270.

فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19)

ولخوف الطريق، فإذا وجد الزاد والأمن لم يحمل على نفسه المشقة ونزل أينما أراد. (سِيرُوا فِيها) أي وقلنا لهم سيروا فيها، أي في هذه المسافة فهو أمر تمكين، أي كانوا يسيرون فيها إلى مقاصدهم إذا أرادوا آمنين، فهو أمر بمعنى الخبر، وفية إضمار القول. (لَيالِيَ وَأَيَّاماً) ظرفان" آمِنِينَ" نصب على الحال. وقال:" لَيالِيَ وَأَيَّاماً" بلفظ النكرة تنبيها على قصر أسفارهم، أي كانوا لا يحتاجون إلى طول السفر لوجود ما يحتاجون إليه. قال قتادة: كانوا يسيرون غير خائفين ولا جياع ولا ظماء، وكانوا يسيرون مسيرة أربعة أشهر في أمان لا يحرك بعضهم بعضا، ولو لقي الرجل قاتل أبيه لا يحركه.

[سورة سبإ (34): آية 19]
فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19)
قوله تعالى: (فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا) لما بطروا وطغوا وسئموا الراحة ولم يصبروا على العافية تمنوا طول الاسفار والكدح في المعيشة، كقول بني إسرائيل:" فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها" «1» [البقرة: 61] الآية. وكالنضر بن الحارث حين قال:" اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ" «2» [الأنفال: 32] فأجابه الله تبارك وتعالى، وقتل يوم بدر بالسيف صبرا «3»، فكذلك هؤلاء تبددوا في الدنيا ومزقوا كل ممزق، وجعل بينهم وبين الشام فلوات ومفاوز يركبون فيها الرواحل ويتزودون الأزواد. وقراءة العامة" رَبَّنا" بالنصب على أنه نداء مضاف، وهو منصوب لأنه مفعول به، لان معناه: ناديت ودعوت." باعِدْ" سألوا المباعدة في أسفارهم. وقرا أبن كثير وأبو عمرو وابن محيصن وهشام عن ابن عامر:" رَبَّنا" كذلك على الدعاء" بعد" من التبعيد. النحاس: وباعد وبعد واحد في المعنى، كما تقول: قارب وقرب. وقرا أبو صالح ومحمد بن الحنفية وأبو العالية ونصر بن عاصم
__________ (1). راجع ج 1 ص 422 فما بعد.
(2). راجع ج 8 ص (398)
(3). يقال للرجل إذا شدت يداه ورجلاه أو أمسكه رجل آخر حتى يضرب عنقه أو حبس على القتل حتى يقتل: قتل صبرا. [.....]

وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20)

ويعقوب، ويروى عن ابن عباس:" رَبَّنا" رفعا" باعد" بفتح العين والدال على الخبر، تقديره: لقد باعد ربنا بين أسفارنا، كأن الله تعالى يقول: قربنا لهم أسفارهم فقالوا أشرا وبطرا: لقد بوعدت علينا أسفارنا. واختار هذه القراءة أبو حاتم قال: لأنهم ما طلبوا التبعيد إنما طلبوا أقرب من ذلك القرب بطرا وعجبا مع كفرهم. وقراءة يحيى بن يعمر وعيسى بن عمر وتروى عن ابن عباس" ربنا بعد بين أسفارنا" بشد العين من غير ألف، وفسرها ابن عباس قال: شكوا أن ربهم باعد بين أسفارهم. وقراءة سعيد بن أبي الحسن أخى الحسن البصري" ربنا بعد بين أسفارنا." رَبَّنا" نداء مضاف، ثم أخبروا بعد ذلك فقالوا:" بعد بين أسفارنا" ورفع" بين" بالفعل، أي، بعد ما يتصل بأسفارنا. وروى الفراء وأبو إسحاق قراءة سادسة مثل التي قبلها في ضم العين إلا أنك تنصب" بين" على ظرف، وتقديره في العربية: بعد سيرنا بين أسفارنا. النحاس: وهذه القراءات إذا اختلفت معانيها لم يجز أن يقال إحداها أجود من الأخرى، كما لا يقال ذلك في أخبار الآحاد إذا اختلفت معانيها، ولكن خبر عنهم أنهم دعوا ربهم أن يبعد بين أسفارهم بطرا وأشرا، وخبر عنهم أنهم لما فعل ذلك بهم خبروا به وشكوا، كما قال ابن عباس. (وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) أي بكفرهم (فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ) أي يتحدث بأخبارهم، وتقديره في العربية: ذوي أحاديث. (وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) أي لما لحقهم ما لحقهم تفرقوا وتمزقوا. قال الشعبي: فلحقت الأنصار بيثرب، وغسان بالشام، والأسد بعمان، وخزاعة بتهامة، وكانت العرب تضرب بهم المثل فتقول: تفرقوا أيدي سبا وأيادي سبأ، أي مذاهب سبأ وطرقها. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) الصبار الذي يصبر عن المعاصي، وهو تكثير صابر يمدح بهذا الاسم. فإن أردت أنه صبر عن المعصية لم يستعمل فيه إلا" صَبَّارٍ" عن كذا." شَكُورٍ" لنعمه، وقد مضى هذا المعنى في" البقرة" «1».

[سورة سبإ (34): آية 20]
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20)
__________
(1). راجع ج 1 ص 371 و397

قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ) فيه أربع قراءات: قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وأبو عمرو وابن كثير وابن عامر ويروى عن مجاهد،" ولقد صدق عليهم" بالتخفيف" إِبْلِيسُ" بالرفع" ظَنَّهُ" بالنصب، أي في ظنه. قال الزجاج: وهو على المصدر أي صدق عليهم ظنا ظنه إذ صدق في ظنه، فنصب على المصدر أو على الظرف. وقال أبو علي:" ظَنَّهُ" نصب لأنه مفعول به، أي صدق الظن الذي ظنه إذ قال:" لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ" «1» [الأعراف: 16] وقال:" لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ" «2» [الحجر: 39]، ويجوز تعدية الصدق إلى المفعول به، ويقال: صدق الحديث، أي في الحديث. وقرا ابن عباس ويحيى بن وثاب والأعمش وعاصم وحمزة والكسائي:" صدق" بالتشديد" ظَنَّهُ" بالنصب بوقوع الفعل عليه. قال مجاهد: ظن ظنا فكان كما ظن فصدق ظنه. وقرا جعفر بن محمد وأبو الهجهاج «3»" صدق عليهم" بالتخفيف" إبليس" بالنصب" ظنه" بالرفع. قال أبو حاتم: لا وجه لهذه القراءة عندي، والله تعالى أعلم. وقد أجاز هذه القراءة الفراء وذكرها الزجاج وجعل الظن فاعل" صَدَّقَ"" إبليس" مفعول به، والمعنى: أن إبليس سول له ظنه فيهم شيئا فصدق ظنه، فكأنه قال: ولقد صدق عليهم ظن إبليس. و" علي" متعلقة ب" صَدَّقَ"، كما تقول: صدقت عليك فيما ظننته بك، ولا تتعلق بالظن لاستحالة تقدم شي من الصلة على الموصول. والقراءة الرابعة:" وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ" برفع إبليس والظن، مع التخفيف في" صَدَّقَ" على أن يكون ظنه بدلا من إبليس وهو بدل الاشتمال. ثم قيل: هذا في أهل سبأ، أي كفروا وغيروا وبدلوا بعد أن كانوا مسلمين إلا قوما منهم آمنوا برسلهم. وقيل: هذا عام، أي صدق إبليس ظنه على الناس كلهم إلا من أطاع الله تعالى، قاله مجاهد. وقال الحسن: لما أهبط آدم عليه السلام من الجنة ومعه حواء وهبط إبليس قال إبليس: أما إذ أصبت من الأبوين ما أصبت فالذرية أضعف وأضعف! فكان ذلك ظنا من إبليس، فأنزل الله تعالى:" وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ". وقال ابن عباس: إن إبليس قال: خلقت من نار وخلق آدم من طين
__________
(1). راجع ج 7 ص (174)
(2). راجع ج 10 ص (27)
(3). كذا في نسخ الأصل وكتاب إعراب القرآن للنحاس. وفي روح المعاني والبحر المحيط: (أبو الجهجاء).

وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21)

والنار تحرق كل شي" لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ «1» إِلَّا قَلِيلًا" [الاسراء: 62] فصدق ظنه عليهم. وقال زيد بن أسلم: إن إبليس قال يا رب أرأيت هؤلاء الذين كرمتهم وشرفتهم وفضلتهم علي لا تجد أكثرهم شاكرين، ظنا منه فصدق عليهم إبليس ظنه. وقال الكلبي: إنه ظن أنه إن أغواهم أجابوه وإن أضلهم أطاعوه، فصدق ظنه." فَاتَّبَعُوهُ" قال الحسن: ما ضربهم بسوط ولا بعصا وإنما ظن ظنا فكان كما ظن بوسوسته. (إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) نصب على الاستثناء، وفية قولان: أحدهما أنه يراد به بعض المؤمنين، لان كثيرا من المؤمنين من يذنب وينقاد لإبليس في بعض المعاصي، أي ما سلم من المؤمنين أيضا إلا فريق وهو المعنى بقوله تعالى:" إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ" «2» [الحجر: 42]. فأما ابن عباس فعنه أنه قال: هم المؤمنون كلهم، ف"- مِنَ" على هذا للتبيين لا للتبعيض، فإن قيل: كيف علم إبليس صدق ظنه وهو لا يعلم الغيب؟ قيل له: لما نفذ له في آدم ما نفذ غلب على ظنه أنه ينفذ له مثل ذلك في ذريته، وقد وقع له تحقيق ما ظن. وجواب آخر وهو ما أجيب من قوله تعالى" وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ" «3» [الاسراء: 64] فأعطي القوة والاستطاعة، فظن أنه يملكهم كلهم بذلك، فلما رأى أنه تاب على آدم وأنه سيكون له نسل يتبعونه إلى الجنة وقال:" إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ" [الحجر: 42] علم أن له تبعا ولآدم تبعا، فظن أن تبعه أكثر من تبع آدم، لما وضع في يديه من سلطان الشهوات، ووضعت الشهوات في أجواف الآدميين، فخرج على ما ظن حيث نفخ فيهم وزين في أعينهم تلك الشهوات، ومدهم إليها بالأماني والخدائع، فصدق عليهم الظن الذي ظنه، والله أعلم.

[سورة سبإ (34): آية 21]
وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21)
قوله تعالى: (وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ) أي لم يقهرهم إبليس على الكفر، وإنما كان منه الدعاء والتزيين. والسلطان: القوة. وقيل الحجة، أي لم تكن له حجة يستتبعهم
__________
(1). راجع ج 10 ص 287 فما بعد
(2). راجع ج 10 ص 287 فما بعد
(3). راجع ج 10 ص 28

قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22)

بها، وإنما اتبعوه بشهوة وتقليد وهوى نفس، لا عن حجة ودليل. (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ) يريد علم الشهادة الذي يقع به الثواب والعقاب، فأما الغيب فقد علمه تبارك وتعالى. ومذهب الفراء أن يكون المعنى: إلا لنعلم ذلك عندكم، كما قال:" أَيْنَ شُرَكائِيَ" «1» [النحل: 27]، على قولكم وعندكم، وليس قوله:" إِلَّا لِنَعْلَمَ" جواب" وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ" في ظاهره إنما هو محمول على المعنى، أي وما جعلنا له سلطانا إلا لنعلم، فالاستثناء منقطع، أي لا سلطان له عليهم ولكنا ابتليناهم بوسوسته لنعلم، ف"- إِلَّا" بمعنى لكن. وقيل هو متصل، أي ما كان له عليهم من سلطان، غير أنا سلطناه عليهم ليتم الابتلاء. وقيل:" كانَ" زائدة، أي وما له عليهم من سلطان، كقوله:" كُنْتُمْ خَيْرَ «2» أُمَّةٍ" [آل عمران: 110] أي أنتم خير أمة. وقيل: لما اتصل طرف منه بقصة سبأ قال: وما كان لإبليس على أولئك الكفار من سلطان. وقيل: وما كان له في قضائنا السابق سلطان عليهم. وقيل:" إِلَّا لِنَعْلَمَ" إلا لنظهر، وهو كما تقول: النار تحرق الحطب، فيقول آخر لا بل الحطب يحرق النار، فيقول الأول تعال حتى نجرب النار والحطب لنعلم أيهما يحرق صاحبه، أي لنظهر ذلك وإن كان معلوما لهم ذلك. وقيل: إلا لتعلموا أنتم. وقيل: أي ليعلم أولياؤنا والملائكة، كقوله:" إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ" «3» [المائدة: 33] أي يحاربون أولياء الله ورسوله. وقيل: أي ليميز، كقوله:" لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ" [الأنفال: 37] وقد مضى هذا المعنى في" البقرة" «4» وغيرها. وقرا الزهري" إلا ليعلم" على ما لم يسم فاعله. (وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) أي أنه عالم بكل شي. وقيل: يحفظ كل شي على العبد حتى يجازيه عليه.

[سورة سبإ (34): آية 22]
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22)
__________
(1). راجع ج 10 ص 98.
(2). راجع ج 4 ص 170.
(3). راجع ج 6 ص 147 فما بعد.
(4). راجع ج 2 ص 156 فما بعد.

وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (23)

قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي هذا الذي مضى ذكره من أمر داود وسليمان وقصة سبأ من آثار قدرتي، فقل يا محمد لهؤلاء المشركين هل عند شركائكم قدرة على شي من ذلك. وهذا خطاب توبيخ، وفية إضمار: أي ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة لكم من دون الله لتنفعكم أو لتدفع عنكم ما قضاه الله تبارك وتعالى عليكم، فإنهم لا يملكون ذلك، و(لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) أي ما لله من هؤلاء من معين على خلق شي، بل الله المنفرد بالإيجاد، فهو الذي يعبد، وعبادة غيره محال.

[سورة سبإ (34): آية 23]
وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (23)
قوله تعالى: (وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ) أي شفاعة الملائكة وغيرهم. (عِنْدَهُ) أي عند الله. (إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) قراءة العامة" أَذِنَ" بفتح الهمزة، لذكر الله تعالى أولا. وقرا أبو عمرو وحمزة والكسائي" أذن" بضم الهمزة على ما لم يسم فاعله. والآذن هو الله تعالى. و" من يجوز أن ترجع إلى الشافعين، ويجوز أن ترجع إلى المشفوع لهم. (حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) قال ابن عباس: خلي عن قلوبهم الفزع. قطرب: أخرج ما فيها من الخوف. مجاهد: كشف عن قلوبهم الغطاء يوم القيامة، أي إن الشفاعة لا تكون من أحد هؤلاء المعبودين من دون الله من الملائكة والأنبياء والأصنام، إلا أن الله تعالى يأذن للأنبياء والملائكة في الشفاعة وهم على غاية الفزع من الله، كما قال:" وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ" «1» [الأنبياء: 28] والمعنى: أنه إذا أذن لهم في الشفاعة وورد عليهم كلام الله فزعوا، لما يقترن بتلك الحال من الامر الهائل والخوف أن يقع في تنفيذ ما أذن لهم فيه تقصير، فإذا سرى عنهم قالوا للملائكة فوقهم وهم الذين يوردون عليهم الوحي بالاذن: (ماذا قالَ رَبُّكُمْ) أي ماذا أمر الله به، فيقولون لهم: (قالُوا الْحَقَّ) هو أنه أذن لكم في الشفاعة للمؤمنين. (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) فله أن يحكم في عباده بما
__________
(1). راجع ج 11 ص 281.

يريد. ثم يجوز أن يكون هذا إذنا لهم في الدنيا في شفاعة أقوام، ويجوز أن يكون في الآخرة. وفي الكلام إضمار، أي ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ففزع لما ورد عليه من الاذن تهيبا لكلام الله تعالى، حتى إذا ذهب الفزع عن قلوبهم أجاب بالانقياد. وقيل: هذا الفزع يكون اليوم للملائكة في كل أمر يأمر به الرب تعالى، أي لا تنفع الشفاعة إلا من الملائكة الذين هم اليوم فزعون، مطيعون لله تعالى دون الجمادات والشياطين. وفي صحيح الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إذا قضى الله في السماء أمرا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنها سلسلة على صفوان «1» فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير- قال- والشياطين بعضهم فوق بعض) قال: حديث حسن صحيح. وقال النواس بن سمعان قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن الله إذا أراد أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة أو رعدة شديدة خوفا من الله تعالى فإذا سمع أهل السماوات ذلك صعقوا وخروا لله تعالى سجدا فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله تعالى ويقول له من وحيه ما أراد ثم يمر جبريل بالملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل فيقول جبريل قال الحق وهو العلى الكبير- قال- فيقول كلهم كما قال جبريل فينتهي جبريل بالوحي حيث أمره الله تعالى (. وذكر البيهقي عن ابن عباس في قوله تعالى:" حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ" قال: كان لكل قبيل من الجن مقعد من السماء يستمعون منه الوحي، وكان إذا نزل الوحي سمع له صوت كإمرار السلسلة على الصفوان، فلا ينزل على أهل سماء إلا صعقوا فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير، ثم يقول يكون العام كذا ويكون كذا فتسمعه الجن فيخبرون به الكهنة والكهنة الناس [يقولون ] يكون العام كذا وكذا فيجدونه كذلك، فلما بعث الله محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دحروا بالشهب فقالت العرب حين لم تخبرهم الجن بذلك: هلك من في السماء، فجعل صاحب الإبل ينحر كل يوم بعيرا، وصاحب البقر ينحر كل يوم بقرة،
__________
(1). الصفوان: الصخر الأملس.

وصاحب الغنم ينحر كل يوم شاة، حتى أسرعوا في أموالهم فقالت ثقيف وكانت أعقل العرب: أيها الناس! أمسكوا على أموالكم، فإنه لم يمت من في السماء، وإن هذا ليس بانتثار، ألستم ترون معالمكم من النجوم كما هي والشمس والقمر والليل والنهار! قال فقال إبليس: لقد حدث في الأرض اليوم حدث، فأتوني من تربة كل أرض فأتوه بها، فجعل يشمها فلما شم تربة مكة قال من هاهنا جاء الحدث، فنصتوا فإذا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد بعث. وقد مضى هذا المعنى مرفوعا مختصرا في سورة" الحجر" «1»، ومعنى القول أيضا في رميهم بالشهب وإحراقهم بها، ويأتي في سورة" الجن" «2» بيان ذلك إن شاء الله تعالى. وقيل: إنما يفزعون من قيام الساعة. وقال الكلبي وكعب: كان بين عيسى ومحمد عليهما السلام فترة خمسمائة وخمسون سنة لا يجئ فيها الرسل، فلما بعث الله تعالى محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلم الله تعالى جبريل بالرسالة، فلما سمعت الملائكة الكلام ظنوا أنها الساعة قد قامت، فصعقوا مما سمعوا، فلما انحدر جبريل عليه السلام جعل يمر بكل سماء فيكشف عنهم فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض ماذا قال ربكم فلم يدروا ما قال ولكنهم قالوا قال الحق وهو العلي الكبير، وذلك أن محمدا عليه السلام عند أهل السماوات من أشراط الساعة. وقال الضحاك: إن الملائكة المعقبات الذين يختلفون إلى أهل الأرض يكتبون أعمالهم، يرسلهم الرب تبارك وتعالى، فإذا انحدروا سمع لهم صوت شديد فيحسب الذين هم أسفل من الملائكة أنه من أمر الساعة، فيخرون سجدا ويصعقون حتى يعلموا أنه ليس من أمر الساعة. وهذا تنبيه من الله تعالى وإخبار أن الملائكة مع اصطفائهم ورفعتهم لا يمكن أن يشفعوا لاحد حتى يؤذن لهم، فإذا أذن لهم وسمعوا صعقوا، وكان هذه حالهم، فكيف تشفع الأصنام أو كيف تؤملون أنتم الشفاعة ولا تعترفون بالقيامة. وقال الحسن وابن زيد ومجاهد: حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين. قال الحسن ومجاهد وابن زيد: في الآخرة عند نزول الموت، إقامة للحجة عليهم قالت الملائكة لهم: ماذا قال ربكم في الدنيا قالوا الحق وهو العلي الكبير، فأقروا
__________
(1). راجع ج 10 ص 10. [.....]
(2). راجع ج 19 ص 10 فما بعد.

قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24)

حين لا ينفعهم الإقرار، أي قالوا قال الحق. وقراءة العامة" فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ". وقرا ابن عباس" فزع عن قلوبهم" مسمى الفاعل وفاعله ضمير يرجع إلى اسم الله تعالى. ومن بناه للمفعول فالجار والمجرور في موضع رفع، والفعل في المعنى لله تبارك وتعالى، والمعنى في القراءتين: أزيل الفزع عن قلوبهم، حسبما تقدم بيانه. ومثله: أشكاه، إذا أزال عنه ما يشكوه. وقرا الحسن:" فزع" مثل قراءة العامة، إلا أنه خفف الزاي، والجار والمجرور في موضع رفع أيضا، وهو كقولك: انصرف عن كذا إلى كذا. وكذا معنى" فرغ" بالراء والغين المعجمة والتخفيف، غير مسمى الفاعل، رويت عن الحسن أيضا وقتادة. وعنهما أيضا" فرغ" بالراء والغين المعجمة مسمى الفاعل، والمعنى: فرغ الله تعالى قلوبهم أي كشف عنها، أي فرغها من الفزع والخوف، وإلى ذلك يرجع البناء للمفعول على هذه القراءة. وعن الحسن أيضا" فرغ" بالتشديد.

[سورة سبإ (34): آية 24]
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24)
قوله تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) لما ذكر أن آلهتهم لا يملكون مثقال ذرة مما يقدر عليه الرب قرر ذلك فقال: قل يا محمد للمشركين" مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" أي من يخلق لكم هذه الأرزاق الكائنة من السماوات، أي عن المطر والشمس والقمر والنجوم وما فيها من المنافع." وَالْأَرْضِ" أي الخارجة من الأرض عن الماء والنبات- أي لا يمكنهم أن يقولوا هذا فعل آلهتنا- فيقولون لا ندري، فقل إن الله يفعل ذلك الذي يعلم ما في نفوسكم. وإن قالوا: إن الله يرزقنا فقد تقررت الحجة بأنه الذي ينبغي أن يعبد. (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) هذا على وجه الانصاف في الحجة، كما يقول القائل: أحدنا كاذب، وهو يعلم أنه صادق وأن صاحبه كاذب. والمعنى: ما نحن وأنتم على أمر واحد، بل على أمرين متضادين، واحد الفريقين مهتد وهو نحن والآخر ضال وهو أنتم،

قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25)

فكذبهم بأحسن من تصريح التكذيب، والمعنى: أنتم الضالون حين أشركتم بالذي يرزقكم من السماوات والأرض." أَوْ إِيَّاكُمْ" معطوف على اسم" إن" ولو عطف على الموضع لكان" أو أنتم" ويكون" لَعَلى هُدىً" للأول لا غير. وإذا قلت:" أَوْ إِيَّاكُمْ" كان للثاني أولى، وحذفت من الأول، ويجوز أن يكون للأول، وهو اختيار المبرد، قال: ومعناه معنى قول المستبصر لصاحبه على صحة الوعيد والاستظهار بالحجة الواضحة: أحدنا كاذب، قد عرف المعنى، كما تقول: أنا أفعل كذا وتفعل أنت كذا واحدنا مخطئ، وقد عرف أنه هو المخطئ، فهكذا" وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ". و" أَوْ" عند البصريين على بابها وليست للشك، ولكنها على ما تستعمله العرب في مثل هذا إذا لم يرد المخبر أن يبين وهو عالم بالمعنى. وقال أبو عبيدة والفراء: هي بمعنى الواو، وتقديره: وإنا على هدى وإياكم لفي ضلال مبين. وقال جرير:
أثعلبة الفوارس أو رياحا ... عدلت بهم طهية والربابا «1»
يعني أثعلبة ورياحا وقال آخر:
فلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما

[سورة سبإ (34): آية 25]
قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25)
قوله تعالى: (قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا) أي اكتسبنا،" وَلا نُسْئَلُ" نحن أيضا" عَمَّا تَعْمَلُونَ" أي إنما أقصد بما أدعوكم إليه الخير لكم، لا أنه ينالني ضرر كفركم، وهذا كما قال:" لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ" «2» [الكافرون: 6] والله مجازي الجميع. فهذه آية مهادنة ومتاركة، وهي منسوخة بالسيف. وقيل: نزل هذا قبل آية السيف.

[سورة سبإ (34): آية 26]
قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26)
__________
(1). رواية الديوان وكتاب سيبويه: (والخشابا).
(2). راجع ج 20 ص 229.

قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (29) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (30)

قوله تعالى: (قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا) يريد يوم القيامة (ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ) أي يقضي فيثيب المهتدي ويعاقب الضال (وَهُوَ الْفَتَّاحُ) أي القاضي بالحق (الْعَلِيمُ) بأحوال الخلق. وهذا كله منسوخ بآية السيف.

[سورة سبإ (34): آية 27]
قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)
قوله تعالى: (قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ) يكون" أَرُونِيَ" هنا من رؤية القلب، فيكون" شُرَكاءَ" المفعول الثالث، أي عرفوني الأصنام والأوثان التي جعلتموها شركاء لله عز وجل، وهل شاركت في خلق شي، فبينوا ما هو؟ وإلا فلم تعبدونها. ويجوز أن تكون من رؤية البصر، فيكون" شُرَكاءَ" حالا. (كَلَّا) أي ليس الامر كما زعمتم. وقيل: إن" كَلَّا" رد لجوابهم المحذوف، كأنه قال: أروني الذين ألحقتم به شركاء. قالوا: هي الأصنام. فقال كلا، أي ليس له شركاء (بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

[سورة سبإ (34): الآيات 28 الى 30]
وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (28) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (29) قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (30)
قوله تعالى: (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً) أي وما أرسلناك إلا للناس كافة أي عامة، ففي الكلام تقديم وتأخير. وقال الزجاج: أي وما أرسلناك إلا جامعا للناس بالإنذار والإبلاغ. والكافة بمعنى الجامع. وقيل: معناه كافا للناس، تكفهم عما هم فيه من الكفر وتدعوهم إلى الإسلام. والهاء للمبالغة. وقيل: أي إلا ذا كافة، فحذف المضاف، أي ذا منع للناس من أن يشذوا عن تبليغك، أو ذا منع لهم من الكفر، ومنه:

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33)

كف الثوب، لأنه ضم طرفيه. (بَشِيراً) أي بالجنة لمن أطاع. (وَنَذِيراً) من النار لمن كفر. (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) ما عند الله وهم المشركون، وكانوا في ذلك الوقت أكثر من المؤمنين عددا. (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ) يعني موعدكم لنا بقيام الساعة. (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) فقال الله تعالى: (قُلْ) لهم يا محمد (لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ) فلا يغرنكم تأخيره. والميعاد الميقات. ويعني بهذا الميعاد وقت البعث وقيل وقت حضور الموت، أي لكم قبل يوم القيامة وقت معين تموتون فيه فتعلمون حقيقة قولي. وقيل: أراد بهذا اليوم يوم بدر، لان ذلك اليوم كان ميعاد عذابهم في الدنيا في حكم الله تعالى. وأجاز النحويون" مِيعادُ يَوْمٍ" على أن يكون" مِيعادُ" ابتداء و" يَوْمٍ" بدل منه، والخبر" لَكُمْ". وأجازوا" ميعاد يوما" يكون ظرفا، وتكون الهاء في" عَنْهُ" ترجع إلى" يَوْمٍ" ولا يصح" ميعاد يوم لا تستأخرون" بغير تنوين، وإضافة" يوم" إلى ما بعده إذا قدرت الهاء عائدة على اليوم، لان ذلك يكون من إضافة الشيء إلى نفسه من أجل الهاء التي في الجملة. ويجوز ذلك على أن تكون الهاء للميعاد لا لليوم.

[سورة سبإ (34): الآيات 31 الى 33]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (33)

قوله تعالى: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) يريد كفار قريش. (لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) قال سعيد عن قتادة:" وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ" من الكتب والأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقيل من الآخرة. وقال ابن جريج: قائل ذلك أبو جهل بن هشام. وقيل: إن أهل الكتاب قالوا للمشركين صفة محمد في كتابنا فسلوه، فلما سألوه فوافق ما قال أهل الكتاب قال المشركون: لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي أنزل قبله من التوراة والإنجيل بل نكفر بالجميع، وكانوا قبل ذلك يراجعون أهل الكتاب ويحتجون بقولهم، فظهر بهذا تناقضهم وقلة علمهم. ثم أخبر الله تبارك وتعالى عن حالهم فيما لهم فقال (وَلَوْ تَرى ) يا محمد (إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي محبوسون في موقف الحساب، يتراجعون الكلام فيما بينهم باللوم والعتاب بعد أن كانوا في الدنيا أخلاء متناصرين. وجواب" لو" محذوف، أي لرأيت أمرا هائلا فظيعا. ثم ذكر أي شي يرجع من القول بينهم فقال: (يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا) في الدنيا من الكافرين (لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) وهم القادة والرؤساء (لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ) أي أغويتمونا وأضللتمونا. واللغة الفصيحة" لَوْ لا أَنْتُمْ" ومن العرب من يقول" لولاكم" حكاها سيبويه، تكون" لولا" تخفض المضمر ويرتفع المظهر بعدها بالابتداء ويحذف خبره. ومحمد بن يزيد يقول: لا يجوز" لولاكم" لان المضمر عقيب المظهر، فلما كان المظهر مرفوعا بالإجماع وجب أن يكون المضمر أيضا مرفوعا. (قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى ) هو استفهام بمعنى الإنكار، أي ما رددناكم نحن عن الهدى، ولا أكرهناكم. (بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ) أي مشركين مصرين على الكفر. (وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) المكر أصله في كلام العرب الاحتيال والخديعة، وقد مكر به يمكر فهو ماكر ومكار. قال الأخفش: هو على تقدير: هذا مكر الليل والنهار. قال النحاس: والمعنى- والله أعلم- بل مكركم في الليل والنهار، أي مسارتكم إيانا ودعاؤكم لنا إلى الكفر حملنا على هذا. وقال سفيان الثوري: بل عملكم في الليل والنهار. قتادة: بل مكركم بالليل والنهار صدنا، فأضيف المكر إليهما لوقوعه فيهما،

وهو كقوله تعالى:" إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ" «1» [نوح: 4] فأضاف الأجل إلى نفسه، ثم قال:" فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً" «2» [الأعراف: 34] إذ كان الأجل لهم. وهذا من قبيل قولك: ليله قائم ونهاره صائم. قال المبرد: أي بل مكركم الليل والنهار، كما تقول العرب: نهاره صائم وليله قائم. وأنشد لجرير:
لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطي بنائم

وأنشد سيبويه:
فنام ليلي وتجلى همي

أي نمت فيه. ونظيره:" وَالنَّهارَ مُبْصِراً" «3» [يونس: 67]. وقرا قتادة:" بل مكر الليل والنهار" بتنوين" مكر" ونصب" الليل والنهار"، والتقدير: بل مكر كائن في الليل والنهار، فحذف. وقرا سعيد بن جبير" بل مكر" بفتح الكاف وشد الراء بمعنى الكرور، وارتفاعه بالابتداء والخبر محذوف. ويجوز أن يرتفع بفعل مضمر دل عليه" أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ" كأنهم لما قالوا لهم أنحن صددناكم عن الهدى قالوا بل صدنا مكر الليل والنهار. وروي عن سعيد بن جبير" بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ" قال: مر الليل والنهار عليهم فغفلوا. وقيل: طول السلامة فيهما كقوله" فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ" «4» [الحديد: 16]. وقرا راشد" بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ" بالنصب، كما تقول: رأيته مقدم الحاج، وإنما يجوز هذا فيما يعرف، لو قلت: رأيته مقدم زيد، لم يجز، ذكره النحاس. (إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً) أي أشباها وأمثالا ونظراء. قال محمد بن يزيد: فلان ند فلان، أي مثله. ويقال نديد، وأنشد:
أينما تجعلون إلي ندا ... وما أنتم لذي حسب نديد
وقد مضى هذا في البقرة" «5»." وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ" أي أظهروها، وهو من الأضداد يكون بمعنى الإخفاء والإبداء. قال امرؤ القيس:
تجاوزت أحراسا وأهوال معشر ... علي حراصا لو يسرون مقتلي «6»
__________
(1). راجع ج 18 ص 299 فما بعد.
(2). راجع ج 7 ص 201 فما بعد.
(3). راجع ج 8 ص 360.
(4). راجع ج 17 ص 248 فما بعد.
(5). راجع ج 1 ص (230)
(6). هذه رواية البيت كما في نسخ الأصل والديوان وروايته كما في المعلقات:
تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا ... على حراصا لو يشرون مقتلي
(يشرون) بالشين المعجمة: يظهرون.

وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (36) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (38)

وروي" يشرون". وقيل: (وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ) أي تبينت الندامة في أسرار وجوههم. قيل: الندامة لا تظهر، وإنما تكون في القلب، وإنما يظهر ما يتولد عنها، حسبما تقدم بيانه في سورة" يونس «1»، وآل عمران". وقيل: إظهارهم الندامة قولهم:" فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" «2» [الشعراء: 102]. وقيل: أسروا الندامة فيما بينهم ولم يجهروا القول بها، كما قال:" وَأَسَرُّوا النَّجْوَى" «3» [الأنبياء: 3]. (وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا) الاغلال جمع غل، يقال: في رقبته غل من حديد. ومنه قيل للمرأة السيئة الخلق: غل قمل، وأصله أن الغل كان يكون من قد وعليه شعر فيقمل. وغللت يده إلى عنقه، وقد غل فهو مغلول، يقال: ماله أل وغل «4». والغل أيضا والغلة: حرارة العطش، وكذلك الغليل، يقال منه: غل الرجل يغل غللا فهو مغلول، على ما لم يسم فاعله، عن الجوهري. أي جعلت الجوامع في أعناق التابعين والمتبوعين. قيل من غير هؤلاء الفريقين. وقيل يرجع" الَّذِينَ كَفَرُوا" إليهم. وقيل: تم الكلال عند قوله:" لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ" ثم ابتدأ فقال:" وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ" بعد ذلك في أعناق سائر الكفار. (هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ) في الدنيا.

[سورة سبإ (34): الآيات 34 الى 38]
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (34) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (36) وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (37) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (38)
__________
(1). راجع ج 8 ص (352)
(2). راجع ج 13 ص (117)
(3). راجع ج 11 ص (215)
(4). أل: دفع في قفاه. وغل: جن فوضع في عنقه الغل.

قوله تعالى: (وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها) قال قتادة: أي أغنياؤها ورؤساؤها وجبابرتها وقادة الشر للرسل: (إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ. وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً) أي فضلنا عليكم بالأموال والأولاد، ولو لم يكن ربكم راضيا بما نحن عليه من الدين والفضل لم يخولنا ذلك. (وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)
لان من أحسن إليه فلا يعذبه، فرد الله عليهم قولهم وما احتجوا به من الغنى فقال لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ) أي يوسعه (وَيَقْدِرُ) أي يقتر، أي إن الله هو الذي يفاضل بين عباده في الأرزاق امتحانا لهم، فلا يدل شي من ذلك على ما في العواقب، فسعة الرزق في الدنيا لا تدل على سعادة الآخرة فلا تظنوا أموالكم وأولادكم تغنى عنكم غدا شيئا. (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) هذا لأنهم لا يتأملون. ثم قال تأكيدا: (وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى ) قال مجاهد: أي قربى. والزلفة القربة. وقال الأخفش: أي إزلافا، وهو اسم المصدر، فيكون موضع" قربى" نصبا كأنه قال بالتي تقربكم عندنا تقريبا. وزعم الفراء أن" التي" تكون للأموال والأولاد جميعا. وله قول آخر وهو مذهب أبي إسحاق الزجاج، يكون المعنى: وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا، ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى، ثم حذف خبر الأول لدلالة الثاني عليه. وأنشد الفراء:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف
ويجوز في غير القرآن: باللتين وباللاتي وباللواتي وباللذين وبالذين، للأولاد خاصة أي لا تزيدكم الأموال عندنا رفعة ودرجة، ولا تقربكم تقريبا. (إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً) قال سعيد بن جبير: المعنى إلا من آمن وعمل صالحا فلن يضره ماله وولده في الدنيا. وروى ليث عن طاوس أنه كان يقول: اللهم ارزقني الايمان والعمل، وجنبني المال والولد، فإني سمعت فيما أوحيت" وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً". قلت: قول طاوس فيه نظر، والمعنى والله أعلم: جنبني المال والولد المطغيين أو اللذين لا خير فيهما، فأما المال الصالح والولد الصالح للرجل الصالح فنعم هذا! وقد مضى هذا في" آل عمران

ومريم، والفرقان" «1». و" مَنْ" في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، أي لكن من آمن وعمل صالحا فإيمانه وعمله يقر بانه مني. وزعم الزجاج أنه في موضع نصب بالاستثناء على البدل من الكاف والميم التي في" تُقَرِّبُكُمْ". النحاس: وهذا القول غلط، لان الكاف والميم للمخاطب فلا يجوز البدل، ولو جاز هذا لجاز: رأيتك زيدا. وقول أبي إسحاق هذا هو قول الفراء. إلا أن الفراء لا يقول بدل لأنه ليس من لفظ الكوفيين، ولكن قوله يئول إلى ذلك، وزعم أن مثله" إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ" «2» يكون منصوبا عنده ب"- يَنْفَعُ". وأجاز الفراء أن يكون" مَنْ" في موضع رفع بمعنى: ما هو إلا من آمن، كذا قال، ولست أحصل معناه. (فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا) يعني قوله:" مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها" «3» [الانعام: 160] فالضعف الزيادة، أي لهم جزاء التضعيف، وهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول. وقيل: لهم جزاء الاضعاف، فالضعف في معنى الجمع، وإضافة الضعف إلى الجزاء كإضافة الشيء إلى نفسه، نحو: حق اليقين، وصلاة الاولى. أي لهم الجزاء المضعف، للواحد عشرة إلى ما يريد الله من الزيادة. وبهذه الآية استدل من فضل الغنى على الفقر. وقال محمد بن كعب: إن المؤمن إذا كان غنيا تقيا أتاه الله أجره مرتين بهذه الآية. (وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ) قراءة العامة" جَزاءُ الضِّعْفِ" بالإضافة. وقرا الزهري ويعقوب ونصر بن عاصم" جزاء" منونا منصوبا" الضعف" رفعا، أي فأولئك لهم الضعف جزاء، على التقديم والتأخير. و" جَزاءُ الضِّعْفِ" على أن يجازوا الضعف. و" جزاء الضعف" مرفوعان، الضعف بدل من جزاء. وقرا الجمهور أيضا" فِي الْغُرُفاتِ" على الجمع، وهو اختيار أبى عبيد، لقوله:" لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً" «4» [العنكبوت: 58]. الزمخشري: وقرى" فِي الْغُرُفاتِ" بضم الراء وفتحها وسكونها. وقرا الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة وخلف" في الغرفة" على التوحيد، لقوله تعالى:" أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ «5» الْغُرْفَةَ" [الفرقان: 75]. والغرفة قد يراد بها أسم الجمع واسم الجنس. قال ابن عباس: هي غرف
__________
(1). راجع ج 4 ص 72. [.....]
(2). راجع ج 11 ص 80.
(3). راجع 7 ص 150
(4). راجع ج 13 ص 82.
(5). راجع ج 3 ص 1141 و359.

قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)

من ياقوت وزبرجد ودر. وقد مضى بيان ذلك «1». (آمِنُونَ) أي من العذاب والموت والاسقام والأحزان. (وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا) في إبطال أدلتنا وحجتنا وكتابنا. (مُعاجِزِينَ) معاندين، يحسبون أنهم يفوتوننا بأنفسهم. (أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ) أي في جهنم تحضرهم الزبانية فيها.

[سورة سبإ (34): آية 39]
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)
قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ) كرر تأكيدا. (وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ) أي قل يا محمد لهؤلاء المغترين بالأموال والأولاد إن الله يوسع على من يشاء ويضيق على من يشاء، فلا تغتروا بالأموال والأولاد بل أنفقوها في طاعة الله، فإن ما أنفقتم في طاعة الله فهو يخلفه. وفية إضمار، أي فهو يخلفه عليكم، يقال: أخلف له وأخلف عليه، أي يعطيكم خلفه وبدله، وذلك البدل إما في الدنيا وإما في الآخرة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا (. وفيه أيضا عن أبي هريرة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال،) إن الله قال لي أنفق أنفق عليك ... (الحديث. وهذه إشارة إلى الخلف في الدنيا بمثل المنفق فيها إذا كانت النفقة في طاعة الله. وقد لا يكون الخلف في الدنيا فيكون كالدعاء- كما «2» تقدم- سواء في الإجابة أو التكفير أو الادخار، والادخار ها هنا مثله في الأجر. مسألة- روى الدارقطني وأبو أحمد بن عدي عن عبد الحميد الهلالي عن محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كل معروف صدقة وما أنفق الرجل على نفسه واهلة كتب له صدقة وما وقى به الرجل عرضه فهو صدقة وما أنفق الرجل
__________
(1). راجع ج 8 ص 204 وج 13 ص 83 و(359)
(2). راجع ج 3 ص 308 فما بعد

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41)

من نفقة فعلى الله خلفها إلا ما كان من نفقة في بنيان أو معصية (. قال عبد الحميد: قلت لابن المنكدر:" ما وقى الرجل عرضه"؟ قال: يعطي الشاعر وذا اللسان. عبد الحميد وثقه ابن معين. قلت: أما ما أنفق في معصية فلا خلاف أنه غير مثاب عليه ولا مخلوف له. وأما البنيان فما كان منه ضروريا يكن الإنسان ويحفظه فذلك مخلوف عليه ومأجور ببنيانه. وكذلك كحفظ بنيته وستر عورته، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال، بيت يسكنه وثوب يواري عورته وجلف الخبز والماء). وقد مضى هذا المعنى في" الأعراف" «1» مستوفى. قوله تعالى: (وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) لما كان يقال في الإنسان: إنه يرزق عياله والأمير جنده، قال:" وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ" والرازق من الخلق يرزق، لكن ذلك من مال يملك عليهم ثم ينقطع، والله تعالى يرزق من خزائن لا تفنى ولا تتناهى. ومن أخرج من عدم إلى الوجود فهو الرازق على الحقيقة، كما قال:" إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ" «2» [الذاريات: 58].

[سورة سبإ (34): الآيات 40 الى 41]
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (40) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41)
قوله تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ «3» جَمِيعاً) هذا متصل بقوله:" وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ" «4» [سبأ: 31]. أي لو تراهم في هذه الحالة لرأيت أمرا فظيعا. والخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمراد هو وأمته. ثم قال: ولو تراهم أيضا" يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً" العابدين والمعبودين، أي نجمعهم للحساب (ثُمَّ يَقُولُ «5» لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ). قال سعيد عن قتادة: هذا
__________
(1). راجع ج 7 ص (239)
(2). راجع ج 17 ص (55)
(3). قوله (نحشرهم، نقول) بالنون قراءة نافع.
(4). راجع ص 302 من هذا الجزء.
(5). قوله (نحشرهم، نقول) بالنون قراءة نافع.

فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (42)

استفهام، كقوله عز وجل لعيسى:" أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ" «1» [المائدة: 116] قال النحاس: فالمعنى أن الملائكة صلوات الله عليهم إذا كذبتهم كان في ذلك تبكيت لهم، فهو استفهام توبيخ للعابدين. (قالُوا سُبْحانَكَ) أي تنزيها لك. (أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ) أي أنت ربنا الذي نتولاه ونطيعه ونعبده ونخلص في العبادة له. (بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ) أي يطيعون إبليس وأعوانه. وفي التفاسير: أن حيا يقال لهم بنو مليح من خزاعة كانوا يعبدون الجن، ويزعمون أن الجن تتراءى لهم، وأنهم ملائكة، وأنهم بنات الله، وهو قوله:" وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً" «2» [الصافات: 158].

[سورة سبإ (34): آية 42]
فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (42)
قوله تعالى: (فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً) أي شفاعة ونجاة. (وَلا ضَرًّا) أي عذابا وهلاكا. وقيل: أي لا تملك الملائكة دفع ضر عن عابديهم، فحذف المضاف (وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ) يجوز أن يقول الله لهم أو الملائكة: ذوقوا.

[سورة سبإ (34): آية 43]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاَّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (43)
قوله تعالى: (وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ) يعني القرآن. (قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ) يعنون محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ) أي أسلافكم من
__________ (1). راجع ج 6 ص 374.
(2). راجع ج 15 ص 134

وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (45)

الآلهة التي كانوا يعبدونها. (وَقالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً) يعنون القرآن، أي ما هو إلا كذب مختلق. (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) فتارة قالوا سحر، وتارة قالوا إفك. ويحتمل أن يكون منهم من قال سحر ومنهم من قال إفك.

[سورة سبإ (34): الآيات 44 الى 45]
وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (45)
قوله تعالى: (وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها) أي لم يقرءوا في كتاب أوتوه بطلان ما جئت به، ولا سمعوه من رسول بعث إليهم، كما قال:" أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ" «1» [الزخرف: 21] فليس لتكذيبهم وجه يتشبث به ولا شبهة متعلق كما يقول أهل الكتاب وإن كانوا مبطلين: نحن أهل كتاب وشرائع ومستندون إلى رسل من رسل الله، ثم توعدهم على تكذيبهم بقوله الحق: (وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي كذب قبلهم أقوام كانوا أشد من هؤلاء بطشا وأكثر أموالا وأولادا وأوسع عيشا، فأهلكتهم كثمود وعاد. (وَما بَلَغُوا) أي ما بلغ أهل مكة (مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ) تلك الأمم. والمعشار والعشر سواء، لغتان. وقيل: المعشار عشر العشر. الجوهري: ومعشار الشيء عشره، ولا يقولون هذا في شي سوى العشر. وقال: ما بلغ الذين من قبلهم معشار شكر ما أعطيناهم، حكاه النقاش. وقيل: ما أعطى الله تعالى من قبلهم معشار ما أعطاهم من العلم والبيان والحجة والبرهان. قال ابن عباس: فليس أمة أعلم من أمته، ولا كتاب أبين من كتابه. وقيل: المعشار هو عشر العشير، والعشير هو عشر العشر فيكون جزءا من ألف جزء. الماوردي: وهو الأظهر، لان المراد به المبالغة في التقليل. (فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ) أي عقابي في الأمم، وفية محذوف وتقديره: فأهلكناهم فكيف كان نكيري.
__________
(1). راجع ج 16 ص 74 [.....]

قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)

[سورة سبإ (34): آية 46]
قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (46)
قوله تعالى: (قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ) تمم الحجة على المشركين، أي قل لهم يا محمد: (إِنَّما أَعِظُكُمْ) أي أذكركم وأحذركم سوء عاقبة ما أنتم فيه. (بِواحِدَةٍ) أي بكلمة واحدة مشتملة على جميع الكلام، تقتضي نفي الشرك لإثبات الاله. قال مجاهد: هي لا إله إلا الله وهذا قول أبن عباس والسدي. وعن مجاهد أيضا: بطاعة الله. وقيل: بالقرآن، لأنه يجمع كل المواعظ. وقيل: تقديره بخصلة واحدة، ثم بينها بقوله: (أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ) فتكون" أَنْ" في موضع خفض على البدل من" واحدة"، أو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، أي هي أن تقوموا. ومذهب الزجاج أنها في موضع نصب بمعنى لان تقوموا. وهذا القيام معناه القيام إلى طلب الحق لا القيام الذي هو ضد القعود، وهو كما يقال: قام فلان بأمر كذا، أي لوجه الله والتقرب إليه. وكما قال تعالى:" وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ" «1» [النساء: 127]." مَثْنى وَفُرادى " أي وحدانا ومجتمعين قاله السدي. وقيل: منفردا برأيه ومشاورا لغيره، وهذا قول مأثور. وقال القتبي: مناظرا مع غيره ومفكرا في نفسه، وكله متقارب. ويحتمل رابعا أن المثنى عمل النهار والفرادى عمل الليل، لأنه في النهار معان وفي الليل وحيد، قاله الماوردي. وقيل: إنما قال:" مَثْنى وَفُرادى " لان الذهن حجة الله على العباد وهو العقل، فأوفرهم عقلا أوفرهم حظا من الله، فإذا كانوا فرادى كانت فكرة واحدة، وإذا كانوا مثنى تقابل الذهنان فتراءى من العلم لهما ما أضعف على الانفراد، والله أعلم. (ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ) الوقف عند أبي حاتم وابن الأنباري على" ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا". وقيل: ليس هو بوقف لان المعنى: ثم تتفكروا هل جربتم على صاحبكم كذبا، أو رأيتم فيه جنة، أو في أحواله من
__________
(1). راجع ج 5 ص 402

قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47)

فساد، أو اختلف إلى أحد ممن يدعي العلم بالسحر، أو تعلم الأقاصيص وقرا الكتب، أو عرفتموه بالطمع في أموالكم، أو تقدرون على معارضته في سورة واحدة، فإذا عرفتم بهذا الفكر صدقه فما بال هذه المعاندة. (إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ) وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية" وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ". [الشعراء: 214] ورهطك منهم المخلصين" «1»، خرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى صعد الصفا فهتف: يا صباحاه؟ «2» فقالوا: من هذا الذي يهتف!؟ قالوا محمد، فاجتمعوا إليه فقال: (يا بني فلان يا بني فلان يا بني عبد مناف يا بني عبد المطلب- فاجتمعوا إليه فقال- أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي (؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا. قال:) فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد (. قال فقال أبو لهب: تبا لك! أما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قال فنزلت هذه السورة:" تبت يدا أبي لهب «3» وقد تب" [المسد: 1] كذا قرأ الأعمش إلى آخر السورة.

[سورة سبإ (34): آية 47]
قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47)
قوله تعالى: (قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ) أي جعل على تبليغ الرسالة (فَهُوَ لَكُمْ) أي ذلك الجعل لكم إن كنت سألتكموه (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) أي رقيب وعالم وحاضر لأعمالي وأعمالكم، لا يخفى عليه شي فهو يجازي الجميع.

[سورة سبإ (34): آية 48]
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (48)
قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ) أي يبين الحجة ويظهرها. قال قتادة: بالحق بالوحي. وعنه: الحق القرآن. وقال ابن عباس: أي يقذف الباطل بالحق علام الغيوب.
__________
(1). قال القسطلاني في قوله (ورهطك منهم المخلصين): هو من عطف الخاص على العام وكان قرآنا فنسخت تلاوته.
(2). قوله: (يا صباحاه) بسكون الهاء وهي كلمة يقولها المستغيث واصلها إذا صاحوا للغارة لأنهم أكثر ما كانوا يغيرون عند الصباح ويسمون الغارة يوم الصباح.
(3). راجع ج 20 ص 234.

قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (49)

وقرا عيسى بن عمر" علام الغيوب" على أنه بدل، أي قل إن ربي علام الغيوب يقذف بالحق. قال الزجاج. والرفع من وجهين على الموضع، لان الموضع موضع رفع، أو على البدل مما في يقذف. النحاس: وفي الرفع وجهان آخران: يكون خبرا بعد خبر، ويكون على إضمار مبتدأ. وزعم الفراء أن الرفع في مثل هذا أكثر في كلام العرب إذا أتى بعد خبر" إن" ومثله" إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ «1» النَّارِ" [ص: 64] وقرى:" الْغُيُوبِ" بالحركات الثلاث، فالغيوب كالبيوت «2»، والغيوب كالصبور، وهو الامر الذي غاب وخفي جدا.

[سورة سبإ (34): آية 49]
قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (49)
قوله تعالى: (قُلْ جاءَ الْحَقُّ) قال سعيد عن قتادة: يريد القرآن. النحاس: والتقدير جاء صاحب الحق أي الكتاب الذي فيه البراهين والحجج. (وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ) قال قتادة: الشيطان، أي ما يخلق الشيطان أحدا (وَما يُعِيدُ) ف"- ما" نفي. ويجوز أن يكون استفهاما بمعنى أي شي، أي جاء الحق فأي شي بقي للباطل حتى يعيده ويبديه أي فلم يبق منه شي، كقوله:" فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ" «3» [الحاقة: 8] أي لا ترى.

[سورة سبإ (34): آية 50]
قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50)
قوله تعالى: (قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي) وذلك أن الكفار قالوا تركت دين آبائك فضللت. فقال له: قل يا محمد إن ضللت كما تزعمون فإنما أضل على نفسي. وقراءة العامة" ضَلَلْتُ" بفتح اللام. وقرا يحيى بن وثاب وغيره:" قل إن ضللت" بكسر اللام وفتح الضاد من" أضل"، والضلال والضلالة ضد الرشاد. وقد ضللت (بفتح اللام) أضل
__________
(1). راجع ج 15 ص 225.
(2). عبارة روح المعاني: (... الغيوب (بالكسر) كالبيوت (. وعبارة البحر) ... أما الضم فجمع غيب، وأما الكسر فكذلك استثقلوا ضمتين والواو فكسروا لتناسب الكسر مع الياء والضمة التي على الياء مع الواو وأما الفتح فمفعول للمبالغة كالصبور.
(3). راجع ج 18 ص 216.

وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (51)

(بكسر الضاد)، قال الله تعالى:" قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي" فهذه لغة نجد وهي الفصيحة. واهل العالية يقولون" ضللت" بالكسر" أَضِلُّ" «1»، أي إثم ضلالتي على نفسي. (وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي) من الحكمة والبيان (إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ) أي سميع ممن دعاه قريب الإجابة. وقيل وجه النظم: قل إن ربي يقذف بالحق ويبين الحجة، وضلال من ضل لا يبطل الحجة، ولو ضللت لاضررت بنفسي، لا أنه يبطل حجة الله، وإذا اهتديت فذلك فضل الله إذ ثبتني على الحجة إنه سميع قريب.

[سورة سبإ (34): آية 51]
وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (51)
قوله تعالى: (وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ) ذكر أحوال الكفار في وقت ما يضطرون فيه إلى معرفة الحق. والمعنى: لو ترى إذا فزعوا في الدنيا عند نزول الموت أو غيره من بأس الله تعالى بهم، روي معناه عن ابن عباس. الحسن: هو فزعهم في القبور من الصيحة. وعنه أن ذلك الفزع إنما هو إذا خرجوا من قبورهم، وقاله قتادة. وقال ابن مغفل: إذا عاينوا عقاب الله يوم القيامة. السدي: هو فزعهم يوم بدر حين ضربت أعناقهم بسيوف الملائكة فلم يستطيعوا فرارا ولا رجوعا إلى التوبة. سعيد بن جبير: هو الجيش الذي يخسف بهم في البيداء فيبقى منهم رجل فيخبر الناس بما لقى أصحابه فيفزعون، فهذا هو فزعهم." فَلا فَوْتَ" فلا نجاة، قاله ابن عباس. مجاهد: فلا مهرب. (وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ) أي من القبور. وقيل: من حيث كانوا، فهم من الله قريب لا يعزبون عنه ولا يفوتونه. وقال ابن عباس: نزلت في ثمانين ألفا يغزون في آخر الزمان الكعبة ليخربوها، وكما يدخلون البيداء يخسف بهم، فهو الأخذ من مكان قريب. قلت: وفي هذا المعنى خبر مرفوع عن حذيفة وقد ذكرناه في كتاب التذكرة، قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وذكر فتنة تكون بين أهل المشرق والمغرب: (فبيناهم
__________
(1). في مختار الصحاح:) بالكسر فيهما) والذي في اللسان: (ضللت بالكسر أضل).

وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (52)

كذلك إذ خرج عليهم السفياني من الوادي اليابس في فورة ذلك حتى ينزل دمشق فيبعث جيشين جيشا إلى المشرق، وجيشا إلى المدينة، فيسير الجيش نحو المشرق حتى ينزلوا بأرض بابل في المدينة الملعونة والبقعة الخبيثة يعني مدينة بغداد، قال- فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف ويفتضون أكثر من مائة امرأة ويقتلون بها ثلاثمائة كبش «1» من ولد العباس، ثم يخرجون متوجهين إلى الشام فتخرج راية هدى من الكوفة فتلحق ذلك الجيش منها على ليلتين «2» فيقتلونهم لا يفلت منهم مخبر ويستنقذون ما في أيديهم من السبي والغنائم ويحل جيشه الثاني بالمدينة فينتهبونها ثلاثة أيام ولياليها ثم يخرجون متوجهين إلى مكة حتى إذا كانوا بالبيداء بعث الله جبريل عليه السلام فيقول يا جبريل أذهب فأبدهم فيضربها برجله ضربة يخسف الله بهم، وذلك قوله تعالى:" وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ" فلا يبقى منهم إلا رجلان أحدهما بشير والآخر نذير وهما من جهينة، ولذلك جاء القول: وعند جهينة الخبر اليقين وقيل:" أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ" أي قبضت أرواحهم في أماكنها فلم يمكنهم الفرار من الموت، وهذا على قول من يقول: هذا الفزع عند النزع. ويحتمل أن يكون هذا من الفزع الذي هو بمعنى الإجابة، يقال: فزع الرجل أي أجاب الصارخ الذي يستغيث به إذا نزل به خوف. ومنه الخبر إذ قال للأنصار: (إنكم لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع). ومن قال: أراد الخسف أو القتل في الدنيا كيوم بدر قال: أخذوا في الدنيا قبل أن يؤخذوا في الآخرة. ومن قال: هو فزع يوم القيامة قال: أخذوا من بطن الأرض إلى ظهرها. وقيل:" أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ" من جهنم فألقوا فيها.

[سورة سبإ (34): آية 52]
وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (52)
قوله تعالى: (وَقالُوا آمَنَّا بِهِ) أي القرآن. وقال مجاهد: بالله عز وجل. الحسن: بالبعث. قتادة: بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ) قال
__________
(1). كبش القوم: رئيسهم وسيدهم وحاميتهم والمنظور إليه فيهم.
(2). في كتاب التذكرة (على ميلين).

ابن عباس والضحاك: التناوش الرجعة، أي يطلبون الرجعة إلى الدنيا ليؤمنوا، وهيهات من ذلك! ومنه قول الشاعر:
تمنى أن تئووب إلي مى ... وليس إلى تناوشها سبيل
وقال السدي: هي التوبة، أي طلبوها وقد بعدت، لأنه إنما تقبل التوبة في الدنيا. وقيل: التناوش التناول، قال ابن السكيت: يقال للرجل إذا تناول رجلا ليأخذ برأسه ولحيته: ناشه ينوشه نوشا. وأنشد:
فهي تنوش الحوض نوشا من علا ... نوشا به تقطع أجواز الفلا «1»
أي تتناول ماء الحوض من فوق وتشرب شربا كثيرا، وتقطع بذلك الشرب فلوات فلا تحتاج إلى ماء آخر. قال: ومنه المناوشة في القتال، وذلك إذا تدانى الفريقان. ورجل نووش أي ذو بطش. والتناوش. التناول: والانتياش مثله. قال الراجز:
كانت تنوش العنق انتياشا

قوله تعالى:" وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ" يقول: أنى لهم تناول الايمان في الآخرة وقد كفروا في الدنيا. وقرا أبو عمرو والكسائي والأعمش وحمزة:" وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ" بالهمز. النحاس: وأبو عبيدة يستبعد هذه القراءة، لان" التناؤش" بالهمز البعد، فكيف يكون: وأنى لهم البعد من مكان بعيد. قال أبو جعفر: والقراءة جائزة حسنة، ولها وجهان في كلام العرب، ولا يتأول بها هذا المتأول البعيد. فأحد الوجهين أن يكون الأصل غير مهموز، ثم همزت الواو لان الحركة فيها خفية، وذلك كثير في كلام العرب. وفي المصحف الذي نقلته الجماعة عن الجماعة" وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ" «2» [المرسلات: 11] والأصل" وقتت" لأنه مشتق من الوقت. ويقال في جمع دار: أدؤر. والوجه الآخر ذكره أبو إسحاق قال: يكون مشتقا من النئيش وهو الحركة في إبطاء، أي من أين لهم الحركة فيما قد بعد، يقال: نأشت الشيء أخذته
__________
(1). البيت لغيلان بن حريث: والضمير في قوله (فهي) للإبل. وتنوش الحوض: تتناول ملاه. وقوله: (من علا) أن من فوق. يريد أنها عالية الأجسام طوال الأعناق وذلك النوش الذي تناله هو الذي يعينها على قطع الفلوات. والاجواز: جمع جوز وهو الوسط.
(2). راجع ج 19 ص 155.

وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (53)

من بعد والنئيش: الشيء البطي. قال الجوهري: التناوش (بالهمز) التأخر والتباعد. وقد نأشت الامر أنأشه نأشا أخرته، فانتأش. ويقال: فعله نئيشا أي أخيرا. قال الشاعر:
تمنى نئيشا أن يكون أطاعني ... وقد حدثت «1» بعد الأمور أمور
وقال آخر:
قعدت زمانا عن طلابك للعلا ... وجئت نئيشا بعد ما فاتك الخبر «2»
وقال الفراء: الهمز وترك الهمز في التناوش متقارب، مثل: ذمت «3» الرجل وذأمته أي عبته." مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ" أي من الآخرة. وروى أبو إسحاق عن التميمي عن ابن عباس قال:" وأنى لهم" قال: الرد، سألوه وليس بحين رد.

[سورة سبإ (34): آية 53]
وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (53)
قوله تعالى: (وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ) أي بالله عز وجل وقيل: بمحمد (مِنْ قَبْلُ) يعني في الدنيا. (وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ) العرب تقول لكل من تكلم بما لا يحقه «4»: هو يقذف ويرجم بالغيب." مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ" على جهة التمثيل لمن يرجم ولا يصيب، أي يرمون بالظن فيقولون: لا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار، رجما منهم بالظن، قال قتادة. وقيل:" يَقْذِفُونَ" أي يرمون في القرآن فيقولون: سحر وشعر وأساطير الأولين. وقيل: في محمد، فيقولون ساحر شاعر كاهن مجنون." مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ" أي إن الله بعد لهم أن يعلموا صدق محمد. وقيل: أراد البعد عن القلب، أي من مكان بعيد عن قلوبهم. وقرا مجاهد" ويقذفون بالغيب" غير مسمى الفاعل، أي يرمون به. وقيل: يقذف به إليهم من يغويهم ويضلهم.
__________
(1). في اللسان مادة ناش: (ويحدث من بعد ..).
(2). في ش، ك: (الخير) بالياء المثناة. [.....]
(3). في اللسان: ذامه يذيمه ذيما وذاما عابه وذمته أذيمه وأذمته وذممته كله بمعنى.
(4). حق الامر يحقه وأحقه: كان منه على يقين.

وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (54)

[سورة سبإ (34): آية 54]
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (54)
قوله تعالى: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ) قيل: حيل بينهم وبين النجاة من العذاب. وقيل: حيل بينهم وبين ما يشتهون في الدنيا من أموالهم وأهليهم. ومذهب قتادة أن المعنى أنهم كانوا يشتهون لما رأوا العذاب أن يقبل منهم أن يطيعوا الله عز وجل وينتهوا إلى ما يأمرهم به الله فحيل بينهم وبين ذلك، لان ذلك إنما كان في الدنيا أو قد زالت في ذلك الوقت. والأصل" حول" فقلبت حركة الواو على الحاء فانقلبت ياء ثم حذفت حركتها لثقلها. (كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ) الأشياع جمع شيع، وشيع جمع شيعة. (مِنْ قَبْلُ) أي بمن مضى من القرون السالفة الكافرة. (إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ) أي من أمر الرسل والبعث والجنة والنار. وقيل: في الدين والتوحيد، والمعنى واحد. (مُرِيبٍ) أي يستراب به، يقال: أراب الرجل أي صار ذا ريبة، فهو مريب. ومن قال هو من الريب الذي هو الشك والتهمة قال: يقال شك مريب، كما يقال: عجب عجيب وشعر شاعر، في التأكيد. ختمت السورة، والحمد لله رب العالمين.

[سورة فاطر]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سورة فاطر مكية في قول الجميع وهي خمس وأربعون آية

الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)

[سورة فاطر (35): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)
قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) يجوز في" فاطِرِ" ثلاثة أوجه: الخفض على النعت، والرفع على إضمار مبتدأ، والنصب على المدح. وحكى سيبويه: الحمد لله أهل الحمد [مثله «1»] وكذا" جاعِلِ الْمَلائِكَةِ". والفاطر: الخالق. وقد مضى في" يوسف" «2» وغيرها. والفطر. الشق عن الشيء، يقال: فطرته فانفطر. ومنه: فطر ناب البعير طلع، فهو بعير فاطر. وتفطر الشيء تشقق. وسيف فطار، أي فيه تشقق. قال عنترة:
وسيفي كالعقيقة فهو كمعي ... سلاحي لا أفل ولا فطارا «3»
والفطر: الابتداء والاختراع. قال ابن عباس: كنت لا أدري ما" فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي أنا ابتدأتها. والفطر. حلب الناقة بالسبابة والإبهام. والمراد بذكر السماوات والأرض العالم كله، ونبه بهذا على أن من قدر على الابتداء قادر على الإعادة." جاعِلِ الْمَلائِكَةِ" لا يجوز فيه التنوين، لأنه لما مضى." رُسُلًا" مفعول ثان، ويقال على إضمار فعل، لان" فاعلا" إذا كان لما مضى لم يعمل فيه شيئا، وإعماله على أنه مستقبل حذف التنوين منه تخفيفا. وقرا الضحاك" الحمد لله فطر السماوات والأرض" على الفصل الماضي. (جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا) الرسل منهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، صلى الله عليهم أجمعين. وقرا الحسن:" جاعل الملائكة" بالرفع. وقرا خليد بن نشيط" جعل الملائكة" وكله ظاهر. (أُولِي أَجْنِحَةٍ) نعت، أي أصحاب أجنحة. (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) «4» أي اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة. قال قتادة: بعضهم له جناحان، وبعضهم ثلاثة، وبعضهم أربعة، ينزلون بهما من السماء إلى الأرض، ويعرجون من الأرض إلى السماء، وهي مسيرة كذا في وقت واحد، أي جعلهم رسلا. قال يحيى بن سلام: إلى الأنبياء. وقال السدي: إلى العباد برحمة أو نقمة. وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى جبريل عليه
__________
(1). زيادة عن كتاب النحاس يقتضيها السياق.
(2). راجع ج 9 ص 279 ج 6 ص (397)
(3). عقيقة البرق: شعاعه. والكمع (بكسر فسكون) والكميع: الضجيع.
(4). في كتاب البحر: وقيل (أُولِي أَجْنِحَةٍ) معترض، و(مَثْنى ) حال والعامل فعل محذوف يدل عليه (رُسُلًا)، أي يرسلون مثنى وثلاث ورباع (.) (

السلام له ستمائة جناح. وعن الزهري أن جبريل عليه السلام قال له: (يا محمد، لو رأيت إسرافيل إن له لاثني عشر ألف جناح منها جناح بالمشرق وجناح بالمغرب وإن العرش لعلى كاهله وإنه في الأحايين ليتضاءل لعظمة الله حتى يعود مثل الوصع والوصع عصفور صغير حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته (. و" أولو" اسم جمع لذو، كما أن هؤلاء اسم جمع لذا، ونظيرهما في المتمكنة: المخاض «1» والخلفة. وقد مضى الكلام في" مثنى وثلاث ورباع" في" النساء" «2» وأنه غير منصرف. (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ) أي في خلق الملائكة، في قول أكثر المفسرين، ذكره المهدوي. وقال الحسن:" يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ" أي في أجنحة الملائكة ما يشاء. وقال الزهري وابن جريج: يعني حسن الصوت. وقد مضى القول فيه في مقدمة الكتاب «3». وقال الهيثم الفارسي: رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في منامي، فقال: (أنت الهيثم الذي تزين القرآن بصوتك جزاك الله خيرا). وقال قتادة:" يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ" الملاحة في العينين والحسن في الأنف والحلاوة في الفم. وقيل: الخط الحسن. وقال مهاجر الكلاعي قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الخط الحسن يزيد الكلام وضوحا). وقيل: الوجه الحسن. وقيل في الخبر في هذه الآية: هو الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن، ذكره القشيري. النقاش: هو الشعر الجعد «4». وقيل: العقل والتمييز. وقيل: العلوم والصنائع. (إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) من النقصان والزيادة. الزمخشري: والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق، من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام في الأعضاء، وقوه في البطش، وحصافة في العقل، وجزالة في الرأي، وجرأة في القلب، وسماحة في النفس، وذلاقة في اللسان، ولباقة في التكلم، وحسن تأت «5» في مزاولة الأمور، وما أشبه ذلك مما لا يحيط به وصف.
__________
(1). المخاض: الحوامل من النوق واحدتها خلقة على غير قياس ولا واحد لها من لفظها كما قالوا لواحدة النساء: امرأة ولواحدة الإبل: ناقة أو بعير.
(2). راجع ج 5 ص 15 فما بعد.
(3). راجع (باب كيفية التلاوة ولكتاب الله تعالى).
(4). ما فيه التواء وتقبض. أو القصير منه.
(5). تأتي فلان لحاجته: إذا ترفق لها وأتاها من وجهها.

مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)

[سورة فاطر (35): آية 2]
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)
وأجاز النحويون في غير القرآن" فلا ممسك له" على لفظ" ما" و" لَها" على المعنى. وأجازوا" وما يمسك فلا مرسل لها" وأجازوا" ما يفتح الله للناس من رحمة" (بالرفع) تكون" ما" بمعنى الذي. أي إن الرسل بعثوا رحمة للناس فلا يقدر على إرسالهم غير الله. وقيل: ما يأتيهم به الله من مطر أو رزق فلا يقدر أحد أن يمسكه، وما يمسك من ذلك فلا يقد أحد على أن يرسله. وقيل: هو الدعاء: قاله الضحاك. أبن عباس: من توبة. وقيل: من توفيق وهداية. قلت: ولفظ الرحمة يجمع ذلك إذ هي منكرة للاشاعة والإبهام، فهي متناولة لكل رحمة على البدل، فهو عام في جميع ما ذكر. وفي موطأ مالك: أنه بلغه أن أبا هريرة كان يقول إذا أصبح وقد مطر الناس: مطرنا بنوء الفتح، ثم يتلو هذه الآية" ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها"." وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" تقدم «1».

[سورة فاطر (35): آية 3]
يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3)
قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ معنى هذا الذكر الشكر. (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) يجوز في" غَيْرُ" «2» الرفع والنصب والخفض، فالرفع من وجهين: أحدهما: بمعنى هل من خالق إلا الله، بمعنى ما خالق إلا الله. والوجه الثاني: أن يكون نعتا على الموضع، لان المعنى: هل خالق غير الله، و" مِنْ" زائدة. والنصب على الاستثناء.
__________
(1). راجع ج 2 ص 131
(2). في ش، وك. يجوز في القرآن الرفع ... الخ وفي ح: في غير القرآن

وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (4)

والخفض، على اللفظ. قال حميد الطويل: قلت للحسن: من خلق الشر؟ فقال سبحان الله! هل من خالق غير الله عز وجل، خلق الخير والشر. وقرا حمزة والكسائي:" هل من خالق غير الله" بالخفض. الباقون بالرفع. أي المطر. أي النبات. من الافك (بالفتح) وهو الصرف، يقال: ما افكك عن كذا، أي ما صرفك عنه. وقيل: من الافك (بالكسر) وهو الكذب، ويرجع هذا أيضا إلى ما تقدم، لأنه قول مصروف عن الصدق والصواب، أي من أين يقع لكم التكذيب بتوحيد الله. والآية حجة على القدرية لأنه نفى خالقا غير الله وهم يثبتون معه خالقين، على ما تقدم في غير موضع.

[سورة فاطر (35): آية 4]
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (4)
قوله تعالى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ. يعني كفار قريش. يعزي نبيه ويسليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وليتأسى بمن قبله في الصبر. قرأ الحسن والأعرج ويعقوب وابن عامر وأبو حيوة وابن محيصن وحميد والأعمش وحمزة ويحيى والكسائي وخلف (بفتح التاء) على أنه مسمى الفاعل. وأختاره أبو عبيد لقول تعالى:" أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ" [الشورى: 53] الباقون" تُرْجَعُ" على الفعل المجهول.

[سورة فاطر (35): آية 5]
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)
قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ. قوله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) هذا وعظ للمكذبين للرسول بعد إيضاح الدليل على صحة قوله: إن البعث والثواب والعقاب حق. قال سعيد بن جبير: غرور الحياة الدنيا أن يشتغل الإنسان بنعيمها ولذاتها عن عمل الآخرة،

إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7)

حتى يقول: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي. قال أبن السكيت وأبو حاتم:" الْغَرُورُ" الشيطان. وغرور جمع غر، وغر مصدر. ويكون" الغرور" مصدرا وهو بعيد عند غير أبي إسحاق، لان" غررته" متعد، والمصدر المتعدي إنما هو على فعل، نحو: ضربته ضربا، إلا في أشياء يسيرة لا يقاس عليها، قالوا: لزمته لزوما، ونهكه المرض نهوكا. فأما معنى الحرف فأحسن ما قيل فيه ما قاله سعيد بن جبير، قال: الغرور بالله أن يكون الإنسان يعمل بالمعاصي ثم يتمنى على الله المغفرة. وقراءة العامة" الْغَرُورُ" (بفتح الغين) وهو الشيطان، أي لا يغرنكم بوساوسه في أنه يتجاوز عنكم لفضلكم. وقرا أبو حيوة وأبو المال العدوي ومحمد بن المقع" الغرور" (برفع الغين) وهو الباطل، أي لا يغرنكم الباطل. وقال أبن السكيت: والغرور (بالضم) ما اغتر به من متاع الدنيا. قال الزجاج: ويجوز أن يكون الغرور جمع غار، مثل قاعد وقعود. النحاس: أو جمع غر، أو يشبه بقولهم: نهكه المرض نهوكا ولزمه لزوما. الزمخشري: أو مصدر" غره" كاللزوم والنهوك.

[سورة فاطر (35): الآيات 6 الى 7]
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (6) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7)
قوله تعالى: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا. أي فعادوه ولا تطيعوه. ويدلكم على عداوته إخراجه أباكم من الجنة، وضمانه إضلالكم في قول:" وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ" [النساء: 119] الآية. وقوله:" لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ" [الأعراف: 17- 16] الآية. فأخبرنا عز وجل أن الشيطان لنا عدو مبين، واقتص علينا قصته، وما فعل بأبينا آدم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكيف أنتدب لعداوتنا وغرورنا من قبل وجودنا وبعده، ونحن على ذلك نتولاه ونطيعه فيما يريد منا مما فيه هلاكنا. وكان الفضيل بن عياض يقول: يا كذاب

أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8)

يا مفتر، أتق الله ولا تسب الشيطان في العلانية وأنت صديقه في السر. وقال أبن السماك: يا عجبا لمن عصى المحسن بعد معرفته بإحسانه! وأطاع اللعين بعد معرفته بعداوته! وقد مضى هذا المعنى في" البقرة" مجودا. و" عدو" في قوله:" إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ" يجوز أن يكون بمعنى معاد، فيثنى ويجمع ويؤنث. ويكون بمعنى النسب فيكون موحدا بكل حال، كما قال عز وجل:" فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي" [الشعراء: 77]. وفي المؤنث على هذا أيضا عدو. النحاس: فأما قول بعض النحويين إن الواو خفية فجاءوا بالهاء فخطأ، بل الواو حرف جلد. (إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ) كفت" ما"" إن" عن العمل فوقع بعدها الفعل." حزبه" أي أشياعه. (لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ) فهذه عداوته." الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ" يكون" الَّذِينَ" بدلا من" أَصْحابِ" فيكون في موضع خفض، أو يكون بدلا من" حِزْبَهُ" فيكون في موضع نصب، أو يكون بدلا من الواو فكون في موضع رفع وقول رابع وهو أحسنها يكون في موضع رفع بالابتداء ويكون خبره" لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ"، وكأنه. سبحانه بين حال موافقته ومخالفته، ويكون الكلام قد تم في قوله:" مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ" ثم ابتدأ فقال" الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ". في موضع رفع بالابتداء أيضا، وخبره (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) أي لذنوبهم. (وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) وهو الجنة.

[سورة فاطر (35): آية 8]
أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (8)
قوله تعالى (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ)" من" في موضع رفع بالابتداء، وخبره محذوف. قال الكسائي: والذي يدل عليه قوله تعالى:" فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ" فالمعنى: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ذهبت نفسك عليهم حسرات. قال: وهذا كلام

عربي طريف لا يعرفه إلا قليل. وذكره الزمخشري عن الزجاج. قال النحاس: والذي قال الكسائي أحسن ما قيل في الآية، لما ذكره من الدلالة على المحذوف، والمعنى أن الله جل وعز نهى نبيه عن شدة الاغتمام بهم والحزن عليهم، كما قال عز وجل:" فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ" [الكهف: 6] قال أهل التفسير: قاتل. قال نصر ابن علي: سألت الأصمعي عن قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أهل اليمن: (هم أرق قلوبا وأبخع طاعة) ما معنى أبخع؟ فقال: أنصح. فقلت له: إن أهل التفسير مجاهدا وغيره يقولون في قول الله عز وجل:" فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ": معناه قاتل نفسك. فقال: هو من ذاك بعينه، كأنه من شدة النصح لهم قاتل نفسه. وقال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير، مجازه: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء. وقيل: الجواب محذوف، المعنى أفمن زين له سوء عمله كمن هدي، ويكون يدل على هذا المحذوف" فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ، يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ". وقرا يزيد بن القعقاع:" فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ" وفي" أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ" أربعة أقوال، أحدها: أنهم اليهود والنصارى والمجوس، قال أبو قلابة. ويكون،" سُوءُ عَمَلِهِ" معاندة الرسول عليه الصلاة والسلام. الثاني: أنهم الخوارج، رواه عمر بن القاسم. يكون" سوء عمله" تحريف التأويل. الثالث: الشيطان، قال الحسن. ويكون" سُوءُ عَمَلِهِ" الإغواء. الرابع: كفار قريش، قاله الكلبي. ويكون" سُوءُ عَمَلِهِ" الشرك. وقال: إنها نزلت في العاص بن وائل السهمي والأسود بن المطلب. وقال غيره: نزلت في أبي جهل بن هشام." فَرَآهُ حَسَناً" أي صوابا، قال الكلبي. وقال: جميلا. قلت: والقول بأن المراد كفار قريش أظهر الأقوال، لقوله تعالى:" لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ" [البقرة: 272]، وقوله:" وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ" [آل عمران: 176]، وقال:" فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً" [الكهف: 6]، وقوله:" لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ"،

وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (9)

وقوله في هذه الآية: وهذا ظاهر بين، أي لا ينفع تأسفك على مقامهم على كفرهم، فإن الله أضلهم. وهذه الآية ترد على القدرية قولهم على ما تقدم، أي أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا تريد أن تهديه، وإنما ذلك إلى الله لا إليك، والذي إليك هو التبليغ. وقرا أبو جعفر وشيبة وابن محيصن:" فلا تذهب" بضم التاء وكسر الهاء" نَفْسُكَ" نصبا على المفعول، والمعنيان متقاربان." حَسَراتٍ" منصوب مفعول من أجله، أي فلا تذهب نفسك للحسرات. و" عَلَيْهِمْ" صلة" تَذْهَبْ"، كما تقول: هلك عليه حبا ومات عليه حزنا. وهو بيان للمتحسر عليه. ولا يجوز أن يتعلق بالحسرات، لان المصدر لا يتقدم عليه صلته. ويجوز أن يكون حالا كأن كلها صارت حسرات لفرط التحسر، كما قال جرير:
مشق الهواجر لحمهن مع السرى ... وحتى ذهبن كلاكلا وصدورا
يريد: رجعن كلاكلا وصدورا، أي لم يبق إلا كلاكلها وصدورها. ومنه قول الآخر:
فعلى إثرهم تساقط نفسي ... وحسرات وذكرهم لي سقام
أو مصدرا.

[سورة فاطر (35): آية 9]
وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (9)
قوله تعالى:" وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ" ميت وميت واحد، وكذا ميتة وميتة، هذا قول الحذاق من النحويين. وقال محمد بن يزيد: هذا قول البصريين، ولم يستثن أحدا، واستدل على ذلك بدلائل قاطعة. وأنشد:
ليس من مات فاستراح بميت ... وإنما الميت ميت الأحياء
إنما المت من يعيش كئيبا ... وكاسفا باله قليل الرجاء
قال: فهل ترى بين ميت وميت فرقا، وأنشد:

هينون لينون أيسار بنو يسر ... وسواس مكرمة أبناء أيسار
قال: فقد أجمعوا على أن هينون ولينون واحد، وكذا ميت وميت، وسيد وسيد. قال:" فَسُقْناهُ" بعد أن قال:" وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ" وهو من باب تلوين الخطاب. وقال أبو عبيدة: سبيله" فتسوقه"، لأنه قال:" فَتُثِيرُ سَحاباً". الزمخشري: فإن قلت: لم جاء" فَتُثِيرُ" على المضارعة دون ما قبله وما بعده؟ قلت: لتحكي الحال التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب، وتستحضر تلك الصورة البديعة الدالة على القدوة الربانية، وهكذا يفعلون بفعل فيه نوع تمييز وخصوصية بحال تستغرب، أو تهم المخاطب أو غير ذلك، كما قال تأبط شرا:
بأني قد لقيت الغول تهوي ... وبسهب كالصحيفة صحصحان
فاضربها بلا دهش فخرت ... وصريعا لليدين وللجران
لأنه قصد أن يصور لقومه الحالة التي تشجع فيها بزعمه على ضرب الغول، كأنه يبصرهم إياها، ويطلعهم على كنهها مشاهدة للتعجب. من جرأته على كل هول، وثباته عند كل شدة وكذلك سوق السحاب إلى البلد الميت، لما كانا من الدلائل على القدرة الباهرة قيل:" فسقنا" و" أحيينا" معدولا بهما عن لفظة الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدل عليه. وقراءة العامة" الرِّياحَ". وقرا ابن محيصن وابن كثير والأعمش ويحيى وحمزة والكسائي" الريح" توحيدا. وقد مضى بيان هذه الآية والكلام فيها مستوفي. أي كذلك تحيون بعد ما متم، من نشر الإنسان نشورا. فالكاف في محل الرفع، أي مثل إحياء الأموات نشر الأموات. وعن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى، وما آية ذلك في خلقه؟ قال: (أما مررت بوادي أهلك ممحلا ثم مررت به يهتز خضرا) قلت: نعم يا رسول الله. قال (فكذلك يحيي الله الموتى وتلك آياته في خلقه) وقد ذكرنا هذا الخبر في" الأعراف" وغيرها

مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)

[سورة فاطر (35): آية 10]
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)
قوله تعالى: (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً) التقدير عند الفراء: من كان يريد علم العزة. وكذا قال غيره من أهل العلم. أي من كان يريد علم العزة التي لا ذلة معها، لان العزة إذا كانت تؤدي إلى ذلة فإنما هي تعرض للذلة، والعزة التي لا ذل معها لله عز وجل." جَمِيعاً" منصوب على الحال. وقدر الزجاج معناه: من كان يريد بعبادته الله عز وجل العزة والعزة له سبحانه فإن الله عز وجل يعزه في الآخرة والدنيا. قلت وهذا أحسن وروى مرفوعا على ما يأتي" فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً" ظاهر هذا إيئاس السامعين من عزته، وتعريفهم أن ما وجب له من ذلك لا مطمع فيه لغيره، فتكون الالف واللام للعهد عند العالمين به سبحانه وبما وجب له من ذلك، وهو المفهوم من قوله الحق في سورة يونس:" وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ" [يونس: 65]. ويحتمل أن يريد سبحانه أن ينبه ذوي الاقدار والهمم من أين تنال العزة ومن أين تستحق، فتكون الالف واللام للاستغراق، وهو المفهوم من آيات هذه السورة. فمن طلب العزة من الله وصدقه في طلبها بافتقار وذل، وسكون وخضوع، وجدها عنده إن شاء الله غير ممنوعة ولا محجوبة عنه، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من تواضع لله رفعه الله). ومن طلبها من غيره وكله إلى من طلبها عنده. وقد ذكر قوما طلبوا العزة عند من سواه فقال:" الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً" [النساء: 139]. فأنبأك صريحا لا إشكال فيه أن العزة له يعز بها من يشاء ويذل من يشاء. وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مفسرا لقوله" مَنْ كانَ يُرِيدُ

الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً
": (من أراد عز الدارين فليطع العزيز. وهذا معنى قول الزجاج. ولقد أحسن من قال:
وإذا تذللت الرقاب تواضعا ... ومنا إليك فعزها في ذلها
فمن كان يريد العزة لينال الفوز الأكبر، ويدخل دار العزة ولله العزة فليقصد بالعزة الله سبحانه والاعتزاز به، فإنه من اعتز بالعبد أذل الله، ومن اعتز بالله أعزه الله. قوله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ فيه مسألتان الاولى: قوله تعالى:" إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ" وتم الكلام. ثم تبتدئ" وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ" على معنى: يرفعه الله، أو يرفع صاحبه. ويجوز أن يكون المعنى: والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب، فيكون الكلام متصلا على ما يأتي بيانه. والصعود هو الحركة إلى فوق، وهو العروج أيضا. ولا يتصور ذلك في الكلام لأنه عرض، لكن ضرب صعوده مثلا لقبوله، لان موضع الثواب فوق، وموضع العذاب أسفل. وقال الزجاج: يقال ارتفع الامر إلى القاضي أي علمه، فهو بمعنى العلم. وخص الكلام والطب بالذكر لبيان الثواب عليه. وقوله" إِلَيْهِ" أي إلى الله يصعد. وقيل: يصعد إلى سمائه والمحل الذي لا يجري فيه لاحد غيره حكم. وقيل: أي يحمل الكتاب الذي كتب فيه طاعات العبد إلى السماء. و" الْكَلِمُ الطَّيِّبُ" هو التوحيد الصادر عن عقيدة طيبة. وقيل: هو التحميد والتمجيد، وذكر الله ونحوه. وأنشدوا:
لا ترض من رجل حلاوة قوله ... وحتى يزين ما يقول فعال
فإذا وزنت فعاله بمقاله ... فتوازنا فإخاء ذاك جمال
وقال أبن المقفع: قول بلا عمل، كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر. وفية قيل:
لا يكون المقال إلا بفعل ... وكل قول بلا فعال هباء
إن قولا بلا فعال جميل ... وونكاحا بلا ولي سواء

وقرا الضحاك" يصعد" بضم الياء. وقرا. جمهور الناس" الْكَلِمُ" جمع كلمة. وقرا أبو عبد الرحمن" الكلام". قلت: فالكلام على هذا قد يطلق بمعنى الكلم وبالعكس، وعليه يخرج قول أبي القاسم: أقسام الكلام ثلاثة، فوضع الكلام موضع الكلم، والله أعلم." وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ" قال أبن عباس ومجاهد وغيرهما: المعنى والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب. وفي الحديث (لا يقبل الله قولا إلا بعمل، ولا يقبل قولا وعملا إلا بنية، ولا يقبل قولا وعملا ونية إلا بإصابة السنة). قال أبن عباس: فإذا ذكر العبد الله وقال كلاما طيبا وادي فرائضه، ارتفع قوله مع عمله وإذا قال ابن قوله على عمله. قال أبن عطية: وهذا قول يرده معتقد أهل السنة ولا يصح عن أبن عباس. والحق أن العاصي التارك للفرائض
إذا ذكر الله وقال كلاما طيبا فإنه مكتوب له متقبل منه، وله حسناته وعليه سيئاته، والله تعالى يتقبل من كل من أتقى الشرك. وأيضا فإن الكلام الطيب عمل صالح، وإنما يستقيم قول من يقول: إن العمل هو الرافع للكلم، بأن يتأول أنه يزيده في رفعه وحسن موقعه إذا تعاضد معه. كما أن صاحب الأعمال من صلاة وصيام وغير ذلك، إذا تخلل أعماله كلم طيب وذكر الله تعالى كانت الأعمال أشرف، فيكون قول:" وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ" موعظة وتذكرة وحضا على الأعمال. وأما الأقوال التي هي أعمال في نفوسها، كالتوحيد والتسبيح فمقبولة. قال أبن العربي:" إن كلام المرء بذكر الله إن لم يقترن به عمل صالح لم ينفع، لان من خالف قوله فعله فهو وبال عليه. وتحقيق هذا: أن العمل إذا وقع شرطا في قبول القول أو مرتبطا، فإنه لا قبول له إلا به وإن لم يكن شرطا فيه فإن كلمه الطيب يكتب له، وعمله السيئ يكتب عليه، وتقع الموازنة بينهما، ثم يحكم الله بالفوز والربح والخسران". قلت: ما قال أبن العربي تحقيق. والظاهر أن العمل الصالح شرط في قبول القول الطيب. وقد جاء في الآثار (أن العبد إذا قال: لا إله إلا الله بنية صادقة نظرت الملائكة

إلى عمله، فإن كان العمل موافقا لقوله صعدا جميعا، وإن كان عمله. مخالفا وقف قوله حتى يتوب من عمله (. فعلى هذا العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى الله. والكناية في" يَرْفَعُهُ" ترجع إلى الكلم الطيب. وهذا قول أبن عباس وشهر بن حوشب وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة وأبي العالية والضحاك. وعلي أن" الْكَلِمُ الطَّيِّبُ" هو التوحيد، فهو الرافع للعمل الصالح، لأنه لا يقبل العمل الصالح إلا مع الايمان والتوحيد. أي والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب، فالكناية تعود على العمل الصالح. وروي هذا القول عن شهر بن حوشب قال:" الْكَلِمُ الطَّيِّبُ" القرآن" وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ" القرآن. وقيل: تعود على الله جل وعز، أي أن العمل الصالح يرفعه الله على الكلم الطيب، لان العمل تحقيق الكلم، والعامل أكثر تعبا من القائل، وهذا هو حقيقة الكلام، لان الله هو الرافع الخافض. والثاني والأول مجاز، ولكنه سائغ جائز. قال النحاس: القول الأول أولاها وأصحها لعلو من قال به، وأنه في العربية أولى، لان القراء على رفع العمل. ولو كان المعنى: والعمل الصالح يرفعه الله، أو العمل الصالح يرفعه الكلم الطيب، لكان الاختيار نصف العمل. ولا نعلم أحدا قرأه منصوبا إلا شيئا روي عن عيسى، بن عمر أنه قال: قرأه أناس" والعمل الصالح يرفعه الله". وقيل: والعمل الصالح يرفع صاحبه، وهو الذي أراد العزة وعلم أنها تطلب من الله تعالى، ذكره القشيري. الثانية: ذكروا عند أبن عباس أن الكلب يقطع الصلاة، فقرأ هذه الآية:" إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ". وهذا استدلال بعموم على مذهب السلف في القول بالعموم، (وقد دخل في الصلاة بشروطها، فلا يقطعها عليه شي إلا بثبوت ما يوجب ذلك، من مثل ما انعقدت به من قرآن أو سنة أو إجماع. وقد تعلق من رأى، ذلك بقوله عليه السلام: (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود) فقلت: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأبيض من الكلب الأحمر؟ فقال: (إن الأسود شيطان) خرجه مسلم. وقد

وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11)

جاء ما يعارض هذا، وهو ما خرجه البخاري عن ابن أخي ابن شهاب أنه سأل عمه عن الصلاة يقطعها شي؟ فقال: لا يقطعها شي، أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت: لقد كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقوم فيصلي من الليل، وإني لمعترضة بينه وبين القبلة على فراش أهله. قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ) ذكر الطبري في، (كتاب آداب النفوس): حدثني يونس بن عبد الأعلى قال حدثنا سفيان عن ليث بن أبي سليم عن شهر بن حوشب الأشعري في قوله عز وجل:" وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ" قال: هم أصحاب الرياء، وهو قول أبن عباس ومجاهد وقتادة. وقال أبو العالية: هم الذين مكروا بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما اجتمعوا في دار الندوة. وقال الكلبي: يعني الذين يعملون السيئات في السيئات في الدنيا مقاتل: يعني الشرك، فتكون" السَّيِّئاتِ" مفعولة. ويقال: بار يبور إذا هلك وبطل. وبارت السوق
أي كسدت، ومنه: نعوذ بالله من بوار الأيم «1»
. وقول:" وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً «2»
" [الفتح: 12] أي هلكى. والمكر: ما عمل على سبيل احتيال وخديعة. وقد مضى في" سبأ" «3».

[سورة فاطر (35): آية 11]
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11)
قوله تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) قال سعيد عن قتادة قال: يعني آدم عليه السلام، والتقدير على هذا: خلق أصلكم من تراب. قال: أي التي أخرجها من ظهور آبائكم. قال: أي زوج بعضكم بعضا، فالذكر زوج الأنثى ليتم البقاء في الدنيا إلى انقضاء مدتها. (وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ)
__________
(1). الأيم: التي لا زوج لها. [.....]
(2). راجع ج 16 ص 269 فما بعد.
(3). راجع ص 302 من هذا الجزء.

أي جعلكم أزواجا فيتزوج الذكر بالأنثى فيتناسلان بعلم الله، فلا يكون حمل ولا وضع إلا والله عالم به، فلا يخرج شي عن تدبيره. عمره إلا في كتاب) سماه معمرا بما هو صائر إليه. قال سعيد بن جبير عن أبن عباس:" وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ" إلا كتب عمره، كم هو سنة كم هو شهرا كم هو يوما كم هو ساعة ثم يكتب في كتاب آخر: نقص من عمره يوم، نقص شهر، نقص سنة، حتى يستوفي أجله. وقال سعيد بن جبير أيضا، قال: فما مضى من أجله فهو النقصان، وما يستقبل فهو الذي يعمره، فالهاء على هذا للمعمر. وعن سعيد أيضا: يكتب عمره كذا وكذا سنة ثم يكتب في أسفل ذلك: ذهب يوم، ذهب يومان، حتى يأتي على آخره. وعن قتادة: المعمر من بلغ ستين سنة، والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين سنة. ويذهب الفراء في معنى" وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ" أي ما يكون من عمره" وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ" بمعنى آخر، أي ولا ينقص الآخر من عمره إلا في كتاب. فالكناية في" عُمُرِهِ" ترجع إلى آخر غير الأول. وكنى عنه بالهاء كأنه الأول، ومثله قولك: عندي درهم ونصفه، أي نصف أخر. وقيل: إن الله كتب عمر الإنسان مائة سنة إن أطاع، وتسعين إن عصى، فأيهما بلغ فهو في كتاب. وهذا مثل قوله عليه الصلاة والسلام: (من أحب أن يبسط له في زرقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه) أي أنه يكتب في اللوح المحفوظ: عمر فلان كذا سنة، فإن وصل رحمه زيد في عمره كذا سنة. فبين ذلك في موضع آخر من اللوح المحفوظ، إنه سيصل رحمه فمن أطلع على الأول دون الثاني ظن أنه زيادة أو نقصان وقد مضى هذا المعنى عند قوله تعالى:" يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ" [الرعد: 39] والكناية على هذا ترجع إلى العمر. وقيل: المعنى وما يعمر من معمر أي هرم، ولا ينقص آخر من عمر الهرم إلا في كتاب، أي بقضاء من الله جل وعز. روي معناه عن الضحاك واختاره النحاس، قال: وهو أشبهها بظاهر التنزيل. وروي نحوه عن أبن عباس. فالهاء على هذا يجوز أن تكون للمعمر، ويجوز أن تكون لغير

وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12)

المعمر. أي كتابة الأعمال والآجال غير متعذر عليه. وقراءة العامة" ينقص" بضم الياء وفتح القاف وقرأت فرقة منهم يعقوب" يُنْقَصُ" بفتح الياء وضم القاف، أي لا ينقص من عمره شي. يقال، نقص الشيء بنفسه ونقصه غيره، وزاد بنفسه وزاده غيره، متعد ولازم. وقرا الأعرج والزهري" مِنْ عُمُرِهِ" بتخفيف الميم وضمها الباقون. وهما لغتان مثل السحق والسحق. و" يَسِيرٌ" أي إحصاء طويل الأعمار وقصيرها لا يتعذر عليه شي منها ولا يعزب. والفضل منه: يسر ولو سميت به إنسانا انصرف، لأنه فعيل.

[سورة فاطر (35): آية 12]
وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12)
قوله تعالى: (وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ) فيه أربه مسائل: الاولى: قال ابن عباس:" فُراتٌ" حلو، و" أُجاجٌ" مر. وقرا طلحة:" هذا ملح أجاج" بفتح الميم وكسر اللام بغير ألف. وأما المالح فهو الذي يجعل فيه الملح. وقرا عيسى وابن أبي إسحاق" سيغ شرابه" مثل سيد وميت. لا اختلاف في أنه منهما جميعا. وقد مضى في" النحل" الكلام فيه. الثانية قوله تعالى (وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها) مذهب أبي إسحاق أن الحلية إنما تستخرج من الملح، فقيل منهما لأنهما مختلطان. وقال غيره: إنما تستخرج الأصداف التي فيها الحلية من الدر وغيره من المواضع التي فيها العذب والملح نحو العيون، فهو مأخوذ منهما، لان في البحر عيونا عذبة، وبينهما يخرج اللؤلؤ عند التمازج. وقيل:

يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13)

من مطر السماء. وقال محمد بن يزيد قولا رابعا، قال: إنما تستخرج الحلية من الملح خاصة. النحاس: وهذا أحسنها وليس هذا عنده، لأنهما مختلطان، ولكن جمعا ثم أخبر عن أحدهما كما قال عز وجل:" وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ" [القصص: 73]. وكما تقول: لو رأيت الحسن والحجاج لرأيت خيرا وشرا. وكما تقول: لو رأيت الأعمش وسيبويه لملأت يدك لغة ونحوا. فقد عرف معنى هذا، وهو كلام فصيح كثير، فكذا:" وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها" فاجتمعا في الأول وانفرد الملح بالثاني. الثالثة وفي قول:" تَلْبَسُونَها"، دليل على أن لباس كل شي بحسبه، فالخاتم يجعل في الإصبع، والسوار في الذراع، والقلادة في العنق، والخلخال في الرجل. وفي البخاري والنسائي عن ابن سيرين قال قلت لعبيدة: افتراش الحرير كلبسه؟ فال نعم. وفي، الصحاح عن أنس (فقمت على حصير لنا قد اسود من طول ما لبس). الحديث. الرابعة قوله تعالى (وترى الفلك فيه مواخر) قال النحاس: أي ماء الملح خاصة، ولولا ذلك لقال فيهما. وقد مخرت السفينة تمخر إذا شقت الماء. وقد مضى هذا في" النحل". فال مجاهد: التجارة في الفلك إلى البلدان البعيدة: في مدة قريبة، كما تقدم في" البقرة". وقيل: ما يستخرج من حليته ويصاد من حيتانه. (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) على ما آتاكم من فضله. وقيل: على ما أنجاكم من هول.

[سورة فاطر (35): آية 13]
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13)
قوله تعالى: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ) تقدم في (آل عمران) وغيرها. (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى) تقدم في (لقمان) بيانه.

إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)

(ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ) أي هذا الذي من صنعه ما تقرر هو الخالق المدبر، والقادر المقتدر، فهو الذي يعبد. يعني الأصنام. قطمير) أي لا يقدرون عليه ولا على خلقه. والقطمير القشرة الرقيقة البيضاء التي بين التمرة والنواة، قاله أكثر المفسرين. وقال أبن عباس: هو شق النواة، وهو اختيار المبرد، وقال قتادة. وعن قتادة أيضا: القطمير القمع الذي على رأس النواة. الجوهري: ويقال: هي النكتة البيضاء التي في ظهر النواة، تنبت منها النخلة.

[سورة فاطر (35): آية 14]
إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)
قوله تعالى: (إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ) أي إن تستغيثوا بهم في النوائب لا يسمعوا دعاءكم، لأنها جمادات لا تبصر ولا تسمع. إذ ليس كل سامع ناطقا. وقال قتادة: المعنى لو سمعوا لم ينفعوكم. وقيل: أي لو جعلنا لهم عقولا وحياة فسمعوا دعاءكم لكانوا أطوع لله منكم، ولما استجابوا لكم على الكفر. (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ) أي يجحدون أنكم عبدتموهم، ويتبرءون منكم. ثم يجوز أن يرجع هذا إلى المعبودين مما يعقل، كالملائكة والجن والأنبياء والشياطين أي يجحدون أن يكون ما فعلتموه حقا، وأنهم أمروكم بعبادتهم، كما أخبر عن عيسى بقوله:" ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ" «1»
[المائدة: 116] ويجوز أن يندرج فيه الأصنام أيضا، أي يحييها الله حتى تخبر أنها ليست أهلا للعبادة. هو الله عز وجل، أي لا أحد أخبر بخلق الله من الله، فلا ينبئك مثله في عمله. ينبئك مثله في عمله «2»
__________
(1). راجع ج 6 ص 374
(2). في ب وح: عليه.

[سورة فاطر (35): آية 15]
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15)

إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16)

قوله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ) أي المحتاجون إليه في بقائكم وكل أحوالكم. الزمخشري:" فإن قلت لم عرف الفقراء؟ قلت: قصد بذلك أن يريهم أنهم لشدة افتقارهم إليه هم جنس الفقراء، وإن كانت الخلائق كلهم مفتقرين إليه من الناس وغيرهم لان الفقر مما يتبع الضعف، وكلما كان الفقير أضعف كان أفقر، وقد شهد الله سبحانه على الإنسان بالضعف في قوله:" وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً" «1»
[النساء: 28]، وقال:" اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ" «2»
[الروم: 54] ولو نكر لكان المعنى: أنتم بعض الفقراء. فإن قلت: قد قوبل" الْفُقَراءُ" ب"- الْغَنِيُّ" فما فائدة" الْحَمِيدُ"؟ قلت: لما أثبت فقرهم إليه وغناه عنهم، وليس كل غنى نافعا بغناه إلا إذا كان الغني جوادا منعما، وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليهم واستحق عليهم الحمد- ذكر" الْحَمِيدُ" ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خلقه، الجواد المنعم عليهم، المستحق بإنعامه عليهم أن يحمدوه". وتخفيف الهمزة الثانية أجود الوجوه عند الخليل، ويجوز تخفيف الاولى وحدها وتخفيفهما وتحقيقهما جميعا." وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ" تكون" هو" زائدة، فلا يكون لها موضع من الاعراب، وتكون مبتدأة فيكون موضعها رفعا.

[سورة فاطر (35): الآيات 16 الى 17]
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17)
قوله تعالى: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ) فيه حذف، المعنى إن يشأ [أن «3»
] يذهبكم يذهبكم، أي يفنيكم. (وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) أي أطوع منكم وأزكى. (وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) أي ممتنع عسير متعذر. وقد مضى هذا في (إبراهيم) «4».

[سورة فاطر (35): آية 18]
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18)
__________ (1). راجع ج 5 ص (168)
(2). راجع ج 46 من هذا الجزء.
(3). زيادة عن النحاس.
(4). راجع ج 9 ص 354

تقدم الكلام فيه «1»
، وهو مقطوع مما قبله. والأصل" تؤزر" حذفت الواو اتباعا ليزر." وازِرَةٌ" نعت لمحذوف، أي نفس وازرة. وكذا (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها) قال الفراء: أي نفس مثقلة أو دابة. قال: وهذا يقع للمذكر والمؤنث. قال الأخفش: أي وإن تدع مثقلة إنسانا إلى حملها وهو ذنوبها. والحمل ما كان على الظهر، والحمل حمل المرأة وحمل النخلة، حكاهما الكسائي بالفتح لا غير. وحكى ابن السكيت أن حمل النخلة يفتح ويكسر. (لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى ) التقدير على قول الأخفش: ولو كان الإنسان المدعو ذا قربى. وأجاز الفراء ولو كان ذو قربى. وهذا جائز عند سيبويه، ومثله" وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ" «2»
[البقرة: 280] فتكون" كانَ" بمعنى وقع، أو يكون الخبر محذوفا، أي وإن كان فيمن تطالبون ذو عسرة. وحكى سيبويه: الناس مجزيون بأعمالهم إن خير فخير، على هذا. وخيرا فخير، على الأول. وروى عن عكرمة أنه قال: بلغني أن اليهودي والنصراني يرى الرجل المسلم يوم القيامة فيقول له: ألم أكن قد أسديت إليك يدا، ألم أكن قد أحسنت إليك؟ فيقول بلى. فيقول: أنفعني، فلا يزال المسلم يسأل الله تعالى حتى ينقص، من عذابه. وأن الرجل ليأتي إلى أبيه يوم القيامة فيقول: ألم أكن بك بارا، وعليك مشفقا، وإليك محسنا، وأنت ترى ما أنا فيه، فهب لي حسنة من حسناتك، أو احمل عني سيئة، فيقول: إن الذي سألتني يسير، ولكني أخاف مثل ما تخاف. وأن الأب ليقول لابنه مثل ذلك فيرد عليه نحوا من هذا. وأن الرجل ليقول لزوجته: ألم أكن أحسن العشرة لك، فاحملي عني خطيئة لعلي أنجو، فتقول: إن ذلك ليسير ولكني أخاف مما تخاف منه. ثم تلا عكرمة:" وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى ". وقال الفضيل بن عياض: هي المرأة تلقى ولدها فتقول: يا ولدي، ألم يكن بطني لك وعاء، ألم يكن ثديي لك سقاء، ألم يكن حجري لك وطاء، يقول: بلى يا أماه، فتقول: يا بني، قد أثقلتني ذنوبي فاحمل عني منها ذنبا واحدا، فيقول: إليك عني يا أماه، فإني بذنبي عنك مشغول.
__________
(1). راجع ج 7 ص 157.
(2). راجع ج 3 ص 371.

وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)

قوله تعالى: (إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) أي إنما يقبل إنذارك من يخشى عقاب الله تعالى، وهو كقوله تعالى:" إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ" «1»
[يس: 11]. قوله تعالى: (وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ) أي من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه. وقرى:" ومن أزكى فإنما يزكى لنفسه". (وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) أي إليه مرجع جميع الخلق.

[سورة فاطر (35): الآيات 19 الى 22]
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (19) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (20) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (21) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)
قوله تعالى: (وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ) أي الكافر والمؤمن والجاهل والعالم. مثل:" قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ" «2»
[المائدة: 100]. (وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ) قال الأخفش سعيد:" لَا" زائدة، والمعنى ولا الظلمات والنور، ولا الظل والحرور. قال الأخفش: والحرور لا يكون إلا مع شمس النهار، والسموم يكون بالليل، وقيل بالعكس. وقال رؤبة ابن العجاج: الحرور تكون بالنهار خاصة، والسموم يكون بالليل خاصة، حكاه المهدوي. وقال الفراء: السموم لا يكون إلا بالنهار، والحرور يكون فيهما. النحاس: وهذا أصح، لان الحرور فعول من الحر، وفية معنى التكثير، أي الحر المؤذي. قلت: وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (قالت النار رب أكل بعضي بعضا فأذن لي أتنفس فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فما وجدتم من برد أو زمهرير فمن نفس جهنم وما وجدتم من حر أو حرور فمن نفس جهنم (. وروي من حديث الزهري عن سعيد عن أبي هريرة:) فما تجدون من الحر فمن
__________
(1). راجع ص 9 من هذا الجزء فما بعد آية 11 سورة يس.
(2). راجع ج 6 ص 327.

إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23)

سمومها وشدة ما تجدون من البرد فمن زمهريرها) وهذا يجمع تلك الأقوال، وأن السموم والحرور يكون بالليل والنهار، فتأمله. وقيل: المراد بالظل والحرور الجنة والنار، فالجنة ذات ظل دائم، كما قال تعالى:" أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها" «1»
[الرعد: 35] والنار ذات حرور، وقال معناه السدي. وقال ابن عباس: أي ظل الليل، وحر السموم بالنهار. قطرب: الحرور الحر، والظل البرد. (وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ) قال ابن قتيبة: الأحياء العقلاء، والأموات الجهال. قال قتادة: هذه كلها أمثال، أي كما لا تستوي هذه الأشياء كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن. (إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ) أي يسمع أولياءه الذين خلقهم لجنته. (وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) أي الكفار الذين أمات الكفر قلوبهم، أي كما لا تسمع من مات، كذلك لا تسمع من مات قلبه. وقرا الحسن وعيسى الثقفي وعمرو ابن ميمون:" بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ" بحذف التنوين تخفيفا، أي هم بمنزلة [أهل ] القبور في أنهم لا ينتفعون بما يسمعونه ولا يقبلونه.

[سورة فاطر (35): آية 23]
إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ (23)
أي رسول منذر، فليس عليك إلا التبليغ، ليس لك من الهدي شي إنما الهدى بيد الله تبارك وتعالى.

[سورة فاطر (35): آية 24]
إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ (24)
قوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً) أي بشيرا بالجنة أهل طاعته، ونذيرا بالنار أهل معصيته. (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ) أي سلف فيها نبي. قال ابن جريج: إلا العرب.
__________
(1). راجع ج 9 ص 324.

وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (25) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (26) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)

[سورة فاطر (35): الآيات 25 الى 26]
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (25) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (26)
قوله تعالى: (وَإِنْ كَذَّبُوكَ) يعني كفار قريش. (فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أنبياءهم، يسلي رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ) أي بالمعجزات الظاهرات والشرائع الواضحات. (وَبِالزُّبُرِ) أي الكتب المكتوبة. (وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ) أي الواضح. وكرر الزبر والكتاب وهما واحد لاختلاف اللفظين. وقيل: يرجع البينات والزبر والكتاب إلى معنى واحد، وهو ما أنزل على الأنبياء من الكتب. (ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ) أي كيف كانت عقوبتي لهم. وأثبت ورش عن نافع وشيبة الياء في" نكيري" حيث وقعت في الوصل دون الوقف. وأثبتها يعقوب في الحالين، وحذفها الباقون في الحالين. وقد مضى هذا كله، والحمد لله.

[سورة فاطر (35): الآيات 27 الى 28]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً) هذه الرؤية رؤية القلب والعلم، أي ألم ينته علمك ورأيت بقلبك أن الله أنزل، ف"- أَنَّ" واسمها وخبرها سدت مسد مفعولي الرؤية." فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ" هو من باب تلوين الخطاب." مُخْتَلِفاً أَلْوانُها" نصبت" مُخْتَلِفاً" نعتا ل"- ثَمَراتٍ"." أَلْوانُها" رفع بمختلف، وصلح أن يكون نعتا ل"- ثَمَراتٍ" لما عاد عليه من ذكره. ويجوز في غير القرآن رفعه، ومثله رأيت رجلا خارجا أبوه.

" بِهِ" أي بالماء وهو واحد، والثمرات مختلفة. (وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها) الجدد جمع جدة، وهي الطرائق المختلفة الألوان، وإن كان الجميع حجرا أو ترابا. قال الأخفش: ولو كان جمع جديد لقال: جدد (بقسم الجيم والدال) نحو سرير وسرر. وقال زهير:
كأنه أسفع الخدين ذو جدد ... طاو ويرتع بعد الصيف عريانا
وقيل: إن الجدد القطع، مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته، حكاه ابن بحر. قال الجوهري: والجدة الخطة التي في ظهر الحمار تخالف لونه. والجدة الطريقة، والجمع جدد، قال تعالى:" وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها" أي طرائق تخالف لون الجبل. ومنه قولهم: ركب فلان جدة من الامر، إذا رأى فيه رأيا. وكساء مجدد: فيه خطوط مختلفة. الزمخشري: وقرا الزهري" جدد" بالضم جمع جديدة، وهي الجدة، يقال: جديدة وجدد وجدائد كسفينة وسفن وسفائن. وقد فسر بها قول أبي ذؤيب:
جون السراة له جدائد أربع «1»

وروي عنه" جدد" بفتحتين، وهو الطريق الواضح المسفر، وضعه موضع الطرائق والخطوط الواضحة المنفصل بعضها من بعض. (وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ) وقرى: (وَالدَّوَابِّ) مخففا. ونظير هذا التخفيف قراءة من قرأ: (وَلَا الضَّالِّينَ) لان كل واحد منهما فر من التقاء الساكنين فحرك ذلك أولهما وحذف هذا آخرهما قاله الزمخشري. (وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ) أي فيهم الأحمر والأبيض والأسود وغير ذلك وكل ذلك دليل على صانع مختار. وقال: (مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ) فذكر الضمير مراعاة ل (- مِنَ) قاله المؤرج. وقال أبو بكر بن عياش: إنما ذكر الكناية لأجل أنها مردودة إلى (ما) مضمرة مجازه: ومن الناس ومن الدواب ومن الانعام ما هو مختلف ألوانه أي أبيض وأحمر وأسود. (وَغَرابِيبُ سُودٌ) قال أبو عبيدة: الغربيب الشديد السواد، ففي الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: ومن الجبال
__________
(1). صدر البيت:
والدهر لا يبقى على حدثانه

[.....]

سود غرابيب. والعرب تقول للشديد السواد الذي لونه كلون الغراب: أسود غربيب. قال الجوهري: وتقول هذا أسود غربيب، أي شديد السواد. وإذا قلت: غرابيب سود، تجعل السود بدلا من غرابيب لان توكيد الألوان لا يتقدم. وفي الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن الله يبغض الشيخ الغربيب) يعني الذي يخضب بالسواد. قال امرؤ القيس:
العين طامحة واليد سابحة ... والرجل لافحة والوجه غربيب «1»
وقال آخر يصف كرما:
ومن تعاجيب خلق الله غاطية ... يعصر منها ملاحي وغربيب «2»
(كَذلِكَ) هنا تمام الكلام، أي كذلك تختلف أحوال العباد في الخشية، ثم استأنف فقال: (إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) يعني بالعلماء الذين يخافون قدرته، فمن علم أنه عز وجل قدير أيقن بمعاقبته على المعصية، كما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس" إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ" قال: الذين علموا أن الله على كل شي قدير. وقال الربيع بن أنس: من لم يخش الله تعالى فليس بعالم. وقال مجاهد: إنما العالم من خشي الله عز وجل. وعن ابن مسعود: كفى بخشية الله تعالى علما وبالاغترار جهلا. وقيل لسعد ابن إبراهيم: من أفقه أهل المدينة؟ قال أتقاهم لربه عز وجل. وعن مجاهد قال: إنما الفقيه من يخاف الله عز وجل. وعن علي رضي الله عنه قال: إن الفقيه حق الفقيه من لم يقنط
__________
(1). هذه رواية الأصول. والبيت كما ورد في ديوانه طبع مطبعة الاستقامة:
واليد سابحة والرجل ضارحة ... والعين قادحة والمتن سلحوب

والماء منهمر والشد منحدر ... والقصب مضطمر واللون غربيب
قوله (سابحة) يعنى إذا جرى فرسه مد يديه فكأنه سابح في الماء. وضرحت الدابة برجلها: رمحت. وقدحت العين: غارت. والمتن: الظهر. وقوله (سلحوب) بالسين وفسر بأنه أملس قليل اللحم. وهذا التفسير لم نجده لهذه الكلمة في المظان التي بين أيدينا. والرواية فيه (ملحوب) بالميم. ولحب متن الفرس وعجزه: املاس في حدور. ومتن لحوب. و(والشد) العدو. و(القصب) بالضم: الخصر. و(مضطمر) ضامر.
(2). الغاطية: الشجرة التي طالت أغصانها وانبسطت على الأرض. و(ملاحى): أبيض.

إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30)

الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله تعالى، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره، إنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فقه فيه، ولا قراءة لا تدبر فيها. وأسند الدارمي أبو محمد عن مكحول قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ثم تلا هذه الآية- إنما يخشى الله من عباده العلماء. إن الله وملائكته وأهل سماواته وأهل أرضيه والنون في البحر يصلون على الذين يعلمون الناس الخير" الخبر مرسل. قال الدارمي: وحدثني أبو النعمان حدثنا حماد ابن زيد عن يزيد بن حازم قال حدثني عمي جرير بن زيد «1»
أنه سمع تبيعا يحدث عن كعب قال: إني لأجد نعت قوم يتعلمون لغير العمل، ويتفقهون لغير العبادة، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة، ويلبسون جلود الضأن، قلوبهم أمر من الصبر، فبي يغترون، وإياي يخادعون، فبي حلفت لأتيحن لهم فتنة تذر الحليم فيهم حيران. خرجه الترمذي مرفوعا من حديث أبي الدرداء وقد كتبناه في مقدمة الكتاب «2»
. الزمخشري: فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ" إنما يخشى الله" بالرفع" مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ" بالنصب، وهو عمر بن عبد العزيز. وتحكى عن أبي حنيفة. قلت: الخشية في هذه القراءة استعارة، والمعنى: إنما يجلهم ويعظمهم كما يجل المهيب المخشي من الرجال بين الناس من بين جميع عباده. (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) تعليل لوجوب الخشية، لدلالته على عقوبة العصاة وقهرهم، وإثابة أهل الطاعة والعفو عنهم. والمعاقب والمثيب حقه أن يخشى.

[سورة فاطر (35): الآيات 29 الى 30]
إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30)
__________
(1). في الأصول: (جرير بن يزيد) وهو تحريف راجع تهذيب التهذيب وسنن الدارمي.
(2). راجع ج 1 ص 19 فما بعد.

وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35)

قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً) هذه آية القراء العاملين العالمين الذين يقيمون الصلاة الفرض والنفل، وكذا في الإنفاق. وقد مضى في مقدمة الكتاب ما ينبغي أن يتخلق به قارئ القرآن «1»
." يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ" قال أحمد بن يحيى: خبر" إِنَّ"" يَرْجُونَ". (وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) قيل: الزيادة الشفاعة في الآخرة. وهذا مثل الآية الأخرى:" رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ" إلى قوله" وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ" «2»
[النور: 38- 37]، وقوله في آخر النساء:" فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ" [النساء: 173] وهناك «3»
بيناه. (إِنَّهُ غَفُورٌ) للذنوب. (شَكُورٌ) يقبل القليل من العمل الخالص، ويثيب عليه الجزيل من الثواب.

[سورة فاطر (35): آية 31]
وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31)
قوله تعالى: (وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ) يعني القرآن. (هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) أي من الكتب. (إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ).

[سورة فاطر (35): الآيات 32 الى 35]
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (33) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (35)
__________
(1). راجع ج 1 ص 26 فما بعد.
(2). راجع ج 12 ص 279.
(3). راجع ج 6 ص 26

فيه أربع مسائل: الاولى- هذه الآية مشكلة، لأنه قال جل وعز:" اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا" ثم قال:" فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ" وقد تكلم العلماء فيها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. قال النحاس: فمن أصح ما روى في ذلك ما روي عن ابن عباس" فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ" قال: الكافر، رواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس أيضا. وعن ابن عباس أيضا" فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ" قال: نجت فرقتان، ويكون التقدير في العربية: فمنهم من عبادنا ظالم لنفسه، أي كافر. وقال الحسن: أي فاسق. ويكون الضمير الذي في" يَدْخُلُونَها" يعود على المقتصد والسابق لا على الظالم. وعن عكرمة وقتادة والضحاك والفراء أن المقتصد المؤمن العاصي، والسابق التقي على الإطلاق. قالوا: وهذه الآية نظير قوله تعالى في سورة الواقعة" وَكُنْتُمْ أَزْواجاً «1»
ثَلاثَةً" [الواقعة: 7] الآية. قالوا وبعيد أن يكون ممن يصطفي ظالم. ورواه مجاهد عن ابن عباس. قال مجاهد:" فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ" أصحاب المشأمة،" وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ" أصحاب الميمنة،" وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ" السابقون من الناس كلهم. وقيل: الضمير في" يَدْخُلُونَها" يعود على الثلاثة الأصناف، على ألا يكون الظالم ها هنا كافرا ولا فاسقا. وممن روي عنه هذا القول عمر وعثمان وأبو الدرداء، وابن مسعود وعقبة بن عمرو وعائشة، والتقدير على هذا القول: أن يكون الظالم لنفسه الذي عمل الصغائر. و" المقتصد" قال محمد بن يزيد: هو الذي يعطي الدنيا حقها والآخرة حقها، فيكون" جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها" عائدا على الجميع على هذا الشرح والتبيين، وروي عن أبي سعيد الخدري. وقال كعب الأحبار: استوت مناكبهم- ورب الكعبة- وتفاضلوا بأعمالهم. وقال أبو إسحاق السبيعي: أما الذي سمعت منذ ستين سنة فكلهم ناج. وروى أسامة بن زيد أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرأ هذه الآية وقال: (كلهم في الجنة). وقرا عمر بن الخطاب هذه الآية ثم قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له). فعلى هذا القول يقدر مفعول الاصطفاء من قوله:" أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا"
__________
(1). راجع ج 17 ص 198

مضافا حذف كما حذف المضاف في" وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ" «1»
[يوسف: 82] أي اصطفينا دينهم فبقى اصطفيناهم، فحذف العائد إلى الموصول كما حذف في قوله:" وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ" «2»
[هود: 31] أي تزدريهم، فالاصطفاء إذا موجه إلى دينهم، كما قال تعالى:" إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ «3»
الدِّينَ" [البقرة: 132]. قال النحاس: وقول ثالث- يكون الظالم صاحب الكبائر، والمقتصد الذي لم يستحق الجنة بزيادة حسناته على سيئاته، فيكون:" جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها" للذين سبقوا بالخيرات لا غير. وهذا قول جماعة من أهل النظر، لان الضمير في حقيقة النظر لما يليه أولى. قلت: القول الوسط أولاها وأصحها إن شاء الله، لان الكافر والمنافق لم يصطفوا بحمد الله، ولا اصطفى دينهم. وهذا قول ستة من الصحابة، وحسبك. وسنزيده بيانا وإيضاحا في باقي الآية. الثانية- قوله تعالى: (أَوْرَثْنَا الْكِتابَ) أي أعطينا. والميراث عطاء حقيقة أو مجازا، فإنه يقال فيما صار للإنسان بعد موت آخر. و" الْكِتابَ" ها هنا يريد به معاني الكتاب وعلمه وأحكامه وعقائده، وكان الله تعالى لما أعطى أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القرآن، وهو قد تضمن معاني الكتب المنزلة، فكأنه ورث أمة محمد عليه السلام الكتاب الذي كان في الأمم قبلنا. (اصْطَفَيْنا) أي اخترنا. واشتقاقه من الصفو، وهو الخلوص من شوائب الكدر. وأصله اصتفونا، فأبدلت التاء طاء والواو ياء. (مِنْ عِبادِنا) قيل المراد أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قاله أبن عباس وغيره. وكان اللفظ يحتمل جميع المؤمنين من كل أمة، إلا أن عبارة توريث الكتاب لم تكن إلا لامة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والأول لم يرثوه. وقيل: المصطفون الأنبياء، توارثوا الكتاب بمعنى أنه انتقل عن بعضهم إلى آخر، قال الله تعالى:" وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ" «4»
[النمل: 16]، وقال:" يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ" «5»
[مريم: 6] فإذا جاز أن تكون النبوة موروثة فكذلك الكتاب." فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ" من وقع في صغيرة. قال أبن عطية: وهذا
__________
(1). راجع ج 9 ص 245.
(2). راجع ج 9 ص 27.
(3). راجع ج 2 ص 134 فما بعد.
(4). راجع ج 13 ص 163 فما بعد.
(5). راجع ج 11 ص 73 فما بعد.

قول مردود من غير ما وجه. قال الضحاك: معنى" فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ" أي من ذريتهم ظالم لنفسه وهو المشرك. الحسن: من أممهم، على ما تقدم ذكره من الخلاف في الظالم. والآية في أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقد اختلفت عبارات أرباب القلوب في الظالم والمقتصد والسابق، فقال سهل بن عبد الله: السابق العالم، والمقتصد المتعلم، والظالم الجاهل. وقال ذو النون المصري: الظالم الذاكر الله بلسانه فقط، والمقتصد الذاكر بقلبه، والسابق الذي لا ينساه. وقال الأنطاكي: الظالم صاحب الأقوال، والمقتصد صاحب الافعال، والسابق صاحب الأحوال. وقال أبن عطاء: الظالم الذي يحب الله من أجل الدنيا، والمقتصد الذي يحبه من أجل العقبى، والسابق الذي أسقط مراده بمراد الحق. وقيل: الظالم الذي يعبد الله خوفا من النار، والمقتصد الذي يعبد الله طمعا في الجنة، والسابق الذي يعبد الله لوجهه لا لسبب. وقيل: الظالم الزاهد في الدنيا، لأنه ظلم نفسه فترك لها حظا وهي المعرفة والمحبة، والمقتصد العارف، والسابق المحب. وقيل: الظالم الذي يجزع عند البلاء، والمقتصد الصابر على البلاء، والسابق المتلذذ بالبلاء. وقيل: الظالم الذي يعبد الله على الغفلة والعادة، والمقتصد الذي يعبده على الرغبة والرهبة، والسابق الذي يعبده على الهيبة. وقيل: الظالم الذي أعطي فمنع، والمقتصد الذي أعطي فبذل، والسابق الذي يمنع فشكر وآثر. يروى أن عابدين التقيا فقال: كيف حال إخوانكم بالبصرة؟ قال: بخير، إن أعطوا شكروا وإن منعوا صبروا. فقال «1»
: هذه حالة الكلاب عندنا ببلخ! عبادنا إن منعوا شكروا وإن أعطوا آثروا. وقيل: الظالم من استغنى بماله، والمقتصد من أستغنى بدينه، والسابق من أستغنى بربه. وقيل: الظالم التالي للقرآن ولا يعمل به، والمقتصد التالي للقرآن ويعمل به، والسابق القارئ للقرآن العامل به والعالم به. وقيل: السابق الذي يدخل المسجد قبل تأذين المؤذن، والمقتصد الذي يدخل المسجد وقد أذن، والظالم الذي يدخل المسجد وقد أقيمت الصلاة، لأنه ظلم نفسه الأجر فلم يحصل لها ما حصله غيره. وقال بعض أهل العلم في هذا: بل السابق الذي يدرك الوقت والجماعة فيدرك الفضيلتين، والمقتصد الذي إن فاتته الجماعة لم يفرط
__________
(1). الزيادة من ك. [.....]

في الوقت، والظالم الغافل عن الصلاة حتى يفوت الوقت والجماعة، فهو أولى بالظلم. وقيل: الظالم الذي يحب نفسه، والمقتصد الذي يحب دينه، والسابق الذي يحب ربه. وقيل: الظالم الذي ينتصف ولا ينصف، والمقتصد الذي ينتصف وينصف، والسابق الذي ينصف ولا ينتصف. وقالت عائشة رضي الله عنها: السابق الذي أسلم قبل الهجرة، والمقتصد من أسلم بعد الهجرة، والظالم من لم يسلم إلا بالسيف، وهم كلهم مغفور لهم. قلت: ذكر هذه الأقوال وزيادة عليها الثعلبي في تفسيره. وبالجملة فهم طرفان وواسطة، وهو المقتصد الملازم للقصد وهو ترك الميل، ومنه قول جابر بن حني الثعلبي:
نعاطي الملوك السلم ما قصدوا لنا ... وليس علينا قتلهم بمحرم
أي نعاطيهم الصلح ما ركبوا بنا القصد، أي ما لم يجوروا، وليس قتلهم بمحرم علينا إن جاروا، فلذلك كان المقتصد منزلة بين المنزلتين، فهو فوق الظالم لنفسه ودون السابق بالخيرات. (ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) يعنى إتياننا الكتاب لهم. وقيل: ذلك الاصطفاء مع علمنا بعيوبهم هو الفضل الكبير. وقيل: وعد الجنة لهؤلاء الثلاثة فضل كبير. الثالثة- وتكلم الناس في تقديم الظالم على المقتصد والسابق فقيل: التقديم في الذكر لا يقتضي تشريفا، كقوله تعالى:" لا يَسْتَوِي أَصْحابُ «1»
النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ" [الحشر: 20]. وقيل: قدم الظالم لكثرة الفاسقين منهم وغلبتهم وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم، والسابقين أقل من القليل، ذكره الزمخشري ولم يذكره غيره وقيل: قدم الظالم لتأكيد الرجاء في حقه، إذ ليس له شي يتكل عليه إلا رحمة ربه. واتكل المقتصد على حسن ظنه، والسابق على طاعته. وقيل: قدم الظالم لئلا ييئس من رحمة الله، وأخر السابق لئلا يعجب بعمله. وقال جعفر بن محمد بن علي الصادق رضي الله عنه: قدم الظالم ليخبر أنه لا يتقرب إليه إلا بصرف رحمته وكرمه، وأن الظلم لا يؤثر في الاصطفائية إذا كانت ثم عناية، ثم ثنى بالمقتصدين لأنهم بين الخوف والرجاء، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكر الله، وكلهم في الجنة
__________
(1). راجع ج 18 ص 440.

بحرمة كلمة الإخلاص:" لا إله إلا الله محمد رسول الله". وقال محمد بن علي الترمذي: جمعهم في الاصطفاء إزالة للعلل عن العطاء، لان الاصطفاء يوجب الإرث، لا الإرث يوجب الاصطفاء، ولذلك قيل في الحكمة: صحح النسبة ثم ادع في الميراث. وقيل: أخر السابق ليكون أقرب إلى الجنات والثواب، كما قدم الصوامع والبيع في" سورة الحج" «1»
على المساجد، لتكون الصوامع أقرب إلى الهدم والخراب، وتكون المساجد أقرب إلى ذكر الله. وقيل: إن الملوك إذا أرادوا الجمع بين الأشياء بالذكر قدموا الأدنى، كقوله تعالى:" لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ" «2»
[الأعراف: 167]، وقوله:" يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ" «3» [الشورى: 49]، وقوله:" لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ" [الحشر: 20] قلت: ولقد أحسن من قال:
وغاية هذا الجود أنت وإنما ... يوافي إلى الغايات في آخر الامر
الرابعة- قوله: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها) جمعهم في الدخول لأنه ميراث، والعاق والبار في الميراث سواء إذا كانوا معترفين بالنسب، فالعاصي والمطيع مقرون بالرب. وقرى:" جنة عدن" على الافراد، كأنها جنة مختصة بالسابقين لقلتهم، على ما تقدم. و" جنات عدن" بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر، أي يدخلون جنات عدن يدخلونها. وهذا للجميع، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. وقرا أبو عمرو (يدخلونها) بضم الياء وفتح الخاء. قال: لقوله (يُحَلَّوْنَ). وقد مضى في (الحج) الكلام في قوله تعالى: (يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ) «4»." وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ" قال أبو ثابت: دخل رجل المسجد فقال اللهم ارحم غربتي وآنس وحدتي يسر لي جليسا صالحا. فقال أبو الدرداء: لئن كنت صادقا فلانا أسعد بذلك منك، سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:
__________
(1). راجع ج 12 ص 68.
(2). راجع ج 7 ص 309.
(3). راجع ج 16 ص 48.
(4). راجع ج 12 ص 28.

وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37)

" ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ"- قال- فيجيء هذا السابق فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام ويوبخ ويقرع ثم يدخل الجنة فهم الذين قالوا:" الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ" وفي لفظ آخر" وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك يحبسون في طول المحشر ثم هم الذين يتلقاهم «1» الله برحمته فهم الذين يقولون" الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور- إلى قوله- ولا يمسنا فيها لغوب". وقيل: هو الذي يؤخذ منه في مقامه، يعني يكفر عنه بما يصيبه من الهم والحزن، ومنه قوله تعالى:" مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ" «2» [النساء: 123] يعني في الدنيا. قال الثعلبي: وهذا التأويل أشبه بالظاهر، لأنه قال:" جنات عدن يدخلونها"، ولقوله:" الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا" والكافر والمنافق لم يصطفوا. قلت: وهذا هو الصحيح، وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها وطيب وطعمها مر). فأخبر أن المنافق يقرؤه، وأخبر الحق سبحانه وتعالى أن المنافق في الدرك الأسفل من النار، وكثير من الكفار واليهود والنصارى يقرءونه في زماننا هذا. وقال مالك: قد يقرأ القرآن من لا خير فيه. والنصب: التعب. واللغوب: الإعياء.

[سورة فاطر (35): الآيات 36 الى 37]
وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37)
__________
(1). كذا في ش وح. وفي ب. وك:- يتلافاهم.
(2). راجع ج 5 ص 396)

قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ) لما ذكر أهل الجنة وأحوالهم ومقالتهم، ذكر أهل النار وأحوالهم ومقالتهم. (لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا) مثل:" لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى " «1» [الأعلى: 13]. (وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها) مثل: (كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ" «2» [النساء: 56]. (كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ)
أي كافر بالله ورسوله. وقرا الحسن (فيموتون) بالنون ولا يكون للنفي حينئذ جواب ويكون (فيموتون) عطفا على (يُقْضى ) تقديره لا يقضى عليهم ولا يموتون كقوله تعالى: (وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) «3». قال الكسائي: (وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) بالنون في المصحف لأنه رأس آية و(لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا) لأنه ليس رأس آية. ويجوز في كل واحد منهما ما جاز في صاحبه. (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها) أي يستغيثون في النار بالصوت العالي. والصراخ الصوت العالي، والصارخ المستغيث والمصرخ المغيث. قال:
كنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له قرع الظنابيب «4»
(رَبَّنا أَخْرِجْنا) أي يقولون ربنا أخرجنا من جهنم وردنا إلى الدنيا. (نَعْمَلْ صالِحاً) قال ابن عباس: نقل: لا إله إلا الله. وهو معنى قولهم: (غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) أي من الشرك، أي نؤمن بدل الكفر، ونطيع بدل المعصية، ونمتثل أمر الرسل. (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) هذا جواب دعائهم، أي فيقال لهم، فالقول مضمر. وترجم البخاري: (باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر لقوله عز وجل" أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ" يعني الشيب) حدثنا عبد السلام بن مطهر قال حدثنا عمر بن علي قال حدثنا معن بن محمد الغفاري عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة). قال الخطابي:" أعذر إليه" أي بلغ به أقصى العذر، ومنه قولهم: قد
__________
(1). راجع ج 1 ص (227)
(2). راجع ج 5 ص (253)
(3). راجع ج 19 ص (164)
(4). البيت لسلامة بن جندل. والظنابيب (جمع الظنبوب) وهو مسمار يكون في جبة السنان.

أعذر من أنذر، أي أقام عذر نفسه في تقديم نذارته. والمعنى: أن من عمره الله ستين سنة لم يبق له عذر، لان الستين قريب من معترك المنايا، وهو سن الإنابة والخشوع وترقب المنية ولقاء الله تعالى، ففيه إعذار بعد إعذار، الأول بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والموتان «1» في الأربعين والستين. قال علي وابن عباس وأبو هريرة في تأويل قوله تعالى" أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ": إنه ستون سنة. وقد روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال في موعظته: (ولقد أبلغ في الاعذار من تقدم في الإنذار وإنه لينادي مناد من قبل الله تعالى أبناء الستين" أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ" (. وذكر الترمذي الحكيم من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:) إذا كان يوم القيامة نودي أبناء الستين وهو العمر الذي قال الله" أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ" (. وعن ابن عباس أيضا أنه أربعون سنة. وعن الحسن البصري ومسروق مثله. ولهذا القول أيضا وجه، وهو صحيح، والحجة له قوله تعالى:" حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً" «2» [الأحقاف 15] الآية. ففي الأربعين تناهي العقل، وما قبل ذلك وما بعده منتقص عنه «3»، والله أعلم. وقال مالك: أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا والعلم ويخالطون الناس، حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس واشتغلوا بالقيامة حتى يأتيهم الموت. وقد مضى هذا المعنى في سورة" الأعراف"»
. وخرج ابن ماجة عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من تجاوز ذلك). قوله تعالى: (وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ) وقرى" وجاءتكم النذر" واختلف فيه، فقيل القرآن. وقيل الرسول، قاله زيد بن علي وابن زيد. وقال ابن عباس وعكرمة وسفيان ووكيع والحسين ابن الفضل والفراء والطبري: هو الشيب. وقيل: النذير الحمى. وقيل: موت الأهل والأقارب. وقيل: كمال العقل. والنذير بمعنى الإنذار.
__________
(1). الموتان (بضم الميم وفتحها وسكون الواو): الموت.
(2). راجع ج 16 ص (194)
(3). كيف هذا وقد عاش صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاثا وستين سنة؟؟ [.....]
(4). راجع ج 7 ص 276

إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (38)

قلت: فالشيب والحمى وموت الأهل كله إنذار بالموت، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الحمى رائد الموت). قال الأزهري: معناه أن الحمى رسول الموت، أي كأنها تشعر بقدومه وتنذر بمجيئه. والشيب نذير أيضا، لأنه يأتي في سن الاكتهال، وهو علامة لمفارقة سن الصبا الذي هو سن اللهو واللعب. قال:
رأيت الشيب من نذر المنايا ... لصاحبه وحسبك من نذير
وقال آخر:
فقلت لها المشيب نذير عمري ... ولست مسودا وجه النذير

وأما موت الأهل والأقارب والأصحاب والاخوان فإنذار بالرحيل في كل وقت وأوان، وحين وزمان. قال:
وأراك تحملهم ولست تردهم ... فكأنني بك قد حملت فلم ترد
وقال آخر:
الموت في كل حين ينشر الكفنا ... ونحن في غفلة عما يراد بنا
وأما كمال العقل فبه تعرف حقائق الأمور ويفصل بين الحسنات والسيئات، فالعاقل يعمل لآخرته ويرغب فيما عند ربه، فهو نذير. وأما محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبعثه الله بشيرا ونذيرا إلى عباده قطعا لحججهم، قال الله تعالى:" لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ" «1» [النساء: 165] وقال:" وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" «2» [الاسراء: 15]. قوله تعالى: (فَذُوقُوا) يريد عذاب جهنم، لأنكم ما اعتبرتم ولا اتعظتم. (فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) أي مانع من عذاب الله.

[سورة فاطر (35): آية 38]
إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (38)
__________
(1). راجع ج 6 ص 18.
(2). راجع 10 ص 230.

هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (39)

تقدم معناه في غير موضع. والمعنى: علم أنه لو ردكم إلى الدنيا لم تعملوا صالحا، كما قال:" وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ" «1» [الانعام: 28]. و" عالِمُ
" إذا كان بغير تنوين صلح أن يكون للماضي والمستقبل، وإذا كان منونا لم يجز أن يكون للماضي.

[سورة فاطر (35): آية 39]
هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَساراً (39)
قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ) قال قتادة: خلفا بعد خلف، قرنا بعد قرن. والخلف هو التالي للمتقدم، ولذلك قيل لابي بكر: يا خليفة الله، فقال: لست بخليفة الله، ولكني خليفة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأنا راض بذلك. (فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ) أي جزاء كفره وهو العقاب والعذاب. (وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً) أي بغضا وغضبا. (وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَساراً) أي هلاكا وضلالا.

[سورة فاطر (35): آية 40]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً (40)
قوله تعالى:" قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ"" شُرَكاءَكُمُ" منصوب بالرؤية، ولا يجوز رفعه، وقد يجوز الرفع عند سيبويه في قولهم: قد علمت زيدا أبو من هو؟ لان زيدا في المعنى مستفهم عنه. ولو قلت: أرأيت زيدا أبو من هو؟ لم يجز الرفع. والفرق بينهما أن معنى هذا أخبرني عنه، وكذا معنى هذا أخبروني عن شركائكم الذي تدعون من
__________
(1). راجع ج 6 ص 409

إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41)

دون الله، أعبدتموهم لان لهم شركة في خلق السماوات، أم خلقوا من الأرض شيئا! (أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً) أي أم عندهم كتاب أنزلناه إليهم بالشركة. وكان في هذا رد على من عبد غير الله عز وجل، لأنهم لا يجدون في كتاب من الكتب أن الله عز وجل أمر أن يعبد غيره. (فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم" عَلى بَيِّنَةٍ" بالتوحيد، وجمع الباقون. والمعنيان متقاربان إلا أن قراءة الجمع أولى، لأنه لا يخلو من قرأه" عَلى بَيِّنَةٍ" من أن يكون خالف السواد الأعظم، أو يكون جاء به على لغة من قال: جاءني طلحت، فوقف بالتاء، وهذه لغة شاذة قليلة، قاله النحاس. وقال أبو حاتم وأبو عبيد: الجمع أولى لموافقته الخط، لأنها في مصحف عثمان" بينات" بالألف والتاء. (بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً) أي أباطيل تغر، وهو قول السادة للسفلة: إن هذه الآلهة تنفعكم وتقربكم. وقيل: إن الشيطان يعد المشركين ذلك. وقيل: وعدهم بأنهم ينصرون عليهم.

[سورة فاطر (35): آية 41]
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (41)
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا) لما بين أن آلهتهم لا تقدر على خلق شي من السماوات والأرض بين أن خالقهما وممسكهما هو الله، فلا يوجد حادث إلا بإيجاده، ولا يبقى إلا ببقائه. و" إِنَّ" في موضع نصب بمعنى كراهة أن تزولا، أو لئلا تزولا، أو يحمل على المعنى، لان المعنى أن الله يمنع السماوات والأرض أن تزولا، فلا حاجة على هذا إلى إضمار، وهذا قول الزجاج. (وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ) قال الفراء: أي ولو زالتا ما أمسكهما من أحد. و" إِنَّ" بمعنى ما. قال: وهو مثل قوله:" وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ" «1» [الروم: 51]. وقيل: المراد زوالهما
__________
(1). راجع ص 45 من هذا الجزء.

وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (42) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43)

يوم القيامة. وعن إبراهيم قال: دخل رجل من أصحاب ابن مسعود إلى كعب الأحبار يتعلم منه العلم، فلما رجع قال له ابن مسعود: ما الذي أصبت من كعب؟ قال سمعت كعبا يقول: إن السماء تدور على قطب مثل قطب الرحى، في عمود على منكب ملك، فقال له عبد الله: وددت أنك انقلبت براحلتك ورحلها، كذب كعب، ما ترك يهوديته! إن الله تعالى يقول:" إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا" إن السماوات لا تدور، ولو كانت تدور لكانت قد زالت. وعن ابن عباس نحوه، وأنه قال لرجل مقبل من الشام: من لقيت به؟ قال كعبا. قال: وما سمعته يقول؟ قال: سمعته يقول: إن السماوات على منكب ملك. فال: كذب كعب، أما ترك يهوديته بعد! إن الله تعالى يقول:" إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا" والسماوات سبع والأرضون سبع، ولكن لما ذكرهما أجراهما مجرى شيئين، فعادت الكناية إليهما، وهو كقوله تعالى:" أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما" «1» [الأنبياء: 30] ثم ختم الآية بقوله:" إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً" لان المعنى فيما ذكره بعض أهل التأويل: أن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا من كفر الكافرين، وقولهم اتخذ الله ولدا. قال الكلبي: لما قالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله، كادت السماوات والأرض أن تزولا عن أمكنتهما، فمنعهما الله، وأنزل هذه الآية فيه، وهو كقوله تعالى:" لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا. تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ" «2» [مريم: 90- 89] الآية.

[سورة فاطر (35): الآيات 42 الى 43]
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (42) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً (43)
__________
(1). راجع ج 11 ص 282.
(2). راجع ج 11 ص 155.

قوله تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ) هم قريش أقسموا قبل أن يبعث الله رسوله محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حين بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم، فلعنوا من كذب نبيه منهم، وأقسموا بالله جل أسمه (لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ) أي نبي (لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ) يعني ممن كذب الرسل من أهل الكتاب. وكانت العرب تتمنى أن يكون منهم رسول كما كانت الرسل من بني إسرائيل، فلما جاءهم ما تمنوه وهو النذير من أنفسهم، نفروا عنه ولم يؤمنوا به. (اسْتِكْباراً) أي عتوا عن الايمان (وَمَكْرَ السَّيِّئِ) أي مكر العمل السيئ وهو الكفر وخدع الضعفاء، وصدهم عن الايمان ليكثر أتباعهم. وأنث" من إحدى الأمم" لتأنيث أمة، قاله الأخفش. وقرا حمزة والأخفش" ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ" فحذف الاعراب من الأول واثبته في الثاني. قال الزجاج: وهو لحن، وإنما صار لحنا لأنه حذف الاعراب منه. وزعم المبرد أنه لا يجوز في كلام ولا في شعر، لان حركات الاعراب لا يجوز حذفها، لأنها دخلت للفرق بين المعاني. وقد أعظم بعض النحويين أن يكون الأعمش على جلالته ومحله يقرأ بهذا، قال: إنما كان يقف عليه، فغلط من أدى عنه، قال: والدليل على هذا أنه تمام الكلام، وأن الثاني لما لم يكن تمام الكلام أعرب باتفاق، والحركة في الثاني أثقل منها في الأول لأنها ضمة بين كسرتين. وقد احتج بعض النحويين لحمزة في هذا بقول سيبويه، وأنه أنشد هو وغيره:
إذا اعوججن قلت صاحب قوم «1»

وقال الآخر:
فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل «2»
__________
(1). تمامه:
بالدو أمثال السفين العوم

الدو: الصحراء. وأمثال السفين، رواحل محملة تقطع الصحراء قطع السفين البحر.
(2). البيت لامرئ القيس. والمستحقب: المكتسب للإثم الحامل له. والواغل: الداخل على القوم يشربون ولم يدع. قال هذا حين قتل أبوه ونذر ألا يشرب الخمر حتى يثأر به فلما أخذ ثأره حلت له يزعمه فلا يأثم في شربها إذ قد وفى بنذره فيها.

وهذا لا حجة فيه، لان سيبويه لم يجزه، وإنما حكاه عن بعض النحويين، والحديث إذا قيل فيه عن بعض العلماء لم يكن فيه حجة، فكيف وإنما جاء به على وجه الشذوذ ولضرورة الشعر وقد خولف فيه. وزعم الزجاج أن أبا العباس أنشده:
إذا اعوججن قلت صاح قوم

وأنه أنشد:
فاليوم أشرب غير مستحقب

بوصل الالف على الامر، ذكر جميعه النحاس. الزمخشري: وقرا حمزة" ومكر السيئ" بسكون الهمزة، وذلك لاستثقاله الحركات، ولعله اختلس فظن سكونا، أو وقف وقفة خفيفة ثم ابتدأ" وَلا يَحِيقُ". وقرا ابن مسعود" ومكرا سيئا" وقال المهدوي: ومن سكن الهمزة من قوله:" وَمَكْرَ السَّيِّئِ" فهو على تقدير الوقف عليه، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، أو على أنه أسكن الهمزة لتوالي الكسرات والياءات، كما قال:
فاليوم أشرب غير مستحقب

قال القشيري: وقرا حمزة" ومكر السيئ" بسكون الهمزة، وخطأه أقوام. وقال قوم: لعله وقف عليه لأنه تمام الكلام، فغلط الراوي وروى ذلك عنه في الإدراج، وقد سبق الكلام في أمثال هذا، وقلنا: ما ثبت بالاستفاضة أو التواتر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرأه فلا بد من جوازه، ولا يجوز أن يقال: إنه لحن، ولعل مراد من صار إلى التخطئة أن غيره أفصح منه، وإن كان هو فصيحا." وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ" أي لا ينزل عاقبة الشرك إلا بمن أشرك. وقيل: هذا إشارة إلى قتلهم ببدر. وقال الشاعر:
وقد دفعوا المنية فاستقلت ... ذراعا بعد ما كانت تحيق
أي تنزل، وهذا قول قطرب. وقال الكلبي:" يَحِيقُ" بمعنى يحيط. والحوق الإحاطة، يقال: حاق به كذا أي أحاط به. وعن ابن عباس أن كعبا قال له: إني أجد في التوراة" من حفر لأخيه حفرة وقع فيها"؟ فقال ابن عباس: فإني أوجدك في القرآن ذلك. قال: وأين؟ قال: فاقرأ (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) ومن أمثال العرب" من حفر لأخيه

أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44)

جبا وقع فيه منكبا" وروى الزهري أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لا تمكر ولا تعن ماكرا فإن الله تعالى يقول:" وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ"، ولا تبغ ولا تعن باغيا فإن الله تعالى يقول:" فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ" [الفتح: 10] وقال تعالى:" إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ" [يونس: 23] وقال بعض الحكماء:
يا أيها الظالم في فعله ... والظلم مردود على من ظلم
إلى متى أنت وحتى متى ... تحصى المصائب وتنسى النعم
وفي الحديث (المكر والخديعة في النار). فقوله: (في النار) يعني في الآخرة تدخل أصحابها في النار، لأنها من أخلاق الكفار لا من أخلاق المؤمنين الأخيار، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في سياق هذا الحديث: (وليس من أخلاق المؤمن المكر والخديعة والخيانة). وفي هذا أبلغ تحذير عن التخلق بهذه الأخلاق الذميمة، والخروج عن أخلاق الايمان الكريمة. قوله تعالى: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ) أي إنما ينتظرون العذاب الذي نزل بالكفار الأولين. (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) أي أجرى الله العذاب على الكفار، ويجعل ذلك سنة فيهم، فهو يعذب بمثله من استحقه، لا يقدر أحد أن يبدل ذلك، ولا أن يحول العذاب عن نفسه إلى غيره. والسنة الطريقة، والجمع سنن. وقد مضى في" آل عمران" «1» وأضافها إلى الله عز وجل. وقال في موضع آخر:" سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا" «2» فأضاف إلى القوم لتعلق الامر بالجانبين، وهو كالاجل، تارة يضاف إلى الله، وتارة إلى القوم، قال الله تعالى:" فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ" «3» [العنكبوت: 5] وقال:" فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ". [النحل: 61].

[سورة فاطر (35): آية 44]
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً (44)
__________
(1). راجع ج 4 ص 216.
(2). راجع ج 10 ص 302.
(3). راجع ج 13 ص 326.

وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45)

بين السنة التي ذكرها، أي أو لم يروا ما أنزلنا بعاد وثمود، وبمدين وأمثالهم لما كذبوا الرسل، فتدبروا ذلك بنظرهم إلى مساكنهم ودورهم، وبما سمعوا على التواتر بما حل بهم، أفليس فيه عبرة وبيان لهم، ليسوا خيرا من أولئك ولا أقوى، بل كان أولئك أقوى، دليله قوله:" وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ" أي إذا أراد إنزال عذاب بقوم لم يعجزه ذلك." إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً".

[سورة فاطر (35): آية 45]
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (45)
قوله تعالى: (وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا) يعني من الذنوب. (ما ترك على ظهرها من دابة) قال ابن مسعود: يريد جميع الحيوان مما دب ودرج. قال قتادة: وقد فعل ذلك زمن نوح عليه السلام. وقال الكلبي:" مِنْ دَابَّةٍ" يريد الجن والانس دون غيرهما، لأنهما مكلفان بالعقل. وقال ابن جرير والأخفش والحسين بن الفضل: أراد بالدابة هنا الناس وحدهم دون غيرهم. قلت: والأول أظهر، لأنه عن صحابي كبير. قال ابن مسعود: كاد الجعل أن يعذب في حجره بذنب ابن آدم. وقال يحيى بن أبي كثير: أمر رجل بالمعرف ونهى عن المنكر، فقال له رجل: عليك بنفسك فإن الظالم لا يضر إلا نفسه. فقال أبو هريرة: كذبت؟ والله الذي لا إله إلا هوثم قال- والذي نفسي بيده إن الحبارى لتموت هزلا في وكرها بظلم الظالم. وقال الثمالي ويحيى بن سلام في هذه الآية: يحبس الله المطر فيهلك كل شي. وقد مضى في" البقرة" نحو هذا عن عكرمة ومجاهد في تفسير" وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ" «1» هم الحشرات والبهائم يصيبهم الجدب بذنوب علماء السوء الكاتمين فيلعنونهم. وذكرنا هناك حديث البراء
__________
(1). راجع ج 2 ص 186 طبعه ثانية.

ابن عازب قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله:" وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ" قال: (دواب الأرض). (وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) قال مقاتل: الأجل المسمى هو ما وعدهم في اللوح المحفوظ. وقال يحيى: هو يوم القيامة. (فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ) أي بمن يستحق العقاب منهم (بَصِيراً). ولا يجوز أن يكون العامل في" إذا"" بَصِيراً" كما لا يجوز: اليوم إن زيدا خارج. ولكن العامل فيها" جاءَ" لشبهها بحروف المجازاة، والأسماء التي يجازى بها يعمل فيها ما بعدها. وسيبويه لا يرى المجازاة ب"- إذا" إلا في الشعر، كما قال:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب «1»
ختمت سورة" فاطر" والحمد لله.
__________
(1). البيت لقيس بن الحطيم الأنصار راجع ج 1 ص 201 طبعه ثانية أو ثالثة. [.....]
" ج 15"

الجزء الخامس عشر

[تفسير سورة يس- 36]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سورة يس وهى مكية بإجماع. وهى ثلاث وثمانون آية، إ لا أن فرقة قالت: إن قوله تعالى" وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ" [يس: 12] نزلت في بنى سلمة من الأنصار حين أرادوا أن يتركوا ديارهم، وينتقلوا إلى جوار مسجد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، على ما يأتي. وفى كتاب أبى داود عن معقل بن يسار قال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" قرءوا يس على موتاكم". وذكر الآجري من حديث أم الدرداء «1» عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" ما من ميت يقرأ عليه سورة يس إلا هون الله عليه. وفي مسند الدارمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" من قرأ سورة يس في ليلة ابتغاء وجه الله غفر له في تلك الليلة" خرجه أبو نعيم الحافظ أيضا. وروى الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" إن لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات" قال: هذا حديث غريب، وفي إسناده هارون أبو محمد شيخ مجهول، وفي الباب عن أبي بكر الصديق، ولا يصح حديث أبي بكر من قبل إسناده، وإسناده ضعيف. وعن عائشة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" إن في القرآن لسورة تشفع لقرائها ويغفر لمستمعها ألا وهي سورة يس تدعى في التوراة المعمة" قيل: يا رسول الله وما المعمة؟ قال:" تعم صاحبها بخير الدنيا وتدفع عنه أهاويل الآخرة وتدعى الدافعة والقاضية" قيل: يا رسول الله وكيف ذلك؟ قال:" تدفع عن صاحبها كل سوء وتقضي له كل حاجة ومن قرأها عدلت له عشرين حجة ومن سمعها كانت له كألف دينار تصدق بها في سبيل الله ومن كتبها وشربها أدخلت جوفه ألف دواء وألف نور وألف يقين وألف رحمة وألف رأفة وألف هدى ونزع
__________
(1). كذا في نسخ الأصل والذي في الدر المنثور: أبي الدردا.

عنه كل داء وغل". ذكره الثعلبي من حديث عائشة، والترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه مسندا. وفي مسند الدارمي عن شهر بن حوشب قال قال ابن عباس: من قرأ" يس" حين يصبح أعطي يسر يومه حتى يمسي ومن قرأها في صدر ليلته أعطي يسر ليلته حتى يصبح. وذكر النحاس عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لكل شي قلب وقلب القرآن يس من قرأها نهارا كفي همه ومن قرأها ليلا غفر ذنبه. وقال شهر ابن حوشب: يقرأ أهل الجنة" طه" و" يس" فقط. رفع هذه الأخبار الثلاثة الماوردي فقال: روى الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إن لكل شي قلبا وإن قلب القرآن يس ومن قرأها في ليلة أعطي يسر تلك الليلة ومن قرأها في يوم أعطي يسر ذلك اليوم وإن أهل الجنة يرفع عنهم القرآن فلا يقرءون شيئا إلا طه ويس". وقال يحيى بن أبي كثير: بلغني أن من قرأ سورة" يس" ليلا لم يزل في فرح حتى يصبح، ومن قرأها حين يصبح لم يزل في فرح حتى يمسي، وقد حدثني من جربها، ذكره الثعلبي وابن عطية، قال ابن عطية: ويصدق ذلك التجربة. وذكر الترمذي الحكيم في نوادر الأصول عن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن الصلت عن عمر بن ثابت عن محمد بن مروان عن أبي جعفر قال: من وجد في قلبه قساوة فليكتب" يس" في جام بزعفران ثم يشربه، حدثني أبي رحمه الله قال: حدثنا أصرم بن حوشب، عن بقية بن الوليد، عن المعتمر بن أشرف، عن محمد بن علي قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" القرآن أفضل من كل شي دون الله وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه فمن وقر القرآن فقد وقر الله ومن لم يوقر القرآن لم يوقر الله وحرمة القرآن عند الله كحرمة الوالد على ولده. القرآن شافع مشفع وما حل «1» مصدق فمن شفع له القرآن شفع ومن محل به القرآن ص، دق ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار. وحملة القرآن هم المحفوفون بحرمة الله الملبسون نور الله المعلمون كلام الله من والاهم فقد والى الله ومن عاداهم فقد عادى الله، يقول الله تعالى: يا حملة القرآن
__________
(1). قال ابن الأثير: ما حل أي خصم مجادل مصدق.

يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5)

استجيبوا لربكم بتوقير كتابه يزدكم حبا ويحببكم إلى عباده يدفع عن مستمع القرآن بلوى الدنيا ويدفع عن تالي «1» القرآن بلوى الآخرة ومن استمع آية من كتاب الله كان له أفضل مما تحت العرش إلى التخوم وإن في كتاب الله لسورة تدعى العزيزة ويدعى صاحبها الشريف يوم القيامة تشفع لصاحبها في أكثر من ربيعة ومضر وهي سورة يس". وذكر الثعلبي عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" من قرأ سورة يس ليلة الجمعة أصبح مغفورا له". وعن أنس أن رسول الله صلى قال:" من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف الله عنهم يومئذ وكان له بعدد حروفها حسنات".

[سورة يس (36): الآيات 1 الى 5]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)
تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5)
قوله تعالى:" يس" في" يس" أوجه من القراءات: قرأ أهل المدينة والكسائي" يس والقرآن الحكيم" بإدغام النون في الواو. وقرا أبو عمرو والأعمش وحمزة" يس" بإظهار النون. وقرا عيسى بن عمر" يسن" بنصب النون. وقرا ابن عباس وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم" يسن" بالكسر. وقرا هارون الأعور ومحمد بن السميقع" يسن" بضم النون، فهذه خمس قراءات. القراءة الأولى بالإدغام على ما يجب في العربية، لأن النون تدغم في الواو. ومن بين قال سبيل حروف الهجاء أن يوقف عليها، وإنما يكون الإدغام في الإدراج. وذكر سيبويه النصب وجعله من جهتين: إحداهما أن يكون مفعولا ولا يصرفه، لأنه عنده اسم أعجمي بمنزلة هابيل، والتقدير أذكر يسئن. وجعله سيبويه اسما للسورة. وقوله الآخر أن يكون مبنيا على الفتح مثل كيف وأين. وأما الكسر فزعم الفراء أنه مشبه بقول العرب جير لا أفعل، فعلى هذا يكون" يسن" قسما. وقاله ابن عباس. وقيل: مشبه بأمس وحذام وهؤلاء ورقاش. وأما الضم فمشبه بمنذ وحيث وقط، وبالمنادي المفرد إذا قلت يا رجل، لمن يقف عليه. قال ابن السميقع وهارون: وقد جاء في تفسيرها
__________
(1). الزيادة من" نوادر الأصول" للترمذي الحكيم.

يا رجل فالأولى بها الضم. قال ابن الأنباري"" يس" وقف حسن لمن قال هو افتتاح للسورة. ومن قال: معنى" يس" يا رجل لم يقف عليه. وروي عن ابن عباس مسعود وغيرهما أن معناه يا إنسان، وقالوا في قوله تعالى:" سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ" [الصافات: 130] أي على آل محمد. وقال سعيد بن جبير: هو اسم من أسماء محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ودليله" إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ". قال السيد الحميري:
يا نفس لا تمحضي بالنصح جاهدة ... وعلى المودة إلا آل ياسين
وقال أبو بكر الوراق: معناه يا سيد البشر. وقيل: إنه اسم من أسماء الله، قال مالك. روى عنه أشهب قال: سألته هل ينبغي لأحد أن يتسمى بياسين؟ قال: ما أراه ينبغي لقول الله:" يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ" يقول هذا اسمي يس. قال ابن العربي هذا كلام بديع، وذلك أن العبد يجوز له أن يتسمى باسم الرب إذا كان فيه معنى منه، كقوله: عالم وقادر ومريد ومتكلم. وإنما منع مالك من بالتسمية" يسئن"، لأنه اسم من أسماء الله لا يدرى معناه، فربما كان معناه ينفرد به الرب فلا يجوز أن يقدم عليه العبد. فإن قيل فقد قال الله تعالى:" سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ" [الصافات: 130] «1» قلنا: ذلك مكتوب بهجاء فتجوز التسمية به، وهذا الذي ليس بمتهجى هو الذي تكلم مالك عليه، لما فيه من الإشكال، والله أعلم. وقال بعض العلماء: افتتح الله هذه السورة بالياء والسين وفيهما مجمع الخير: ودل المفتتح على أنه قلب، والقلب أمير على الجسد، وكذلك" يس" أمير على سائر السور، مشتمل على جميع القرآن. ثم اختلفوا فيه أيضا، فقال سعيد بن جبير وعكرمة: هو بلغة الحبشة. وقال الشعبي: هو بلغة طي. الحسن: بلغة كلب. الكلبي: هو بالسريانية فتكلمت به العرب فصار من لغتهم. وقد مضى هذا المعنى في [طه ] وفي مقدمة الكتاب مستوفى. وقد سرد القاضي عياض أقوال المفسرين في معنى" يس" فحكى أبو محمد مكي أنه روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لي عند ربي عشرة أسماء" ذكر أن منها طه ويس اسمان له.
__________
(1). راجع ج 11 ص 165 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية. وج 1 ص 67 وما بعدها طبعه ثانية.

قلت: وذكر الماوردي عن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول" إن الله تعالى أسماني في القرآن سبعة أسماء محمد وأحمد وطه ويس والمزمل والمدثر وعبد الله" قاله القاضي. وحكى أبو عبد الرحمن السلمي عن جعفر الصادق أنه أراد يا سيد، مخاطبة لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعن ابن عباس:" يس" يا إنسان أراد محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال: هو قسم وهو من أسماء الله سبحانه. وقال الزجاج: قيل معناه يا محمد وقيل يا رجل وقيل يا إنسان. وعن ابن الحنفية:" يس" يا محمد. وعن كعب:" يس" قسم أقسم الله به قبل أن يخلق السماء والأرض بألفي عام قال «1» يا محمد:" إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ" ثم قال:" وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ". فإن قدر أنه من أسمائه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وصح فيه أنه قسم كان فيه من التعظيم ما تقدم، مو كد فيه القسم عطف القسم الآخر عليه. وإن كان بمعنى النداء فقد جاء قسم آخر بعده لتحقيق رسالته والشهادة بهدايته. أقسم الله تعالى باسمه وكتابه أنه لمن المرسلين بوحيه إلى عباده، وعلى صراط مستقيم من إيمانه، أي طريق لا اعوجاج فيه ولا عدول عن الحق. قال النقاش: لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلا له، وفية من تعظيمه وتمجيده على تأويل من قال إنه يا سيد ما فيه، وقد قال عليه السلام:" أنا سيد ولد آدم" انتهى كلامه. وحكى القشيري قال ابن عباس: قالت كفار قريش لست مرسلا وما أرسلك الله إلينا، فأقسم الله بالقرآن المحكم أن محمدا من المرسلين." والْحَكِيمِ" المحكم حتى لا يتعرض لبطلان وتناقض، كما قال:" أُحْكِمَتْ آياتُهُ" وكذلك أحكم في نظمه ومعانيه فلا يلحقه خلل. وقد يكون" الْحَكِيمِ" في حق الله بمعنى المحكم بكسر الكاف كا لأليم بمعنى المؤلم" عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ" أي دين مستقيم وهو الإسلام. وقال الزجاج: على طريق الأنبياء الذين تقدموك، وقال:" إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ" خبر إن، و" عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ" خبر ثان، أي إنك لمن المرسلين، وإنك على صراط مستقيم. وقيل: المعنى لمن المرسلين على استقامة، فيكون قوله:" عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ" من صلة الْمُرْسَلِينَ، أي إنك لمن المرسلين
__________
(1). زيادة يقتضيها المقام، ويدل عليها ما ورد في" الدر المنثور" السيوطي عن كعب.

لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8)

الذين أرسلوا على طريقة مستقيمة، كقوله تعالى:" وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. صراط الله" أي الصراط الذي أمر الله به. قوله تعالى:" تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ" قرأ ابن عامر وحفص والأعمش ويحيى وحمزة والكسائي وخلف:" تنزيل" بنصب اللام على المصدر، أي نزل الله ذلك تنزيلا. وأضاف المصدر فصار معرفة كقوله:" فَضَرْبَ الرِّقابِ" [محمد: 4] أي فضربا للرقاب. الباقون" تَنْزِيلَ" بالرفع على خبر ابتداء محذوف أي هو تنزيل، أو الذي أنزل إليك تنزيل العزيز الرحيم. هذا وقرى:" تنزيل" بالجر على البدل من" الْقُرْآنِ" والتنزيل يرجع إلى الْقُرْآنِ. وقيل: إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أي إنك لمن المرسلين، وإنك" تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ". فالتنزيل على هذا بمعنى الإرسال، قال الله تعالى:" قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً. رَسُولًا يَتْلُوا" [الطلاق: 11- 10] ويقال: أرسل الله المطر وأنزله بمعنى. ومحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رحمة الله أنزلها من السماء. ومن نصب قال: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إرسالا من العزيز الرحيم. و" الْعَزِيزِ" المنتقم ممن خالفه" الرَّحِيمِ" بأهل طاعته.

[سورة يس (36): الآيات 6 الى 8]
لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8)
قوله تعالى:" لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ"" قَوْماً" لا موضع لها من الإعراب عند أكثر أهل التفسير منهم قتادة، لأنها نفي والمعنى: لتنذر قوما ما أتى آباءهم قبلك نذير. وقيل: هي بمعنى الذي فالمعنى: لتنذرهم مثل ما أنذر آباؤهم، قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة أيضا. وقيل: إن" قَوْماً" والفعل مصدر، أي لتنذر قوما إنذار آبائهم. ثم يجوز أن تكون العرب قد بلغتهم بالتواتر أخبار الأنبياء، فالمعنى لم ينذروا برسول من أنفسهم. ويجوز أن يكون بلغهم الخبر ولكن غفلوا وأعرضوا ونسوا. ويجوز أن يكون هذا خطابا لقوم لم يبلغهم خبر نبي، وقد قال الله:" وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ"

[سبأ: 44] وقال:" لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ" [السجدة: 3] أي لم يأتهم نبي. وعلى قول من قال بلغهم خبر الأنبياء، فالمعنى فهم معرضون ألان متغافلون عن ذلك ويقال لامرض عن الشيء انه غافل عنه. وقيل:" فَهُمْ غافِلُونَ" عن عقاب الله. قوله تعالى:" لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ" أي وجب العذاب على أكثرهم" فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ" بإنذارك. وهذا فيمن سبق في علم الله أنه يموت على كفره. ثم بين سبب تركهم الإيمان فقال:" إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا". قيل: نزلت في أبي جهل ابن هشام وصاحبيه المخزوميين، وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمدا يصلي ليرضخن رأسه بحجر، فلما رآه ذهب فرفع حجرا ليرميه، فلما أومأ إليه رجعت يده إلى عنقه، والتصق الحجر بيده، قاله ابن عباس وعكرمة وغيرهما، فهو على هذا تمثيل أي هو بمنزلة من غلت يده إلى عنقه، فلما عاد إلى أصحابه أخبرهم بما رأى، فقال الرجل الثاني وهو الوليد بن المغيرة: أنا أرضخ رأسه. فأتاه وهو يصلي على حالته ليرميه بالحجر فأعمى الله بصره فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه فقال: والله ما رأيته ولقد سمعت صوته. فقال الثالث: والله لأشدخن أنا رأسه. ثم أخذ الحجر وانطلق فرجع القهقرى ينكص على عقبيه حتى خر على قفاه مغشيا عليه. فقيل له: ما شأنك؟ قال شأني عظيم رأيت الرجل فلما دنوت منه، وإذا فحل يخطر بذنبه ما رأيت فحلا قط أعظم منه حال بيني وبينه، فو اللات والعزى لو دنوت منه لأكلني. فأنزل الله تعالى:" إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ". وقرا ابن عباس:" إنا جعلنا في أيمانهم". وقال الزجاج: وقرى" إنا جعلنا في أيديهم". قال النحاس: وهذه القراءة تفسير ولا يقرأ بما خالف المصحف. وفي الكلام حذف على قراءة الجماعة، التقدير: إنا جعلنا في أعناقهم وفي أيديهم أغلالا فهي إلى الأذقان، فهي كناية عن الأيدي لا عن الأعناق، والعرب تحذف مثل هذا. ونظيره:" سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ" [النحل: 81] وتقديره وسرابيل تقيكم البرد فحذف، لأن ما وقى من الحر وقى من البرد، لأن الغل إذا كان في العنق فلا بد أن يكون في اليد، ولا سيما

وقد قال الله عز وجل:" فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ" فقد علم أنه يراد به الأيدي." فَهُمْ مُقْمَحُونَ" أي رافعو رؤوسهم لا يستطيعون الإطراق، لأن من علت يده إلى ذقنه ارتفع رأسه. روى عبد الله بن يحيى: أن علي بن أبي طالب عليه السلام أراهم الإقماح، فجعل يديه تحت لحيته وألصقهما ورفع رأسه. قال النحاس، وهذا أجل ما روي فيه وهو مأخوذ مما حكاه الأصمعي. قال: يقال أقمحت الدابة إذا جذبت لجامها لترفع رأسها. قال النحاس: والقاف مبدلة من الكاف لقربها منها. كما يقال: قهرته وكهرته. قال الأصمعي: يقال أكمحت الدابة إذا جذبت عنانها حتى ينتصب رأسها. ومنه قول الشاعر:
... والرأس مكمح «1»

ويقال: أكمحتها وأكفحتها وكبحتها، هذه وحدها بلا ألف عن الأصمعي. وقمح البعير قموحا إذا رفع رأسه عند الحوض وامتنع من الشرب، فهو بعير قامح وقمح، يقال: شرب فتقمح وانقمح بمعنى إذا رفع رأسه وترك الشرب ريا. وقد قامحت إبلك: إذا وردت ولم تشرب، ورفعت رأسها من داء يكون بها أو برد. وهي إبل مقامحة، وبعير مقامح، وناقة مقامح أيضا، والجمع قماح على غير قياس، قال بشر يصف سفينة:
ونحن على جوانبها قعود ... ونغض الطرف كالإبل القماح
والإقماح: رفع الرأس وغض البصر، يقال: أقمحه الغل إذا ترك رأسه مرفوعا من ضيقه. وشهرا قماح: أشد ما يكون من البرد، وهما الكانونان
سميا بذلك، لأن الإبل إذا وردت آذاها برد الماء فقامحت رءوسها، ومنه قمحت «2» السويق. وقيل: هو مثل ضربه الله تعالى لهم في امتناعكم من الهدى كامتناع المغلول، قال يحيى بن سلام وأبو عبيدة. وكما يقال: فلان حمار، أي لا يبصر الهدى. وكما قال:
لهم عن الرشد أغلال وأقياد
__________
(1). للبيت الذي الرمة وتمامه:
تمور بضبعيها وترمى بجوزها ... وحذارا من الإيعاد والرأس مكمح

(2). قمح السويق (بكسر الميم) إذا استفه.

وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11)

وفي الخبر: أن أبا ذؤيب كان يهوى امرأة في الجاهلية، فلما أسلم راودته فأبى وأنشأ يقول:
فليس كعهد الدار يا أم مالك ... وولكن أحاطت بالرقاب السلاسل
وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل ... وسوى العدل شيئا فاستراح العواذل «1»
أراد منعنا بموانع الإسلام عن تعاطي الزنى والفسق. وقال الفراء أيضا: هذا ضرب مثل، أي حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله، وهو كقوله تعالى:" وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ" [الإسراء: 29] وقال الضحاك. وقيل: إن هؤلاء صاروا في الاستكبار عن الحق كمن جعل في يده غل فجمعت إلى عنقه، فبقي رافعا رأسه لا يخفضه، وغاضا بصره لا يفتحه. والمتكبر يوصف بانتصاب العنق. وقال الأزهري: إن أيديهم لما علت عند أعناقهم رفعت الأغلال أذقانهم ورءوسهم صعدا كالإبل ترفع رءوسها. وهذا المنع بخلق الكفر في قلوب الكفار، وعند قوم بسلبهم التوفيق عقوبة لهم على كفرهم. وقيل: الآية إشارة إلى ما يفعل بأقوام غدا في النار من وضع الأغلال في أعناقهم والسلاسل، كما قال تعالى:" إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ" [غافر: 71] وأخبر عنه بلفظ الماضي." فَهُمْ مُقْمَحُونَ" تقدم تفسيره. وقال مجاهد:" مُقْمَحُونَ" مغلون عن كل خير.

[سورة يس (36): الآيات 9 الى 11]
وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (9) وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (10) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11)
قوله تعالى:" وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا" قال مقاتل: لما عاد أبو جهل إلى أصحابه، ولم يصل إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وسقط الحجر من يده، أخذ
__________
(1). يقول: رجع الفتى عما كان عليه من فتوته، وصار كأنه كهل، فاستراح العواذل لأنهم لا يجدن ما يعذلن فيه. سوى العدل. أي سوى الحق.

الحجر رجل آخر من بني مخزوم وقال: أقتله بهذا الحجر. فلما دنا من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طمس الله على بصره فلم ير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فرجع إلى أصحابه فلم يبصرهم حتى نادوه، فهذا معنى الآية. وقال محمد بن إسحاق في روايته: جلس عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل وأمية بن خلف، يرصدون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليبلغوا من أذاه، فخرج عليهم عليه السلام وهو يقرأ" يس" وفي يده تراب فرماهم به وقرا:" وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا" فأطرقوا حتى مر عليهم عليه السلام. وقد مضى هذا في سورة" سبحان" «1» ومضى في" الكهف" «2» الكلام في" سدا" بضم السين وفتحها وهما لغتان." فَأَغْشَيْناهُمْ" أي غطينا أبصارهم، وقد مضى في أول [البقرة «3»]. وقرا ابن عباس وعكرمة ويحيى بن يعمر" فأعشيناهم" بالعين غير معجمة من العشاء في العين وهو ضعف بصرها حتى لا تبصر بالليل قال:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره «4»

وقال تعالى:" ومن يعش عن ذكر الرحمن" [الزخرف: 36] الآية. والمعنى متقارب، والمعنى أعميناهم، كما قال:
ومن الحوادث لا أبا لك أنني ... وضربت علي الأرض بالأسداد
لا أهتدي فيها لموضع تلعة ... وبين العذب وبين أرض مراد
" فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ" أي الهدى، قاله قتادة. وقيل: محمدا حين ائتمروا على قتله، قاله السدي. وقال الضحاك:" وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا" أي الدنيا" وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا" أي الآخرة أي عموا عن البعث وعموا عن قبول الشرائع في الدنيا، قال الله تعالى:" وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ" أي زينوا لهم الدنيا ودعوهم الى التكذيب بالأخرة. وقيل: على هذا" مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا" أي غرورا بالدنيا" وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا" أي تكذيبا بالأخرة وقيل:" مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ" الآخرة" وَمِنْ خَلْفِهِمْ" الدنيا." وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ تقدم في" البقرة" «5» والآية رد على القدرية وغيرهم.
__________
(1). راجع ج 10 ص 269 طبعه أولى أو ثانيه.
(2). راجع ج 11 ص 59 طبعه أولى أو ثانيه.
(3). راجع ج 1 ص 191 طبعه ثانيه أو ثالثه.
(4). هو الحطيئة وتمام البيت:
تجد خير نار عندها خير موقد

(5). راجع ج 8 ص 184 طبعه ثانيه أو ثالثه.

إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12)

وعن ابن شهاب: أن عمر بن عبد العزيز أحضر غيلان القدري فقال: يا غيلان بلغني أنك تتكلم بالقدر، فقال: يكذبون على يا أمير المؤمنين. ثم قال: يا أمير المؤمنين أرأيت قول الله تعالى:" إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً. إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً" [الإنسان: 3- 2] قال: اقرأ يا غيلان فقرأ حتى انتهى إلى قوله:" فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا" [الإنسان: 29] فقال اقرأ فقال:" وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ" [الإنسان: 30] فقال: والله يا أمير المؤمنين إن شعرت أن هذا في كتاب الله قط. فقال له: يا غيلان اقرأ أول سورة [يس ] فقرأ حتى بلغ" وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ" فقال غيلان: والله يا أمير المؤمنين كأني لم أقرأها قط قبل اليوم، اشهد يا أمير المؤمنين أني تائب. قال عمر: اللهم إن كان صادقا فتب عليه وثبته، وإن كان كاذبا فسلط عليه من لا يرحمه واجعله آية للمؤمنين، فأخذه هشام فقطع يديه ورجليه وصلبه. وقال ابن عون: فأنا رأيته مصلوبا على باب دمشق. فقلنا: ما شأنك يا غيلان؟ فقال: أصابتني دعوة الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز. قوله تعالى:" إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ" يعني القرآن وعمل به." وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ" أي ما غاب من عذابه وناره، قاله قتادة. وقيل: أي يخشاه في مغيبه عن أبصار الناس وانفراده بنفسه." فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ" أي لذنبه" وَأَجْرٍ كَرِيمٍ" أي الجنة.

[سورة يس (36): آية 12]
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (12)
فيه أربع مسائل الاولى- قوله تعالى:" إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى " أخبرنا تعالى بإحيائه الموتى ردا على الكفرة. وقال الضحاك والحسن: أي نحييهم بالإيمان بعد الجهل، والأول أظهر أي نحييهم بالبعث للجزاء. ثم توعدهم بذكره كتب الآثار وهي الثانية- وإحصاء كل شي وكل ما يصنعه الإنسان. قال قتادة: معناه من عمل. وقاله مجاهد وابن زيد. ونظيره قوله:" عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ": [الانفطار: 5] وقوله:" يُنَبَّأْ

الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ
" [القيامة: 13]، وقال:" اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ" [الحشر: 18] فآثار المرء التي تبقى وتذكر بعد الإنسان من خير أو شر يجازى عليها: من أثر حسن، كعلم علموه، أو كتاب صنفوه، أو حبيس احتبسوه، أو بناء بنوه من مسجد أو رباط أو قنطرة أو نحو ذلك. أو سيئ كوظيفة وظفها بعض الظلام على المسلمين، وسكة أحدثها فيها تخسيرهم، أو شي أحدثه فيه صد عن ذكر الله من ألحان وملاه، وكذلك كل سنة حسنة، أو سيئة يستن بها. وقيل: هي آثار المشاءين إلى المساجد. وعلى هذا المعنى تأول الآية عمر وابن عباس وسعيد بن جبير. وعن ابن عباس أيضا أن معنى:" وآثارهم" خطاهم إلى المساجد. قال النحاس: وهذا أولى ما قيل فيه، لأنه قال: إن الآية نزلت في ذلك، لأن الأنصار كانت منازلهم بعيدة عن المسجد. وفي الحديث مرفوعا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" يكتب له برجل حسنة وتحط عنه برجل سيئه ذاهبا وراجعا إذ اخرج إلى المسجد". قلت: وفي الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: كانت بنو سلمة «1» في ناحية المدينة فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية:" إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ" فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" إن آثاركم تكتب" فلم ينتقلوا. قال: هذا حديث حسن «2» غريب من حديث الثوري. وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال: أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، قال: والبقاع خالية، قال: فبلغ ذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال:" يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم دياركم تكتب آثاركم" فقالوا: ما كان يسرنا أنا كنا تحولنا. وقال ثابت البناني: مشيت مع أنس بن مالك إلى الصلاة فأسرعت، فحبسني فلما انقضت الصلاة قال: مشيت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأسرعت، فحبسني فلما انقضت الصلاة قال:" أما علم أن الآثار تكتب" فهذا احتجاج بالآية. وقال قتادة ومجاهد أيضا والحسن: الآثار في هذه الآية الخطا. وحكى الثعلبي عن أنس أنه قال: الآثار هي الخطا إلى الجمعة. وواحد الآثار أثر ويقال أثر.
__________
(1). سلمة بكسر اللام بطن من الأنصار. [.....]
(2). الزيادة من صحيح الترمذي.

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19)

الثالثة- في هذه الأحاديث المفسرة لمعنى الآية دليل على أن البعد من المسجد أفضل، فلو كان بجوار مسجد، فهل له أن يجاوزه إلى الأبعد؟ أختلف فيه، فروي عن أنس أنه كان يجاوز المحدث إلى القديم. وروي عن غيره: الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرا. وكره الحسن وغيره هذا، وقال: لا يدع مسجدا قربه ويأتي غيره. وهذا مذهب مالك. وفي تخطي مسجده إلى المسجد الأعظم قولان. وخرج ابن ماجة من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" صلاة الرجل في بيته بصلاة وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة وصلاته في المسجد الذي يجمع «1» فيه بخمسمائة صلاة"." دياركم" منصوب على الإغراء أي ألزموا و" نَكْتُبُ" جزم على جواب ذلك الأمر." وكُلَّ" نصب بفعل مضمر يدل عليه" أَحْصَيْناهُ" كأنه قال: وأحصينا كل شي أحصيناه. ويجوز رفعه بالابتداء إلا أن نصبه أولى، ليعطف ما عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل. وهو قول الخليل وسيبويه. والإمام: الكتاب المقتدى به الذي هو حجة. وقال مجاهد وقتادة وابن زيد: أراد اللوح المحفوظ. وقالت فرقة: أراد صحائف الأعمال.

[سورة يس (36): الآيات 13 الى 19]
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (15) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (17)
قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (18) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19)
__________
(1). يجمع (بالتشديد) من التجمع، أي يصلى فيه الجمعة.

خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر أن يضرب لقومه مثلا بأصحاب القرية «1» هذه القرية هي أنطاكية في قول جميع المفسرين فيما ذكر الماوردي. نسبت إلى أهل أنطبيس وهو اسم الذي بناها ثم غير لما عرب، ذكره السهيلي. ويقال فيها: أنتاكية بالتاء بدل الطاء. وكان بها فرعون يقال له أنطيخس بن أنطيخس يعبد الأصنام، ذكره المهدوي، وحكاه أبو جعفر النحاس عن كعب ووهب. فأرسل الله إليه ثلاثة: وهم صادق، وصدوق، وشلوم هو الثالث. هذا قول الطبري. وقال غيره: شمعون ويوحنا. وحكى النقاش: سمعان ويحيى ولم يذكرا صادقا ولا صدوقا. ويجوز أن يكون" مَثَلًا" و" أَصْحابَ الْقَرْيَةِ" مفعولين ل اضْرِبْ، أو" أَصْحابَ الْقَرْيَةِ" بدلا من" مَثَلًا" أي اضرب لهم مثل أصحاب القرية فحذف المضاف. أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإنذار هؤلاء المشركين أن يحل بهم ما حل بكفار أهل القرية المبعوث إليهم ثلاثة رسل. قيل: رسل من الله على الابتداء. وقيل: إن عيسى بعثهم إلى أنطاكية للدعاء إلى الله .. أضاف الرب ذلك إلى نفسه، لأن عيسى أرسلهما بأمر الرب، وكان ذلك حين رفع عيسى إلى السماء. قيل ضربوهما وسجنوهما." فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ" أي فقوينا وشددنا الرسالة" بِثالِثٍ". وقرا أبو بكر عن عاصم" فعززنا بثالث" بالتخفيف وشدد الباقون. قال الجوهري: وقول تعالى:" فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ" يخفف ويشدد، أي قوينا وشددنا. قال الأصمعي: أنشدني فيه أبو عمرو بن العلاء للمتلمس:
أجد إذا رحلت «2» تعزز لحمها ... وإذا تشد بنسعها لا تنبس
أي لا ترغو، فعلى هذا تكون القراءتان بمعنى. وقيل: التخفيف بمعنى غلبنا وقهرنا ومنه" وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ" [ص: 23]. والتشديد بمعنى قوينا وكثرنا. وفي القصة: أن عيسى أرسل
__________
(1). الزيادة من حاشية جمل ان القربى.
(2). وفي السان: أجد إذا ضمرت. ويروى في غيره: عنس إذا ضمرت.

إليهم رسولين فلقيا شيخا يرعى غنيمات له وهو حبيب النجار صاحب" يس" فدعوه إلى الله وقالا: نحن رسولا عيسى ندعوك إلى عبادة الله. فطالبهما بالمعجزة فقالا: نحن نشفي المرضى وكان له ابن مجنون. وقيل: مريض على الفراش فمسحاه، فقام بإذن الله صحيحا، فآمن الرجل بالله. وقيل: هو الذي جاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى ، ففشا أمرهما، وشفيا كثيرا من المرضى، فأرسل الملك إليهما- وكان يعبد الأصنام- يستخبرهما فقالا: نحن رسولا عيسى. فقال: وما آيتكما؟ قالا: نبرئ الأكمه والأبرص ونبرئ المريض بإذن الله، وندعوك إلى عبادة الله وحده. فهم الملك بضربهما. وقال وهب: حبسهما الملك وجلدهما مائة جلدة، فانتهى الخبر إلى عيسى فأرسل ثالثا. قيل: شمعون الصفا رأس الحواريين لنصرهما، فعاشر حاشية الملك حتى تمكن منهم، واستأنسوا به، ورفعوا حديثه إلى الملك فأنس به، وأظهر موافقته في دينه، فرضي الملك طريقته، ثم قال يوما للملك: بلغني أنك حبست رجلين دعواك إلى الله، فلو سألت عنهما ما وراءهما. فقال: إن الغضب حال بيني وبين سؤالهما. قال: فلو أحضرتهما. فأمر بذلك، فقال لهما شمعون: ما برهانكما على ما تدعيان؟ فقالا: نبرئ الأكمه والأبرص. فجئ بغلام ممسوح العينين، موضع عينيه كالجبهة، فدعوا ربهما فانشق موضع البصر، فأخذا بندقتين طينا فوضعاهما في خديه، فصارتا مقلتين يبصر بهما، فعجب الملك وقال: إن ها هنا غلاما مات منذ سبعة أيام ولم أدفنه حتى يجئ أبوه فهل يحييه ربكما؟ فدعوا الله علا نية، ودعاه شمعون سرا، فقام الميت حيا، فقال للناس: إني مت منذ سبعة أيام، فوجدت مشركا، فأدخلت في سبعة أودية من النار، فأحذركم ما أنتم فيه فآمنوا بالله، ثم فتحت أبواب السماء، فرأي شابا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة شمعون وصاحبيه، حتى أحياني الله، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن عيسى روج الله وكلمته، وأن هؤلاء هم رسل الله. فقالوا له وهذا شمعون أيضا معهم؟ قال: نعم وهو أفضلهم. فأعلمهم شمعون أنه رسول المسيح إليهم، فأثر قوله في الملك، فدعاه إلى الله، فآمن الملك في قوم كثير وكفر آخرون. وحكى القشيري أن الملك آمن ولم يؤمن قومه، وصاح جبريل صيحة مات كل من بقي منهم من الكفار.

وروي أن عيسى لما أمرهم أن يذهبوا إلى تلك القرية قالوا: يا نبي الله إنا لا نعرف أن نتكلم بألسنتهم ولغاتهم. فدعا الله لهم فناموا بمكانهم، فهبوا من نومتهم قد حملتهم الملائكة فألقتهم بأرضي أنطاكية، فكلم كل واحد صاحبه بلغة القوم، فذلك قول:" وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ" [البقرة: 87] فقالوا جميعا:" إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ" قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا" تأكلون الطعام وتمشون في الأسواق" وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ يأمر به ولا من شي»
ينهى عنه" إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ" في دعواكم الرسالة،" رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ" فقالت الرسل:" رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ" وإن كذبتمونا" وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ" في أن الله واحد" قالُوا" لهم" إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ" أي تشاءمنا بكم. قال مقاتل: حبس عنهم المطر ثلاث سنين فقالوا هذا بشؤمكم. ويقال إنهم أقاموا ينذرونهم عشر سنين." لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا" عن إنذارنا" لَنَرْجُمَنَّكُمْ" قال الفراء: لنقتلنكم. قال: وعامة ما في القرآن من الرجم معناه القتل. وقال قتادة: هو على بابه من الرجم بالحجارة. وقيل: لنشتمنكم، وقد تقدم جميعه «2»." وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ" قيل: هو القتل. وقيل: هو التعذيب المؤلم. وقيل: هو التعذيب المؤلم قبل القتل كالسلخ والقطع والصلب. فقالت الرسل:" طائِرُكُمْ مَعَكُمْ" أي شومكم معكم أي حظكم من الخير والشر معكم ولازم في أعناقكم، وليس هو من شؤمنا، قال معناه الضحاك. وقال قتادة: أعمالكم معكم. ابن عباس: معناه الأرزاق والأقدار تتبعكم. الفراء:" طائِرُكُمْ مَعَكُمْ" رزقكم وعملكم، والمعنى واحد. وقرا الحسن:" أطيركم" أي تطيركم «3»." أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ" قال قتادة: إن ذكرتم تطيرتم. وفية تسعة أوجه من القراءات: قرأ أهل المدينة" أين ذكرتم" بتخفيف الهمزة الثانية. وقرا أهل الكوفة:" أإن" بتحقيق الهمزتين. والوجه الثالث:" أاإن ذكرتم" بهمزتين بينهما ألف أدخلت الألف كراهة للجمع بين الهمزتين. والوجه الرابع" أاين" بهمزة بعدها ألف وبعد الألف همزة مخففة. والقراءة الخامسة" أاأن" بهمزتين مفتوحتين بينهما ألف. والوجه السادس" أأن" بهمزتين محققتين مفتوحتين. وحكى الفراء: أن هذه القراءة قراءة أبي رزين.
__________
(1). زيادة يقتضيها السياق.
(2). راجع ج 9 ص 91 طبعه أولى أو ثانيه.
(3). قال أبو حيان في هذه القراءة:" اطيركم" مصدر أطير الذي فأدغمت التاء في الطاء، فاجتلبت همزة الوصل في الماضي والمصدر.

وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29)

قلت: وحكاه الثعلبي عن زر بن حبيش وابن السميق. وقرا عيسى بن عمر والحسن البصري:" قالوا طائركم معكم أين ذكرتم" بمعنى حيث. وقرا يزيد بن القعقاع والحسن وطلحة" ذكرتم" بالتخفيف، ذكر جميعه النحاس. وذكر المهدوي عن طلحة بن مصرف وعيسى الهمذاني:" آن ذكرتم" بالمد، على أن همزة الاستفهام دخلت على همزة مفتوحة. الماجشون:" أن ذكرتم" بهمزة واحدة مفتوحة. فهذه تسع قراءات. وقرا ابن هرمز" طيركم معك"." أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ" أي لإن وعظتم، وهو كلام مستأنف أي إن وعظتم تطيرتم. وقيل: إنما تطيروا لما بلغهم أن كل نبي دعا قومه فلم يجيب كان عاقبتهم الهلاك. قال قتادة: مسرفون في تطيركم. يحيى بن سلام: مسرفون في كفركم. وقال ابن بحر: السرف ها هنا الفساد ومعناه بل أنتم قوم مفسدون. وقيل: مسرفون مشركون، والإسراف مجاوزة الحد والمشرك يجاوز الحد.

[سورة يس (36): الآيات 20 الى 29]
وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24)
إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (29)
هو حبيب بن مري وكان نجارا. وقيل: إسكافا. وقيل: قصارا. وقال ابن عباس ومجاهد ومقاتل: هو حبيب

ابن إسرائيل النجار وكان ينحت الأصنام، وهو ممن آمن بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبينهما ستمائة سنة، كما آمن به تبع الأكبر وورقة بن نوفل وغيرهما. ولم يؤمن بنبي أحد إلا بعد ظهوره. قال وهب: وكان حبيب مجذوما، ومنزله عند أقصى باب من أبواب المدينة، وكان يعكف على عبادة الأصنام سبعين سنة يدعوهم، لعلهم يرحمونه ويكشفون ضره فما استجابوا له، فلما أبصر الرسل دعوه إلى عبادة الله فقال: هل من آية؟ قالوا: نعم ندعو ربنا القادر فيفرج عنك ما بك. فقال: إن هذا لعجب لي، أدعو هذه الآلهة سبعين سنة تفرج عني فلم تستطع، فكيف «1» يفرجه ربكم في غداة واحدة؟ قالوا: نعم ربنا على ما يشاء قدير، وهذه لا تنفع شيئا ولا تضر. فآمن ودعوا ربهم فكشف الله ما به، كأن لم يكن به بأس، فحينئذ أقبل على التكسب، فإذا أم سى تصدق بكسبه، فأطعم عياله نصفا وتصدق بنصف، فلما هم قومه بقتل الرسل جاءهم. ف" قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ" الآية قال قتادة: كان يعبد الله في غار، فلما سمع بخبر المرسلين جاء يسعى، فقال للمرسلين: أتطلبون على ما جئتم به أجرا؟ قالوا: لا ما أجرنا إلا على الله. قال أبو العالية: فاعتقد صدقهم وآمن بهم وأقبل على قومه ف" قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ". أي لو كانوا متهمين لطلبوا منكم المال" وَهُمْ مُهْتَدُونَ" فاهتدوا بهم." وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي" قال قتادة: قال له قومه أنت على دينهم؟! فقال:" وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي" أي خلقني." وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" وهذا احتجاج منه عليهم. وأضاف الفطرة إلى نفسه، لأن ذلك نعمة عليه توجب الشكر، والبعث إليهم: لأن ذلك وعيد يقتضي الزجر، فكان إضافة النعمة إلى نفسه اظهر شكرا، وإضافة البعث إلى الكافر أبلغ أثرا." أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً" يعني أصناما." إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ" يعني ما أصابه من السقم." لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ" يخلصوني مما أنا فيه من البلاء" إِنِّي إِذاً" يعني إن فعلت ذلك" لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي خسران ظاهر." إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ" قال ابن مسعود: خاطب الرسل بأنه
__________
(1). الزيادة من تفسير الآلوسي.

مؤمن بالله ربهم، ومعنى" فَاسْمَعُونِ" أي فأشهدوا، أي كونوا شهودي بالإيمان. وقال كعب ووهب: إنما قال ذلك لقومه إنى آمنت بربكم الذي كفرتم به. وقيل: إنه لما قال لقومه" اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ. اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً" رفعوه إلى الملك وقالوا: قد تبعت عدونا، فطول معهم الكلام ليشغلهم بذلك عن قتل الرسل، إلى أن قال:" إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ" فوثبوا عليه فقتلوه. قال ابن مسعود: وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه «1» من دبره، وألقي في بئر وهي الرس وهم أصحاب الرس. وفي رواية أنهم قتلوا الرسل الثلاثة. وقال السدي رموه بالحجارة وهو يقول: اللهم أهد قومي حتى قتلوه. وقال الكلبي: حفروا حفرة وجعلوه فيها، وردموا فوقه التراب فمات ردما. وقال الحسن: حرقوه حرقا، وعلقوه من سور المدينة وقبره في سور أنطاكية، حكاه الثعلبي. قال القشيري: وقال الحسن لما أراد القوم أن يقتلوه رفعه الله إلى السماء، فهو في الجنة لا يموت إلا بفناء السماء وهلاك الجنة، فإذا أعاد الله الجنة أدخلها. وقيل: نشروه بالمنشار حتى خرج من بين رجليه، فوالله ما خرجت روحه إلا إلى الجنة فدخلها، فذلك قوله:" قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ" وقال جماعة: معنى" قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ" وجبت لك الجنة، فهو خبر بأنه قد استحق دخول الجنة: لأن دخولها يستحق بعد البعث.
__________
(1). القصب المعى.

قلت: والظاهر من الآية أنه لما قتل قيل له ادخل الجنة. قال قتادة: أدخله الله الجنة وهو فيها حي يرزق، أراد قول تعالى:" وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ" [آل عمران: 169] على ما تقدم في [آل عمران ] بيانه «1». والله أعلم. قوله تعالى:" قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ" مرتب على تقدير سؤال سائل عما وجد من قول عند ذلك الفوز العظيم الذي هو" بِما غَفَرَ لِي رَبِّي" وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ" وقرى" من المكرمين" وفي معنى تمنيه قولان: أحد هما أنه تمنى أن يعلموا بحاله ليعلموا حسن مآله وحميد عاقبته. الثاني تمنى ذلك ليؤمنوا مثل إيمانه فيصيروا إلى مثل حاله. قال ابن عباس: نصح قومه حيا وميتا. رفعه القشيري فقال: وفي الخبر أنه عليه السلام قال في هذه الآية" إنه نصح لهم في حياته وبعد موته". وقال ابن أبي ليلى: سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين، علي بن أبي طالب وهو أفضلهم، ومؤمن آل فرعون، وصاحب يس، فهم الصديقون. ذكره الزمخشري مرفوعا عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وفي هذه الآية تنبيه عظيم، ودلالة على وجوب كظم الغيظ، والحلم عن أهل الجهل، والترؤف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار واهل البغي، والتشمر في تخليصه، والتلطف في افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاء عليه. ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته، والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة أصنام، فلما قتل حبيب غضب الله له وعجل النقمة على قومه، فأمر جبريل فصاح بهم صيحة فماتوا عن آخرهم، فذلك قوله:" وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ" أي ما أنزلنا عليهم من رسالة ولا نبي بعد قتله، قال قتادة ومجاهد والحسن. قال الحسن: الجند الملائكة النازلون بالوحي على الأنبياء. وقيل: الجند العساكر، أي لم أحتج في هلاكهم إلى إرسال جنود ولا جيوش ولا عساكر بل أهلكهم بصيحة واحدة. قال معناه ابن مسعود وغيره. فقوله:" وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ" تصغير لأمرهم، أي أهلكناهم بصيحة واحدة من بعد ذلك الرجل، أو من بعد رفعه إلى السماء. وقيل:" وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ" على من كان قبلهم.
__________
(1). راجع ج 4 ص 268 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.

الزمخشري: فان قلت فلم أنزل الجنود من السماء يوم بدر والخندق؟ فقال:" فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها" [الأحزاب 9]، وقال:" بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ" [آل عمران: 24 1]." بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ" [آل عمران: 125]. قلت: إنما كان يكفي ملك واحد، فقد أهلكت مدائن قوم لوط بريشة من جناح جبريل، وبلاد ثمود وقوم صالح بصيحة، ولكن الله فضل محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكل شي على سائر الأنبياء وأولي العزم من الرسل فضلا عن حبيب النجار، وأولاه من أسباب الكرامة والإعزاز ما لم يوله أحدا، فمن ذلك أنه أنزل له جنودا من السماء، وكأنه أشار بقوله:" وَما أَنْزَلْنا"." وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ" إلى أن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك، وما كنا نفعل لغيرك." إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً" قراءة العامة" واحِدَةً" بالنصب على تقدير ما كانت عقوبتهم إلا صيحة واحدة. وقرا أبو جعفر بن القعقاع وشيبة والأعرج:" صيحة" بالرفع هنا، وفي قوله:" إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ" جعلوا الكون بمعنى الوقوع والحدوث، فكأنه قال: ما وقعت عليهم إلا صيحة واحدة. وأنكر هذه القراءة أبو حاتم وكثير من النحويين بسبب التأنيث فهو ضعيف، كما تكون ما قامت إلا هند ضعيفا من حيث كان المعنى ما قام أحد إلا هند. قال أبو حاتم: فلو كان كما قرأ أبو جعفر لقال: إن كان إلا صيحة. قال النحاس: لا يمتنع شي من هذا، يقال: ما جاءتني إلا جاريتك، بمعنى ما جاءتني امرأة أو جارية إلا جاريتك. والتقدير في القراءة بالرفع ما قاله أبو إسحاق، قال: المعنى إن كانت عليهم صيحة إلا صيحة واحدة، وقدره غيره: ما وقع عليهم إلا صيحة واحدة. وكان بمعنى وقع كثير في كلام العرب. وقرا عبد الرحمن بن الأسود- ويقال إنه في حرف عبد الله كذلك-" إن كانت إلا زقه واحذ". وهذا مخالف للمصحف. وأيضا فإن اللغة المعروفة زقا يزقو إذا صاح، ومنه المثل: أثقل من الزواقي، فكان يجب على هذا أن يكون زقوة. ذكره النحاس.

يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (32)

قلت: وقال الجوهري الزقو والزقي مصدر، وقد زقا الصدى يزقو زقاء: أي صاح، وكل صائح زاق، والزقية الصيحة. قلت: وعلى هذا يقال: زقوة وزقية لغتان، فالقراء صحيحة لا اعتراض عليها. والله أعلم." فَإِذا هُمْ خامِدُونَ" أي ميتون هامدون، تشبيها بالرماد الخامد. وقال قتادة: هلكى. والمعنى واحد.

[سورة يس (36): الآيات 30 الى 32]
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (30) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (31) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (32)
قوله تعالى:" يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ" منصوب، لأنه نداء نكرة ولا يجوز فيه غير النصب عند البصريين. وفي حرف أبي" يا حسرة العباد" على الإضافة. وحقيقة الحسرة في اللغة أن يلحق الإنسان من الندم ما يصير به حسيرا. وزعم الفراء أن الاختيار النصب، وأنه لو رفعت النكرة الموصولة بالصلة كان صوابا. واستشهد بأشياء منها أنه سمع من العرب: يا مهتم بأمرنا لا تهتم. وأنشد:
يا دار غيرها البلى تغييرا «1»

قال النحاس: وفي هذا إبطال باب النداء أو أكثره، لأنه يرفع النكرة المحضة، ويرفع ما هو بمنزلة المضاف في طول، ويحذف التنوين متوسطا، ويرفع ما هو في المعنى مفعول بغير علة أوجبت ذلك. فأما ما حكاه عن العرب فلا يشبه ما أجازه، لأن تقدير يا مهتم بأمرنا لا تهتم على التقديم والتأخير، والمعنى يا أيها المهتم لا تهتم بأمرنا. وتقدير البيت: يا أيتها الدار، ثم حول المخاطبة، أي يا هؤلاء غير هذه الدار البلى، كما قال الله جل وعز:" حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ" [يونس: 22]. ف" حسرة" منصوب على النداء، كما تقول يا رجلا أقبل، ومعنى النداء
__________
(1). البيت للأحوص، وتمامه:
وسفت عليها الريح بعدك مورا

هذا موضع حضور الحسرة. الطبري: المعنى يا حسرة من العباد على أنفسهم وتندما وتلهفا في استهزائهم برسل عليهم السلام. ابن عباس:" يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ" أي يا ويلا على العباد. وعنه أيضا حل هؤلاء محل من يتحسر عليهم. وروى الربيع عن أنس عن أبي العالية أن العباد ها هنا الرسل، وذلك أن الكفار لما رأوا العذاب قالوا:" يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ" فتحسروا على قتلهم، وترك الإيمان بهم، فتمنوا الإيمان حين لم ينفعهم الإيمان، وقال مجاهد. وقال الضحاك: إنها حسرة الملائكة على الكفار حين كذبوا الرسل. وقيل:" يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ" من قول الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، لما وثب القوم لقتله. وقيل: إن الرسل الثلاثة هم الذين قالوا لما قتل القوم ذلك الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، وحل بالقوم العذاب: يا حسرة على هؤلاء، كأنهم أمنوا أن يكونوا قد أمنوا. وقيل: هذا من قول القوم قالوا لما قتلوا الرجل وفارقتهم الرسل، أو قتلوا الرجل مع الرسل الثلاثة، على اختلاف الروايات: يا حسرة على هؤلاء الرسل، وعلى هذا الرجل، ليتنا آمنا بهم في الوقت الذي ينفع الإيمان وتم الكلام على هذا، ثم ابتدأ فقال:" ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ". وقرا ابن هرمز ومسلم بن جندب وعكرمة:" يا حسرة على العباد" بسكون الهاء للحرص على البيان وتقرير المعنى في النفس، إذ كان موضع وعظ وتنبيه والعرب تفعل ذلك في مثله، وإن لم يكن موضعا للوقف. ومن ذلك ما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يقطع قراءته حرفا حرفا، حرصا على البيان والإفهام. ويجوز أن يكون" عَلَى الْعِبادِ" متعلقا بالحسرة. ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف لا بالحسرة، فكأنه قدر الوقف على الحسرة فأسكن الهاء، ثم قال:" عَلَى الْعِبادِ" أي أتحسر على العباد. وعن ابن عباس والضحاك وغيرهما:" يا حسرة العباد" مضاف بحذف" على". وهو خلاف المصحف. وجاز أن يكون من باب الإضافة إلى الفاعل فيكون العباد فاعلين، كأنهم إذا شاهدوا العذاب تحسروا فهو كقولك يا قيام زيد. ويجوز أن تكون من باب الإضافة إلى المفعول، فيكون العباد مفعولين، فكأن العباد يتحسر عليهم من يشفق لهم. وقراءة من قرأ:" يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ" مقوية لهذا المعنى.

قال سيبويه:" أن" بدل من" كم"، ومعنى كم ها هنا الخبر، فلذلك جاز أن يبدل منها ما ليس باستفهام. والمعنى: ألم يروا أن القرون الذين أهلكناهم أنهم إليهم لا يرجعون. وقال الفراء:" كَمْ" في موضع نصب من وجهين: أحدهما ب" يَرَوْا" واستشهد على هذا بأنه في قراءة ابن مسعود" ألم يروا من أهلكنا". والوجه الآخر أن يكون" كَمْ" في موضع نصب ب" أَهْلَكْنا". قال النحاس: القول الأول محال، لأن" كم" لا يعمل فيها ما قبلها، لأنها استفهام، ومحال أن يدخل الاستفهام في خبر ما قبله. وكذا حكمها إذا كانت خبرا، وإن كان سيبويه قد أومأ إلى بعض هذا فجعل" أنهم" بدلا من كم. وقد رد ذلك محمد بن يزيد أشد رد، وقال:" كَمْ" في موضع نصب ب" أَهْلَكْنا" و" أَنَّهُمْ" في موضع نصب، والمعنى عنده بأنهم أي" أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ" بالاستئصال. قال: والدليل على هذا أنها في قراءة عبد الله" من أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون". وقرا الحسن:" إنهم إليهم لا يرجعون" بكسر الهمزة على الاستئناف. وهذه الآية رد على من زعم أن من الخلق من يرجع قبل القيامة بعد الموت. يريد يوم القيامة للجزاء. وقرا ابن عامر وعاصم وحمزة:" وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا" بتشديد" لَمَّا". وخفف الباقون. فإن مخففة من الثقيلة وما بعدها مرفوع بالابتداء، وما بعده الخبر. وبطل عملها حين تغير لفظها. ولزمت اللام في الخبر فرقا بينها وبين إن التي بمعنى ما." وما" عند أبي عبيدة زائدة. والتقدير عنده: وإن كل لجميع. قال الفراء: ومن شدد جعل" لَمَّا" بمعنى إلا و" إِنْ" بمعنى ما، أي ما كل إلا لجميع، كقوله:" إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ" [المؤمنون: 25]. وحكى سيبويه: في قوله سألتك بالله لما فعلت. وزعم الكسائي أنه لا يعرف هذا. وقد مضى هذا المعنى في [هود «1»]. وفي حرف أبي" وإن منهم إلا جميع لدينا محضرون".
__________
(1). راجع ج 9 ص 105 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.

وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (36)

[سورة يس (36): الآيات 33 الى 36]
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (35) سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (36)
قوله تعالى:" وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها" نبههم الله تعالى بهذا على إحياء الموتى، وذكرهم توحيده وكمال قدرته، وهي الأرض الميتة أحياها بالنبات وإخراج الحب منها." فَمِنْهُ" أي من الحب" يَأْكُلُونَ" وبه يتغذون. وشدد أهل المدينة" الميتة" وخفف الباقون وقد تقدم «1»." وَجَعَلْنا فِيها" أي في الأرض." جَنَّاتٍ" أي بساتين." مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ" وخصصهما بالذكر، لأنهما أعلى الثمار." وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ" أي في البساتين." لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ" الهاء في" ثَمَرِهِ" تعود على ماء العيون، لأن الثمر منه اندرج، قاله الجرجاني والمهدوي وغيرهما. وقيل: أي ليأكلوا من ثمر ما ذكرنا، كما قال:" وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ" [النحل: 66]. وقرا حمزة والكسائي:" من ثمره" بضم الثاء والميم. وفتحهما الباقون. وعن الأعمش ضم الثاء وإسكان الميم. وقد مضى الكلام فيه في [الأنعام «2»]." ما" في موضع خفض على العطف على" مِنْ ثَمَرِهِ" أي ومما عملته أيديهم. وقرا الكوفيون:" وما عملت" بغير هاء. الباقون" عَمِلَتْهُ" على الأصل من غير حذف. وحذف الصلة أيضا في الكلام كثير لطول الاسم. ويجوز أن تكون" ما" نافية لا موضع لها فلا تحتاج إلى صلة ولا راجع. أي ولم تعمله أيديهم من الزرع الذي أنبته الله لهم. وهذا قول ابن عباس والضحاك ومقاتل. وقال غيرهم: المعنى ومن الذي عملته أيديهم أي من الثمار، ومن أصناف الحلاوات والأطعمة، ومما
__________
(1). راجع ج 2 ص 216 وما بعدها طبعه ثانيه.
(2). راجع ج 7 ص 49 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه. [.....]

وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38)

اتخذوا من الحبوب بعلاج كالخبز والدهن المستخرج من السمسم والزيتون. وقيل: يرجع ذلك إلى ما يغرسه الناس. روي معناه عن ابن عباس أيضا. نعمه. نزه نفسه سبحانه عن قول الكفار، إذ عبدوا غيره مع ما رأوه من نعمه وآثار قدرته. وفية تقدير الأمر، أي سبحوه ونزهوه عما لا يليق به. وقيل: فيه معنى التعجب، أي عجبا لهؤلاء في كفرهم مع ما يشاهدونه من هذه الآيات، ومن تعجب من شي قال: سبحان الله. والأزواج الأنواع والأصناف، فكل زوج صنف، لأنه مختلف في الألوان والطعوم والأشكال والصغر والكبر، فاختلافها هو ازدواجها. وقال قتادة: يعني الذكر والأنثى. (مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ) يعني من النبات، لأنه أصناف. (وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ) يعني وخلق منهم أولادا أزواجا ذكورا وإناثا. و(مِمَّا لا يَعْلَمُونَ) أي من أصناف خلقه في البر والبحر والسماء والأرض. ثم يجوز أن يكون ما يخلقه لا يعلمه البشر وتعلمه الملائكة. ويجوز ألا يعلمه مخلوق. ووجه الاستدلال في هذه الآية أنه إذا انفرد بالخلق فلا ينبغي أن يشرك به.

[سورة يس (36): الآيات 37 الى 38]
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38)
قوله تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ) أي وعلامة دالة على توحيد الله وقدرته ووجوب إلاهيته. والسلخ: الكشط والنزع، يقال: سلخه الله من دينه، ثم تستعمل بمعنى الإخراج. وقد جعل ذهاب الضوء ومجيء الظلمة كالسلخ من الشيء وظهور المسلوخ فهي استعارة. و(مظلمون) داخلون في الظلام، يقال: أظلمنا أي دخلنا في ظلام الليل، وأظهرنا دخلنا في وقت الظهر، وكذلك أصبحنا وأضحينا وأمسينا. وقيل:" مِنْهُ" بمعنى عنه، والمعنى نسلخ عنه ضياء النهار." فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ" أي في ظلمه، لأن ضوء النهار يتداخل في الهواء فيضيء فإذا خرج منه أظلم.

قوله تعالى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها) يجوز أن يكون تقديره وآية لهم الشمس. ويجوز أن يكون الشَّمْسُ مرفوعا بإضمار فعل يفسره الثاني. ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء" تَجْرِي" في موضع الخبر أي جارية. وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن قوله عز وجل:" وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها" قال:" مستقرها تحت العرش". وفيه عن أبي ذر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال يوما: (أتدرون أين تذهب هذه الشمس) قالوا الله ورسوله أعلم، قال:" إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة ولا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش فيقال لها ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها) فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أتدرون متى ذلكم ذاك حين" لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً" [الأنعام: 158] (. ولفظ البخاري عن أبي ذر قال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأبي ذر حين غربت الشمس:" تدري أين تذهب" قلت الله ورسوله أعلم، قال:" فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى:" وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ". ولفظ الترمذي عن أبي ذر قال: دخلت المسجد حين غابت الشمس والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جالس. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" يا أبا ذر أتدري أين تذهب هذه" قال قلت: الله ورسوله أعلم، قال:" فإنها تذهب فتستأذن في السجود فيؤذن لها وكأنها قد قيل لها اطلعي من حيث جئت فتطلع من مغربها" قال: ثم قرأ" ذلك «1» مستقر لها" قال وذلك قراءة عبد الله. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
__________
(1). كذا في الأصول وفى صحيح الترمذي والعلة تحريف، إذ لا تعرف قراءة بهذا النص، وقراءة عبد الله بن مسعود" والشمس تجرى لا مستقر لها" كما سيأتي.

وقال عكرمة: إن الشمس إذا غربت دخلت محرابا تحت العرش تسبح الله حتى تصبح، فإذا أصبحت استعفت ربها من الخروج فيقول لها الرب: ولم ذاك؟ قالت: إني إذا خرجت عبدت من دونك. فيقول الرب تبارك وتعالى: أخرجي فليس عليك من ذاك شي، سأبعث إليهم جهنم مع سبعين ألف ملك يقودونها حتى يدخلوهم فيها. وقال الكلبي وغيره: المعنى تجري إلى أبعد منازلها في الغروب، ثم ترجع إلى أدنى منازلها، فمستقرها بلوغها الموضع الذي لا تتجاوزه بل ترجع منه، كالإنسان يقطع مسافة حتى يبلغ أقصى مقصوده فيقضي وطره، ثم يرجع إلى منزل الأول الذي ابتدأ منه سفره. وعلى تبليغ الشمس أقصى منازلها، وهو مستقرها إذا طلعت الهنعة، وذلك اليوم أطول الأيام في السنة، وتلك الليلة أقصر الليالي، فالنهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات، ثم يأخذ في النقصان وترجع الشمس، فإذا طلعت الثريا استوى الليل والنهار، وكل واحد ثنتا عشرة ساعة، ثم تبلغ أدنى منازلها وتطلع النعائم، وذلك اليوم أقصر الأيام، والليل خمس عشرة ساعة، حتى إذا طلع فرغ الدلو المؤخر استوى الليل والنهار، فيأخذ الليل من النهار كل يوم عشر ثلث ساعة، وكل عشرة أيام ثلث ساعة، وكل شهر ساعة تامة، حتى يستويا ويأخذ الليل حتى يبلغ خمس عشرة ساعة، ويأخذ النهار من الليل كذلك. وقال الحسن: إن للشمس في السنة ثلاثمائة وستين مطلعا، تنزل في كل يوم مطلعا، ثم لا تنزله إلى الحول، فهي تجري في تلك المنازل وهي مستقرها. وهو معنى الذي قبله سواء. وقال ابن عباس: إنها إذا غربت وانتهت إلى الموضع الذي لا تتجاوزه استقرت تحت العرش إلى أن تطلع. قلت: ما قاله ابن عباس يجمع الأقوال فتأمله. وقيل: إلى انتهاء أمدها عند انقضاء الدنيا وقرا ابن مسعود وا بن عباس" والشمس تجري لا مستقر لها" أي إنها تجري في الليل والنهار لا وقوف لها ولا قرار، إلى أن يكورها الله يوم القيامة. وقد احتج من خالف المصحف فقال: أنا أقرأ بقراءة ابن مسعود وابن عباس. قال أبو بكر الأنباري: وهذا باطل مردود على من نقله، لأن أبا عمر وروى عن مجاهد عن ابن عباس وابن كثير روى

وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39)

عن مجاهد عن ابن عباس" وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها" فهذان السندان عن ابن عباس اللذان يشهد بصحتهما الإجماع، يبطلان ما روي بالسند الضعيف مما يخالف مذهب الجماعة، وما اتفقت عليه الأمة. قلت: والأحاديث الثابتة التي ذكرناها ترد قوله، فما أجرأه على كتاب الله، قاتله الله. وقوله:" لِمُسْتَقَرٍّ لَها" أي إلى مستقرها، والمستقر موضع القرار. (ذلِكَ تَقْدِيرُ) أي الذي ذكر من أمر الليل والنهار والشمس تقدير" الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ".

[سورة يس (36): آية 39]
وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39)
فيه ثلاث مسائل: الأولى- قوله تعالى:" وَالْقَمَرَ" يكون تقديره وآية لهم القمر. ويجوز أن يكون" والقمر" مرفوعا بالابتداء. وقرا الكوفيون" وَالْقَمَرَ" بالنصب على إضمار فعل وهو اختيار أبي عبيد. قال: لأن قبله فعلا وبعده فعلا، قبله" نَسْلَخُ" وبعده" قَدَّرْناهُ". النحاس: واهل العربية جميعا فيما علمت على خلاف ما قال: منهم الفراء قال: الرفع أعجب إلي، وإنما كان الرفع عندهم أولى، لأنه معطوف على ما قبله ومعناه وآية لهم القمر. وقوله: إن قبله" نَسْلَخُ" فقبله ما هو أقرب منه وهو" تَجْرِي" وقبله" وَالشَّمْسُ" بالرفع. والذي ذكره بعده وهو" قدرناه" قد عمل في الهاء. قال أبو حاتم: الرفع أولى، لأنك شغلت الفعل عنه بالضمير فرفعته بالابتداء. ويقال: القمر ليس هو المنازل فكيف قال:" قَدَّرْناهُ مَنازِلَ" ففي هذا جوابان: أحدهما قدرناه إذا منازل، مثل:" وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ" [يوسف: 82]. والتقدير الآخر قدرنا له منازل ثم حذفت اللام، وكان حذفها حسنا لتعدي الفعل إلى مفعولين مثل" وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا" [الأعراف: 155]. والمنازل ثمانية وعشرون منزلا، ينزل القمر كل ليلة منها بمنزل، وهي، الشرطان. البطين. الثريا. الدبران. الهقعة. الهنعة. الذراع. النثرة. الطرف الجبهة. الخراتان. الصرفة. العواء. السماك. الغفر. الزبانيان.

الإكليل. القلب. الشولة. النعائم. البلدة. سعد الذابح. سعد بلع. سعد السعود. سعد الأخبية. الفرغ المقدم. الفرغ المؤخر. بطن الحوت. فإذا صار القمر في آخرها عاد إلى أولها، فيقطع الفلك في ثمان وعشرين ليلة. ثم يستسر ثم يطلع هلالا، فيعود في قطع الفلك على المنازل، وهي منقسمة على البروج لكل برج منزلان وثلث. فللحمل الشرطان والبطين وثلث الثريا، وللثور ثلثا الثريا والدبران وثلثا الهقعة، ثم كذلك إلى سائرها. وقد مضى في" الحجر" «1» تسمية البروج والحمد لله. وقيل: إن الله تعالى خلق الشمس والقمر من نار ثم كسيا النور عند الطلوع، فأما نور الشمس فمن نور العرش، وأما نور القمر فمن نور الكرسي، فذلك أصل الخلقة وهذه الكسوة. فأما الشمس فتركت كسوتها على حالها لتشعشع وتشرق، وأما القمر فأمر الروح الأمين جناح على وجهه فمحا ضوءه بسلطان الجناح، وذلك أنه روح والروح سلطانه غالب على الأشياء. فبقي ذلك المحو على ما يراه الخلق، ثم جعل في غلاف من ماء، ثم جعل له مجرى، فكل ليلة يبدو للخلق من ذلك الغلاف قمرا بمقدار ما يقمر لهم حتى ينتهي بدؤه، ويراه الخلق بكماله واستدارته. ثم لا يزال يعود إلى الغلاف كل ليلة شي منه فينقص من الرؤية والإفمار بمقدار ما زاد في البدء. ويبتدئ في النقصان من الناحية التي لا تراه الشمس وهي ناحية الغروب حتى يعود كالعرجون القديم، وهو العذق المتقوس ليبسه ودقته. وإنما قيل القمر، لأنه يقمر أي يبيض الجو ببياضه إلى أن يستسر. الثانية-" حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ" قال الزجاج: هو عود العذق الذي عليه الشماريخ، وهو فعلون من الانعراج وهو الانعطاف، أي سار في منازله، فإذا كان في آخرها دق واستقوس وضاق حتى صار كالعرجون. وعلى هذا فالنون زائدة. وقال قتادة: هو العذق اليابس المنحني من النخلة. ثعلب:" كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ" قال:" كَالْعُرْجُونِ" الذي يبقى من الكباسة في النخلة إذا قطعت، و" الْقَدِيمِ" البالي. الخليل: في باب الرباعي" العرجون" أصل العذق وهو أصفر عريض يشبه به الهلال إذا انحنى. الجوهري:
__________
(1)." راجع ج 10 ص 9 طبعة أولى أو ثانيه.

العرجون" أصل العذق الذي يعوج وتقطع منه الشماريخ فيبقى على النخل يابسا، وعرجنه ضربه بالعرجون. فالنون على قول هؤلاء أصلية، ومنه شعر أعشى بني قيس:
شرق المسك والعبير «1» بها ... وفهي صفراء كعرجون القمر
فالعرجون إذا عتق ويبس وتوس شبه القمر في دقته وصفرته به. ويقال له أيضا الإهان والكباسة والقنو، واهل مصر يسمونه الإسباطة. وقرى:" العرجون" بوزن الفرجون وهما لغتان كالبزيون «2» والبزيون، ذكره الزمخشري وقال: هو عود العذق ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة. واعلم أن السنة منقسمة على أربعة فصول، لكل فصل سبعة منازل: فأولها الربيع، وأوله خمسة عشر يوما من أذار، وعدد أيامه اثنان وتسعون يوما، تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج: الحمل، والثور، والجوزاء، وسبعة منازل: الشرطان والبطين والثريا والدبران والهقعة والهنعة والذراع. ثم يدخل فصل الصيف في خمسة عشر يوما من حزيران، وعدد أيامه اثنان وتسعون يوما، تقطع الشمس فيه ثلاثة بروج: الشرطان، والأسد، والسنبلة، وسبعة منازل: وهي النثرة والطرف والجبهة والخراتان والصرفة والعواء والسماك. ثم يدخل فصل الخريف في خمسة عشر يوما من أيلول، وعدد أيامه أحد وتسعون يوما، تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج، وهي الميزان، والعقرب، والقوس، وسبعة منازل الغفر والزبانان والإكليل والقلب والشولة والنعائم والبلدة. ثم يدخل فصل الشتاء في خمسة عشر يوما من كانون الأول، وعدد أيامه تسعون يوما وربما كان أحدا وتسعين يوما، تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج: وهي الجدي والدلو والحوت، وسبعة منازل سعد الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الأخبية والفرغ المقدم، والفرغ المؤخر وبطن الحوت. وهذه قسمة السريانيين لشهورها: تشرين الأول، تشرين الثاني، كانون الأول، كانون الثاني، أشباط، آذار، نيسان، أيار، حزيران، تموز، آب، أيلول، وكلها أحد وثلاثون إلا تشرين الثاني ونيسان وحزيران وأيلول، فهي ثلاثون، وأشباط ثمانية وعشرون يوما وربع يوم.
__________
(1). كذا في الأصل ولم نعثر عليه في ديوانه، ويحتمل أن يكون: شرق العنبر والمسك بها.
(2). اليزيون: السندس. وقيل هو رقيق الديباج.

لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40)

وإنما أردنا بهذا أن تنظر في قدرة الله تعالى فذلك قوله تعالى:" وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ" فإذا كانت الشمس في منزل أهل الهلال بالمنزل الذي بعده، وكان الفجر بمنزلتين من قبله، فإذا كانت الشمس بالثريا في خمسة وعشرين وما من نيسان، كان الفجر بالشرطين، واهل الهلال بالدبران، ثم يكون له في كل ليلة منزلة حتى يقطع في ثمان وعشرين ليلة ثمانيا وعشرين منزلة. وقد قطعت الشمس منزلتين فيقطعهما، ثم يطلع في المنزلة التي بعد منزلة الشمس ف" ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ". الثالثة- قوله تعالى:" الْقَدِيمِ" قال الزمخشري: القديم المحول وإذا قدم دق وانحنى واصفر فشبه القمر به من ثلاثة أوجه. وقيل: أقل عدة الموصوف بالقد يم لحول، فلو أن رجلا قال: كل مملوك لي قديم فهو حر، أو كتب ذلك في وصيته عتق من مضى له حول أو أكثر. قلت: قد مضى في" البقرة" «1» ما يترتب على الأهلة من الأحكام والحمد لله.

[سورة يس (36): آية 40]
لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40)
قوله تعالى:" لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ" رفعت الشمس بالابتداء، ولا يجوز أن تعمل" لا" في معرفة. وقد تكلم العلماءء في معنى هذه الآية، فقال بعضهم: معناها أن الشمس لا تدرك القمر فتبطل معناه. أي لكل واحد منهما سلطان على حياله، فلا يدخل أحدهما على الآخر فيذهب سلطانه، إلى أن يبطل الله ما دبر من ذلك، فتطلع الشمس من مغربها على ما تقدم في آخر سو ره" الأنعام" «2» بيانه. وقيل: إذا طلعت الشمس لم يكن للقمر ضوء، وإذا طلع القمر لم يكن للشمس ضوء. روي معناه عن ابن عباس والضحاك وقال مجاهد: أي لا يشبه ضوء أحدهما ضوء الآخر. وقال قتادة: لكل حد وعلم لا يعدوه
__________
(1). راجع ج 2 ص 341 وما بعدها طبعه ثانية.
(2). راجع ج 7 ص 145 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.

ولا يقصر دونه إذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان هذا. وقال الحسن: إنهما لا يجتمعان في السماء ليلة الهلال خاصة. أي لا تبقى الشمس حتى يطلع القمر، ولكن إذا غربت الشمس طلع القمر. يحيى بن سلام: لا تدرك الشمس القمر ليلة البدر خاصة لأنه يبادر بالمغيب قبل طلوعها. وقيل: معناه إذا اجتمعا في السماء كان أحدهما بين يدي الآخر في منازل لا يشتركان فيها، قاله ابن عباس أيضا. وقيل: القمر في السماء الدنيا والشمس في السماء الرابعة فهي لا تدركه، ذكره النحاس والمهدوي. قال النحاس: وأحسن ما قيل في معناها وأبينه مما لا يدفع أن سير القمر سير سريع والشمس لا تدركه في السير ذكره المهدوي أيضا. فأما قول سبحانه:" وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ" [القيامة: 9] فذلك حين حبس الشمس عن الطلوع على ما تقدم بيانه في آخر" الأنعام" «1» ويأتي في سورة" القيامة" أيضا. وجمعهما علامة لانقضاء الدنيا وقيام الساعة." وَكُلٌّ" يعنى من الشمس والقمر والنجوم" فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ" أي يجرون. وقيل: يدورون. ولم يقل تسبح، لأنه وصفها بفعل من يعقل. وقال الحسن: الشمس والقمر والنجوم في فلك بين السماء والأرض غير ملصقة، ولو كانت ملصقة ما جرت، ذكره الثعلبي والماوردي. واستدل بعضهم بقول تعالى:" وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ" على أن النهار مخلوق قبل الليل، وأن الليل لم يسبقه بخلق. وقيل: كل واحد منهما يجئ وقته ولا يسبق صاحبه إلى أن يجمع بين الشمس والقمر يوم القيامة، كما قال:" وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ" وإنما هذا التعاقب الآن لتتم مصالح العباد" لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ" [يونس: 5] ويكون الليل للإجمام والاستراحة، والنهار للتصرف، كما قال تعالى:" وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ" [القصص: 73] وقال:" وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً" أي راحة لأبدانكم من عمل النهار. فقوله:" وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ" أي غالب النهار، يقال: سبق فلان فلانا أي غلبه. وذكر المبرد قال: سمعت عمارة يقرأ:" ولا الليل سابق النهار" فقلت ما هذا؟ قال: أردت سابق النهار فحذفت التنوين، لأنه أخف. قال النحاس: يجوز أن يكون" النهار" منصوبا بغير تنوين ويكون التنوين حذف لالتقاء الساكنين.
__________
(1). راجع ج 7 ص 146 طبعه أو ثانية.

وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (44)

[سورة يس (36): الآيات 41 الى 44]
وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (42) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (44)
قوله تعالى:" وَآيَةٌ لَهُمْ" يحتمل ثلاثة معان: أحدها عبرة لهم، لأن في الآيات اعتبارا. الثاني نعمة عليهم، لأن في الآيات إنعاما. الثالث إنذار لهم، لأن في الآيات إنذارا." أنا حملنا ذرياتهم «1» في الفلك المشحون" من أشكل ما في السورة، لأنهم هم المحمولون. فقيل المعنى وآية لأهل مكة أنا حملنا ذرية القرون الماضية" فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ" فالضميران مختلفان، ذكره المهدوي. وحكاه النحاس عن على بن سليمان أنه سمعه يقوله. وقيل: الضميران جميعا لأهل مكة على أن يكون ذرياتهم أولادهم وضعفاءهم، فالفلك على القول الأول سفينة نوح. وعلى الثاني يكون اسما للجنس، خبر جل وعز بلطفه وامتنانه أنه خلق السفن يحمل فيها من يحمل فيها من يصعب عليه المشي والركوب من الذمة والضعفاء، فيكون الضميران على هذا متفقين. وقيل: الذرية الآباء والأجداد، حملهم الله تعالى في سفينة نوح عليه السلام، فالآباء ذرية والأبناء ذرية، بدليل هذه الآية، قاله أبو عثمان. وسمي الآباء ذرية، لأن منهم ذرأ الأبناء. وقول رابع: أن الذرية النطف حملها الله تعالى في بطون النساء تشبيها بالفلك المشحون، قاله علي بن أبى طالب رضي الله عنه، ذكره الماوردي. وقد مضى في" البقرة" «2» اشتقاق الذرية والكلام فيها مستوفى. و" الْمَشْحُونِ" المملوء الموقر و" الْفُلْكِ" يكون واحدا وجمعا. وقد تقدم في" يونس" «3» القول فيه. قوله تعالى:" وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ" والأصل يركبونه فحذفت الهاء لطول الاسم «4» وأنه رأس آية. وفي معناه ثلاثة أقوال: مذهب مجاهد وقتادة وجماعة من أهل التفسير،
__________
(1)." ذرياتهم" بالجمع قراءة نافع.
(2). راجع ج 2 ص 107 وما بعدها طبعه ثانية.
(3). راجع ج 8 ص 324 طبعه أو ثانية.
(4). كذا في كل نسخ الأصل وفى إعراب القرآن المنحاس:

وروي عن ابن عباس أن معنى" مِنْ مِثْلِهِ" للإبل، خلقها لهم للركوب في البر مثل السفن المركوبة في البحر، والعرب تشبه الإبل بالسفن. قال طرفة:
كأن حدوج المالكية غدوة ... وخلايا سفين بالنواصف من دد «1»
جمع خلية وهي السفينة العظيمة. والقول الثاني أنه للإبل والدواب وكل ما يركب. والقول الثالث أنه للسفن، النحاس: وهو أصحها لأنه متصل الإسناد عن ابن عباس." وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ" قال: خلق لهم سفنا أمثالها يركبون فيها. وقال أبو مالك: إنها السفن الصغار خلقها مثل السفن الكبار، وروي عن ابن عباس والحسن. وقال الضحاك وغيره: هي السفن المتخذة بعد سفينة نوح. قال الماوردي: ويجيء على مقتضى تأويل علي رضي الله عنه في أن الذرية في الفلك المشحون هي النطف في بطون النساء قول خامس في قوله:" وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ" أن يكون تأويله النساء خلقن لركوب الأزواج لكن لم أره محكيا. قوله تعالى:" وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ" أي في البحر فترجع الكناية إلى أصحاب الذرية، أو إلى الجميع، وهذا يدل على صحت قول ابن عباس ومن قال إن المراد" مِنْ مِثْلِهِ" السفن لا الإبل." فَلا صَرِيخَ لَهُمْ" أي لا مغيث لهم رواه سعيد عن قتادة. وروى شيبان عنه فلا منعة لهم ومعناهما متقاربان. و" صَرِيخَ" بمعنى مصرخ فعيل بمعنى فاعل. ويجوز" فلا صريخ لهم"، لأن بعده ما لا يجوز فيه إلا الرفع، لأنه معرفة وهو" وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ" والنحويون يختارون لا رجل في الدار ولا زيد. ومعنى:" ينقذون" يخلصون من الغرق. وقيل: من العذاب." إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا" قال الكسائي: هو نصب على الاستثناء. وقال الزجاج: نصب مفعول من أجله، أي للرحمة" وَمَتاعاً" معطوف عليه." إِلى حِينٍ" إلى الموت، قاله قتادة. يحيى بن سلام: إلى القيامة أي إلا أن نرحمهم ونمتعهم إلى آجالهم، وأن الله عجل عذاب الأمم السالفة، وأخر عذاب أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وان كذبوه إلى الموت والقيامة.
__________
(1). الحدوج حدج وهو مركب من مراكب النساء. والمالكية منسوبة إلى مالك بن سعد بن ضبيعة. والتواصف جمع نا صفة وهى الرحبة الواسعة تكون في الوادي. ودد موضع.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (46) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48) مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50)

[سورة يس (36): الآيات 45 الى 50]
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (46) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (47) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (48) ما يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49)
فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50)
قوله تعالى:" وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ" قال قتادة: يعني" اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" أي من الوقائع فيمن كان قبلكم من الأمم" وَما خَلْفَكُمْ" من الآخرة. ابن عباس وابن جبير ومجاهد:" ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" ما مضى من الذنوب" وَما خَلْفَكُمْ" ما يأتي من الذنوب. الحسن:" ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" ما مضى من أجلكم" وَما خَلْفَكُمْ" ما بقي منه. وقيل:" ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" من الدنيا،" وَما خَلْفَكُمْ" من عذاب الآخرة، قال سفيان. وحكى عكس هذا القول الثعلبي عن ابن عباس. قال:" ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" من أمر الآخرة وما عملوا لها،" وَما خَلْفَكُمْ" من أمر الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بها. وقيل:" ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" ما ظهر لكم" وَما خَلْفَكُمْ" ما خفي عنكم. والجواب محذوف والتقدير إذا قيل لهم ذلك أعرضوا، دليله قول بعد:" وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ" فأكتفي بهذا عن ذلك. قوله تعالى:" وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ" أي تصدقوا على الفقراء. قال الحسن: يعني اليهود أمروا بإطعام الفقراء. وقيل: هم المشركون قال لهم فقراء أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أعطونا ما زعمتم من أموالكم أنها لله، وذلك قوله:" وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا

ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً"
[الأنعام: 136] فحرموهم وقالوا: لو شاء الله أطعمكم- استهزاء- فلا نطعمكم حتى ترجعوا إلى ديننا. قالوا" أَنُطْعِمُ" أي أنرزق" مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ" كان بلغهم من قول المسلمين: أن الرازق هو الله. فقالوا هزءا أنرزق من لو يشاء الله أغناه. وعن ابن عباس: كان بمكة زنادقة، فإذا أمروا بالصدقة على المساكين قالوا: لا والله أيفقره الله ونطعمه نحن. وكانوا يسمعون المؤمنين يعلقون أفعال الله تعالى بمشيئته فيقولون: لو شاء الله لأغنى فلانا، ولو شاء الله لأعز، ولو شاء الله لكان كذا. فأخرجوا هذا الجواب مخرج الاستهزاء بالمؤمنين، وبما كانوا يقولونه من تعليق الأمور بمشيئة الله تعالى. وقيل: قالوا هذا تعلقا بقول المؤمنين لهم:" أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ" أي فإذا كان الله رزقنا فهو قادر على أن يرزقكم فلم تلتمسون الرزق منا؟. وكان هذا الاحتجاج باطلا، لأن الله تعالى إذا ملك عبدا مالا ثم أوجب عليه فيه حقا فكأنه انتزع ذلك القدر منه، فلا معنى للاعتراض. وقد صدقوا في قولهم: لو شاء الله أطعمهم ولكن كذبوا في الاحتجاج. ومثله قوله:" سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا" [الأنعام: 148]، وقوله:" قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ" [المنافقون: 1]." إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ" قيل هو من قول الكفار للمؤمنين، أي في سؤال المال وفي اتباعكم محمدا. قال معناه مقاتل وغيره. وقيل: هو من قول أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهم. وقيل: من قول الله تعالى للكفار حين ردوا بهذا الجو أب. وقيل: إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يطعم مساكين المسلمين فلقيه أبو جهل فقال: يا أبا بكر أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء؟ قال: نعم. قال: فما باله لم يطعمهم؟ قال: ابتلى قوما بالفقر، وقوما بالغنى، وأمر الفقراء بالصبر، وا مر الأغنياء بالإعطاء. فقال: والله يا أبا بكر ما أنت إلا في ضلال أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء وهو لا يطعمهم ثم تطعمهم أنت؟ فنزلت هذه الآية، ونزل قوله تعالى:" فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى " [الليل: 6- 5] الآيات. وقيل: نزلت الآية في قوم من الزنادقة، وقد كان فيهم أقوام يتزندقون فلا يؤمنون بالصانع واستهزء وا بالمسلمين بهذا القول، ذكره القشيري والماوردي.

قوله تعالى:" وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ" لما قيل لهم:" اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ" قالوا:" مَتى هذَا الْوَعْدُ" وكان هذا استهزاء منهم أيضا أي لا تحقيق لهذا الوعيد. قال الله تعالى:" ما يَنْظُرُونَ" أي ما ينتظرون" إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً" وهي نفخة إسرافيل" تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ" أي يختصمون في أمور دنياهم فيموتون في مكانهم، وهذه نفخة الصعق. وفي" يَخِصِّمُونَ" خمس قراءات: قرأ أبو عمرو وابن كثير" وهم يختصمون" بفتح الياء والخاء وتشديد الصاد. وكذا روى ورش عن نافع. فأما أصحاب القراءات وأصحاب نافع سوى ورش فرو وا عنه" يختصمون" بإسكان الخاء وتشديد الصاد على الجمع بين ساكنين. وقرا عاصم والكسائي" وهم يختصمون" بإسكان الخاء و
- تخفيف الصاد من خصمه. وقرا عاصم والكسائي" وهم يختصمون" بكسر الخاء وتشديد الصاد ومعناه يختصم بعضهم بعضا. وقيل: تأخذهم وهم عند أنفسهم يختصمون في الحجة أنهم لا يبعثون. وقد روى ابن جبير عن أبى بكر عن عاصم وحماد عن عاصم كسر الياء والخاء والتشديد. قال النحاس: القراءة الولي أبينها والأصل فيها يختصمون فأدغمت التاء في الصاد فنقلت حركتها الى الخاء- وفى حرف بى" وهم يختصمون"- وإسكان الخاء لا يجوز، لأنه جمع بين ساكنين وليس أحد هما حرف مد ولين. وقيل: أسكنوا الخاء على أصلها، والمعنى يخصم بعضهم بعضا فحذف المضاف، وجاز أن يكون المعنى يخصمون مجادلهم عند أنفسهم فحذف المفعول، قال الثعلبي: وهى قراءة أبى بن كعب. قال النحاس: فأما" يَخِصِّمُونَ" فالأصل فيه أيضا يختصمون، فأدغمت التاء في الصاد ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين. وزعم الفراء أن هذه القراءة أجود وأكثر، فترك ما هو أولى من إلقاء حركة التاء على الخاء واجتلب لها حركة أخرى وجمع بين ياء وكسرة، وزعم أنه أجود وأكثر. وكيف يكون أكثر وبالفتح قراءة الخلق من أهل مكة واهل البصرة واهل المدينة! وما روى عن عاصم من كسر الياء والخاء فللإتباع. وقد مضى هذا في" البقرة" «1» في" يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ"
__________
(1). انظر ج 1 ص 291 طبعه ثانية أو ثالثة.

وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54)

وفى" يونس" «1» في" يَهْدِي". وقال عكرمة في قوله جل وعز" إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً" قال: هي النفخة الأولى في الصور. وقال أبو هريرة: ينفخ في الصور والناس في أسواقهم، فمن حالب لقحة، ومن ذارع ثوبا، ومن مار في حاجة. وروى نعيم عن أبى هريرة قال قال رسول الله عليه وسلم:" تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعانه فلا يطويانه حتى تقوم الساعة، والرجل يليط «2» حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم الساعة والرجل يخفض ميزانه فما يرفعه حتى تقوم الساعة، والرجل يرفع أكلته إلى فيه فما يتبلعها حتى تقوم الساعة (. وفي حديث عبد الله بن عمرو:" وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله- قال- فيصعق ويصعق الناس" الحديث." فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً" أي لا يستطيع بعضهم أن يوصى تعضا لما في يده من حق. وقيل: لا يستطيع أن يوصى بعضهم بعضا بالتوبة والإقلاع بل يموتون في أسواقهم ومواضعهم." وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ" إذا ماتوا. وقيل: إن معنى" وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ" لا يرجعون إليهم قولا. وقال قتادة:" وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ" أي إلى منازلهم، لأنهم قد أعجلوا عن ذلك.

[سورة يس (36): الآيات 51 الى 54]
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54)
قوله تعالى:" وَنُفِخَ فِي الصُّورِ" هذه النفخة الثانية للنشأة. وقد بينا في سورة" النمل" «3» أنهما نفختان لا ثلاث. وهذه الآية دالء على ذلك. وروى المبارك بن
__________
(1). راجع ج 8 ص 341 طبعه أولى أو ثانيه. [.....]
(2). يليط حوضه وفى رواية بلوط حوضه أي يطينه.
(3). راجع ج 13 ص 239 طبعه أولى أو ثانيه.

فضالة عن الحسن قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" بين النفختين أربعون سنة الأولى يميت الله بها كل حي والأخرى يحيى الله بها كل ميت". وقال قتادة: الصور جمع صورة، أي نفخ في الصور الأرواح. وصورة وصور مثل سورة، قال العجاج:
ورب ذى سرادق محجور ... سرت إليه في أعالي السور
وقد روى عن أبى هريرة أنه قرأ" ونفخ في الصور". النحاس: والصحيح أن" الصور" بإسكان الواو. القرن، جاء بذلك التوقيف عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وذلك معروف في كلام العرب. أنشد أهل اللغة:
نحن نطحناهم غداة الغورين ... بالضابحات في غبار النقعين

نطحا شديدا لا كنطح الصورين

وقد مضى هذا في" الأنعام" «1» مستوفى." فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ" أي القبور. وقرى بالفاء" من الاجداف" ذكره الزمخشري. يقال جدث وجدف. واللغة الفصيحة الجدث بالثاء والجمع أجدث وأجداث، قال المتنخل الهذلي:
عرفت بأجدث فنعاف عرق ... علامات كتحبير النماط
واجتدث أي اتخذ جدثا." إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ" أي يخرجون، قاله ابن عباس وقتادة. ومنه قول امرى القيس:
فسلي ثيابي من ثيابك تنسلي

ومنه قيل للولد نسل، لأنه يخرج من بطن أمه. وقيل: يسرعون. والنسلان والعسلان الإسراع في السير، ومنه مشية الذئب، قال «2»:
عسلان الذئب أمسى قاربا ... وبرد الليل عليه فنسل
يقال: عسل الذئب ونسل، يعسل وينسل، من باب ضرب يضرب. ويقال: ينسل بالضم أيضا. وهو الإسراع في المشي، فالمعنى يخرجون مسرعين. وفى التنزيل:
__________
(1). راجع ج 7 ص 20 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.
(2). البيت للبيد، وقيل هو للنابغة الجعدي.

" ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ" [لقمان: 28]، وقال:" يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ" [القمر: 7]، وفي" سائل سائل": [المعارج: 1]" يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ" [المعارج: 43] أي يسرعون. وفى الخبر: شكونا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الضعف فقال:" عليكم بالنسل" أي بالإسراع في المشي فإنه ينشط. قوله تعالى: (قالُوا يا وَيْلَنا) قال ابن الأنباري:" يا وَيْلَنا" وقف حسن ثم تبتدئ" مَنْ بَعَثَنا" وروي عن بعض القراء" يا ويلنا من بعثنا" بكسر من والثاء من البعث. روي ذلك عن علي رضي الله عنه، فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على قوله:" يا وَيْلَنا" حتى يقول:" مِنْ مَرْقَدِنا". وفي قراءة أبي بن كعب" من هبنا" بالوصل" مِنْ مَرْقَدِنا" فهذا دليل على صحة مذهب العامة. قال المهدوي: قرأ ابن أبي ليلى:" قالوا يا ويلتنا" بزيادة تاء وهو تأنيث الوصل، ومثله:" يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ" [هود: 72]. وقرا علي رضي الله عنه" يا ويلتا من بعثنا" ف" من" متعلقة بالويل أو حال من" وَيْلَتى " فتتعلق بمحذوف، كأنه قال: يا ويلتا كائنا من بعثنا، وكما يجوز أن يكون خبرا عنه كذلك يجوز أن يكون حالا منه. و" الرَّحْمنِ" من قوله:" مِنْ مَرْقَدِنا" متعلقة بنفس البعث. ثم قيل: كيف قالوا هذا وهم من المعذبين في قبورهم؟ فالجواب أن أبي بن كعب قال: ينامون نومة. وفى رواية فيقولون: يا ويلنا من أهبنا من مرقدنا. قال أبو بكر الأنباري: لا يحمل هذا الحديث على أن" أهبنا" من لفظ القرآن كما قال من طعن في القرآن، ولكنه تفسير" بَعَثَنا" أو معبر عن بعض معانيه. قال أبو بكر: وكذا حفظته" من هبنا" بغير ألف في أهبنا مع تسكين نون من. والصواب فيه على طريق اللغة" من أهبنا" بفتح النون على أن فتحة همزة أهب ألقيت على نون" من" وأسقطت الهمزة، كما قالت العرب: من أخبرك من أعلمك؟ وهم يريدون من أخبرك. ويقال: أهببت النائم فهب النائم. أنشدنا أحمد بن يحيى النحوي:
وعاذلة هبت بليل تلومني ... ولم يعتمرني قبل ذاك عذول
وقال أبو صالح: إذا نفخ النفخة الأولى رفع العذاب عن أهل القبور وهجعوا هجعة إلى النفخة الثانية وبينهما أربعون سنة، فذلك قولهم:" من بعثنا من مرقدنا" وقال ابن

عباس وقتادة. وقال أهل المعاني: إن الكفار إذا عاينوا جهنم وما فيها من أنواع العذاب صار ما عذبوا به في قبورهم إلى جنب عذابها كالنوم. قال مجاهد: فقال لهم المؤمنون" هذا ما وعد الرحمن". قال قتادة: فقال لهم من هدى الله:" هذا ما وعد الرحمن". وقال الفراء: فقال لهم الملائكة:" هذا ما وعد الرحمن". النحاس: وهذه الأقوال متفقة، لأن الملائكة من المؤمنين وممن هدى الله عز وجل. وعلى هذا يتأول قول الله عز وجل:" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ" [البينة: 7] وكذا الحديث: (المؤمن عند الله خير من كل ما خلق). ويجوز أن تكون الملائكة وغيرهم من المؤمنين قالوا لهم:" هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ". وقيل: إن الكفار لما قال بعضهم لبعض:" مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا" صدقوا الرسل لما عاينوا ما أخبروهم به، ثم قالوا" هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ" فكذبنا به، أقروا حين لم ينفعهم الإقرار. وكان حفص يقف على" مِنْ مَرْقَدِنا" ثم يبتدئ فيقول:" هذا". قال أبو بكر بن الأنباري:" مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا" وقف حسن، ثم تبتدئ:" هذا ما وعد الرحمن" ويجوز أن تقف على مرقدنا هذا" فتخفض هذا على الإتباع للمرقد، وتبتدئ:" ما وعد الرحمن" على معنى بعثكم ما وعد الرحمن، أي بعثكم وعد الرحمن. النحاس: التمام على" مِنْ مَرْقَدِنا" و" هذا" في موضع رفع بالابتداء وخبره" ما وَعَدَ الرَّحْمنُ". ويجوز أن يكون في موضع خفض على النعت ل" مَرْقَدِنا" فيكون التمام" مِنْ مَرْقَدِنا هذا"." ما وَعَدَ الرَّحْمنُ" في موضع رفع من ثلاث جهات. ذكر أبو إسحاق منها اثنتين قال: يكون بإضمار هذا. والجهة الثانية أن يكون بمعنى حق ما وعد الرحمن بعثكم. والجهة الثالثة أن يكون بمعنى ما وعد الرحمن." إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً" يعني إن بعثهم وإحياءهم كان بصيحة واحدة وهي قول إسرافيل: أيتها العظام البالية، والأوصال المقتطعة والشعور المتمزقة! إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وهذا معنى قول الحق:" يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ." [ق: 42]. وقال:" مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ" [القمر: 8] على ما يأتي. وفي قراءة ابن مسعود إن صح عنه" إن كانت إلا زقية

إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59)

واحدة" والزقية
الصيحة، وقد تقدم هذا." فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ" فإذا هم" مبتدأ وخبره" جميع" نكرة، و" محضرون" من صفته. ومعنى" مُحْضَرُونَ" مجموعون أحضروا موقف الحساب، وهو كقوله:" وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ" [النحل: 77]. قوله تعالى:" فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً" أي لا تنقص من ثواب عمل." وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ"" مِمَّا" في محل نصب من وجهين: الأول أنه مفعول ثان لما لم يسم فاعله. والثاني بنزع حرف الصفة تقديره: إلا بما كنتم تعملون، أي تعملونه فحذف.

[سورة يس (36): الآيات 55 الى 59]
إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (56) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (57) سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59)
قوله تعالى:" إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ" قال ابن مسعود وابن عباس وقتادة ومجاهد: شغلهم افتضاض العذارى. وذكر الترمذي الحكيم في كتاب مشكل القرآن له: حدثنا محمد بن حميد الرازي، حدثنا يعقوب القمي، عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية، عن شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود في قوله" إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ" قال: شغلهم افتضاض العذارى. حدثنا محمد بن حميد، حدثنا هارون بن المغيرة، عن نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس بمثله. وقال أبو قلابة: بينما الرجل من أهل الجنة مع أهله إذ قيل له تحول إلى أهلك فيقول أنا مع أهلي مشغول، فيقال تحول أيضا إلى أهلك. وقيل: أصحاب الجنة في شغل بما هم فيه من اللذات والنعيم عن الاهتمام بأهل المعاصي ومصيرهم إلى النار، وما هم فيه من أليم العذاب، وإن كان فيهم أقرباؤهم وأهلوهم، قال سعيد بن المسيب وغير هـ. وقال وكيع: يعني في السماع. وقال ابن كيسان:" فِي شُغُلٍ" أي في زيارة بعضهم بعضا. وقيل: في ضيافة الله تعالى. وروي أنه إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين عبادي الذين

أطاعوني وحفظوا عهدي بالغيب؟ فيقومون كأنما وجوههم البدر والكو كب الدري، ركبانا على نجب من نور أزمتها من الياقوت، تطير بهم على رءوس الخلائق، حتى يقوموا بين يدي العرش، فيقول الله جل وعز لهم: السلام على عبادي الذين أطاعوني وحفظوا عهدي بالغيب، أنا اصطفيتكم وأنا اجتبيتكم وأنا اخترتكم، اذهبوا فادخلوا الجنة بغير حساب ف" لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ" [الزخرف: 68] (فيمرون على الصراط كالبرق الخاطف فتفتح لهم أبوابها. ثم إن الخلق في المحشر موقوفون فيقول بعضهم لبعض: يا قوم أين فلان وفلان، وذلك حين يسأل بعضهم بعضا فينادي مناد" إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ". و" شغل" و" شغل" لغتان قرئ بهما، مثل الرعب والرعب، والسحت والسحت، وقد تقدم." «1» فاكِهُونَ" قال الحسن: مسرورون. وقال ابن عباس: فرحون. مجاهد والضحاك: معجبون. السدي: ناعمون. والمعنى متقارب. والفكاهة المزاح والكلام الطيب. وقرا أبو جعفر وشيبة والأعرج: فكهون" بغير ألف وهما لغتان كالفأرة والفره، والحاذر والحذر، قاله الفراء. وقال الكسائي وأبو عبيدة: الفاكه ذو الفاكهة، مثل شاحم ولاحم وتامر ولابن، والفكه المتفكه والمتنعم. و" فكهون" بغير ألف في قول قتادة معجبون. وقال أبو زيد: يقال رجل فكه إذا كان طيب النفس ضحوكا. وقرا طلحة بن مصرف:" فاكِهِينَ" نصبه على الحال." هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ" مبتدأ وخبره. ويجوز أن يكون" هُمْ" توكيدا" وَأَزْواجُهُمْ" عطف على المضمر، و" مُتَّكِؤُنَ" نعت لقوله" فاكِهُونَ". وقراءة العامة:" فِي ظِلالٍ" بكسر الظاء والألف. وقرا ابن مسعود وعبيد بن عمير والأعمش ويحيى وحمزة والكسائي وخلف:" فِي ظُلَلٍ بضم الظاء من غير ألف، فالظلال جمع ظل، وظلل جمع ظلة." عَلَى الْأَرائِكِ" يعني السرر في الحجال واحدها أريكة، مثل سفينة وسفائن، قال الشاعر:
كأن احمرار الورد فوق غصونه ... بوقت الضحى في روضة المتضاحك
خدود عذارى قد خجلن من الحيا ... تهادين بالريحان فوق الأرائك
__________
(1). راجع ج 6 ص 184 طبعه أو ثانية.

وفي الخبر عن أبي سعيد الخدري قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إن أهل الجنة كلما جامعوا نساءهم عدن أبكارا." وقال ابن عباس: إن الرجل من أهل الجنة ليعانق الحوراء سبعين سنة، لا يملها ولا تمله، كلما أتاها وجدها بكرا، وكلما رجع إليها عادت إليه شهوته، فيجامعها بقوة سبعين رجلا، لا يكون بينهما مني، يأتي من غير مني منه ولا منها." لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ" ابتداء وخبر." وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ" الدال الثانية مبدلة من تاء، لأنه يفتعلون من دعا أي من دعا بشيء أعطيه. قاله أبو عبيدة، فمعنى" يَدَّعُونَ" يتمنون من الدعاء. وقيل: المعنى أن من أدعى منهم شيئا فهو له، لأن الله تعالى قد طبعهم على ألا يدعي منهم أحد إلا ما يجمل ويحسن أن يدعيه. وقال يحيى بن سلام:" يَدَّعُونَ" يشتهون. ابن عباس. يسألون. والمعنى متقارب. قال ابن الأنباري:" وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ" وقف حسن، ثم تبتدئ:" سَلامٌ" على معنى ذلك لهم سلام. ويجوز أن يرفع السلام على معنى ولهم ما يدعون مسلم خالص. فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على" ما يَدَّعُونَ". وقال الزجاج:" سَلامٌ" مرفوع على البدل من" ما" أي ولهم أن يسلم الله عليهم، وهذا منى أهل الجنة. وروي من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب تعالى قد اطلع عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم يا أهل الجنة فذلك قوله:" سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ". فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شي من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركاته عليهم في ديارهم" ذكره الثعلبي والقشيري. ومعناه ثابت في صحيح مسلم، وقد بيناه في" يونس" «1» عند قوله تعالى:" لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ" [يونس: 26]. ويجوز أن تكون" ما" نكرة، و" سلام" نعتا لها، أي ولهم ما يدعون مسلم. ويجوز أن تكون" ما" رفع بالابتداء، و" سَلامٌ" خبر عنها. وعلى هذه الوجوه لا يوقف على" وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ". وفي قراءة ابن مسعود" سلاما" يكون مصدرا، وإن شئت في موضع الحال، أي ولهم
__________
(1). راجع ج ص 230 طبعه أولى أو ثانيه.

أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64)

ما يدعون ذا سلام أو سلامة أو مسلما، فعي هذا المذهب لا يحسن الوقف على" يدعون" وقرا محمد بن كعب القرظي" سلم" على الاستئناف كأنه قال: ذلك سلم لهم لا يتنازعون فيه. ويكون" وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ" تاما. ويجوز أن يكون" سَلامٌ" بدلا من قوله:" وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ"، وخبر" ما يَدَّعُونَ"" لهم". ويجوز أن يكون" سَلامٌ" خبرا آخر، ويكون معنى الكلام أنه لهم خالص من غير منازع فيه." قولا" مصدر على معنى قال الله ذلك قولا. أو يقوله قولا، ودل على الفعل المحذوف لفظ مصدره. ويجوز أن يكون المعنى ولهم ما يدعون قولا، أي عدة من الله. فعلى هذا المذهب الثاني لا يحسن الوقف على" يَدَّعُونَ". وقال السجستاني: الوقف على قوله:" سَلامٌ" تام، وهذا خطأ لأن القول خارج مما قبله. قوله تعالى:" وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ" ويقال تميزوا وأمازوا وامتازوا بمعنى، ومزته فانماز وامتاز، وميزته فتميز. أي يقال لهم هذا عند الوقوف للسؤال حين يؤمر بأهل الجنة إلى الجنة، أي اخرجوا من جملتهم. قال قتادة: عزلوا عن كل خير. وقال الضحاك: يمتاز المجرمون بعضهم من بعض، فيمتاز اليهود فرقة، والنصارى فرقة، والمجوس فرقة، والصابئون فرقة، وعبدة الأوثان فرقة. وعنه أيضا: إن لكل فرقة في النار بيتا تدخل فيه ويرد بابه، فتكون فيه أبدالا ترى وقال داود بن الجراح: فيمتاز المسلمون من المجرمين، إلا أصحاب الأهواء فيكونون مع المجرمين.

[سورة يس (36): الآيات 60 الى 64]
أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64)

قوله تعالى:" أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ" العهد هنا بمعنى الوصية، أي ألم أوصكم وأبلغكم على ألسنة الرسل." أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ" أي لا تطيعوه في معصيتي. قال الكسائي: لا للنهي." وَأَنِ اعْبُدُونِي" وأن اعبدوني" بكسر النون على الأصل، ومن ضم كره كسرة بعدها ضمة." هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ" أي عبادتي دين قويم. قوله تعالى:" وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ" أي أغوى" جِبِلًّا كَثِيراً" أي خلقا كثيرا، قاله مجاهد. قتادة: جموعا كثيرة. الكلبي: أمما كثيرة، والمعنى واحد. وقرا أهل المدينة وعاصم" جِبِلًّا" بكسر الجيم والباء. وأبو عمرو وابن عامر" جبلا" بضم الجيم وإسكان الباء. الباقون" جبلا" ضم الجيم والباء وتخفيف اللام، وشددها الحسن وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وعبد الله بن عبيد والنضر بن أنس. وقرا أبو يحيى والأشهب العقيلي" جبلا" بكسر الجيم وإسكان الباء وتخفيف اللام. فهذه خمس قراءات. قال المهدوي والثعلبي: وكلها لغات بمعنى الخلق. النحاس: أبينها القراءة الأولى، والدليل على ذلك أنهم قد أجمعوا على أن قرءوا" وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ" [الشعراء: 184] فيكون" جِبِلًّا" جمع جبلة والاشتقاق فيه كله واحد. وإنما هو من جبل الله عز وجل الخلق أي خلقهم. وقد ذكرت قراءة سادسة وهي:" ولقد أضل منكم جيلا كثيرا" بالياء. وحكي عن الضحاك أن الجيل الواحد عشرة آلاف، والكثير ما لا يحصيه إلا الله عز وجل، ذكره الماوردي." أفلم تكونوا تعقلون" عداوته وتعلموا أن الواجب طاعة الله." هذه جهنم" أي تقول لهم خزنة جهنم هذه جهنم التي وعدتم فكذبتم بها. وروي عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إذا كان يوم القيامة جمع الله الإنس والجن والأولين والآخرين في صعيد واحد ثم أشرف عنق من النار على الخلائق فأحاط بهم ثم ينادي مناد" هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ" فحينئذ تجثو الأمم على ركبها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ، وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ".

الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65) وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (67) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (68)

[سورة يس (36): الآيات 65 الى 68]
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (65) وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66) وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (67) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (68)
قوله تعالى:" الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ" في صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فضحك فقال: (هل تدرون مم أضحك؟- قلنا الله ورسوله أعلم قال- من مخاطبة العبد ربه، يقول يا رب ألم تجرني من الظلم قال: يقول بلى فيقول فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني قال فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا قال فيختم على فيه فيقال لأركانه انطقي قال فتنطق بأعماله قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل" خرجه أيضا من حديث أبي هريرة. وفيه:" ثم يقال له الآن نبعث شاهدنا عليك ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي فيختم على فيه ويقال لفخذه (ولحمه وعظامه) «1» انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه". وخرج الترمذي عن معاوية بن حيدة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث ذكره قال: وأشاره بيده إلى الشام فقال" من هاهنا إلى ها هنا تحشرون ركبانا ومشاة وتجرون على وجوهكم يوم القيامة على أفواهكم الفدام توفون سبعين أمة أنتم خيرهم وأكرمهم على الله وإن أول ما يعرب عن أحدكم فخذه" في رواية أخرى:" فخذه وكفه" الفدام مصفاة الكوز والإبريق، قال الليث. قال أبو عبيد: يعني أنهم منعوا الكلام حتى تكلم أفخاذهم فشبه ذلك بالفدام الذي يجعل على الإبريق. ثم قيل في سبب الختم أربعة أوجه: أحدها: لأنهم قالوا
__________
(1). الزيادة من صحيح مسلم

" وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ" [الأنعام: 23] فختم الله على أفواههم حتى نطقت جوارحهم، قاله أبو موسى الأشعري. الثاني: ليعرفهم أهل الموقف فيتميزون منهم، قاله ابن زياد. الثالث: لأن إقرار غير الناطق أبلغ في الحجة من إقرار الناطق لخروجه مخرج الإعجاز، إن كان يوما لا يحتاج إلى إعجاز. الرابع: ليعلم أن أعضاءه التي كانت أعوانا في حق نفسه صارت عليه شهودا في حق ربه. فإن قيل: لم قال" وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ" فجعل ما كان من اليد كلاما، وما كان من الرجل شهادة؟ قيل: إن اليد مباشرة لعمله والرجل حاضرة، وقول الحاضر على غيره شهادة، وقول الفاعل على نفسه إقرار بما قال أو فعل، فلذلك عبر عما صدر من الأيدي بالقول وعما صدر من الأرجل بالشهادة. وقد روي عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:" أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه فخذه من الرجل اليسرى" ذكره الماوردي والمهدوي. وقال أبو موسى الأشعري: إنى لأحسب أن أول ما ينطق منه فخذه اليمنى، ذكره المهدوي أيضا. قال الماوردي: فاحتمل أن يكون تقدم الفخذ بالكلام على سائر الأعضاء، لأن لذة معاصيه يدركها بحواسه التي هي في الشطر الأسفل منها الفخذ، فجاز لقربه منها أن يتقدم في الشهادة عليها. قال: وتقدمت اليسرى، لأن الشهوة في ميامن الأعضاء أقوى منها في مياسرها، فلذلك تقدمت اليسرى على اليمنى لقلة شهوتها. قلت: أو بالعكس لغلبة الشهوة، أو كلاهما معا والكف، فإن بمجموع ذلك يكون تمام الشهوة واللذة. والله أعلم. قوله تعالى:" ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون" حكى الكسائي: طمس يطمس ويطمس. والمطموس والطميس عند أهل اللغة الأعمى الذي ليس في عينيه شق. قال ابن عباس: المعنى لأعميناهم عن الهدى، فلا يهتدون أبدا إلى طريق الحق. وقا ل الحسن والسدي: المعنى لتركناهم عميا يترددون. فالمعنى لأعميناهم فلا يبصرون طريقا إلى تصرفهم في منازلهم ولا غيرها. وهذا اختيار الطبري. وقوله:" فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ" أي استبقوا الطريق ليجوزوا" فَأَنَّى يُبْصِرُونَ" أي فمن أين يبصرون. وقال عطاء ومقاتل وقتادة وروي عن ابن عباس: ولو نشاء لفقأنا أعين ضلالتهم،

وأعميناهم عن غيهم، وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى، فاهتدوا وأبصروا رشدهم، وتبادروا إلى طريق الآخرة. ثم قال:" فَأَنَّى يُبْصِرُونَ" ولم نفعل ذلك بهم، أي فكيف يهتدون وعين الهدى مطموسة، على الضلال باقية. وقد روي عن عبد الله بن سلام في تأويل هذه الآية غير ما تقدم، وتأولها على أنها في يوم القيامة. وقال: إذا كان يوم القيامة ومد الصراط.، نادى مناد ليقم محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمته، فيقومون برهم وفاجرهم يتبعونه ليجوزوا الصراط، فإذا صاروا عليه طمس الله أعين فجارهم، فاستبقوا الصراط فمن أين يبصرونه حتى يجاوزوه. ثم ينادي مناد ليقم عيسى وأمته، فيقوم فيتبعونه برهم وفاجرهم فيكون سبيلهم تلك السبيل، وكذا سائر الأنبياء عليهم السلام. ذكره النحاس وقد كتبناه في التذكرة بمعناه حسب ما ذكره ابن المبارك في رقائقه. وذكره القشيري. وقال ابن عباس رضي الله عنه: أخذ الأسود بن الأسود حجرا ومعه جماعة من بني مخزوم ليطرحه على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فطمس الله على بصره، وألصق الحجر بيده، فما أبصره ولا اهتدى، ونزلت الآية فيه. والمطموس هو الذي لا يكون بين جفنيه شق، مأخوذ من طمس الريح الأثر، قاله الأخفش والقتبي. قوله تعالى:" وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ" المسخ: تبديل الخلقة وقلبها حجرا أو جمادا أو بهيمة. قال الحسن: أي لأقعدناهم فلا يستطيعون أن يمضوا أمامهم ولا يرجعوا وراءهم. وكذلك الجماد لا يتقدم ولا يتأخر. وقد يكون المسخ تبديل صورة الإنسان بهيمة، ثم تلك البهيمة لا تعقل موضعا تقصده فتتحير، فلا تقبل ولا تدبر. ابن عباس رضي الله عنه: المعنى لو نشاء لأهلكناهم في مساكنهم. وقيل: المعنى لو نشاء لمسخناهم في المكان الذي اجترءوا فيه على المعصية. ابن سلام: هذا كله يوم القيامة يطمس الله تعالى أعينهم على الصراط. وقرأ الحسن والسلمى وزر بن حبيش وعاصم في رواية أبي بكر" مكاناتهم" على الجمع، الباقون بالتوحيد: وقرا أبو حيوة:" فما استطاعوا مضيا" بفتح الميم. والمضي بضم الميم مصدر يمضي مضيا إذا ذهب.

وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70)

قوله تعالى:" وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ" قرأ عاصم وحمزة" نُنَكِّسْهُ" بضم النون الأولى
وتشديد الكاف من التنكيس. الباقون" ننكسه" بفتح النون الأولى وضم الكاف من نكست الشيء أنكسه نكسا قلبته على رأسه فانتكس. قال قتادة: المعنى أنه يصير إلى حال الهرم الذي يشبه حال الصبا. وقال سفيان في قول تعالى:" وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ" إذا بلغ ثمانين سنة تغير جسمه وضعفت قوته. قال الشاعر:
من عاش أخلقت الأيام جدته ... وخانه ثقتاه السمع والبصر
فطول العمر يصير الشباب هرما، والقوة ضعفا، والزيادة نقصا، وهذا هو الغالب. وقد تعوذ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أن يرد إلى أرذل العمر. وقد في النحل بيانه." «1» أَفَلا يَعْقِلُونَ" أن من فعل هذا بكم قادر على بعثكم. وقرا نافع وابن ذكوان أن من فعل هذا بكم قادر على بعثكم. وقرا نافع وابن ذكوان:" تعقلون" بالتاء. الباقون بالياء".

[سورة يس (36): الآيات 69 الى 70]
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (70)
قوله تعالى:" وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ" فيه أربع مسائل: لا أولى- أخبر تعالى عن حال نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ورد قول من قال من الكفار إنه شاعر، وإن القرآن شعر، بقوله:" وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ" وكذلك كان رسول الله صلى عليه وسلم لا يقول الشعر ولا يزنه، وكان إذا حاول إنشاد بيت قديم متمثلا كسر وزنه، وإنما كان يحرز المعاني فقط صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. من ذلك أنه أنشد يوما قول طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... وويأتيك من لم تزوده بالأخبار
وأنشد يوما وقد قيل له من أشعر الناس فقال الذي يقول:
ألم ترياني كلما جئت طارقا ... وجدت بها وإن لم تطب طيبا
__________
(1). راجع ج 10 ص 140 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.

وأنشد يوما:
أتجعل نهبي ونهب العب ... وئد بين الأقرع وعيينة
وقد كان عليه السلام ربما أنشد بيت المستقيم في النادر. روي أنه أنشد بيت عبد الله بن رواحة:
ببيت يجافي جنبة عن فراشه ... وإذا استثقلت بالمشركين المضاجع
وقال الحسن بن أبي الحسن: أنشد النبي عليه السلام:
كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا

فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله إنما قال الشاعر:
هريرة ودع إن تجهزت غاديا ... وكفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
فقال أبو بكر أو عمر: أشهد أنك رسول الله، يقول الله عز وجل:" وما علمناه الشعر وما ينبغي له". وعن الخليل بن أحمد: كان الشعر أحب إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من كثير من الكلام، ولكن لا يتأتى له. الثانية- إصابته الوزن أحيانا لا يوجب أنه يعلم الشعر، وكذلك ما يأتي أحيانا من نثر كلامه ما يدخل في ورن، كقول يوم حنين وغيره:
(هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت)
وقوله:
(أنا النبي لا كذب ... وأنا ابن عبد المطلب)
فقد يأتي مثل ذلك في آيات القرآن، وفى كل كلام، وليس ذلك شعرا ولا في معناه، كقوله تعالى:" لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ" [آل عمران: 92]، وقوله:" نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ" [الصف: 13]، وقوله:" وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ" [سبأ: 13] إلى غير ذلك من الآيات. وقد ذكر ابن العربي منها آيات وتكلم عليها وأخرجها عن الوزن، على أن أبا الحسن الأخفش قال في قول: (أنا النبي لا كذب) ليس بشعر. وقال الخليل في كتاب العين: إن ما جاء من السجع على جزأين لا يكون شعرا. وروي عنه أنه من منهوك الرجز. وقد قيل:

لا يكون من منهوك الرجز إلا بالوقف على الباء من قوله:" لا كذب"، ومن قوله:" عبد المطلب". ولم يعلم كيف قاله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال ابن العربي: والأظهر من حال أنه قال:" لا كذب" الباء مرفوعة، ويخفض الباء من عبد المطلب على الإضافة. وقال النحاس قال بعضهم: إنما الرواية بالإعراب، وإذا كانت بالإعراب لم يكن شعرا، لأنه إذا فتح الباء من البيت الأول أو ضمها أو نونها، وكسر الباء من البيت الثاني خرج عن وزن الشعر. وقال بعضهم: ليس هذا الوزن من الشعر. وهذا مكابرة العيان، لأن أشعار العرب على هذا قد رواها الخليل وغيره. وأما قوله:" هل أنت إلا إصبع دميت" فقيل إنه من بحر السريع، وذلك لا يكون إلا إذا كسرت التاء من دميت، فإن سكن لا يكون شعرا بحال، لأن هاتين الكلمتين على هذه الصفة تكون فعول، ولا مدخل لفعول في بحر السريع. ولعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالها ساكنة التاء أو متحركة التاء من غير إشباع. والمعول عليه في الانفصال على تسليم أن هذا شعر، ويسقط الاعتراض، ولا يلزم منه أن يكون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عالما بالشعر ولا شاعر أن التمثل بالبيت النزر وإصابة القافيتين من الرجز وغيره، لا يوجب أن يكون قائلها عالما بالشعر، ولا يسمى شاعرا باتفاق العلماء، كما أن من خاط خيطا لا يكون خياطا. قال أبو إسحاق الزجاج: معنى:" وما علمناه الشعر" وما علمنا هـ أن يشعر أي ما جعلناه شاعرا، وهذا لا يمنع أن ينشد شيئا من الشعر. قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في هذا. وقد قيل: إنما خبر الله عز وجل أنه ما علمه الله الشعر ولم يخبر أنه لا ينشد شعرا، وهذا ظاهر الكلام. وقيل فيه قول بين، زعم صاحبه أنه إجماع من أهل اللغة، وذلك أنهم قالوا: كل من قال قولا موزونا لا يقصد به إلى شعر فليس بشعر وإنما وافق الشعر. وهذا قول بين. قالوا: وإنما الذي نفاه الله عن نبيه عليه السلام فهو العلم بالشعر وأصنافه، وأعاريضه وقوافيه والاتصاف بقوله، ولم يكن موصوفا بذلك بالاتفاق. ألا ترى أن قريشا تراوضت فيما يقولون للعرب فيه إذا قدموا عليهم الموسم، فقال بعضهم: نقول إنه شاعر. فقال أهل الفطنة منهم: والله لتكذبنكم العرب، فإنهم يعرفون

أصناف الشعر، فوالله ما يشبه شيئا منها، وما قوله بشعر. وقال أنيس أخو أبي ذر: لقد وضعت قوله على أقراء الشعر»
فلم يلتئم أنه شعر. أخرجه مسلم، وكان أنيس من أشعر العرب. وكذلك عتبة
بن أبي ربيعة لما كلمه: والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر، على ما يأتي بيانه من خبره في سورة" فصلت" إن شاء الله تعالى. وكذلك قال غيرهما من فصحاء العرب العرباء، واللسن البلغاء. ثم إن ما يجري على اللسان من موزون الكلام لا يعد شعرا، وإنما بعد منه ما يجري على وزن الشعر مع القصد إليه، فقد يقول القائل: حدثنا شيخ لنا وينادي يا صاحب الكسائي، ولا يعد هذا شعرا. وقد كان رجل ينادي في مرضه وهو من عرض العامة العقلاء: اذهبوا بي إلى الطبيب وقولوا قد اكتوى. الثالثة- روى ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن إنشاد الشعر فقال: لا تكثرن منه، فمن عيبه أن الله يقول:" وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ" قال: ولقد بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: أن أجمع الشعراء قبلك، وسلهم عن الشعر، وهل بقي معهم معرفة، وأحضر لبيدا ذلك، قال: فجمعهم فسألهم فقالوا إنا لنعرفه ونقوله. وسأل لبيدا فقال: ما قلت شعرا منذ سمعت الله عز وجل يقول:" الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ" [البقرة: 2- 1] قال ابن العربي: هذه الآية ليست من عيب الشعر، كما لم يكن قوله:" وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ" [العنكبوت: 48] من عيب الكتابة، فلما لم تكن الأمية من عيب الخط، كذلك لا يكون نفي النظم عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من عيب الشعر. روي أن المأمون قال لأبي علي المنقري: بلغني أنك أمي، وأنك لا تقيم الشعر، وأنك تلحن. فقال: يا أمير المؤمنين، أما اللحن فربما سبق لساني منه بشيء، وأما الأمية وكسر الشعر فقد كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يكتب ولا يقيم الشعر. فقال له: سألتك عن ثلاثة عيوب فيك فزدتني رابعا وهو الجهل، يا جاهل! إن ذلك كان للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فضيلة، وهو فيك وفي أمثالك نقيصة، وإنما منع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك لنفي الظنة عنه، لا لعيب في الشعر والكتابة.
__________ (1). أقراء الشعر: أنواعه وطرقه وبحوره ومقاصده.

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (73)

الرابعة- قوله تعالى:" وَما يَنْبَغِي لَهُ" أي وما ينبغي له أن يقول. وجعل الله جل وعز ذلك علما من أعلام نبيه عليه السلام لئلا تدخل الشبهة على من أرسل إليه، فيظن أنه قوي على القرآن بما في طبعه من القوة على الشعر. ولا اعتراض لملحد على هذا بما يتفق الوزن فيه من القرآن وكلام الرسول، لأن ما وافق وزنه وزن الشعر، ولم يقصد به إلى الشعر ليس بشعر، ولو كان شعرا لكان كل من نطق بموزون من العامة الذين لا يعرفون الوزن شاعرا، على ما تقدم بيانه. وقال الزجاج: معنى" وَما يَنْبَغِي لَهُ" أي ما يتسهل قول الشعر إلا الإنشاء." إِنْ هُوَ" أي هذا الذي يتلوه عليكم" ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ" قوله تعالى:" لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا" أي حي القلب، قال قتادة. الضحاك: عاقلا. وقيل: المعنى لتنذر من كان مؤمنا في علم الله. هذا على قراءة التاء خطابا للنبي عليه السلام، وهي قراءة نافع وابن عامر. وقرا الباقون بالياء على معنى لينذر الله عز وجل، أو لينذر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو لينذر القرآن. وروي عن ابن السميقع" لينذر" بفتح الياء والذال." وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ" أي وتجب الحجة بالقرآن على الكفرة.

[سورة يس (36): الآيات 71 الى 73]
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (71) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (73)
قوله تعالى:" أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ" هذه رؤية القلب، أي أولم ينظروا ويعتبروا ويتفكروا." مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا" أي مما أبدعناه وعملناه من غير واسطة ولا وكالة ولا شركة. و" ما" بمعنى الذي وحذفت إلها لطول الاسم. وإن جعلت" ما" مصدرية لم تحتج إلى إضمار الهاء." أنعاما" جمع نعم والنعم مذكر." فَهُمْ لَها مالِكُونَ" ضابطون قاهرون." وَذَلَّلْناها لَهُمْ أي سخرناها لهم حتى يقود الصبي الجمل العظيم ويضربه ويصرفه كيف شاء لا يخرج من طاعته." فَمِنْها رَكُوبُهُمْ" قراءة العامة بفتح الراء، أي مركوبهم، كما يقال: ناقة

وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (75) فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (76)

حلوب أي محلوب. وقرا الأعمش والحسن وابن السميقع:" فمنها ركوبهم" بضم الراء على المصدر. وروى عن عائشة أنها قرأت" فمنها ركوبتهم" وكذا في مصحفها والركوب والركوبة واحد، مثل الحلوب والحلوبة والحمول والحمولة. وحكى النحويون الكوفيون: أن العرب تقول: امرأة صبور وشكور بغير هاء. ويقولون: شاة حلوبة وناقة ركوبة، لأنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما كان له الفعل وبين ما كان الفعل واقعا عليه، فحذفوا الهاء مما كان فاعلا وأثبتوا فيما كان مفعولا، كما قال «1»:
فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... وسودا كخافية الغراب الأسحم
فيجب أن يكون على هذا ركوبتهم. فأما البصريون فيقولون: حذفت الهاء على النسب. والحجة للقول الأول ما رواه الجرمي عن أبي عبيدة قال: الركوبة تكون للواحد والجماعة، والركوب لا يكون إلا للجماعة. فعلى هذا يكون لتذكير الجمع. وزعم أبو حاتم: أنه لا يجوز" فمنها ركوبهم" بضم الراء لأنه مصدر، والركوب ما يركب. وأجاز الفراء" فمنها ركوبهم" بضم الراء، كما تقول فمنها أكلهم ومنها شربهم." وَمِنْها يَأْكُلُونَ" من لحمانها" وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ" من أصوافها وأوبارها وأشعارها وشحومها ولحومها وغير ذلك." وَمَشارِبُ" يعني ألبانها، ولم ينصرفا لأنهما من الجموع التي لا نظير لها في الواحد." أَفَلا يَشْكُرُونَ" الله على نعمه.

[سورة يس (36): الآيات 74 الى 76]
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (75) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (76)
ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ قوله تعالى:" وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً" أي قد رأوا هذه الآيات من قدوتنا، ثم اتخذوا من دوننا آلهة لا قدرة لها على فعل." لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ" أي لما يرجون من نصرتها
__________
(1). هو عنترة بن شداد.

أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77)

لهم إن نزل بهم عذاب. ومن العرب من يقول: لعله أن يفعل." لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ" يعني الآلهة. وجمعوا بالواو والنون، لأنه أخبر عنهم بخبر الآدميين." وَهُمْ" يعني الكفار" لَهُمْ" أي للآلهة" جُنْدٌ مُحْضَرُونَ" قال الحسن: يمنعون منهم ويدفعون عنهم. وقال قتادة: أي يغضبون لهم في الدنيا. وقيل: المعنى أنهم يعبدون الآلهة ويقومون بها، فهم لها بمنزلة الجند وهي لا تستطيع أن تنصرهم. وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى. وقيل: إن الآلهة جند للعابدين محضرون معهم في النار. فلا يدفع بعضهم عن بعض. وقيل: معناه وهذه الأصنام لهؤلاء الكفار جند الله عليهم في جهنم، لأنهم يلعنونهم ويتبرءون من عبادتهم. وقيل: الآلهة جند لهم محضرون يوم القيامة لإعانتهم في ظنونهم. وفي الخبر: إنه يمثل لكل قوم ما كانوا يعبدونه في الدنيا من دون الله فيتبعونه إلى النار، فهم لهم جند محضرون قلت: ومعنى هذا الخبر ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، وفي الترمذي عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد ثم يطلع عليهم رب العالمين فيقول ألا ليتبع كل إنسان ما كان يعبد فيمثل لصاحب الصليب صليبه ولصاحب التصاوير تصاويره ولصاحب النار ناره فيتبعون ما كانوا يعبدون ويبقى المسلمون" وذكر الحديث بطوله." فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ" هذه اللغة الفصيحة. ومن العرب من يقول يحزنك. والمراد تسلية نبيه عليه السلام، أي لا يحزنك قولهم شاعر ساحر. وتم الكلام تم استأنف فقال:" إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ" من القول والعمل وما يظهرون فنجازيهم بذلك.

[سورة يس (36): آية 77]
أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77)
مبين قوله تعالى:" أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ" قال ابن عباس: الإنسان هو عبد الله بن أبي. وقال سعيد بن جبير: هو العاص بن وا السهمي. وقال الحسن: هو أبي بن خلف الجمحي.

وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79)

وقاله ابن إسحاق، ورواه ابن وهب عمالك." أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ" وهو اليسير من الماء، نطف إذا قطر." فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ" أي مجادل في الخصومة مبين للحجة. يريد بذلك أنه صار به بعد أن لم يكن شيئا مذكورا خصيما مبينا. وذلك أنه أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعظم حائل فقال: يا محمد أترى أن الله يحيي هذا بعد ما رم! فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" نعم ويبعثك الله ويدخلك النار" فنزلت هذه الآية.

[سورة يس (36): الآيات 78 الى 79]
وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79)
قوله تعالى:" وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ" فيه مسألتان: الأولى- قوله تعالى:" وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ" أي ونسي أنا أنشأناه من نطفة ميتة فركبنا فيه الحياة. أي جوا به من نفسه حاضر، ولهذا قال عليه السلام:" نعم ويبعثك الله ويدخلك النار" ففي هذا دليل على صحة القياس، لأن الله جل وعز احتج على منكري البعث بالنشأة الأولى." قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ" أي بالية. رم العظم فهو رميم ورمام. وإنما قال رميم ولم يقل رميمة، لأنها معدولة عن فاعلة، وما كان معدولا عن وجهه ووزنه كان مصروفا عن إعرابه، كقوله:" وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا" [مريم: 28] أسقط الهاء، لأنها مصروفة عن باغية. وقيل: إن هذا الكافر قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أرأيت إن سحقتها وأذريتها في الريح أيعيدها الله! فنزلت" قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ" أي من غير شي فهو قادر عي إعادتها في النشأة الثانية من شي وهو عجم الذنب. ويقال عجب الذنب بالياء." وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ" أي كيف بيدي ويعيد.

الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)

الثانية- في هذه الآية دليل على أن في العظام حياة وأنها تنجس بالموت. وهو قول أبي حنيفة «1» وبعض أصحاب الشافعي. وقال الشافعي رضي الله عنه: حياة فيها. وقد تقدم هذا في" النحل". فإن قيل: أراد بقوله" مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ" أصحاب العظام وإقامة المضاف مقام المضاف إليه كثير في اللغة، موجود في الشريعة. قلنا: إنما يكون إذ احتيج لضرورة وليس ها هنا ضرورة تدعو إلى هذا الإضمار، ولا يفتقر إلى هذا التقدير، إذا الباري سبحانه قد أخبر به وهو قادر عليه والحقيقة تشهد له، فإن الإحساس الذي هو علامة الحياة موجود فيه، قاله ابن العربي.

[سورة يس (36): الآيات 80 الى 83]
الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)
قوله تعالى:" الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً" نبه تعالى على وحدانيته، ودل على كمال قدرته في إحياء الموتى بما يشاهدونه من إخراج المحرق اليابس من العود الندي الر طب. وذلك أن الكافر قال: النطفة حارة رطبة بطبع حياة فخرج منها الحياة، والعظم بارد يابس بطبع الموت فكيف تخرج منه الحياة! فأنزل الله تعالى:" الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً" أي إن الشجر الأخضر من الماء والماء بارد رطب ضد النار وهما لا يجتمعان، فأخرج الله منه النار، فهو القادر على إخراج الضد من الضد، وهو على كل شي قدير. معني بالآية
__________
(1). هذا يخالف مذهب الحنفية وما تقدم للمؤلف في ج 10 ص 155 من أن أبا حنيفة يقول بطهارة عظم الميتة.

ما في المرخ والعفار، وهي زناده العرب، ومنه قولهم: في كل شجر نار واستمجد المر والعفار «1»، فالعفار الزند وهو الأعلى، والمرخ الزندة وهي الأسفل، يؤخذ منهما غصنان مثل المسواكين يقطران ماء فيحك بعضهما إلى بعض فتخرج منهما النار. وقال:" مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ" ولم يقل الخضراء وهو جمع، لأن رده إلى اللفظ. ومن العرب من يقول: الشجر الخضراء، كما قال عز وجل:" مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ" [الواقعة: 53- 52]. ثم قال تعالى محتجا:" أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ" أي أمثال المنكرين للبعث. وقرا سلام أبو المنذر ويعقوب الحضرمي:" يقدر على أن يخلق مثلهم" على أنه فعل." بلى" أي إن خلق السموات والأرض أعظم من خلقهم، فالذي خلق السموات والأرض يقدر على أن يبعثهم." وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ" وقرا الحسن باختلاف عنه" الخالق". قوله تعالى:" إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" قرأ الكسائي" فيكون" بالنصب عطفا على" يَقُولَ" أي إذا أراد خلق شي لا يحتاج إلى تعب ومعالجة. وقد مضى هذا في غير موضع." فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ" نزه نفسه تعالى عن العجز والشرك وملكوت وملكوتي في كلام العرب بمعنى ملك. والعرب تقول: جبروتي خير من رحموتي. وقال سعيد عن قتادة:" مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ" مفاتح كل شي. وقرا طلحة بن مصرف وإبراهيم التيمي والأعمش" ملكة"، وهو بمعنى ملكوت إلا أنه خلاف المصحف." وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" أي تردون وتصيرون بعد مماتكم. وقراءة العامة بالتاء على الخطاب. وقرا السلمي وزر بن حبيش وأصحاب عبد الله" يرجعون" بالياء على الخبر.
__________
(1). استمجد المرخ والعفار: أي استكثرا وأخذا من النار ما هو حسبهما. وهو مثل يضرب في تفضيل بعض الشيء على بعض.

وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (3) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (5)

[تفسير سورة الصافات ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تفسير سورة الصافات مكية في قول الجميع

[سورة الصافات (37): الآيات 1 الى 5]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (2) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً (3) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (4)
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (5)
قوله تعالى:" وَالصَّافَّاتِ صَفًّا. فَالزَّاجِراتِ زَجْراً. فَالتَّالِياتِ ذِكْراً" هذه قراءة أكثر القراء. وقرا حمزة بالإدغام فيهن. وهذه القراءة التي نفر منها أحمد بن حنبل لما سمعها. النحاس: وهي بعيدة في العربية من ثلاث جهات: إحداهن أن التاء ليست من مخرج الصاد، ولا من مخرج الزاي، ولا من مخرج الذال، ولا من أخواتهن، وإنما أختاها الطاء والدال، وأخت الزاي الصاد والسين، وأخت الذال الظاء والثاء. والجهة الثانية أن التاء في كلمة وما بعدها في كلمة أخرى. والجهة الثالثة أنك إذا أدغمت جمعت بين ساكنين من كلمتين، وإنما يجوز الجمع بين ساكنين في مثل هذا إذا كانا في كلمة واحدة، نحو دابة وشابة. ومجاز قراءة حمزة أن التاء قريبة المخرج من هذه الحروف." وَالصَّافَّاتِ" قسم، الواو بدل من الباء. والمعنى برب الصافات و" فَالزَّاجِراتِ" عطف عليه." إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ" جواب القسم. وأجاز الكسائي فتح إن في القسم. والمراد ب" الصَّافَّاتِ" وما بعدها إلى قوله:" فَالتَّالِياتِ ذِكْراً" الملائكة في قول ابن عباس وابن مسعود وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة. تصف في السماء كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة. وقيل: تصف أجنحتها في الهواء واقفة فيه حتى يأمرها الله بما يريد. وهذا كما تقوم العبيد بين أيدي ملوكهم صفوفا. وقال الحسن:" صَفًّا" لصفوفهم عند ربهم في صلاتهم. وقيل: هي الطير، دليله قوله

تعالى:" أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ" [الملك: 19]. والصف ترتيب الجمع على خط كالصف في الصلاة. والصَّافَّاتِ" جمع الجمع، يقال: جماعة صافة ثم يجمع صافات. وقيل: الصافات جماعة الناس المؤمنين إذا قاموا صفا في الصلاة أو في الجهاد، ذكره القشيري." فَالزَّاجِراتِ" الملائكة في قول ابن عباس وابن مسعود ومسروق وغيرهم على ما ذكرناه. إما لأنها تزجر السحاب وتسوقه في قول السدي. وإما لأنها تزجر عن المعاصي بالمواعظ والنصائح. وقال قتادة: هي زواجر القرآن." فَالتَّالِياتِ ذِكْراً" الملائكة تقرأ كتاب الله تعالى، قال ابن مسعود وابن عباس والحسن ومجاهد وابن جبير والسدي. وقيل: المراد جبريل وحده فذكر بلفظ الجمع، لأنه كبير الملائكة فلا يخلو من جنود وأتباع. وقال قتادة: المراد كل من تلا ذكر الله تعالى وكتبه. وقيل: هي آيات القرآن وصفها بالتلاوة كما قال تعالى:" إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ" [النمل: 76]. ويجوز أن يقال لآيات القرآن تاليات، لأن بعض الحروف يتبع بعضا، ذكره القشيري. وذكر الماوردي: أن المراد بالتاليات الأنبياء يتلون الذكر على أممهم. فإن قيل: ما حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات؟ قيل له: إما أن تدل على ترتب معانيها في الوجود، كقوله «1»:
يا لهف زيابة للحارث الص ... ابح فالغانم فالآيب
كأنه قال: الذي صبح فغنم فآب. وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه كقولك: خذ الأفضل فالأكمل، واعمل الأحسن فالأجمل. وإما على ترتب موصوفاتها في ذلك كقوله: رحم الله المحلقين فالمقصرين. فعلى هذه القوانين الثلاثة ينساق أمر ألفاء العاطفة في الصفات، قاله الزمخشري." إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ" جواب القسم. قال مقاتل: وذلك أن الكفار بمكة قالوا أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً، وكيف يسع هذا الخلق فرد إله! فأقسم الله بهؤلاء تشريفا.
__________
(1). هو سلمة بن ذهل ويعرف بابن زيابة وزيابة أبوه، وقيل اسم أمه. يقول يا لهف أبى على الحرث إذا صبح قومي بالغارة فغنم وآب سالما ألا أكون لقيته فقتلته. ويريد يا لهف نفسي. والحرث هو الحرث بن همام الشيباني كما في شرح أشعار الحماسة. وبعد هذا البيت:
والله لو لاقيته خاليا ... ولآب سيقانا مع الغالب

ونزلت الآية. قال ابن الأنباري: وهو وقف حسن، ثم تبتدى" رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" على معنى هو رب السموات. النحاس: ويجوز أن يكون" رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ"
خبرا بعد خبر، ويجوز أن يكون بدلا من" واحد". قلت: وعلى هذين الوجهين لا يوقف على" لواحد". وحكى الأخفش:" رب السموات ورب المشارق" بالنصب على النعت لاسم إن. بين سبحانه معنى وحدانيته وألوهيته وكمال قدرته بأنه" رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" أي خالقهما ومالكهما" وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ" أي مالك مطالع الشمس. ابن عباس: للشمس كل يوم مشرق ومغرب، وذلك أن الله تعالى خلق للشمس ثلاثمائة وخمسة وستين كوة في مطلعها، ومثلها في مغربها على عدد أيام السنة الشمسية، تطلع في كل يوم في كوة منها، وتغيب في كوة، لا تطلع في تلك الكوة إلا في ذلك اليوم من العام المقبل. ولا تطلع إلا وهي كارهة فتقول: رب لا تطلعني على عبادك فإني أراهم يعصونك. ذكره أبو عمر في كتاب التمهيد، وابن الأنباري في كتاب الر د عن عكرمة، قال: قلت لابن عباس أرأيت ما جاء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أمية بن أبي الصلت" آمن شعره وكفر قلبه" قال: هو حق فما أنكرتم من ذلك؟ قلت: أنكرنا قول:
والشمس تطلع كل آخر ليلة ... وحمراء يصبح لونها يتورد
ليست بطالعه لهم في رسلها ... وإلا معذبة وإلا تجلد
ما بال الشمس تجلد؟ فقال: والذي نفسي بيده ما طلعت شمس قط حتى ينخسها سبعون ألف ملك، فيقولون لها اطلعي اطلعي، فتقول لا أطلع على قوم يعبدونني من دون الله، فيأتيها ملك فيستقل لضياء بني آدم، فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن الطلوع فتطلع بين قرنيه فيحرقه الله تعالى تحتها، فذلك قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" ما طلعت إلا بين قرني شيطان ولا غربت إلا بين قرني شيطان وما غربت قط إلا خرت لله ساجدة فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن السجود فتغرب بين قرنيه فيحرقه الله تعالى تحتها" لفظ ابن الأنباري. وذكر

إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (10)

عن عكرمة عن ابن عباس قال: صدق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمية بن أبي الصلت في هذا الشعر:
زحل وثور تحت رجل يمينه ... ووالنسر للأخرى وليث مرصد
والشمس تطلع كل آخر ليلة ... وحمراء يصبح لونها يتورد
ليست بطالعه لهم في رسلها ... وإلا معذبة وإلا تجلد
قال عكرمة: فقلت لابن عباس: يا مولاي أتجلد الشمس؟ فقال: إنما اضطره الروي إلى الجلد لكنها تخاف العقاب. ودل بذكر المطالع على المغارب، فلهذا لم يذكر المغارب، وهو كقوله:" سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ" [النحل: 81]. وخص المشارق بالذكر، لأن الشروق قبل الغروب. وقال في سورة [الرحمن ]" رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ" [الرحمن: 17] أراد بالمشرقين أقصى مطلع تطلع منه الشمس في الأيام الطوال، وأقصر يوم في الأيام القصار على ما تقدم في" يس" «1» والله أعلم.

[سورة الصافات (37): الآيات 6 الى 10]
إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (6) وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (7) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (8) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (9) إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (10)
قوله تعالى:" إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ" قال قتادة: خلقت النجوم ثلاثا، رجوما للشياطين، ونورا يهتدى بها، وزينة لسماء الدنيا. وقرا مسروق والأعمش والنخعي وعاصم وحمزة" بِزِينَةٍ" مخفوض منون" الْكَواكِبِ" خفض على البدل من" بِزِينَةٍ" لأنها هي. وقرا أبو بكر كذلك إلا أنه نصب" الكواكب" بالمصدر الذي هو زينة. والمعنى بأن زينا الكواكب فيها. ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار أعنى، كأنه قال: إنا زيناها" بزينة" أعني" الكواكب". وقيل: هي بدل من زينة على الموضع.
__________
(1). راجع ص 27 وما بعدها من هذا الجزء. [.....]

ويجوز" بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ" بمعنى أن زينتها الكواكب. أو بمعنى هي الكواكب. الباقون" بزينة الكواكب" على الإضافة. والمعنى زينا السماء الدنيا بتزيين الكواكب، أي بحسن الكواكب. ويجوز أن يكون كقراءة من نون إلا أنه حذف التنوين استخفافا." وَحِفْظاً" مصدر أي حفظناها حفظنا." مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ" لما أخبر أن الملائكة تنزل بالوحي من السماء، بين أنه حرس السماء عن استراق السمع بعد أن زينها بالكواكب. والمارد: العاتي من الجن والإنس، والعرب تسميه شيطانا. قوله تعالى:" لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى " قال أبو حاتم: أي لئلا يسمعوا ثم حذف" أن" فرفع الفعل. الملأ الأعلى: أهل السماء الدنيا فما فوقها، وسمي الكل منهم أعلى بالإضافة إلى ملأ الأرض. الضمير في" يَسَّمَّعُونَ" للشياطين. وقرا جمهور الناس" يسمعون" بسكون السين وتخفيف الميم. وقرا حمزة وعاصم في رواية حفص" لا يسمعون" بتشديد السين والميم من التسميع. فينتفي على القراءة الأولى سماعهم وإن كانوا يستمعون، وهو المعنى الصحيح، ويعضده قوله تعالى:" إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ" [الشعراء: 212]. وينتفي على القراءة الأخيرة أن يقع منهم استماع أو سماع. قال مجاهد: كانوا يتسمعون ولكن لا يسمعون. وروي عن ابن عباس" لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ" قال: هم لا يسمعون ولا يتسمعون. واصل" يَسَّمَّعُونَ" يتسمعون فأدغمت التاء في السين لقربها منها. واختارها أبو عبيد، لأن العرب لا تكاد تقول: سمعت إليه وتقول تسمعت إليه." وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ" أي يرمون من كل جانب، أي بالشهب." دُحُوراً" مصدر لأن معنى" يُقْذَفُونَ" يدحرون. دحرته دحرا ودحورا أي طردته. وقرا السلمي ويعقوب الحضرمي" دحورا" بفتح الدال يكون مصدرا على فعول. وأما الفراء فإنه قدره على أنه اسم الفاعل. أي ويقذفون بما يدحرهم أي بدحور ثم حذف الباء، والكوفيون يستعملون هذا كثير كما أنشدوا «1»:
تمرون الديار ولم تعوجوا
__________
(1). الزيادة من اعراب القرآن للنحاس. والبيت لجرير وتمامه:
كلامكم على إذن حرام

واختلف هل كان هذا القذف قبل المبعث، أو بعده لأجل المبعث، على قولين. وجاءت الأحاديث بذلك على ما يأتي من ذكرها في سورة" الجن" عن ابن عباس. وقد يمكن الجمع بينهما أن يقال: إن الذين قالوا لم تكن الشياطين ترمى بالنجوم قبل مبعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم رميت، أي لم تكن ترمى رميا يقطعها عن السمع، ولكنها كانت ترمى وقتا ولا ترمى وقتا، وترمى من جانب ولا ترمى من جانب. ولعل الإشارة بقوله تعالى:" وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ. دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ" إلى هذا المعنى، وهو أنهم كانوا لا يقذفون إلا من بعض الجوانب فصاروا يرمون واصبا. وإنما كانوا من قبل كالمتجسسة من الإنس، يبلغ الواحد منهم حاجته ولا يبلغها غيره، ويزسلزم واحد ولا يزسلزم غيره، بل يقبض عليه ويعاقب وينكل. فلما بعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زيد في حفظ السماء، واعدت لهم شهب لم تكن من قبل، ليدحروا عن جميع جوانب السماء، ولا يقروا في مقعد من المقاعد التي كانت لهم منها، فصاروا لا يقدرون على سماع شي مما يجري فيها، إلا أن يختطف أحد منهم بخفة حركته خطفة، فيتبعه شهاب ثاقب قبل أن ينزل إلى الأرض فيلقيها إلى إخوانه فيحرقه، فبطلت من ذلك الكهانة وحصلت الرسالة والنبوة. فإن قيل: إن هذا القذف إن كا ن لأجل النبوة فلم دام بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فالجواب: أنه دام بدوام النبوة، فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبر ببطلان الكهانة فقال:" ليس منا من تكهن" فلو لم تحرس بعد موته لعادت الجن إلى تسمعها، وعادت الكهانة. ولا يجوز ذلك بعد أن بطل، ولأن قطع الحراسة عن السماء إذا وقع لأجل النبوة فعادت الكهانة دخلت الشبهة على ضعفاء المسلمين، ولم يؤمن أن يظنوا أن الكهانة إنما عادت لتناهي النبوة، فصح أن الحكمة تقضي دوام الحراسة في حياة النبي عليه السلام، وبعد أن توفاه الله إلى كرامته صلى الله عليه وعلى آله." وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ" أي دائم، عن مجاهد وقتادة. وقال ابن عباس: شديد. الكلبي والسدي وأبو صالح: موجع، أي الذي يصل وجعه إلى القلب، مأخوذ من الوصب وهو المرض" إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ" استثناء من قوله:" وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ". وقيل: الاستثناء يرجع إلى غير

الوحي، لقوله تعالى:" إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ" [الشعراء: 212] فيسترق الواحد منهم شيئا مما يتفاوض فيه الملائكة، مما سيكون في العالم قبل أن يعلمه أهل الأرض، وهذا لخفة أجسام الشياطين فيرجمون بالشهب حينئذ. وروي في هذا الباب أحاديث صحاح، مضمونها أن الشياطين كانت تصعد إلى السماء، فتقعد للسمع واحدا فوق واحد، فيتقدم الأجسر نحو السماء ثم الذي يليه ثم الذي يليه، فيقضي الله تعالى الأمر من أمر الأرض، فيتحدث به أهل السماء فيسمعه منهم الشيطان الأدنى، فيلقيه إلى الذي تحته فربما أحرقه شهاب، وقد ألقى الكلام، وربما لم يحرقه على ما بيناه. فتنزل تلك الكلمة إلى الكهان، فيكذبون معها مائة كذبة، وتصدق تلك الكلمة فيصدق الجاهلون الجميع كما بيناه في [الأنعام «1»]. فلما جاء الله بالإسلام حرست السماء بشدة، فلا يفلت شيطان سمع بتة. والكواكب الراجمة هي التي يراها الناس تنقض. قال النقاش ومكي: وليست بالكواكب الجارية في السماء، لأن تلك لا ترى حركتها، وهذه الراجمة ترى حركتها، لأنها قريبة منا. وقد مضى في هذا الباب في سورة" الحجر" «2» من البيان ما فيه كفاية. وذكرنا في" سبأ" «3» حديث أبي هريرة. وفيه" والشياطين بعضهم فوق بعض" وقال فيه الترمذي حديث حسن صحيح. وفية عن ابن عباس:" ويختطف الشياطين السمع فيرمون فيقذفونه إلى أوليائهم فما جاءوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يحرفونه ويزيدون". قال هذا حديث حسن صحيح. والخطف: أخذ الشيء بسرعة، يقال «4» خطف وخطف وخطف وخطف. والأصل في المشددات اختطف فأدغم التاء في الطاء لأنها أختها، وفتحت الخاء، لأن حركة التاء ألقيت عليها. ومن كسرها فلالتقاء الساكنين. ومن كسر الطاء أتبع الكسر الكسر." فاتبعه شهاب ثاقب" أي مضيء، قاله الضحاك والحسن وغيرهما. وقيل: المراد كواكب النار تتبعهم حتى تسقطهم في البحر. وقال ابن عباس في الشهب: تحرقهم من غير موت. وليست الشهب التي يرجم الناس بها
__________
(1). راجع ج 7 ص 3 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.
(2). راجع ج 10 ص 10 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.
(3). راجع 14 ص 296 طبعه أولى أو ثانيه.
(4). زيادة يقتضيها السياق، ويدل عليها ما في إعراب القرآن للنحاس.

فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (11) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (13) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (15) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (17)

من الكواكب الثوابت. يدل على ذلك رؤية حركاتها، والثابتة تجري ولا ترى حركاتها لبعدها. وقد مضى هذا. وجمع شهاب شهب، والقياس في القليل أشهبة وإن لم يسمع من العرب و" ثاقِبٌ" معناه مضيء، قاله الحسن ومجاهد وأبو مجلز. ومنه قوله:
وزندك أثقب أزنادها

أي أضوأ. وحكى الأخفش في الجمع: شهب ثقب وثواقب وثقاب. وحكى الكسائي: ثقبت النار تثقب ثقابة وثقوبا إذا اتقدت، وأثقبتها أنا. وقال زيد بن أسلم في الثاقب: إنه المستوقد، من قولهم: أثقب زندك أي استوقد نارك، قال الأخفش. وأنشد قول الشاعر:
بينما المرء شهاب ثاقب ... وضرب الدهر سناه فخمد

[سورة الصافات (37): الآيات 11 الى 17]
فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (11) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12) وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (13) وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14) وَقالُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (15)
أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (17)
قوله تعالى:" فَاسْتَفْتِهِمْ" أي سلهم يعني أهل مكة، مأخوذ من استفتاء المفتي." أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا" قال مجاهد: أي من خلقنا من السموات والأرض والجبال والبحار. وقيل: يدخل فيه الملائكة ومن سلف من الأمم الماضية. يدل على ذلك أنه أخبر عنهم" بمن" قال سعيد بن جبير: الملائكة. وقال غيره:" من" الأمم الماضية وقد هلكوا وهم أشد خلقا منهم. نزلت في أبي الأشد بن كلدة، وسمي بأبى الأشد لشدة بطشه وقوته. وسيأتي في" البلد" ذكره. ونظير هذه:" لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ" [غافر: 57] وقوله:" أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ" [النازعات: 27]." إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ" أي لاصق، قال ابن عباس. ومنه قول علي رضي الله عنه:
تعلم فإن الله زادك بسطة ... ووأخلاق خير كلها لك لازب

وقال قتادة وابن زيد: معنى" لازب" لازق. الماوردي: والفرق بين اللاصق واللازق أن اللاصق: هو الذي قد لصق بعضه ببعض، واللازق: هو الذي يلتزق بما أصابه. وقال عكرمة:" لازب" لزج. سعيد بن جبير: أي جيد حر يلصق باليد. مجاهد" لازب" لازم. والعرب تقول: طين لازب ولازم، تبدل الباء من الميم. ومثله قولهم لاتب ولازم. على إبدال الباء بالميم. واللازب الثابت، تقول: صار الشيء ضربة لازب، وهو أفصح من لازم. قال النابغة:
ولا تحسبون الخير لا شر بعده ... ولا تحسبون الشر ضربة لازب
وحكى الفراء عن العرب: طين لاتب بمعنى لازم. واللاتب الثابت، تقول منه: لتب يلتب لتبا ولتوبا، مثل لزب يزب بالضم لزوبا، وأنشد أبو الجراح في اللاتب:
فإن يك هذا من نبيذ شربته ... وفاني من شرب النبيذ لتائب
صداع وتوصيم العظام وفترة ... ووغم مع الإشراق في الجوف لاتب «1»
واللاتب أيضا: اللاصق مثل اللازب، عن الأصمعي حكاه الجوهري. وقال السدي والكلبي في اللازب: إنه الخالص. مجاهد والضحاك: إنه المنتن. قوله تعالى:" بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ" قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم بفتح التاء خطابا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أي بل عجبت مما نزل عليك من القرآن وهم يسخرون به. وهي قراءة شريح وأنكر قراءة الضم «2» وقال: إن الله لا يعجب من شي، وإنما يعجب من لا يعلم. وقيل: المعنى بل عجبت من إنكارهم للبعث. وقرا الكوفيون إلا عاصما بضم التاء. واختارها أبو عبيد والفراء، وهي مروية عن علي وابن مسعود، رواه شعبة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ:" بل عجبت" بضم التاء. ويروى عن ابن عباس. قال الفراء في قوله سبحانه:" بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ" قرأها الناس بنصب
__________
(1). قوله: وغم مع الإشراق كرواية اللسان. ورواية الطبري: وغثي مع الإشراق.
(2). الزيادة من تفسير الألوسي.

التاء ورفعها، والرفع أحب إلي، لأنها عن علي وعبد الله وابن عباس. وقال أبو زكريا القراء: العجب إن أسند إلى الله عز وجل فليس معناه من الله كمعناه من العباد، وكذلك قوله:"" اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ" ليس ذلك من الله كمعناه من العباد. وفى هذا بيان الكسر لقول شريح حيث أنكر القراءة بها. روى جرير والأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: قرأها عبد الله يعني ابن مسعود" بل عجبت ويسخرون" قال شريح: إن الله لا يعجب من شي إنما يعجب من لا يعلم. قال الأعمش فذكرته لإبراهيم فقال: إن شريحا كان يعجبه رأيه، إن عبد الله كان أعلم من شريح وكان يقرؤها عبد الله" بل عجبت،". قال الهروي: وقال بعض الأئمة: معنى قوله:" بَلْ عَجِبْتَ" بل جازيتهم على عجبهم، لأن الله تعالى أخبر عنهم في غير موضع بالتعجب من الحق، فقال:" وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ" [ص: 4] وقال:" إِنَّ هذا لَشَيْ ءٌ عُجابٌ"،" أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ" [يونس: 2] فقال تعالى:" بَلْ عَجِبْتَ" بل جازيتهم على التعجب. قلت: وهذا تمام معنى قول الفراء واختاره البيهقي. وقال علي بن سليمان: معنى القراءتين واحد، التقدير: قيل يا محمد بل عجبت، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مخاطب بالقرآن. النحاس: وهذا قول حسن وإضمار القول كثير. البيهقي: والأول أصح. المهدوي: ويجوز أن يكون إخبار الله عن نفسه بالعجب محمولا على أنه أظهر من أمره وسخطه على من كفر به ما يقوم مقام العجب من المخلوقين، كما يحمل إخباره تعالى عن نفسه بالضحك لمن يرضى عنه- على ما جاء في الخبر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على أنه أظهر له من رضاه عنه ما يقوم له مقام الضحك من المخلوقين مجازا واتساعا. قال الهروي: ويقال معنى (عجب ربكم) أي رضي وأثاب، فسماه عجبا وليس بعجب في الحقيقة، كما فال تعالى:" وَيَمْكُرُ اللَّهُ" [الأنفال: 30] معناه ويجازيهم الله على مكرهم، ومثله في الحديث (عجب ربكم من إلكم، م وقنوطكم). وقد يكون العجب بمعنى وقوع ذلك العمل عند الله عظيما. فيكون معنى قوله:" بَلْ عَجِبْتَ" أي بل عظم فعلهم عندي. قال البيهقي: ويشبه أن يكون هذا معنى حديث عقبة بن عامر قال:

سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:" عجب ربك من شاب ليست له صبوة" وكذلك ما خرجه البخاري عن أبي هريرة «1» عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال" عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل" قال البيهقي: وقد يكون هذا الحديث وما ورد من أمثاله أنه يعجب ملائكته من كرمه ورأفته بعباده، حين حملهم على الإيمان به بالقتال والأسر في السلاسل، حتى إذا آمنوا أدخلهم الجنة. وقيل: معنى" بَلْ عَجِبْتَ" بل أنكرت. حكاه النقاش. وقال الحسين بن الفضل: التعجب من الله إنكار الشيء وتعظيمه، وهو لغة العرب. وقد جاء في الخبر" عجب ربكم من الكم وقنوطكم"." وَيَسْخَرُونَ" قيل: الواو واو الحال، أي عجبت منهم في حال سخريتهم. وقيل: تم الكلام عند قوله:" بَلْ عَجِبْتَ" ثم استأنف فقال:" وَيَسْخَرُونَ" أي مما جئت به إذا تلوته عليهم. وقيل: يسخرون منك إذا دعوتهم. قوله تعالى:" وَإِذا ذُكِّرُوا" أي وعظوا بالقرآن في قول قتادة:" لا يَذْكُرُونَ" لا ينتفعون به. وقال سعيد بن جبير: أي إذا ذكر لهم ما حل بالمكذبين من قبلهم أعرضوا عنه ولم يتدبروا." وَإِذا رَأَوْا آيَةً" أي معجزة" يَسْتَسْخِرُونَ" أي يسخرون في قول قتادة. ويقولون إنها سحر. واستسخر وسخر بمعنى مثل استقر وقر، واستعجب، وعجب. وقيل:" يَسْتَسْخِرُونَ" أي يستدعون السخري من غيرهم. وقال مجاهد: يستهزئون. وقيل: أي يظنون أن تلك الآية سخرية." وَقالُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ" أي إذا عجزوا عن مقابلة المعجزات بشيء قالوا هذا سحر وتخييل وخداع." أَإِذا مِتْنا" أي انبعث إذا متنا؟. فهو استفهام إنكار منهم وسخرية." أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ" أي أو تبعث آباؤنا. دخلت ألف الاستفهام على حرف العطف. قرأ نافع:" أو آباؤنا" بسكون الواو. وقد مضى هذا في سورة" الأعراف" «2». في قوله تعالى:" أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى " [الأعراف: 98].
__________
(1). الزيادة من البخاري وفى الأصل بياض.
(2). راجع ج 7 ص 253 طبعه أولى أو ثانيه.

قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (18) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (19) وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (20) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (25) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (30) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (32) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (33) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35)

[سورة الصافات (37): الآيات 18 الى 21]
قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (18) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (19) وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (20) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21)
قوله تعالى:" قُلْ نَعَمْ" أي نعم تبعثون." وَأَنْتُمْ داخِرُونَ" أي صاغرون أذلاء، لأنهم إذا رأوا وقوع ما أنكروه فلا محالة يذلون وقيل: أي ستقوم القيامة وإن كرهتم، فهذا أمر واقع على رغمكم وإن أنكرتموه اليوم بزعمكم." فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ" أي صيحة واحدة، قاله الحسن وهي النفخة الثانية. وسميت الصيحة زجرة، لأن مقصودها الزجر أي يزجر بها كزجر الإبل والخيل عند السوق." فَإِذا هُمْ قِيامٌ" يَنْظُرُونَ" أي ينظر بعضهم إلى بعض. وقيل: المعنى ينتظرون ما يفعل بهم. وقيل: هي مثل قوله:" فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا" [الأنبياء: 97]. وقيل: أي ينظرون إلى البعث الذي أنكروه. قوله تعالى:" وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ" نادوا على أنفسهم بالويل، لأنهم يومئذ يعلمون ما حل بهم. وهو منصوب على أنه مصدر عند البصريين. وزعم الفراء أن تقديره يأوي لنا، ووي بمعنى حزن. النحاس: ولو كان كما قال لكان منفصلا وهو في المصحف متصل، ولا نعلم أحدا يكتبه إلا متصلا. و" يَوْمُ الدِّينِ" يوم الحساب. وقيل: يوم الجزاء." هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ" قيل: هو من قول بعضهم لبعض، أي هذا اليوم الذي كذبنا به. وقيل: هو قول الله تعالى لهم. وقيل: من قول الملائكة، أي هذا يوم الحكم بين الناس فيبين المحق من المبطل. ف" فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ" [الشورى: 7].

[سورة الصافات (37): الآيات 22 الى 35]
احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (23) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (24) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (25) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26)
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (27) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (28) قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ (30) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ (31)
فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ (32) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (33) إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34) إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35)

قوله تعالى:" احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ"، هو من قول الله تعالى للملائكة:" احْشُرُوا المشركين وَأَزْواجَهُمْ" أي أشياعهم في الشرك، والشرك الظلم، قال الله تعالى:" إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" [لقمان: 13] فيحشر الكافر مع الكافر، قاله قتادة وأبو العالية. وقال عمر بن الخطاب في قول الله عز وجل:" احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ" قال: الزاني مع الزاني، وشارب الخمر مع شارب الخمر، وصاحب السرقة مع صاحب السر قه. وقال ابن عباس:" وَأَزْواجَهُمْ" أي أشباههم. وهذا يرجع إلى قول عمر. وقيل:" وَأَزْواجَهُمْ" نساؤهم الموافقات على الكفر، قاله مجاهد والحسن، ورواه النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب. وقال الضحاك:" وَأَزْواجَهُمْ" قرناءهم من الشياطين. وهذا قول مقاتل أيضا: يحشر كل كافر مع شيطانه في سلسلة." وَما كانُوا يَعْبُدُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ" من الأصنام والشياطين وإبليس." فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ" أي سوقوهم إلى النار. وقيل:" فَاهْدُوهُمْ" أي دلوهم. يقال: هديته إلى الطريق، وهديته الطريق، أي دللته عليه. وأهديت الهدية وهديت العروس، ويقال أهديتها، أي جعلتها بمنزلة الهدية. قوله تعالى:" وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ" وحكى عيسى بن عمر" أنهم" بفتح الهمزة. قال الكسائي: أي لأنهم وبأنهم، يقال: وقفت الدابة أقفها وقفا فوقفت هي وقوفا، يتعدى ولا يتعدى، أي احسبوهم. وهذا يكون قبل السوق إلى الجحيم، وفية تقديم وتأخير،

أي قفوهم للحساب ثم سوقوهم إلى النار. وقيل: يساقون إلى النار أولا ثم يحشرون للسؤال إذا قربوا من النار." إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ" عن أعمالهم وأقوالهم وأفعالهم، قال القرظي والكلبي. الضحاك: عن خطاياهم. ابن عباس: عن لا إله إلا الله. وعنه أيضا: عن ظلم الخلق. وفي هذا كله دليل على أن الكافر يحاسب. وقد مضى في" الحجر" «1» الكلام فيه. وقيل سؤالهم أن يقال لهم:" لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
" [الأنعام: 130] إقامة الحجة. ويقال لهم:" ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ" على جهة التقريع والتوبيخ، أي ينصر بعضكم بعضا فيمنعه من عذاب الله. وقيل: هو إشارة إلى قول أبي جهل يوم بدر:" نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ" [القمر: 44]. وأصله تتناصرون فطرحت إحدى التاءين تخفيفا. وشدد البزي التاء في الوصل. قوله تعالى:" بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ" قال قتادة: مستسلمون في عذاب الله عز وجل. ابن عباس: خاضعون ذليلون. الحسن: منقادون. الأخفش: ملقون بأيديهم. والمعنى متقارب." وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ" يعني الرؤساء والأتباع" يَتَساءَلُونَ" يتخاصمون. ويقال لا يتساءلون فسقطت لا. النحاس: وإنما غلط الجاهل باللغة فتوهم أن هذا من قوله:" فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ" [المؤمنون: 101] إنما هو لا يتساءلون بالأرحام، فيقول أحدهم: أسألك بالرحم الذي بيني وبينك لما نفعتني، أو أسقطت لي حقا لك علي، أو وهبت لي حسنة. وهذا بين، لأن قبله" فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ" [المؤمنون: 101]. أي ليس ينتفعون بالأنساب التي بينهم، كما جاء في الحديث:" إن الرجل ليسر بأن يصبح له على أبيه أو على ابنه حق فيأخذه منه لأنها الحسنات والسيئات"، وفي حديث آخر:" رحم الله امرأ كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض فأتاه فاستحله قبل أن يطالبه به فيأخذ من حسناته فإن لم تكن له حسنات زيد عليه من سيئات المطالب". و" يَتَساءَلُونَ" ها هنا إنما هو أن يسأل بعضهم بعضا ويوبخه في أنه أضله أو فتح بابا من المعصية، يبين ذلك أن بعده" إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ" قال مجاهد: هو قول الكفار للشياطين. قتادة: هو قول الإنس للجن. وقيل: هو من قول
__________
(1). راجع ج 10 ص 60 طبعه أولى أو ثانيه.

الأتباع للمتبوعين، دليله قول تعالى:" وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ" [سبأ: 31] الآية. قال سعيد عن قتادة: أي تأتوننا عن طريق الخير وتصدوننا عنها. وعن ابن عباس نحو منه. وقيل: تأتوننا عن اليمين التي نحبها ونتفاءل بها لتغرونا بذلك من جهة النصح. والعرب تتفاءل بما جاء عن اليمين وتسميه السانح. وقيل:" تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ" تأتوننا مجيء من إذا حلف لنا صدقناه. وقيل: تأتوننا من قبل الدين فتهونون علينا أمر الشريعة وتنفروننا عنها. قلت: وهذا القول حسن جدا، لأن من جهة الدين يكون الخير والشر، واليمين بمعنى الدين، أي كنتم تزينون لنا الضلالة. وقيل: اليمين بمعنى القوة، أي تمنعوننا بقوة وغلبة وقهر، قال الله تعالى:" فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ" [الصافات: 93] أي بالقوة وقوه الرجل في يمينه، وقال الشاعر:
إذا ما راية رفعت لمجد ... وتلقاها عرابة باليمين
أي بالقوة والقدرة. وهذا قول ابن عباس. وقال مجاهد:" تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ" أي من قبل الحق أنه معكم، وكله متقارب المعنى." قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" قال قتادة: هذا قول الشياطين لهم. وقيل: من قول الرؤساء، أي لم تكونوا مؤمنين قط حتى ننقلكم منه إلى الكفر، بل كنتم على الكفر فأقمتم عليه للألف والعادة." وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ" أي من حجة في ترك الحق" بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ" أي ضالين متجاوزين الحد." فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا" هو أيضا من قول المتبوعين، أي وجب علينا وعليكم قول ربنا، فكلنا ذائقو العذاب، كما كتب الله وأخبر على ألسنة الرسل" لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" [السجدة: 13]. وهذا موافق للحديث: (إن الله جل وعز كتب للنار أهلا وللجنة أهلا لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم)." فَأَغْوَيْناكُمْ" أي زينا لكم ما كنتم عليه من الكفر" إِنَّا كُنَّا غاوِينَ" بالوسوسة والاستدعاء. ثم قال خبرا عنهم:" فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ" الضال والمضل." إِنَّا كَذلِكَ" أي مثل هذا الفعل" نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ" أي المشركين.! إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ" أي إذا قيل لهم قولوا فأضمر القول.

وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37) إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (38) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (39) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40)

و" يَسْتَكْبِرُونَ" في موضع نصب على خبر كان. ويجوز أن يكون في موضع رفع على أنه خبر إن، وكان ملغاة. ولما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأبي طالب عند موته واجتماع قريش" قولوا لا إله إلا الله تملكوا بها العرب وتدين لكم بها العجم" أبوا وأنفوا من ذلك. وقال أبو هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" انزل الله تعالى في كتابه فذكر قوما استكبروا فقال:" إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ" وقال تعالى:" إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها" [الفتح: 26] وهي (لا إله إلا الله محمد رسول الله) استكبر عنها المشركون يوم الحديبية يوم كاتبهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على قضية المدة، ذكر هذا الخبر البيهقي، والذي قبله القشيري.

[سورة الصافات (37): الآيات 36 الى 40]
وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37) إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (38) وَما تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (39) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40)
قوله تعالى:" وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ" أي لقول شاعر مجنون، فرد الله جل وعز عليهم فقال:" بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ" يعني القرآن والتوحيد" وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ" فيما جاءوا به من التوحيد." إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ" الأصل لذائقون فحذفت النون استخفافا وخفضت للإضافة. ويجوز النصب كما أنشد سيبويه:
فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلا قليلا
وأجاز سيبويه" وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ" على هذا." وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" أي إلا بما عملتم من الشرك" إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ" لاستثناء ممن يذوق العذاب. وقراءة أهل المدينة والكوفة" المخلصين" بفتح اللام، يعني الذين أخلصهم الله لطاعته ودينه وولايته. الباقون بكسر اللام، أي الذين أخلصوا لله العبادة. وقيل: هو استثناء منقطع، أي إنكم أيها المجرمون ذائقو العذاب لكن عباد الله المخلصين لا يذوقون العذاب.

أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (44) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (47) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49)

[سورة الصافات (37): الآيات 41 الى 49]
أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (44) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45)
بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (47) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49)
قوله تعالى:" أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ" يعني المخلصين، أي لهم عطية معلومة لا تنقطع. قال قتادة: يعني الجنة. وقال غيره: يعني رزق الجنة. وقيل: هي الفواكه التي ذكر قال مقاتل: حين يشتهونه. وقال ابن السائب: إنه بمقدار الغداة والعشي، قال الله تعالى:" وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا" [مريم: 62]." فَواكِهُ" جمع فاكهة، قال الله تعالى:" وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ" [الطور: 22] وهي الثمار كلها رطبها ويابسها، قاله ابن عباس." فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ" أي ولهم إكرام من الله جل وعز برفع الدرجات وسماع كلامه ولقائه." فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ" أي في بساتين يتنعمون فيها. وقد تقدم أن الجنان سبع في سورة [يونس «1»] منها النعيم. قوله تعالى:" عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ" قال عكرمة ومجاهد: لا ينظر بعضهم في قفا بعض تواصلا وتحاببا. وقيل: الأسرة تدور كيف شاءوا فلا يرى أحد قفا أحد. وقال ابن عباس: على سرر مكللة بالدر والياقوت والزبرجد، السرير ما بين صنعاء إلى الجابية، وما بين عدن إلى أيلة. وقيل: تدور بأهل المنزل الواحد. والله أعلم. قوله تعالى:" يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ" لما ذكر مطاعمهم ذكر شرابهم. والكأس عند أهل اللغة اسم شامل لكل إناء مع شرابه، فإن كان فارغا فليس بكأس. قال الضحاك والسدي: كل كأس في القرآن فهي الخمر، والعرب تقول للإناء إذا كان فيه خمر كأس، فإذا لم يكن فيه خمر قالوا إناء وقدح. النحاس: وحكى من يوثق به من أهل اللغة
__________
(1). راجع ج 8 ص 329 وما بعدها طبعه أو أولى ثانيه.

أن العرب تقول للقدح إذا كان فيه خمر: كأس، فإذا لم يكن فيه خمر فهو قدح، كما يقال للخوان إذا كان عليه طعام: مائدة، فإذا لم يكن عليه طعام لم تقل له مائدة. قال أبو الحسن ابن كيسان: ومنه ظعينة للهودج إذا كان فيه المرأة. وقال الزجاج:" بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ" أي من خمر تجري كما تجري العيون على وجه الأرض. والمعين: الماء الجاري الظاهر." بَيْضاءَ" صفة للكأس. وقيل: للخمر." لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ" قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضا من اللبن." لَذَّةٍ" قال الزجاج: أي ذات لذة فحذف المضاف. وقيل: هو مصدر جعل اسما أي بيضا لذيذة، يقال شراب لذ ولذيذ، مثل نبات غض وغضيض. فأما قول القائل «1»:
ولذ كطعم الصرخدي تركته ... وبأرض العدا من خشية الحدثان
فانه يريد النوم. وقيل:" بَيْضاءَ" أي لم يعتصرها الرجال بأقدامهم." لا فِيها غَوْلٌ" أي لا تغتال عقولهم، ولا يصيبهم منها مرض ولا صداع." وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ" أي لا تذهب عقولهم بشربها، يقال: الخمر غول للحلم، والحرب غول للنفوس، أي تذهب بها. وقال: نزف الرجل ينزف فهو منزوف ونزيف إذا سكر. قال امرؤ القيس:
وإذا هي تمشي كمشي النزي ... وف يصرعه بالكثيب البهر «2»
وقال أيضا:
نزيف إذا قام لوجه تمايلت ... وتراشي الفؤاد الرخص ألا تخترا «3»
وقال آخر «4»:
فلثمت فاها آخذا بقرونها ... وشرب النزيف ببرد ماء الحشرج
__________
(1). هو الراعي. ويروى:
ولذ كطعم الصرخدى طرحته ... عشية خمس القوم والعين عاشقه
والصرخد موضع ينسب إليه الشراب. أراد أنه لما دخل ديار أعدائه لم ينم حذارا لهم.
(2). البهر: الكلال وانقطاع النفس.
(3). الختر: ضعف يأخذ عنه شراب الدواء أو السم. يقول هي سكرى من الشراب، إذا قامت به لوجه وجدت فتورا في عظامها وكسلا، فهي تدارى فؤادها وتراشيه ألا يعذبها في مشيها. [.....]
(4). هو جميل بن معمر. وقيل البيت: لعمر بن أبى ربيعة. والحشرج نقرة في الجبل يجتمع فيها الماء فيصفو.

وقرا حمزة والكسائي بكسر الزاي، من أنزف القوم إذا حان منهم النزف وهو السكر، يقال: أحصد الزرع إذا حان حصاده، وأقطف الكرم إذا حان قطافه، وأركب المهر إذا حان ركوبه. وقيل: المعنى لا ينفدون شرابهم، لأنه دأبهم، يقال: أنزف الرجل فهو منزوف إذا فنيت خمره. قال الحطيئة «1»:
لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم ... ولبئس الندامى كنتم آل أبجرا
النحاس: والقراءة الأولى أبين وأصح في المعنى، لأن معنى" ينزفون" عند جلة أهل التفسير منهم مجاهد لا تذهب عقولهم، فنفى الله عز وجل عن خمر الجنة الآفات التي تلحق في الدنيا من خمرها من الصداع والسكر. ومعنى" ينزفون" الصحيح فيه أنه يقال: أنزف الرجل إذا نفد شرابه، وهو يبعد أن يوصف به شراب الجنة، ولكن مجازه أن يكون بمعنى لا ينفد أبدا. وقيل:" لا ينزفون" بكسر الزاي لا يسكرون، ذكره الزجاج وأبو علي على ما ذكره القشيري. المهدوي: ولا يكون معناه يسكرون، لأن قبله" لا فِيها غَوْلٌ". أي لا تغتال عقولهم فيكون تكرارا، ويسوغ ذلك في" الواقعة". ويجوز أن يكون معنى" لا فِيها غَوْلٌ" لا يمرضون، فيكون معنى" وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ" لا يسكرون أو لا ينفد شرابهم. قال قتادة الغول وجع البطن. وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد" لا فِيها غَوْلٌ" قال لا فيها وجع بطن. الحسن: صداع. وهو قول ابن عباس:" لا فِيها غَوْلٌ" لا فيها صداع. وحكى الضحاك عنه أنه قال: في الخمر أربع خصال: السكر والصداع والقيء والبول، فذكر الله خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال. مجاهد: داء. ابن كيسان: مغص. وهذه الأقوال متقاربة. وقال الكلبي:" لا فِيها غَوْلٌ" أي إثم، نظيره:" لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ" [الطور: 23]. وقال الشعبي والسدي وأبو عبيدة: لا تغتال عقولهم فتذهب بها. ومنه قول الشاعر:
وما زالت الكأس تغتالنا ... وتذهب بالأول الأول
__________
(1). نسبه الجوهر يألى الابيردى. وأبجر هو أبجر بن جابر العجلى وكان نصرانيا.

أي تصرع واحدا واحدا. وإنما صرف الله تعالى السكر عن أهل الجنة لئلا ينقطع الالتذاذ عنهم بنعيمهم. وقال أهل المعاني: الغول فساد يلحق في خفاء. يقال: اغتاله اغتيالا إذا أفسد عليه أمره في خفية. ومنه الغول والغيلة: وهو القتل خفية. قوله تعالى:" وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ" أي نساء قد قصرن طرفهن على أزواجهن فلا ينظرن إلى غيرهم، قاله ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وغيرهم. عكرمة:" قاصِراتُ الطَّرْفِ" أي محبوسات على أزواجهن. والتفسير الأول أبين، لأنه ليس في الآية مقصورات ولكن في موضع آخر" مَقْصُوراتٌ" يأتي بيانه. و" قاصِراتُ" مأخوذ من قولهم: قد أقتصر على كذا إذا اقتنع به وعدل عن غيره، قال امرؤ القيس:
من القاصرات الطرف لو دب محول ... ومن الذر فوق الإتب منها لأثرا
ويروى: فوق الخد. والأول أبلغ. والإتب القميص، والمحول الصغير من الذر. وقال مجاهد أيضا: معناه لا يغرن." عِينٌ" عظام العيون الواحدة عيناء،، وقال السدي. مجاهد:" عِينٌ" حسان العيون. الحسن: الشديدات بياض العين، الشديد أت سوادها. والأول أشهر في اللغة. يقال: رجل أعين واسع العين بين العين، والجمع عين. وأصله فعل بالضم فكسرت العين، لئلا تنقلب الواو ياء. ومنه قيل لبقر الوحش عين، والثور أعين، والبقرة عيناء." كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ" أي مصون. قال الحسن وابن زيد: شبهن ببيض النعام، تكنها النعامة بالريش من الريح والغبار، فلونها أبيض في صفرة وهو حسن ألوان النساء. وقال ابن عباس وابن جبير والسدي: شبهن ببطن البيض قبل أن يقشر وتمسه الأيدي. وقال عطاء: شبهن بالسحاء الذي يكون بين القشر ة العليا ولباب البيض. وسحاة كل شي: قشره والجمع سحا، قاله الجوهري. ونحوه قول الطبري، قال: هو القشر الرقيق، الذي على البيضة بين ذلك. وروي نحوه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والعرب تشبه المرأة بالبيضة لصفائها وبياضها، قال امرؤ القيس:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... وتمتعت من لهو بها غير معجل

فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (50) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61)

وتقول العرب إذا وصفت الشيء بالحسن والنظافة: كأنه بيض النعام المغطى بالريش. وقيل: المكنون المصون عن الكسر، أي إنهن عذارى. وقيل: المراد بالبيض اللؤلؤ، كقوله تعالى:" وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ" [الواقعة: 23- 22] أي في أصدافه، قاله ابن عباس أيضا. ومنه قول الشاعر:
وهي بيضاء مثل لؤلؤة الغ ... واص ميزت من جوهر مكنون
وإنما ذكر المكنون والبيض جمع، لأنه رد النعت إلى اللفظ.

[سورة الصافات (37): الآيات 50 الى 61]
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (50) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54)
فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (55) قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57) أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59)
إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (61)
قوله تعالى:" فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ" أي يتفاوضون فيما بينهم أحاديثهم في الدنيا. وهو من تمام الأنس في الجنة. وهو معطوف على معنى" يُطافُ عَلَيْهِمْ" المعنى يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشراب. قال بعضهم:
وما بقيت من اللذات إلا ... وأحاديث الكرام على المدام
فيقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى لهم وعليهم في الدنيا، إلا أنه جئ به ماضيا على عادة الله تعالى في إخباره.

قوله تعالى:" قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ" أي من أهل الجنة" إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ" أي صديق ملازم" يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ" أي بالبعث والجزاء. وقال سعيد بن جبير: قرينه شريكه. وقد مضى في" الكهف" ذكرهما وقصتهما والاختلاف في اسميهما مستوفى عند قوله تعالى:" وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ" «1» وفيهما انزل الله جل وعز" قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ" إلى" مِنَ الْمُحْضَرِينَ" وقيل: أراد بالقرين قرينه من الشيطان كان يوسوس إليه بإنكار البعث. وقرى:" أينك لمن المصدقين" بتشديد الصاد. رواه علي بن كيسة عن سليم عن حمزة. قال النحاس: ولا يجوز" أينك لمن المصدقين" لأنه لا معنى للصدقة هاهنا. وقال القشيري: وفي قراءة عن حمزة" أينك لمن المصدقين" بتشديد الصاد. واعترض عليه بأن هذا من التصديق لا من التصدق. والاعتراض باطل، لأن القراءة إذا ثبتت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا مجال للطعن فيها. فالمعنى" أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ" بالمال طلبا في ثواب الآخرة." أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ" أي مجزيون محاسبون بعد الموت. ف" قال" الله تعالى لأهل الجنة" هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ". وقيل: هو من قول المؤمن لإخوانه في الجنة هل أنتم مطلعون إلى النار لننظر كيف حال ذلك القرين. وقيل: هو من قول الملائكة. وليس" هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ" باستفهام، إنما هو بمعنى الأمر، أي اطلعوا، قاله ابن الأعرابي وغيره. ومنه لما نزلت آية الخمر، قام عمر قائما بين يدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم رفع رأسه إلى السماء، ثم قال: يا رب بيانا أشفى من هذا في الخمر. فنزلت:" فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ" [المائدة: 91] قال: فنادى عمر انتهينا يا ربنا. وقرا ابن عباس:" هل أنتم مطلعون" بإسكان الطاء خفيفة" فأطلع" بقطع الألف مخففة على معنى هل أنتم مقبلون، فأقبل. قال النحاس" فأطلع فرآه" فيه قولان: أحدهما أن يكون فعلا مستقبلا معناه فأطلع أنا، ويكون منصوبا على أنه جواب الاستفهام. والقول الثاني أن يكون فعلا ماضيا ويكون اطلع وأطلع واحدا. قال الزجاج: يقال طلع وأطلع واطلع بمعنى واحد. وقد حكى
__________
(1). راجع ج 10 ص 399 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.

" هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ" بكسر النون وأنكره أبو حاتم وغيره. النحاس: وهو لا يجوز، لأنه جمع بين النون والإضافة، ولو كان مضافا لكان هل أنتم مطلعي، وإن كان سيبويه والفراء قد حكيا مثله، وأنشدا:
هم القائلون الخير والآمرونه ... وإذا ما خشوا من حدث الأمر معظما
وأنشد الفراء: والفاعلونه. وأنشد سيبويه وحده:
ولم يرتفق والناس محتضرونه «1»

وهذا شاذ خارج عن كلام العرب، وما كان مثل هذا لم يحتج به في كتاب الله عز وجل، ولا يدخل في الفصيح. وقد قيل في توجيهه: إنه أجرى اسم الفاعل مجرى المضارع لقربه منه، فجرى" مُطَّلِعُونَ" مجرى يطلعون. ذكره أبو الفتح عثمان بن جني وأنشد:
أرأيت إن جئت به أملودا ... ومرجلا ويلبس البرودا

أقائلن أحضروا «2» الشهودا

فأجرى أقائلن مجرى أتقولن. وقال ابن عباس في قول تعالى:" هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ. فَاطَّلَعَ فَرَآهُ" إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى النار وأهلها. وكذلك قال كعب فيما ذكر ابن المبارك، قال: إن بين الجنة والنار كوى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدو كان له في الدنيا اطلع من بعض الكوى. قال الله تعالى:" فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ"
أي في وسط النار والحسك حواليه، قاله ابن مسعود. ويقال: تعبت حتى انقطع سوائي: أي وسطي. وعن أبي عبيدة: قال لي عيسى بن عمر: كنت أكتب يا أبا عبيدة حتى ينقطع سوائي. وعن قتادة قال: قال بعض العلماء: لولا أن الله جل وعز عرفه إياه لما عرفه، لقد تغير حبره وسبره «3». فعند ذلك يقول:" تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ"" إن" مخففة من الثقيلة دخلت على كاد كما
__________
(1). تمامه:
جميعا وأيدي المغفين رواهقه

يقول: غشيه المعنفون وهم السائلون، واحيضره الناس جميعا للعطاء، فجلس لهم جلوس متصرف متبذل غير مرتفق.
(2). وروى: أحضرى، خطاب للمرأة، وهو الوجه، على ما أورده الرضى في خزانة الأدب حيث قال: ورواء العيني أحضروا بو أو الجمع ولا وجه له. والرجز أورده السكرى في أشعار هذيل لرجل منهم بلفظ: أقائلون أعجل الشهودا.
(3). الحبر والسبر: اللون والهيئة.

تدخل على كان. ونحوه" إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا" [الفرقان: 24] واللام هي الفارقة بينها وبين النافية." وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ" في النار وقال الكسائي:" لَتُرْدِينِ" أي لتهلكني، والردى الهلاك. وقال المبرد: لو قيل:" لَتُرْدِينِ" لتوقعني في النار لكان جائزا" وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي" أي عصمته وتوفيقه بالاستمساك بعروة الإسلام والبراءة من القرين السوء. وما بعد لولا مرفوع بالابتداء عند سيبويه والخبر محذوف." لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ" قال الفراء: أي لكنت معك في النار محضرا. وأحضر لا يستعمل مطلقا إلا في الشر، قاله الماوردي. قوله تعالى:" أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ" وقرى" بمائتين" والهمزة في" أَفَما" للاستفهام دخلت على فاء العطف، والمعطوف محذوف معناه أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين ولا معذبين." إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى " يكون استثناء ليس من الأول ويكون مصدرا، لأنه منعوت. وهو من قول أهل الجنة للملائكة حين يذبح الموت، ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت. وقيل: هو من قول المؤمن على جهة الحديث بنعمة الله في أنهم لا يموتون ولا يعذبون، أي هذه حالنا وصفتنا. وقيل: هو من قول المؤمن توبيخا للكافر لما كان ينكره من البعث، وأنه ليس إلا الموت في الدنيا. ثم قال المؤمن مشيرا إلى ما هو فيه،" إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" يكون" هو" مبتدأ وما بعده خبر عنه والجملة خبر إن. ويجوز أن يكون" هو" فاصلا." لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ" يحتمل أن يكون من كلام المؤمن لما رأى ما أعد الله له في الجنة وما أعطاه قال:" لِمِثْلِ هذا" العطاء والفضل" فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ" نظير ما قال له الكافر" أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً" [الكهف: 34]. ويحتمل أن يكون من قول الملائكة. وقيل: هو من قول الله عز وجل لأهل الدنيا، أي قد سمعتم ما في الجنة من الخيرات والجزاء، و" لِمِثْلِ هذا" الجزاء" فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ". النحاس: وتقدير الكلام- والله أعلم- فليعمل العاملون لمثل هذا. فإن قال قائل: الفاء في العربية تدل على أن الثاني بعد الأول، فكيف صار ما بعدها ينو ى به التقديم؟ فالجواب أن التقديم كمثل التأخير، لأن حق حروف الخفض وما بعدها أن تكون متأخرة.

أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (67) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (68)

[سورة الصافات (37): الآيات 62 الى 68]
أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66)
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ (67) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (68)
قوله تعالى:" أَذلِكَ خَيْرٌ" مبتدأ وخبر، وهو من قول الله جل وعز." نُزُلًا" على البيان، والمعنى أنعيم الجنة خير نزلا" أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ" خير نزلا. والنزل في اللغة الرزق الذي له سعة- النحاس- وكذا النزل إلا أنه يجوز أن يكون النزل بإسكان الزاي لغة، ويجوز أن يكون أصله النزل، ومنه أقيم للقوم نزلهم، واشتقاقه أنه الغذاء الذي يصلح أن ينزلوا معه ويقيموا فيه. وقد مضى هذا في آخر سورة" آل عمران" «1» وشجرة الزقوم مشتقة من التزقم وهو البلع على جهد لكراهتها ونتنها. قال المفسرون: وهي في الباب السادس، وأنها تحيا بلهب النار كما تحيا الشجرة ببرد الماء، فلا بد لأهل النار من أن ينحدر إليها من كان فوقها فيأكلون منها، وكذلك يصعد إليها من كان أسفل. واختلف فيها هل هي من شجر الدنيا التي تعرفها العرب أم لا على قولين- أحدهما أنها معروفة من شجر الدنيا. ومن قال بهذا اختلفوا فيها، فقال قطرب: إنها شجرة مرة تكون بتهامة من أخبث الشجر. وقال غيره: بل هو كل نبات قاتل. القول الثاني: إنها لا تعرف في شجر الدنيا. فلما نزلت هذه الآية في شجرة الزقوم قالت كفار قريش: ما نعرف هذه الشجرة. فقدم عليهم رجل من إفريقية فسألوه فقال: هو عندنا الزبد والتمر. فقال ابن الزبعري: أكثر الله في بيوتنا الزقوم فقال أبو جهل لجاريته: زقمينا، فأتته بزبد وتمر. ثم قال لأصحابه: تزقموا، هذا الذي يخوفنا به محمد، يزعم أن النار تنبت الشجر، والنار تحرق الشجر.
__________
(1). راجع ج 4 ص 321 طبعه أولى أو ثانيه.

قوله تعالى:" إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ" أي المشركين، وذلك أنهم قالوا: كيف تكون في النار شجرة وهي تحرق الشجر؟ وقد مضى هذا المعنى في" سبحان" «1» واستخفافهم في هذا كقولهم في قوله تعالى:" عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ" [المدثر: 30]. ما الذي يخصص هذا العدد؟ حتى قال بعضهم: أنا أكفيكم منهم كذا فاكفوني الباقين. فقال الله تعالى:" وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا" [المدثر: 31] والفتنة الاختبار، وكان هذا القول منهم جهلا، إذ لا يستحيل في العقل أن يخلق الله في النار شجرا من جنسها لا تأكله النار، كما يخلق الله فيها الأغلال والقيود والحيات والعقارب وخزنة النار. وقيل: هذا الاستبعاد الذي وقع للكفار هو الذي وقع الآن للملحدة، حتى حملوا الجنة والنار على نعيم أو عقاب تتخلله الأرواح، وحملوا وزن الأعمال والصراط واللوح والقلم على معاني زوروها في أنفسهم، دون ما فهمه المسلمون من موارد الشرع، وإذا ورد خبر الصادق بشيء موهوم في العقل، فالواجب تصديقه وإن جاز أن يكون له تأويل، ثم التأويل في موضع إجماع المسلمين على أنه تأويل باطل لا يجوز، والمسلمون مجمعون على الأخذ بهذه الأشياء من غير مصير إلى علم الباطن. وقيل إنها فتنة أي عقوبة للظالمين، كما قال:" ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ" [الذاريات: 14]. قوله تعالى:" إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ" أي قعر النار ومنها منشؤها ثم هي متفرعة في جهنم." طَلْعُها" أي ثمرها، سمي طلعا لطلوعه." كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ" قيل: يعني الشياطين بأعيانهم شبهها برءوسهم لقبحهم، ورءوس الشياطين متصور في النفوس وإن كان غير مرئي. ومن ذلك قولهم لكل قبيح هو كصورة الشيطان، ولكل صورة حسنة هي كصورة ملك. ومنه قوله تعالى مخبرا عن صواحب يوسف:" ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ" [يوسف: 31] وهذا تشبيه تخييلي، روي معناه عن ابن عباس والقرظي. ومنه قول امرئ القيس:
ومسنونة زرق كأنياب أغوال «2»
__________
(1). راجع ج 1 ص 283 طبعة أولى أو ثانيه.
(2). أراد بالمسنونة الزرق سهاما محددة الأزجة صافية. وصدر البيت:
أيقتلني والمشرف مضاجعي

وإن كانت الغول لا تعرف، ولكن لما تصور من قبحها في النفوس. وقد قال الله تعالى:" شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ" [الأنعام: 112] فمردة الإنس شياطين مرئية. وفي الحديث الصحيح" ولكأن نخلها رءوس الشياطين" وقد أدعى كثير من العرب رؤية الشياطين والغيلان. وقال الزجاج والفراء: الشياطين حيات لها رءوس وأعراف، وهي من أقبح الحيات وأخبثها وأخفها جسما. قال الراجز وقد شبه المرأة بحية لها عرف:
عنجرد تحلف حين أحلف ... وكمثل شيطان الحماط أعرف
الواحدة حماطة والأعرف الذي له عف. وقال الشاعر يصف ناقته:
تلاعب مثنى حضرمي كأنه ... وتعمج شيطا ن بذي خروع قفر
التعمج: الاعوجاج في السير. وسهم عموج: يتلوى في ذهابه. وتعمجت الحية: إذا تلوت في سيرها. وقال يصف زمام الناقة «1»:
تلاعب مثنى حضر مي كأنه ... وتعمج شيطان بذي خروع قفر
وقيل: إنما شبه ذلك بنبت قبيح في اليمن يقال له الأستن والشيطان. قال النحاس: وليس ذلك معروفا عند العرب. الزمخشري: هو شجر خشن منتن مر منكر الصورة يسمى ثمره رءوس الشياطين. النحاس: وقيل: الشياطين ضرب من الحيات قباح." فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ" فهذا طعامهم وفاكهتهم بدل رزق أهل الجنة. وقال في" الغاشية":" لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ" [الغاشية: 6] وسيأتي." ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها" أي بعد الأكل من الشجرة" لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ" الشوب الخلط، والشب والشوب لغتان كالفقر والفقر والفتح أشهر. قال الفراء: شاب طعامه وشرابه إذا خلطهما بشيء يشوبهما شوبا وشيابة. فأخبر أنه يشاب لهم. والحميم: الماء الحار ليكون أشنع، قال الله تعالى:" وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ" [محمد: 15]. السدي: يشاب لهم الحميم بغساق أعينهم وصديد من قيحهم ودما يهم. وقيل: يمزج لهم الزقوم بالحميم ليجمع لهم بين مرارة الزقوم وحرارة الحميم، تغليظا لعذابهم وتجديدا
__________
(1). كذا غب الأصل ولعل العبارة والبيت هنا تكرار مع ما سبق، وصواب العبارة الأولى" قال الشاعر يصف زمام تافته" بزيادة لفظ زمام.

إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (71) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (72) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (74)

لبلائهم." ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ" قيل: إن هذا يدل على أنهم كانوا حين أكلوا الزقوم في عذاب غير النار ثم يردون إليها. وقال مقاتل: الحميم خارج الجحيم فهم يوردون الحميم لشربه ثم يردون إلى الجحيم، لقوله تعالى:" هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ. يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ" [الرحمن: 44- 43]. وقرا ابن مسعود:" ثم إن منقلبهم لإلى الجحيم" قال أبو عبيدة: يجوز أن تكون" ثُمَّ" بمعنى الواو. القشيري: ولعل الحميم في موضع من جهنم على طرف منها.

[سورة الصافات (37): الآيات 69 الى 74]
إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (69) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (71) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (72) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73)
إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (74)
قوله تعالى:" إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ" أي صادفوهم كذلك فاقتدوا بهم." فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ" أي يسرعون، عن قتادة. وقال مجاهد: كهيئة الهرولة. قال قال الفراء: الإهراع الإسراع برعدة. وقال أبو عبيدة:" يُهْرَعُونَ" يستحثون من خلفهم. ونحوه قول المبرد. قال: المهرع المستحث، يقال: جاء فلان يهر ع إلى النار إذا استحثه البرد إليها. وقيل: يزعجون من شدة الإسراع، قال الفضل. الزجاج: يقال هرع وأهرع إذا استحث وأزعج. قوله تعالى:" وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ" أي من الأمم الماضية." وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ" أي رسلا أنذروهم العذاب فكفروا." فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ" أي آخر أمرهم." إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ" أي الذين استخلصهم الله من الكفر. وقد تقدم «1». ثم قيل: هو استثناء من" الْمُنْذَرِينَ". وقيل هو من قوله تعالى:" وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ".
__________
(1). راجع ج 1 پ ص 28 طبعه أولى أو ثانيه.

وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (82)

[سورة الصافات (37): الآيات 75 الى 82]
وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (77) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (78) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (79)
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (82)
قوله تعالى:" وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ" من النداء الذي هو الاستغاثة، ودعا قيل بمسألة هلاك قومه فقال:" رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً" [نوح: 26]." فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ" قال الكسائي: أي" فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ له كنا." وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ" يعني أهل دينه، وهم من آمن معه وكانوا ثمانين على ما تقدم «1»." مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ" وهو الغرق." وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ" قال ابن عباس: لما خرج نوح من السفينة مات من معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءه، فذلك قوله:" وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ". وقال سعيد بن المسيب: كان ولد نوح ثلاثة والناس كلهم من ولد نوح: فسام أبو العرب وفارس والروم واليهود والنصارى. وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب: السند والهند والنوب والزنج والحبشة والقبط والبربر وغيرهم. ويافث أبو الصقالبة والترك و" اللان"»
والخزر ويأجوج ومأجوج وما هنالك. وقال قوم: كان لغير ولد نوح أيضا نسل، بدليل قوله:" ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ" [الإسراء: 3]. وقوله:" قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ" [هود: 48] فعلى هذا معنى الآية:" وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ" دون ذرية من كفر أنا أغرقنا أولئك.
__________
(1). راجع ج 9 ص 35 طبعه أولى أو ثانية.
(2). في الأصول:" والأبر" ولعله تحريف إذا لا تعرف أمة من ولد يافث بهذا الاسم والذي ذكره المسعودي وغيره واللان من ولد يافث.

قوله تعالى:" وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ" أي تركنا عليه ثناء حسنا في كل أمة، فإنه محبب إلى الجميع، حتى إن في المجوس من يقول إنه أفريدون. روى معناه عن مجاهد وغيره. وزعم الكسائي أن فيه تقديرين: أحدهما" وتركنا عليه في الآخرين" يقال:" سَلامٌ عَلى نُوحٍ" أي تركنا عليه هذا الثناء الحسن. وهذا مذهب أبي العباس المبرد. أي تركنا عليه هذه الكلمة باقية، يعني يسلمون له تسليما ويدعون له، وهو من الكلام المحكي، كقوله تعالى:" سُورَةٌ أَنْزَلْناها". [النور: 1]. والقول الآخر أن يكون المعنى وأبقينا عليه، وتم الكلام ثم ابتدأ فقال:" سَلامٌ عَلى نُوحٍ" أي سلامة له من أن يذكر بسوء" فِي الْآخِرِينَ". قال الكسائي: وفي قراءة ابن مسعود" سلاما" منصوب ب" تَرَكْنا" أي تركنا عليه ثناء حسنا سلاما. وقيل:" في آخرين" أي في أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقيل: في الأنبياء إذ لم يبعث بعده نبي إلا أمر بالاقتداء به، قال الله تعالى:" شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً" [الشورى: 13]. وقال سعيد بن المسيب: وبلغني أنه من قال حين يسمي" سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ" لم تلدغه عقرب. ذكره أبو عمر في التمهيد. وفي الموطأ عن خولة بنت حكيم أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" من نزل منزلا فليقل أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق فإنه لن يضره شي حتى يرتحل" وفيه عن أبي هريرة أن رجلا من أسلم قال: ما نمت هذه الليلة، فقال وسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" من أي شي" فقال: لدغتني عقرب، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أما إنك لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك". قوله تعالى:" إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ" أي نبقي عليهم الثناء الحسن. والكاف في موضع نصب، أي جزاء كذلك." إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ" هذا بيان إحسانه. قوله تعالى:" ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ" أي من كفر. وجمعه أخر. والأصل فيه أن يكون معه" من" إلا أنها حذفت، لأن المعنى معروف، ولا يكون آخرا إلا وقبله شي من جنسه." ثم" ليس للتراخي ها هنا بل هو لتعديد النعم، كقول:" أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ. ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا" [البلد: 17- 16] أي ثم أخبركم أني قد أغرقت الآخرين، وهم الذين تأخروا عن الإيمان.

وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90)

[سورة الصافات (37): الآيات 83 الى 90]
وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (83) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (85) أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (87)
فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90)
قوله تعالى:" وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ" قال ابن عباس: أي من أهل دينه. وقال مجاهد: أي على منهاجه وسنته. قال الأصمعي: الشيعة الأعوان، وهو مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذي يوقد مع الكبا ر حتى يستوقد. وقال الكلبي والفراء: المعنى وإن من شيعة محمد لإبراهيم. فالهاء في" شِيعَتِهِ" على هذا لمحمد عليه السلام. وعلى الأول لنوح وهو أظهر، لأنه هو المذكور أولا، وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان هود وصالح، وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة، حكاه الزمخشري. قوله تعالى:" إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ" أي مخلص من الشرك والشك. وقال عوف الأعرابي: سألت محمد بن سيرين ما القلب السليم؟ فقال: الناصح لله عز وجل في خلقه. وذكر الطبري عن غالب القطان وعوف وغيرهما عن محمد بن سيرين أنه كان يقول للحجاج: مسكين أبو محمد! إن عذبه الله فبذنبه، وإن غفر له فهنيئا له، وإن كان قلبه سليما فقد أصاب الذنوب من هو خير منه. قال عوف: فقلت لمحمد ما القلب السليم؟ قال: أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة قائمة، وأن الله يبعث من في القبور. وقال هشام بن عروة: كان أبي يقول لنا: يا بني لا تكونوا لعانين، ألم تروا إلى إبراهيم لم يلعن شيئا قط، فقال تعالى:" إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ". ويحتمل مجيئه إلى ربه وجهين: أحدهما عند دعائه إلى توحيده وطاعته، الثاني عند إلقائه في النار." إِذْ قالَ لِأَبِيهِ" وهو آزر، وقد مضى الكلام «1» فيه." وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ" تكون" ما" في موضع رفع بالابتداء و" ذا" خبره ويجوز أن تكون
__________
(1). راجع ج 7 ص 22 طبعه أولى أو ثانية. [.....]

" ما" و" ذا" في موضع نصب ب" تعبدون"" أَإِفْكاً" نصب على المفعولية بمعنى أتريدون إفكا. قال المبرد: والإفك أسوأ الكذب، وهو الذي لا يثبت ويضطرب، ومنه ائتفكت بهم الأرض." آلِهَةً" بدل من إفك" دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ" أي تعبدون. ويجوز أن يكون حالا بمعنى أتريدون آلهة من دون الله آفكين." فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ" أي ما ظنكم به إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؟ فهو تحذير، مثل قوله:" ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ" [الانفطار: 6]. وقيل: أي شي أوهمتموه حتى أشركتم به غيره. قوله تعالى:" فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ" قال ابن زيد عن أبيه: أرسل إليه ملكهم إن غدا عيدنا فاخرج معنا، فنظر إلى نجم طالع فقال: إن هذا يطلع مع سقمي. وكان علم النجوم مستعملا عندهم منظورا فيه، فأوهمهم هو من تلك الجهة، وأراهم من معتقدهم عذرا لنفسه، وذلك أنهم كانوا أهل رعاية وفلاحه، وهاتان المعيشتان يحتاج فيهما إلى نظر في النجوم. وقال ابن عباس: كان علم النجوم من النبوة ة، فلما حبس الله تعالى الشمس على يوشع بن نون أبطل ذلك، فكان نظر إبراهيم فيها علما نبويا. وحكى جويبر عن الضحاك. كان علم النجوم باقيا إلى زمن عيسى عليه السلام، حتى دخلوا عليه في موضع لا يطلع عليه منه، فقالت لهم مريم: من أين علمتم بموضعه؟ قالوا: من النجوم. فدعا ربه عند ذلك فقال: اللهم لا تفهمهم في علمها، فلا يعلم علم النجوم أحد، فصار حكمها في الشرع محظورا، وعلمها في الناس مجهولا. قال الكلبي: وكانوا في قرية بين البصرة والكوفة يقال لهم هرمزجرد «1»، وكانوا ينظرون في النجوم. فهذا قول. وقال الحسن: المعنى أنهم لما كلفوه الخروج معهم تفكر فيما يعمل. فالمعنى على هذا أنه نظر فيما نجم له من الرأي، أي فيما طلع له منه، فعلم أن كل حي يسقم فقال." إِنِّي سَقِيمٌ". الخليل والمبرد: يقال للرجل إذا فكر في الشيء يدبره: نظر في النجوم. وقيل: كانت الساعة التي دعوه إلى الخروج معهم فيها ساعة تغشاه فيها الحمى. وقيل: المعنى فنظر فيما نجم من الأشياء فعلم أن لها خالقا.
__________
(1). ذكر هذا الاسم الطبري تاريخه ج 2 ص 346 طبعه ليدن م 1.

ومدبرا، وأنه يتغير كتغيرها. فقال:" إِنِّي سَقِيمٌ". قال الضحاك: معنى" سقيم" سأسقم سقم الموت، لأن من كتب عليه الموت يسقم في الغالب ثم يموت، وهذا تورية وتعريض، كما قال للملك لما سأل عن سارة هي أختي، يعني أخوة الدين. وقال ابن عباس وابن جبير والضحاك أيضا أشار لهم إلى مرض وسقم يعدي كالطاعون، وكانوا يهربون من الطاعون،" ف" لذلك" فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ" أي فارين منه خوفا من العدوى. وروى الترمذي الحكيم قال: حدثنا أبي قال حدثنا عمرو بن حماد عن أسباط عن السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس، وعن سمرة عن الهمداني عن ابن مسعود قال: قالوا لإبراهيم: إن لنا عيدا لو خرجت معنا لأعجبك ديننا. فلما كان يوم العيد خرجوا إليه وخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق ألقى بنفسه، وقال إني سقيم أشتكي رجلي، فوطئوا رجله وهو صريع، فلما مضوا نادى في آخرهم" وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ" [الأنبياء: 57]. قال أبو عبد الله وهذا ليس بمعارض لما قال ابن عباس وابن جبير، لأنه يحتمل أن يكون قد اجتمع له أمران. قلت: وفى الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لم يكذب إبراهيم النبي عليه السلام إلا ثلاث كذبات" الحديث. وقد مضى في سورة" الأنبياء" «1» وهو يدل على أنه لم يكن سقيما وإنما عرض لهم. وقد قال جل وعز:" إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ" [الزمر: 30]. فالمعنى إني سقيم فيما أستقبل فتوهموا هم أنه سقيم الساعة. وهذا من معاريض الكلام على ما ذكرنا، ومنه المثل السائر «2»" كفى بالسلامة داء" وقول لبيد:
فدعوت ربي بالسلامة جاهدا ... وليصحني فإذا السلامة داء
وقد مات رجل فجأة فالتف عليه الناس فقالوا: مات وهو صحيح! فقال أعرابي: أصحيح من الموت في عنقه! فإبراهيم صادق، لكن لما كان الأنبياء لقرب محلهم واصطفائهم عد هذا ذنبا، ولهذا قال:" وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ" [الشعراء: 82] وقد مضى هذا كله مبينا والحمد لله «3». وقيل: أراد سقيم النفس لكفرهم. والنجوم يكون جمع نجم ويكون واحدا مصدرا.
__________
(1). راجع ج 11 ص وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.
(2). رواء الديلمي في مسند الفردوس حديثا عن ابن عباس بإسناد ضعيف.
(3). راجع ج 11 ص 300 وج 13 طبعه أولى أو ثانيه.

فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96)

[سورة الصافات (37): الآيات 91 الى 96]
فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (91) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (92) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (95)
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (96)
قوله تعالى:" فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ" قال السدى: ذهب إليهم وقال أبو مالك: ذهب إليهم. وقال أبو مالك: جاء إليهم عليهم. وقيل: عدل. والمعنى متقارب. فراغ يروغ روغا وروغانا إذا مال. وطريق رائغ أي مائل. وقال الشاعر:
ويريك من طرف اللسان حلاوة ... وويروغ عنك كما يروغ الثعلب
فقال:" أَلا تَأْكُلُونَ" فخاطبها كما يخاطب من يعقل، لأنهم أنزلوها بتلك المنزلة. وكذا" ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ" قيل: كان بين يدي الأصنام طعام تركوه ليأكلوه إذا رجعوا من العيد، وإنما تركوه لتصيبه بركة أصنامهم بزعمهم. وقيل: تركوه للسدنة. وقيل: قرب هو إليها طعاما على جهة الاستهزاء، فقال:" أَلا تَأْكُلُونَ ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ"." فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ" خص الضرب باليمين لأنها أقوى والضرب بها أشد، قال الضحاك والربيع بن أنس. وقيل: المراد باليمين اليمين التي حلفها حين قال:" وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ" [الأنبياء: 57]. وقال الفراء وثعلب: ضربا بالقوة واليمين القوة. وقيل: بالعدل واليمين ها هنا العدل. ومنه قوله تعالى:" وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ. لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ" [الحاقة: 45- 44] أي بالعدل، فالعدل لليمين والجور للشمال. ألا ترى أن العدو عن الشمال والمعاصي عن الشمال والطاعة عن اليمين، ولذلك قال:" إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ" [الصافات: 28] أي من قبل الطاعة. فاليمين هو موضع العدل من المسلم، والشمال موضع الجور. ألا ترى أنه بايع الله بيمينه يوم الميثاق، فالبيعة باليمين، فلذلك يعطى كتابه غدا بيمينه، لأنه وفى بالبيعة، ويعطى الناكث للبيعة الهارب برقبته من الله بشماله، لأن الجور هناك. فقوله:" فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ" أي بذلك العدل الذي كان بايع الله عليه يوم الميثاق ثم وفى له هاهنا. فجعل تلك الأوثان جذاذا، أي فتاتا كالجذيذة

وهي السويق وليس من قبيل القوة، قاله الترمذي الحكيم" فاقبلوا إليه يزفون" قرأ حمزة" يزفون" بضم الياء. الباقون بفتحها. أي يسرعون، قاله ابن زيد. قتادة والسدي: يمشون. وقيل: المعنى يمشون بجمعهم على مهل آمنين أن يصيب أحد آلهتهم بسوء. وقيل: المعنى يتسللون تسللا بين المشي والعدو، ومنه زفيف النعامة. وقال الضحاك: يسعون وحكى يحيى بن سلام: يرعدون غضبا. وقيل: يختالون وهو مشي الخيلاء، قاله مجاهد. ومنه أ، خذ زفاف العروس إلى زوجها. وقال الفرزدق:
وجاء قريع الشول قبل إفالها ... ويزف وجاءت خلفه وهي زفف «1»
ومن قرأ" يزفون" فمعناه يزفون غيرهم أي يحملونهم على التزفيف. وعلى هذا فالمفعول محذوف. قال الأصمعي: أزففت الإبل أي حملتها على أن تزف. وقيل: هما لغتان يقال: زف القوم وأزفوا، وزففت العروس وأزففتها وازدففتها بمعنى، والمزفة: المحفة التي تزف فيها العروس، حكي ذلك عن الخليل. النحاس:" ويزفون" بضم الياء. زعم أبو حاتم أنه لا يعرف هذه اللغة، وقد عرفها جماعة من العلماء منهم الفراء وشبهها بقولهم: أطردت الرجل أي صيرته إلى ذلك. وطردته نحيته، وأنشد هو وغيره:
تمنى حصين أن يسود جذاعة ... وفأمسى حصين قد أذل واقهرا «2»
أي صير إلى ذلك، فكذلك" يَزِفُّونَ" يصيرون إلى الزفيف. قال محمد بن زيد: الزفيف الإسراع. وقال أبو إسحاق: الزفيف أول عدو النعام. وقال أبو حاتم: وزعم الكسائي أن قوما قرءوا" فأقبلوا إليه يزفون" خفيفة، من وزف يزف، مثل وزن يزن. قال النحاس: فهذه حكاية أبي حاتم وأبو حاتم لم يسمع من الكسائي شيئا. وروى الفراء وهو صاحب الكسائي عن الكسائي أنه لا يعرف" يزفون" مخففة. قال الفراء: وأنا لا أعرفها. قال
__________
(1). القريع: الفحل المختار للضراب. الشول من النوق جمع شائلة على غير قياس. وهى الناقة التي أتى عليها، حملها أو وضعها سبعة أشهر فجف لبنها. وإفالها: صغارها. ويزف: يعدو. يريد أن القريع يفر من شدة البرد وكذا الافال.
(2). البيت للمخبل السعدي يهجو الزبرقان وقومه، وهم المعروفون بالجذاع. والأصمعي يرويه كما في اللسان مادة قهر، قد أذل وأقهرا بالبناء للمعلوم، أي صار أمره الى الذل والقمر.

قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98)

أبو إسحاق: وقد عرفها غيرهما أنه يقال «1» وزف يزف إذا أسرع. قال النحاس: ولا نعلم أحدا قرأ" يزفون". قلت: هي قراءة عبد الله بن يزيد فيما ذكر المهدوي. الزمخشري: و" يزفون" على البناء للمفعول. و" يزفون" من زفاه إذا حدأة، كأن بعضهم يزف بعضا لتسارعهم إليه. وذكر الثعلبي عن الحسن ومجاهد وابن السميقع" يرفون" بالراء من رفيف النعام، وهو ركض بين المشي والطيران. قوله تعالى:" قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ" فيه حذف، أي قالوا من فعل هذا بآلهتنا، فقال محتجا:" أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ" أي أتعبدون أصناما أنتم تنحتونها بأيديكم تنجرونها. والنحت النجر والبري نحته ينحته بالكسر نحتا أي براه. والنحاتة البراية والمنحت ما ينحت به." وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ"" ما" في موضع نصب أي وخلق ما تعملونه من الأصنام، يعني الخشب والحجارة وغيرهما، كقوله:" بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ" [الأنبياء: 56] وقيل: إن" ما" استفهام ومعناه التحقير لعملهم. وقيل: هي نفي، والمعنى وما تعملون ذلك لكن الله خالقه. والأحسن أن تكون" ما" مع الفعل مصدرا، والتقدير والله خلقكم وعملكم وهذا مذهب أهل السنة: أن الأفعال خلق لله عز وجل واكتساب للعباد. وفي هذا إبطال مذاهب القدرية والجبرية. وروى أبو هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" إن الله خالق كل صانع وصنعته" ذكره الثعلبي. وخرجه البيهقي من حديث حذيفة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إن الله عز وجل صنع كل صانع وصنعته فهو الخالق وهو الصانع سبحانه" وقد بيناهما في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى.

[سورة الصافات (37): الآيات 97 الى 98]
قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98)
__________
(1). الزيادة من إعراب القرآن للنحاس.

وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101)

قوله تعالى:" قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً" أي تشاوروا في أمره لما غلبهم بالحجة حسب ما تقدم في" الأنبياء" «1» بيانه ف" قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً" تملئونه حطبا فتضرمونه، ثم ألقوه فيه وهو الجحيم. قال ابن عباس: بنوا حائطا من حجارة طوله في السماء ثلاثون ذراعا، وملأوه نارا وطرحوه فيها. وقال ابن عمرو بن العاص: فلما صار في البنيان قال: حسبي الله ونعم الوكيل. والألف واللام في" الْجَحِيمِ" تدل على الكناية، أي في جحيمه، أي في جحيم ذلك البنيان. وذكر الطبري: أن قائل ذلك اسمه الهيزن «2» رجل من أعراب فارس وهم الترك، وهو الذي جاء فيه الحديث:" بينما رجل يمشى في حلة له يتبختر فيها فخسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة" والله أعلم." فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً" أي بإبراهيم. والكيد المكر، أي احتالوا لإهلاكه." فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ" المقهورين المغلوبين إذ نفذت حجته من حيث لم يمكنهم دفعها، ولم ينفذ فيه مكرهم ولا كيدهم.

[سورة الصافات (37): الآيات 99 الى 101]
وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (101)
فبشرناه بغلام حليم فيه مسألتان: الأولى- هذه الآية أصل في الهجرة والعزلة. وأول من فعل ذلك إبراهيم عليه السلام، وذلك حين خلصه الله من النار" قالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي" أي مهاجر من بلد قومي ومولدي إلى حيث أتمكن من عبادة ربي فإنه" سَيَهْدِينِ" فيما نويت إلى الصواب. قال مقاتل: هو أول من هاجر من الخلق مع لوط وسارة، إلى الأرض المقدسة وهي أرض الشام. وقيل: ذاهب بعملي وعبادتي، وقلبي ونيتي. فعلى هذا ذهابه بالعمل لا بالبدن. وقد مضى بيان هذا في [الكهف «3»] مستوفى. وعلى الأول بالمهاجرة إلى الشام وبئت القدس.
__________
(1). راجع ج 11 ص 303 طبعه أولى أو ثانيه.
(2). تقدم في ج 11 ص 303 أن اسمه هيزر.
(3). راجع ج 10 ص 36. وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.

فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113)

وقيل: خرج إلى حران فأقام بها مدة. ثم قيل: قال ذلك لمن فارقه من قومه، فيكون ذلك توبيخا لهم. وقيل: قاله لمن هاجر معه من أهله، فيكون ذلك منه ترغيبا. وقيل: قال هذا قبل إلقائه في النار. وفية على هذا القول تأويلان: أحدهما: إني ذاهب إلى ما قضاه علي ربي. الثاني: إني ميت، كما يقال لمن مات: قد ذهب إلى الله تعالى، لأنه عليه السلام تصور أنه يموت بإلقائه في النار، على المعهود من حالها في تلف ما يلقى فيها، إلى أن قيل لها:" كُونِي بَرْداً وَسَلاماً" فحينئذ سلم إبراهيم منها. وفي قوله:" سَيَهْدِينِ" على هذا القول تأويلان: أحدهما" سيهدين" إلى الخلاص منها. الثاني- إلى الجنة. وقال سليمان ابن صرد وهو ممن أدرك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لما أرادوا إلقاء إبراهيم في النار جعلوا يجمعون له الحطب، فجعلت المرأة العجوز تحمل على ظهرها وتقول: اذهب به إلى هذا الذي يذكر آلهتنا، فلما ذهب به ليطرح في النار" قالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي". فلما طرح في النار قال: (حسبي الله ونعم الوكيل) فقال الله تعالى:" يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً" [الأنبياء: 9 6] فقال أبو لوط وكان ابن عمه: إن النار لم تحرقه من أجل قرابته مني. فأرسل الله عنقا من النار فأحرقه. الثانية- قوله تعالى:" رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ" لما عرفه الله أنه مخلصة دعا الله ليعضده بولد يأنس به في غربته. وقد مضى في [آل عمران «1»] القول في هذا. وفى الكلام حذف، أي هب لي ولدا صالحا من الصالحين، وحذف مثل هذا كثير. قال الله تعالى:" فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ" أي أنه يكون حليما في كبره فكأنه بشر ببقاء ذلك الولد، لأن الصغير لا يوصف بذلك، فكانت البشرى على ألسنة الملائكة كما تقدم في [هود «2»]. ويأتي أيضا في [الذاريات «3»].

[سورة الصافات (37): الآيات 102 الى 113]
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (106)
وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (109) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111)
وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113)
__________
(1). راجع ج 4 ص 73 طبعة أولى أو ثانية.
(2). راجع ج 9 ص 62 طبعه أولى أو ثانية.
(3). في تفسير آية 28 من السورة المذكورة.

سبع عشرة مسألة: الأولى- قوله تعالى:" فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ" أي فوهبنا له الغلام، فلما بلغ مع المبلغ الذي يسعى مع أبيه في أمور دنياه معينا له على أعمال" قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ". وقال مجاهد:" فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ" أي شب وأدرك سعيه سعي إبر أهيم. وقال الفراء: كان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة. وقال ابن عباس: هو احتلام. قتادة: مشى مع أبيه. الحسن ومقاتل: هو سعي العقل الذي تقوم به الحجة. ابن زيد: هو السعي في العبادة. ابن عباس: صام وصلي، ألم تسمع الله عز وجل يقول:" وَسَعى لَها سَعْيَها." [الإسراء: 19]. اختلف العلماء في المأمور بذبحه. فقال أكثرهم: الذبيح إسحاق. وممن قال بذلك العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله وهو الصحيح عنه. روى الثوري وابن جريج يرفعانه إلى ابن عباس قال: الذبيح إسحاق. وهو الصحيح عن عبد الله بن مسعود أن رجلا قال له: يا بن الأشياخ الكرام. فقال عبد الله: ذلك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقد روى حماد بن زيد يرفعه إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم

صلى الله عليهم وسلم". وروى أبو الزبير عن جابر قال: الذبيح إسحاق. وذلك مر وي أيضا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وعن عبد الله بن عمر: أن الذبيح إسحاق. وهو قول عمر رضي الله عنه. فهؤلاء سبعة من الصحابة. وقال به من التابعين وغيرهم علقمة والشعبي ومجاهد وسعيد بن جبير وكعب الأحبار وقتادة ومسروق وعكرمة والقاسم بن أبي بزة وعطاء ومقاتل وعبد الرحمن بن سابط «1» والزهري والسدي وعبد الله بن أبي الهذيل ومالك بن أنس، كلهم قالوا: الذبيح إسحاق. وعليه أهل الكتابين اليهود والنصارى، واختاره غير واحد منهم النحاس «2» والطبري وغيرهما. قال سعيد بن جبير: أري إبراهيم ذبح إسحاق في المنام، فسار به مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى به المنحر من منى، فلما صرف الله عنه الذبح وأمره أن يذبح الكبش فذبحه، وسار به مسيرة شهر في روحة واحدة طويت له الأودية والجبال. وهذا القول أقوى في النقل عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعن الصحابة والتابعين. وقال آخرون: هو إسماعيل. وممن قال ذلك أبو هريرة وأبو الطفيل عامر بن واثلة. وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس أيضا، ومن التابعين سعيد بن المسيب والشعبي ويوسف بن مهران ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القرظي والكلبي وعلقمة. وسيل أبو سعيد الضرير عن الذبيح فأنشد:
إن الذبيح هديت إسماعيل ... ونطق الكتابء بذاك والتنزيل
شرف به خص الإله نبينا ... ووأتى به التفسير والتأويل
إن كنت أمته فلا تنكر له ... وشرفا به قد خصه التفضيل
وعن الأصمعي قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح، فقال: يا أصمعي أين عزب عنك عقلك! ومتى كان إسحاق بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكة، وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة. وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أن الذبيح
__________
(1). في التهذيب قال ابن أبى خيثمة سمعت ابن معين يقول عبد الرحمن بن عبد لله بن سابط ومن قال عبد الرحمن ابن سابط فقد أخطأ، وكذا ذكره البخاري. وفى اسم أبيه خلاف. [.....]
(2). في نسخة: النقاش.

إسماعيل" 0 والأول أكثر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعن أصحابه وعن التابعين. واحتجوا بأن الله عز وجل قد أخبر عن إبراهيم حين فارق قومه، فهاجر إلى الشام مع امرأته سارة وابن أخيه لوط فقال:" إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ" أنه دعا فقال:" رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ" فقال تعالى:" فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ" [مريم: 49]، ولأن الله قال:" وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ" فذكر أن الفداء في الغلام الحليم الذي بشره به إبراهيم وإنما بشر بإسحاق، لأنه قال:" وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ"، وقال هنا:" بِغُلامٍ حَلِيمٍ" وذلك قبل أن يتزوج هاجر وقبل أن يولد له إسماعيل، وليس في القرآن أنه بشر بولد إلا إسحاق. احتج من قال إنه إسماعيل: بأن الله تعالى وصفه بالصبر دون إسحاق في قول تعالى:" وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ" [الأنبياء: 85] وهو صبره على الذبح، ووصفه بصدق الوعد في قوله:" إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ" [مريم: 54]، لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به، ولأن الله تعالى قال:" وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا" فكيف يأمره بذبحه وقد وعده أن يكون نبيا، وأيضا فإن الله تعالى قال:" فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ" [هود: 71] فكيف يؤمر بذبح إسحاق قبل إنجاز الوعد في يعقوب. وأيضا ورد في الأخبار تعليق قرن الكبش في الكعبة، فدل على أن الذبيح إسماعيل، ولو كان إسحاق لكان الذبح يقع ببيت المقدس. وهذا الاستدلال كله ليس بقاطع، أما قولهم: كيف يأمره بذبحه وقد وعده بأنه يكون نبيا، فإنه يحتمل أن يكون المعنى: وبشرناه بنبوته بعد أن كان من أمره ما كان، قال ابن عباس وسيأتي. ولعله أمر بذبح إسحاق بعد أن ولد لإسحاق يعقوب. قال: لم يرد في القرآن أن يعقوب يولد من إسحاق. وأما قولهم: ولو كان الذبيح إسحاق لكان الذبح يقع ببيت المقدس، فالجواب عنه ما قاله سعيد بن جبير على ما تقدم. وقال الزجاج: الله أعلم أيهما الذبيح. وهذا مذهب ثالث. الثانية- قوله تعالى:" قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى " قال مقاتل: رأى ذلك إبراهيم عليه السلام ثلاث ليال متتابعات. وقال محمد بن كعب:

كانت الرسل يأتيهم الوحي من الله تعالى أيقاظا ورقودا، فإن الأنبياء لا تنام قلوبهم. وهذا ثابت في الخبر المرفوع، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا". وقال ابن عباس: رؤيا الأنبياء وحي، واستدل بهذه الآية. وقال السدي: لما بشر إبراهيم بإسحاق قبل أن يولد له قال هو إذا لله ذبيح. فقيل له في منامه: قد نذرت نذرا فف بنذرك. ويقال: إن إبراهيم رأى في ليلة التروية كأن قائلا يقول: إن الله يأمرك بذبح ابنك، فلما أصبح روى في نفسه أي فكر أهذا الحلم من الله أم من الشيطان؟ فسمي يوم التروية. فلما كانت الليلة الثانية رأى ذلك أيضا وقيل له الوعد، فلما أصبح عرف أن ذلك من الله فسمي يوم عرفة. ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فهم بنحره فسمي يوم النحر. وروي أنه لما ذبحه قال جبريل: الله أكبر الله أكبر. فقال الذبيح: لا إله إلا الله والله أكبر. فقال إبراهيم: الله أكبر والحمد لله، فبقي سنة. وقد اختلف الناس في وقوع هذا الأمر وهى: الثالثة- فقال أهل السنة: إن نفس الذبح لم يقع، وإنما وقع الأمر بالذبح قبل أن يقع الذبح، ولو وقع لم يتصور رفعه، فكان هذا من باب النسخ قبل الفعل، لأنه لو حصل الفراغ من امتثال الأمر بالذبح ما تحقق الفداء. وقوله تعالى:" قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا": أي حققت ما نبهناك عليه، وفعلت ما أمكنك ثم امتنعت لما منعناك. هذا أصح ما قيل به في هذا الباب. وقالت طائفة: ليس هذا مما ينسخ بوجه، لأن معنى ذبحت الشيء قطعته. واستدل على هذا بقول مجاهد: قال إسحاق لإبراهيم لا تنظر آلي فترحمني، ولكن اجعل وجهي إلى الأرض، فأخذ إبراهيم السكين فأمرها على حلقة فانقلبت. فقال له ما لك؟ قال: انقلبت السكين. قال أطعني بها طعنا. وقال بعضهم: كان كلما قطع جزءا التأم. وقالت طائفة: وجد حلقه نحاسا أو مغشي بنحاس، وكان كلما أراد قطعا وجد منعا. وهذا كله جائز في القدرة الإلهية. لكنه يفتقر إلى نقل صحيح، فإنه أمر لا يدرك بالنظر وإنما طريقه الخبر. ولو
كان قد جرى ذلك لبينه الله تعالى تعظيما لرتبة إسماعيل

وإبراهيم صلوات الله عليهما، وكان أولى بالبيان من الفداء. وقال بعضهم: إن إبراهيم ما أمر بالذبح الحقيقي الذي هو فري الأوداج وانهار الدم، وإنما رأى أنه أضجعه للذبح فتوهم أنه أمر بالذبح الحقيقي، فلما أتى بما أمر به من الإضجاع قيل له:" قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا" وهذا كله خارج عن المفهوم. ولا يظن بالخليل والذبيح أن يفهما من هذا الأمر ما ليس له حقيقة حتى يكون منهما التوهم. وأيضا لو صحت هذه الأشياء لما احتيج إلى الفداء. الرابعة- قوله تعالى:" فَانْظُرْ ماذا تَرى " قرأ أهل الكوفة غير عاصم" ماذا ترى" بضم التاء وكسر الراء من أرى يرى. قال الفراء: أي فانظر ماذا ترى من صبرك وجزعك. قال الزجاج: لم يقل هذا أحد غيره، وإنما قال العلماء ماذا تشير، أي ما تريك نفسك من الرأي. وأنكر أبو عبيد" ترى" وقال: إنما يكون هذا من رؤية العين خاصة. وكذلك قال أبو حاتم. النحاس: وهذا غلط، وهذا يكون من رؤية العين وغيرها وهو مشهور، يقال: أريت فلانا الصواب، واريته رشده، وهذا ليس من رؤية العين. الباقون" ترى" مضارع رأيت. وقد روي عن الضحاك والأعمش" ترى" غير مسمى الفاعل. ولم يقل له ذلك على وجه المؤامرة في أمر الله، وإنما شاوره ليعلم صبره لأمر الله، أو لتقر عينه إذا رأى من ابنه طاعة في أمر الله. ف" قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ" أي ما تؤمر به فحذف الجار كما حذف من قوله:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به

فوصل الفعل إلى الضمير فصار تؤمره ثم حذفت الهاء، كقوله:" وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى " [النمل: 59] أي اصطفاهم على ما تقدم «1». و" ما" بمعنى الذي." سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ" قال بعض أهل الإشارة: لما استثنى وفقه الله للصبر. وقد مضى الكلام في" يا أَبَتِ" [يوسف: 4] وكذلك في" يا بُنَيَّ" [يوسف: 5] في" يوسف" «2» وغيرها.
__________
(1). راجع ج 13 ص 22 طبعه أولى أو ثانية.
(2). راجع ج 9 ص 121 طبعه أولى أو ثانية. وج 2 ص 136 طبعه ثانيه.

الخامسة- قوله تعالى:" فَلَمَّا أَسْلَما" أي انقادا لأمر الله. وقرا ابن مسعود وابن عباس وعلي رضوان الله عليهم" فلما سلما" أي فوضا أمرهما إلى الله. وقال ابن عباس: استسلما. وقال قتادة: أسلم أحدهما نفسه لله عز وجل وأسلم الآخر ابنه." وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ" قال قتادة: كبه وحول وجهه إلى القبلة. وجواب" لما" محذوف عند البصريين تقديره" فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ" فديناه بكبش. وقال الكوفيون: الجواب" ناديناه" والواو زائدة مقحمة، كقوله:" فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا" [يوسف: 15] أي أوحينا. وقوله:" وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ" [الأنبياء: 96]." وَاقْتَرَبَ" أي اقترب. وقوله:" حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وقال" [الزمر: 73] أي قال لهم. وقال امرؤ القيس:
فلما أجز نا ساحة الحي وانتحى «1»

أي انتحى، والواو زائدة. وقال أيضا:
حتى إذا حملت بطونكم ... وورأيتم أبناءكم شبوا
وقلبتم ظهر المجن لنا ... وإن اللئيم الفاجر الخب
أراد قلبتم. النحاس: والواو من حروف المعاني لا يجوز أن تزاد. وفي الخبر: إن الذبيح قال لإبراهيم عليه السلام حين أراد ذبحه: يا أبت أشدد رباطي حتى لا أضطرب، واكفف ثيابك لئلا ينتضح عليها شي من دمي فتراه أمي فتحزن، وأسرع مر السكين على حلقى ليكون الموت أهون علي وأقذفني للوجه، لئلا تنظر إلى وجهي فترحمني، ولئلا أنظر إلى الشفرة فأجزع، وإذا أتيت إلى أمي فأقرئها مني السلام. فلما جر إبراهيم عليه السلام السكين ضرب الله عليه صفيحة من نحاس، فلم تعمل السكين شيئا، ثم ضرب به على جبينه وحز في قفاه فلم تعمل السكين شيئا، فذلك قو له تعالى:" وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ" كذلك قال ابن عباس: معناه كبه على وجهه فنودي" يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا" فالتفت فإذا بكبش، ذكره المهدوي. وقد تقدمت الإشارة إلى عدم صحته، وأن المعنى لما اعتقد الوجوب وتهيأ للعمل، هذا بهيئة
__________
(1). تمامه:
بنا بطن خبت ذى قفاف عقنقل

لا لذبح، وهذا بصورة المذبوح، أعطيا محلا للذبح فداء ولم يكن هناك مر سكين. وعلى هذا يتصور النسخ قبل الفعل على ما تقدم. والله أعلم. قال الجوهري:" وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ" أي صرعه، كما تقول: كبه لوجهه. الهروي: والتل الدفع والصرع، ومنه حديث أبي الدرداء رضي الله عنه:" وتركوك لمتلك" أي لمصرعك. وفي حديث آخر:" فجاء بناقة كوماء فتلها" أي أناخها. وفي الحديث:" بينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فتلت في يدي" قال ابن الأنباري: أي فألقيت في يدي، يقال: تللت الرجل إذا ألقيته. قال ابن الأعرابي: فصبت في يدي، والتل الصب، يقال: تل يتل إذا صب، وتل يتل بالكسر إذا سقط. قلت: وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتي بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ، فقال للغلام:" أتأذن لي أن أعطي هؤلاء" فقال الغلام: لا والله، لا أوثر بنصيبي منك أحدا. قال، فتله رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في يده، يريد جعله في يده. وقال بعض أهل الإشارة: إ ن إبراهيم ادعى محبة الله، ثم نظر إلى الولد بالمحبة، فلم يرض حبيبه محبة مشتركة، فقيل له: يا إبراهيم اذبح ولدك في مرضاتي، فشمر واخذ السكين وأضجع ولده، ثم قال: اللهم تقبله مني في مرضاتك. فأوحى الله إليه: يا إبراهيم لم يكن المراد ذبح الولد، وإنما المراد أن ترد قلبك إلينا، فلما رددت قلبك بكليته إلينا رددنا ولدك إليك. وقال كعب وغيره: لما أرى إبراهيم ذبح ولده في منامه، قال الشيطان: والله لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم لا أفتن منهم أحدا أبدا. فتمثل الشيطان لهم في صورة الرجل، ثم أتى أم الغلام وقال: أتدرين أين يذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: لا. قال: إنه يذهب به ليذبحه. قالت: كلا هو أرأف به من ذلك. فقال: إنه يزعم أن ربه أمره بذلك. قالت: فإن كان ربه قد أمره بذلك فقد أحسن أن يطيع ر به. ثم أتى الغلام فقال: أتدري أين يذهب بك أبوك؟ قال: لا. قال: فإنه يذهب بك ليذبحك. قال: ولم؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك. قال: فليفعل ما أمره الله به، سمعا وطاعة لأمر الله. ثم جاء إبراهيم فقال: أين تريد؟ والله إني لأظن أن الشيطان قد جاءك في منامك فأمرك

بذبح ابنك. فعرفه إبراهيم فقال: إليك عني يا عدو الله، فوالله لأمضين لأمر ربي. فلم يصب، الملعون منهم شيئا. وقال ابن عباس: لما أمر إبراهيم بذبح ابنه عرض له الشيطان عند جمرة العقبة فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الأخرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ثم مضى إبراهيم لأمر الله تعالى. واختلف في الموضع الذي أراد ذبحه فيه فقيل: بمكة في المقام. وقيل: في المنحر بمنى عند الجمار التي رمى بها إبليس لعنه الله، قاله ابن عباس وابن عمر ومحمد بن كعب وسعيد بن المسيب. وحكي عن سعيد بن جبير: أنه ذبحه على الصخرة التي بأصل ثبير بمنى. وقال ابن جريج: ذبحه بالشام وهو من بيت المقدس على ميلين. والأول أكثر، فإنه ورد في الأخبار تعليق قرن الكبش في الكعبة، فدل على أنه ذبحه بمكة. وقال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده لقد كان أول الإسلام، وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه من ميزاب الكعبة وقد يبس. أجاب من قال بأن الذبح وقع بالشام: لعل الرأس حمل من الشام إلى مكة. والله أعلم. السادسة- قوله تعالى:" إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ" أي نجزيهم بالخلاص من الشدائد في الدنيا والآخرة." إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ" أي النعمة الظاهرة، يقال: أبلاه الله إبلاء وبلاء إذا أنعم عليه. وقد يقال بلاه. قال زهير:
فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو «1»

فزعم قوم أنه جاء باللغتين. وقا ل آخرون: بل الثاني من بلاه يبلوه إذا اختبره، ولا يقال من الاختبار إلا بلاه يبلوه، ولا يقال من الابتلاء يبلوه. واصل هذا كله من الاختبار أن يكون بالخير والشر، قال الله عز وجل:" وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً" [الأنبياء: 35]. وقال أبو زيد: هذا من البلاء الذي نزل به في أن يذبح ابنه، قال: وهذا من البلاء المكروه.
__________
(1). صدر البيت:
جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم

السابعة- قوله تعالى:" وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ" الذبح اسم المذبوح وجمعه ذبوح، كالطحن اسم المطحون. والذبح بالفتح المصدر." عَظِيمٍ" أي عظيم القدر ولم يرد عظيم الجثة. وإنما عظم قدره لأنه فدى به الذبيح، أو لأنه متقبل. قال النحاس: عظيم في اللغة يكون للكبير وللشريف. واهل التفسير على أنه هاهنا للشريف، أو المتقبل. وقال ابن عباس: هو الكبش الذي تقرب به هابيل، وكان في الجنة يرعى حتى فدى الله به إسماعيل. وعنه أيضا: أنه كبش أرسله الله من الجنة كان قد رعى في الجنة أربعين خريفا. وقال الحسن: ما فدي إسماعيل إلا بتيس من الأروى هبط عليه من ثبير، فذبحه إبراهيم فداء عن ابنه، وهذا قول علي رضى الله عنه. فلما رآه إبراهيم أخذه فذبحه وأعتق ابنه. وقال: يا بني اليوم وهبت لي. وقال أبو إسحاق الزجاج: قد قيل أنه فدي بوعل، والوعل: التيس الجبلي. واهل التفسير على أنه فدي بكبش. الثامنة- في هذه الآية دليل على أن الأضحية بالغنم أفضل من الإبل والبقر. وهذا مذهب مالك وأصحابه. قالوا: أفضل الضحايا الفحول من الضأن، وإناث الضأن أفضل من فحل المعز، وفحول المعز خير من إناثها، وإناث المعز خير من الإبل والبقر. وحجتهم قوله سبحانه وتعالى:" وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ" أي ضخم الجثة سمين، وذلك كبش لا جمل ولا بقرة. وروى مجاهد وغيره عن ابن عباس أنه سأل رجل: إني نذرت أن أنحر ابني؟ فقال: يجزيك كبش سمين، ثم قرأ:" وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ". وقال بعضهم: لو علم الله حيوانا أفضل من الكبش لفدى به إسحاق. وضحى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكبشين أملحين. وأكثر ما ضحي به الكباش. وذكر ابن أبي شيبة عن ابن علية عن الليث عن مجاهد قال: الذبح العظيم الشاة. التاسعة- واختلفوا أيما أفضل: الأضحية أو الصدقة بثمنها. فقال مالك وأصحابه: الضحية أفضل إلا بمنى، لأنه ليس موضع الأضحية، حكاه أبو عمر. وقال ابن المنذر: روينا عن بلال أنه قال: ما أبالي ألا أضحي إلا بدئك ولأن أضعه في يتيم قد ترب فيه-

هكذا قال المحدث- أحب إلي من أن أضحي به. وهذا قول الشعبي إن الصدقة أفضل. وبه قال مالك وأبو ثور. وفية قول ثان: إن الضحية أفضل، هذا قول ربيعة وأبي الزناد. وبه قال أصحاب الرأي. زاد أبو عمر وأحمد بن حنبل قالوا: الضحية أفضل من الصدقة، لأن الضحية سنة مؤكدة كصلاة العيد. ومعلوم أن صلاة العيد أفضل من سائر النوافل. وكذلك صلوات السنن أفضل من التطوع كله. فال أبو عمر: وقد روي في فضل الضحايا آثار حسان، فمنها ما رواه سعيد بن داود بن أبي زنبر عن مالك عن ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" ما من نفقة بعد صلة الرحم أفضل عند الله من إهراق الدم" قال أبو عمر: وهو حديث غريب من حديث مالك. وعن عائشة قالت: يا أيها الناس ضحوا وطيبوا أنفسا، فإني سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:" ما من عبد توجه بأضحيته إلى القبلة إلا كان دمها وقرنها وصوفها حسنات محضرات في ميزانه يوم القيامة فإن الدم إن وقع في التراب فإنما يقع في حرز الله حتى يوفيه صاحبه يوم القيامة" ذكره أبو عمر في كتاب التمهيد. وخرج الترمذي أيضا عنها أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع إلى الأرض فطيبوا بها نفسا" قال: وفى الباب عن عمران بن حصين وزيد بن أرقم. وهذا حديث حسن. العاشرة- إن الضحية ليست بواجبة ولكنها سنة ومعروف. وقال عكرمة: كان ابن عباس يبعثني يوم الأضحى بدرهمين اشتري له لحما، ويقول: من لقيت فقل هذه أضحية ابن عباس. قال أبو عمر: ومحمل هذا وما روي عن أبي بكر وعمر أنهما لا يضحيان عند أهل العلم، لئلا يعتقد في المواظبة عليها أنها واجبة فرض، وكانوا أئمة يقتدي بهم من بعدهم ممن ينظر في دينه إليهم، لأنهم الواسطة بين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبين أمته، فساغ لهم من الاجتهاد في ذلك ما لا يسوغ اليوم لغيرهم. وقد
حكى الطحاوي في مختصره: وقال

أبو حنيفة: الأضحية واجبة على المقيمين الواجدين من أهل الأمصار، ولا تجب على المسافر. قال: ويجب على الرجل من الأضحية على ولده الصغير مثل الذي يجب عليه من نفسه. وخالفه أبو يوسف ومحمد فقالا: ليست بواجبة ولكنها سنة غير مرخص لمن وجد السبيل إليها في تركها. قال: وبه نأخذ. قال أبو عمر: وهذا قول مالك، قال: لا ينبغي لأحد تركها مسافرا كان أو مقيما، فإن تركها فبئس ما صنع إلا أن يكون له عذر إلا الحاج بمنى. وقال الإمام الشافعي: هي سنة على جميع الناس وعلى الحاج بمنى وليست بواجبة. وقد احتج من أوجبها بأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر أبا بردة بن نيار أن يعيد ضحية أخرى، لأن ما لم يكن فرضا لا يؤمر فيه بالإعادة. احتج آخرون بحديث أم سلمة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال:" إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحى قالوا: فلو كان ذلك واجبا لم يجعل ذلك إلى إرادة المضحي" وهو قول أبي بكر وعمر وأبي مسعود البدري وبلال. الحادية- والذي يضحى به بإجماع المسلمين الأزواج الثمانية: وهي الضأن والمعز والإبل والبقر. قال ابن المنذر: وقد حكي عن الحسن بن صالح أنه قال: يضحى ببقرة الوحش عن سبعة، وبالظبي عن رجل. وقال الإمام الشافعي: لو نزا ثور وحشي على بقرة إنسية، أو ثور إنسي على بقرة وحشية لا يجوز شي من هذا أضحية. وقال أصحاب الرأي: جائز، لأن ولدها بمنزلة أمه. وقال أبو ثور: يجوز إذا كا ن منسوبا إلى الأنعام. الثانية عشرة- وقد مضى في سورة" الحج" «1» الكلام في وقت الذبح والأكل من الأضحية مستوفى. وفي صحيح مسلم عن أنس قال:" ضحى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمي وكبر ووضع رجله على صفاحهما" في رواية قال" ويقول بسم الله والله أكبر" وقد مضى في آخر" الأنعام" «2» حديث عمران بن حصين، ومضى في" المائدة" «3» القول في التذكية وبيانها وما يذكى به، وأن ذكاة الجنين ذكاة أمه مستوفى. وفي صحيح مسلم
__________
(1). راجع ج 12 ص 42 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.
(2). راجع ج 7 ص 155 طبعه أولى أو ثانية.
(3). راجع ج 6 ص 50 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.

عن عائشة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" أمر بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد فأتي به ليضحي به" فقال لها:" يا عائشة هلمي المدية" ثم قال:" اشحذيها بحجر" ففعلت، ثم أخذها واخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه، ثم قال:" بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد" ثم ضحى به. وقد اختلف العلماء في هذا فكان الحسن البصري يقول في الأضحية: بسم الله والله أكبر هذا منك ولك تقبل من فلان. وقال مالك: إن فعل ذلك فحسن، وإن لم يفعل وسمي الله أجزأه. وقال الشافعي: والتسمية على الذبيحة بسم الله، فإن زاد بعد ذلك شيئا من ذكر الله، أو صلى على محمد عليه السلام لم أكرهه، أو قال اللهم تقبل مني، أو قال تقبل من فلان فلا بأ س. وقال النعمان: يكره أن يذكر مع اسم الله غيره، يكره أن يقول: اللهم تقبل من فلان عند الذبح. وقال: لا بأس إذا كان قبل التسمية وقبل أن يضجع للذبح. وحديث عائشة يرد هذا القول. وقد تقدم أن إبراهيم عليه السلام قال لما أراد ذبح ابنه: الله أكبر والحمد لله. فبقي سنة. الثالثة عشرة- روى البراء بن عازب أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل: ماذا يتقى من الضحايا؟ فأشار بيده وقال:" أربعا- وكان البراء يشير بيده ويقول يدي أقصر من يد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- العرجاء البين ظلعها والعوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنقي" «1» لفظ مالك ولا خلاف فيه. واختلف في اليسير من ذلك. وفي الترمذي عن علي رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نستشرف «2» العين الإذن وألا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء. قال: والمقابلة ما قطع طرف أذنها، والمدابرة ما قطع من جانب الأذن، والشرقاء المشقوقة، والخرقاء المثقوبة، قال هذا حديث حسن صحيح. وفي الموطأ عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان يتقي من الضحايا والبدن التي لم تسنن والتي نقص من خلقها. قال مالك: وهذا أحب ما سمعت إلي. قال
__________
(1). النقي: مخ العظام وشحمها. يريد أنه لا يوجد فيها شحم لهزالها وضعفها.
(2). نستشرف، يعنى نتطلع العين الإذن، ونبحث عنهما لئلا يكون فيهما عيب.

القتبي: لم تسنن أي لم تنبت أسنانها كأنها لم تعط أسنانا. وهذا كما يقال: فلان لم يلبن أي لم يعط لبنا، ولم يسمن أي لم يعط سمنا، ولم يعسل أي لم يعط عسلا «1». وهذا مثل النهي في الأضاحي عن الهتماء. قال أبو عمر: ولا بأس أن يضحى عند مالك بالشاة الهتماء إذا كان سقوط أسنانها من الكبر والهرم وكانت سمينة، فإن كانت ساقطة الأسنان وهي فتية لم يجز أن يضحى بها، لأنه عيب غير خفيف. والنقصان كله مكروه، وشرحه وتفصيله في كتب الفقه. وفي الخبر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" استشرقوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم" ذكره الزمخشري. الرابعة عشر- ودلت الآية على أن من نذر نحر ابنه أو ذ بحة أنه يفديه بكبش كما فدى به إبراهيم ابنه، قال ابن عباس. وعنه رواية أخرى: ينحر مائة من الإبل كما فدى بها عبد المطلب ابنه، روى الروايتين عنه الشعبي. وروى عنه القاسم بن محمد: يجزيه كفارة يمين. وقال مسروق: لا شي عليه. وقال الشا فعي: هو معصية يستغفر الله منها. وقال أبو حنيفة: هي كلمة يلزمه بها في ولده ذبح شاة ولا يلزمه في غير ولده شي. قال محمد: عليه في الحلف بنحر عبده مثل الذي عليه في الحلف بنحر ولده إذا حنث. وذكر ابن عبد الحكم عن مالك فيمن قال: أنا أنحر ولدي عند مقام إبراهيم في يمين ثم حنث فعليه هدي. قال: ومن نذر أن ينحر ابنه ولم يقل عند مقام إبراهيم ولا أراد فلا شي عليه. قال: ومن جعل ابنه هديا أهدى عنه، قال القاضي ابن العربي: يلزمه شاة كما قال أبو حنيفة، لأن الله تعالى جعل ذبح الولد عبارة عن ذبح الشاة شرعا، فألزم الله إبراهيم ذبح الولد، وأخرجه عنه بذبح شاة. وكذلك إذا نذر العبد ذبح ولده يلزمه أن يذبح شاة، لأن الله تعالى قال:
__________
(1). عقب صاحب لسان العرب في مادة" سنن" على رواية القتبي وتفسيره بقوله:" وقد وهم القتبي في الرواية والتفسر، لأنه روى الحديث" لم تسنن" بفتح النون الاولى، وإنما حفظه من محدث لم بضبطه، واهل الثبت والضبط رووه" لم تسنن" بكسر النون وهو الصواب في العربية، والمعنى لم تسن فأظهر التضعيف لسكون النون الأخيرة، كما يقال: لم يجلل. وإنما أراد ابن عمر أنه يضحى بأضحية لم تئن، أي لم تصر ثنية وإذا أئنت فقد أسنت. ثم قال: وأما خطأ القتبي من الجهة الأخرى فقوله: سننت البدنة إذا نبتت أسنانها وسنها الله غير صحيح، وقوله: لم يلين ولم يسمن أي لم لبنا وسمنا غير صحيح، وإنما معنا هما لم يطعم سمنا ولم يسق لبنا".

" مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ" [الحج: 78] والإيمان التزام أصلي، والنذر التزام فرعي، فيجب أن يكون محمولا عليه. فإن قيل: كيف يؤمر إبراهيم بذبح الولد وهو معصية والأمر بالمعصية لا يجوز. قلنا: هذا اعتراض على كتاب الله، ولا يكون ذلك ممن يعتقد الإسلام، فكيف بمن يفتي في الحلال والحرام، وقد قال الله تعالى:" افْعَلْ ما تُؤْمَرُ"
والذي يجلو الإلباس عن قلوب الناس في ذلك: أن المعاصي والطاعات ليست بأوصاف ذاتية للأعيان، وإنما الطاعات عبارة عما تعلق به الأمر من الأفعال، والمعصية عبارة عما تعلق به النهي من الأفعال، فلما تعلق الأمر بذبح الولد إسماعيل من إبراهيم صار طاعة وابتلاء، ولهذا قال الله تعالى:" إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ" في الصبر على ذبح الولد والنفس، ولما تعلق النهي بنا في ذبح أبنائنا صار معصية. فإن قيل: كيف يصير نذرا وهو معصية. قلنا إنما يكون معصية لو كان يقصد ذبح الولد بنذره ولا ينوي الفداء؟ فإن قيل: فلو وقع ذلك وقصد المعصية ولم ينو الفداء؟ قلنا: لو قصد ذلك لم يضره في قصده ولا أثر في نذره، لأن نذر الولد صار عبارة عن ذبح الشاة شرعا. الخامسة عشرة- قوله تعالى:" وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ" أي على إبراهيم ثناء جميلا في الأمم بعده، فما من أمة إلا تصلي عليه وتحبه. وقيل: هو دعاء إبراهيم عليه السلام" وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ" [الشعراء. 84]. وقال عكرمة: هو السلام على إبراهيم أي سلاما منا. وقيل: سلامة له من الآفات مثل:" سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ" [الصافات: 79] حسب ما تقدم." كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ" أي من الذين أعطوا العبودية حقها حتى استحقوا الإضافة الى الله تعالى. السادسة عشرة- قوله تعالى:" وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ" قال ابن عباس: بشر بنبوته وذهب إلى أن البشارة كانت مرتين «1»، فعلى هذا الذبيح هو إسحاق بشر بنبوته جزاء على صبره ورضاه بأمر ربه واستسلامه له." وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ" أي ثنينا عليهما النعمة. وقيل كثرنا ولدهما، أي باركنا على إبراهيم وعلى أولاده، وعلى إسحاق حين أخرج أنبياء بني
__________
(1). في حاشية الجمل نقلا عن القرطي: بشر بنبوته ووقعت البشارة به مرتين.

إسرائيل من صلبه. وقد قيل: إن الكناية في" عَلَيْهِ" تعود على إسماعيل وأنه هو الذبيح. قال المفضل: الصحيح الذي يدل عليه القرآن أنه إسماعيل وذلك أنه قص قصة الذبيح، فلما قال في آخر القصة:" وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ" ثم قال:" سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ. كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ" قال:" وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ. وَبارَكْنا عَلَيْهِ" أي على إسماعيل" وعلى إسحاق" كنى عنه، لأنه قد تقدم ذكره. ثم قال:" وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما" فدل على أنها ذرية إسماعيل وإسحاق، وليس تختلف الرواة في أن إسماعيل كان أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة. قلت: قد ذكرنا أولا ما يدل على أن إسحاق أكبر من إسماعيل، وأن المبشر به هو إسحاق بنص التنزيل، فإذا كانت البشارة بإسحاق نصا فالذبيح لا شك هو إسحاق، وبشر به إبراهيم مرتين، الأولى بولادته والثانية بنبوته، كما قال ابن عباس. ولا تكون النبوة إلا في حال الكبر و" نَبِيًّا" نصب على الحال والهاء في" عَلَيْهِ" عائدة إلى إبراهيم وليس لإسماعيل في الآية ذكر حتى ترجع الكناية إليه. وأما ما روي من طريق معاوية قال: سمعت رجلا يقول للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا بن الذبيحين، فضحك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثم قال معاوية: إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم، نذر لله إن سهل عليه أمرها ليذبحن أحد ولده لله، فسهل الله عليه أمرها، فوقع السهم على عبد الله، فمنعه أخواله بنو مخزوم، وقالوا: أفد ابنك، ففداه بمائة من الإبل وهو الذبيح، وإسماعيل هو الذبيح الثاني فلا حجة فيه، لأن سنده لا يثبت على ما ذكرناه في كتاب الأعلام في معرفة مولد المصطفى عليه الصلاة والسلام، ولأن العرب تجعل العم أبا، قال الله تعالى:" قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ" [البقرة: 133] وقال تعالى:" وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ" [يوسف: 100] وهما أبوه وخالته. وكذلك ما روي عن الشاعر الفرزدق عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لو صح إسناده فكيف وفي الفرزدق نفسه مقال. السابعة عشرة- قوله تعالى:" وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ" لما ذكر البركة في الذرية والكثرة قال: منهم محسن ومنهم مسي، وإن المسيء لا تنفعه بنوة النبوة، فاليهود والنصارى

وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (117) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (118) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (119) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (120) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122)

وإن كانوا من ولد إسحاق، والعرب وإن كانوا من ولد إسماعيل، فلا بد من الفرق بين المحسن والمسيء والمؤمن والكافر، وفي التنزيل:" وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ" [المائدة: 18] الآية، أي أبناء رسل الله فرأوا لأنفسهم فضلا. وقد تقدم «1».

[سورة الصافات (37): الآيات 114 الى 122]
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (114) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (116) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (117) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (118)
وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (119) سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (120) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122)
قوله تعالى:" وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ" لما ذكر إنجاء إسحاق من الذبح، وما من به عليه بعد النبوة، ذكر ما من به أيضا على موسى وهرون من ذلك. وقوله:" مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ" قيل: من الرق الذي لحق بني إسرائيل. وقيل من الغرق الذي لحق فرعون." وَنَصَرْناهُمْ" قال الفراء: الضمير لموسى وهرون وحدهما، وهذا على أن الاثنين جمع، دليله قوله:" وَآتَيْناهُمَا وَهَدَيْناهُمَا". وقيل: الضمير لموسى وهرون وقومهما وهذا هو الصواب، لأن قبله" وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما". و" الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ" التوراة، يقال استبان كذا أي صار بينا، واستبانة فلان مثل تبين الشيء بنفسه وتبينه فلان. و" الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ" الدين القويم الذي لا اعوجاج فيه وهو دين الإسلام." وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ" يريد الثناء الجميل." سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ" تقدم.
__________
(1). راجع ج 6 ص 12 طبعه أولى أو ثانية.

وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (124) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (125) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (126) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (128) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (129) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (130) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132)

[سورة الصافات (37): الآيات 123 الى 132]
وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (124) أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (125) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (126) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127)
إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (128) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (129) سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (130) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132)
قوله تعالى:" وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ" قال المفسرون: إلياس نبي من بني إسرائيل. وروي عن ابن مسعود قال: إسرائيل هو يعقوب وإلياس هو إدريس. وقرا:" وإن إدريس وقاله عكرمة. وقال: هو في مصحف عبد الله:" وإن إدريس لمن المرسلين" وانفرد بهذا القول. وقال ابن عباس: هو عم اليسع «1». وقال ابن إسحاق وغيره: كان القيم بأمر بني إسرائيل بعد يوشع كالب بن يوقنا ثم حزقيل، ثم لما قبض الله حزقيل النبي عظمت الأحداث في بني إسرائيل، ونسوا عهد الله وعبدوا الأوثان من دونه، فبعث الله إليهم إلياس نبيا وتبعه اليسع وآمن به، فلما عتا عليه بنو إسرائيل دعا ربه أن يريحه منهم فقيل له: اخرج يوم كذا وكذا إلى موضع كذا وكذا فما استقبلك من شي فاركبه ولا تهبه. فخرج ومعه اليسع فقال: يا إلياس ما تأمرني. فقذف إليه بكسائه من الجو الأعلى، فكان ذلك علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل، وكان ذلك آخر العهد به. وقطع الله على إلياس لذة المطعم والمشرب، وكساه الريش وألبسه النور، فطار مع الملائكة، فكان إنسيا ملكيا سماويا أرضيا. قال ابن قتيبة: وذلك أن الله تعالى قال لإلياس" سلني أعطك". قال: ترفعني إليك وتؤخر عني مذاقة الموت. فصار يطير مع الملائكة. وقال بعضهم: كان قد مرض وأحس الموت فبكى، فأوحى الله إليه: لم تبك؟ حرصا على الدنيا، أو جزعا من الموت، أو خوفا من النار؟ قال: لا، ولا شي من هذا وعزتك، إنما جزعي كيف يحمدك الحامدون بعدي ولا أحمدك! ويذكرك
__________
(1). قال بعض المفسرين هو ابن عم اليسع. [.....]

الذاكرون بعدي ولا أذكرك! ويصوم الصائمون بعدي ولا أصوم! ويصلي المصلون ولا أصلي. فقيل له:" يا إلياس وعزتي لأؤخرنك إلى وقت لا يذكرني فيه ذاكر". يعني يوم القيامة. وقال عبد العزيز بن أبي رواد: إن إ ليأس والخضر عليهما السلام يصومان شهر رمضان في كل عام ببيت المقدس يوافيان الموسم في كل عام. وذكر ابن أبي الدنيا، إنهما يقولان عند افتراقهما عن الموسم: ما شاء الله ما شاء الله، لا يسوق الخير إلا الله، ما شاء الله ما شاء الله، لا يصر ف السوء إلا الله، ما شاء الله ما شاء الله، ما يكون من نعمة فمن الله، ما شاء الله ما شاء الله، توكلت على الله حسبنا الله ونعم الوكيل. وقد مضى في" الكهف" «1». وذكر من طريق مكحول عن أنس قال: غزونا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى إذا كنا بفج الناقة عند الحجر، إذا نحن بصوت يقول: اللهم اجعلني من أمة محمد المرحومة، المغفور لها، المتوب عليها، المستجاب لها. فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" يا أنس، انظر ما هذا الصوت". فدخلت الجبل، فإذا أنا برجل أبيض اللحية والرأس، عليه ثياب بيض، طوله أكثر من ثلاثمائة ذراع، فلما نظر إلي قال: أنت رسول النبي؟ قلت: نعم، قال: ارجع إليه فأقرئه مني السلام وقل له: هذا أخوك إلياس يريد لقاءك. فجاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا معه، حتى إذا كنا قريبا منه، تقدم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتأخرت، فتحدثا طويلا، فنزل عليهما شي من السماء شبه السفرة فدعواني فأكلت معهما، فإذا فيها كمأة ورمان وكرفس، فلما أكلت قمت فتنحيت، وجاءت سحابة فاحتملته فإذا أنا أنظر إلى بياض ثيابه فيها تهوي، فقلت للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بأبي أنت وأمي! هذا الطعام الذي أكلنا أمن السماء نزل عليه؟ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" سألته عنه فقال يأتيني به جبريل في كل أربعين يوما أكلة، وفي كل حول شربة من ماء زمزم، وربما رأيته على الجب يملأ بالدلو فيشرب وربما سقاني". قوله تعالى:" إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ" يعنى لبنى إسرائيل." أَلا تَتَّقُونَ" يعنى الله عز وجل وتخافون عقابه." أَتَدْعُونَ بَعْلًا" اسم صنم لهم كانوا يعبدونه وبذلك سميت مدينتهم بعلبك.
__________
(1). راجع ج 11 ص 43 طبعه أولى أو ثانيه.

قال ثعلب: اختلف الناس في قوله عز وجل ها هنا" بَعْلًا" فقالت طائفة: البعل ها هنا الصنم. وقال طائفة: البعل ها هنا ملك. وقال ابن إسحاق: امرأة كانوا يعبدونها. والأول أكثر. وروى الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس:" أَتَدْعُونَ بَعْلًا" قال: صنما. وروى عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس:" أَتَدْعُونَ بَعْلًا" قال: ربا. النحاس: والقولان صحيحان، أي أتدعون صنما عملتموه ربا. يقال: هذا بعل الدار أي ربها. فالمعنى أتدعون ربا اختلقتموه، و" أَتَدْعُونَ" بمعنى أتسمون. حكى ذلك سيبويه. وقال مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي: البعل الرب بلغة اليمن. وسمع ابن عباس رجلا من أهل اليمن يسوم ناقة بمنى فقال: من بعل هذه؟. أي من ربها، ومنه سمي الزوج بعلا. قال أبو دواد «1»:
ورأيت بعلك في الوغى ... ومتقلدا سيفا ورمحا

مقاتل: صنم كسره إلياس وهرب منهم. وقيل: كان من ذهب وكان طوله عشرين ذراعا، وله أربعة أوجه، فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربعمائة سادن وجعلوهم أنبياءه، فكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة، والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس، وهم أهل بعلبك من بلاد الشام. وبه سميت مدينتهم بعلبك كما ذكرنا." وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ" أي أحسن من يقال له خالق. وقيل: المعنى أحسن الصانعين، لأن الناس يصنعون ولا يخلقون ن." اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ" بالنصب في الأسماء الثلاثة قرأ الربيع بن خيثم والحسن وابن أبي إسحاق وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي. واليها يذهب أبو عبيد وأبو حاتم. وحكى أبو عبيد أنها على النعت. النحاس: وهو غلط وإنما هو على البدل ولا يجوز النعت ها هنا، لأنه ليس بتخلية. وقرا ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وأبو جعفر وشيبة ونافع بالرفع. قال أبو حاتم: بمعنى هو الله ربكم. قال النحاس: وأولى مما قال أنه مبتدأ وخبر بغير إضمار ولا حذف. ورأيت علي بن سليمان يذهب إلى أن الرفع
__________
(1). هكذا في كل نسخ الأصل ونسبه في الكامل لعبد الله بن الزبعرى ورواء كما في المعاجم: يا ليت زوجك في الوغى إلخ وقد مضى للمصنف.

أولى وأحسن، لأن قبله رأس آية فالاستئناف أولى. ابن الأنباري: من نصب أو رفع لم يقف على" أَحْسَنَ الْخالِقِينَ" على جهة التمام، لأن الله عز وجل مترجم عن" أَحْسَنَ الْخالِقِينَ" من الوجهين جميعا. قوله تعالى:" فَكَذَّبُوهُ" أخبر عن قوم إلياس أنهم كذبوه." فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ" أي في العذاب." إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ" أي من قومه فإنهم نجوا من العذاب. وقرى" المخلصين" بكسر اللام وقد تقدم." وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ" تقدم." سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ" قراءة الأعرج وشيبة ونافع. وقرا عكرمة وأبو عمرو وابن كثير وحمزة والكسائي:" سلام على إلياسين". وقرا الحسن:" سلام على إلياسين" بوصل الألف كأنها ياسين دخلت عليها الألف واللام التي للتعريف. والمراد إلياس عليه السلام، وعليه وقع التسليم ولكنه اسم أعجمي. والعرب تضطرب في هذه الأسماء الأعجمية ويكثر تغييرهم لها. قال ابن جني: العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية تلاعبا، فياسين وإلياس وإلياسين شي واحد. الزمخشري: وكان حمزة إذا وصل نصب وإذا وقف رفع. وقرى:" على إلياسين" و" إدريسين وإدرسين وإدراسين" على أنها لغات في إلياس وإدريس. ولعل لزيادة الياء والنون في السريانية معنى. النحاس: ومن قرأ:" سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ" فكأنه والله أعلم جعل اسمه إلياس وياسين ثم سلم على آله، أي أهل دينه ومن كان على مذهبه، وعلم أنه إذا سلم على آله من أجله فهو داخل في السلام، كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" اللهم صل على آل أبي أوفى" وقال الله تعالى:" أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ" [غافر: 46]. ومن قرأ" إلياسين" فللعلماء فيه غير قول. فروى هرون عن ابن أبي إسحاق قال: إلياسين مثل إبراهيم يذهب إلى أنه اسم له. وأبو عبيدة يذهب إلى أنه جمع جمع التسليم على أنه واهل بيته سلم عليهم، وأنشد:
قدني من نصر الخبيبين قدي»
__________
(1). تمامه:
ليس الإمام بالشحيح الملحد

والبيت من أرجوزة لحميد الأرقط بمدح عبد الملك بن مروان، ويعرض بعبد الله بن الزبير، يرميه بالبخل والإلحاد في الحرم. وقيل هو لأبى بحدلة.

يقال: قدني وقدي لغتان بمعنى حسب. وإنما يريد أبا خبيب عبد الله بن الزبير فجمعه على أن من كان على مذهبه داخل معه. وغير أبي عبيدة يرويه: الخبيبين على التثنية، يريد عبد الله ومصعبا. ورأيت علي بن سليمان يشرحه بأكثر من هذا،" قال" «1» فإن العرب تسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة على أنهم سموا كل رجل منهم بالمهلب. قال: فعلى هذا" سلام على إلياسين" سمي كل رجل منهم بإلياس. وقد ذكر سيبويه عي كتابه شيئا من هذا، إلا أنه ذكر أن العرب تفعل هذا على جهة النسبة، فيقولون: الأشعرون يريدون به النسب. المهدوي: ومن قرأ" إلياسين" فهو جمع يدل فيه إلياس فهو جمع إلياسي فحذفت ياء النسبة، كما حذفت ياء النسبة في جميع المكسر في نحو المهالبة في جمع مهلبي، كذلك حذفت في المسلم فقيل المهلبون. وقد حكى سيبويه: الأشعرون والنميرون يريدون الأشعريين والنميريين. السهيلي: وهذا لا يصح بل هي لغة في إلياس، ولو أراد ما قالوه لأدخل الألف واللام كما تدخل في المهالبة والأشعريين، فكان يقول:" سلام على الإلياسين" لأن العلم إذا جمع ينكر حتى يعرف بالألف واللام، لا تقول: سلام على زيدين، بل على الزيدين بالألف واللام. فإلياس عليه السلام فيه ثلاث لغات. النحاس: واحتج أبو عبيد في قراءته" سلام على إلياسين" وأنه اسمه كما أن اسمه إلياس لأنه ليس في السورة سلام على" آل" لغيره من الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، فكما سمي الأنبياء كذا سمي هو. وهذا الاحتجاج أصله لأبي عمرو وهو غير لازم، لأنا بينا قول أهل اللغة أنه إذا سلم على آله من أجله فهو سلام عليه. والقول بأن اسمه" إلياسين" يحتاج إلى دليل ورواية، فقد وقع في الأمر إشكال. قال الماوردي: وقرا الحسن" سلام على ياسين" بإسقاط الألف واللام وفية وجهان: أحدهما أنهم آل محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال ابن عباس. والثاني أنهم آل ياسين، فعلى هذا في دخول الزيادة في ياسين وجهان: أحدهما: أنها زيدت لتساوي الآي، كما قال في موضع:" طُورِ سَيْناءَ" [المؤمنون: 20] وفي موضع آخر" طُورِ سِينِينَ" [التين: 2] فعلى هذا يكون
__________
(1). الزيادة من إعراب القرآن لنحاس.

وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138)

السلام على أهله دونه، وتكون الإضافة إليه تشريفا له. الثاني: أنها دخلت للجمع فيكون داخلا في جملتهم فيكون السلام عليه وعليهم. قال السهيلي: قال بعض المتكلمين في معاني القرآن آل ياسين آل محمد عليه السلام، ونزع إلى قول من قال في تفسير" يس" يا محمد. وهذا القول يبطل من وجوه كثيرة: أحدها: أن سياقة الكلام في قصة إلياسين يلزم أن تكون كما هي في قصة إبراهيم ونوح وموسى وهارون وأن التسليم راجع عليهم، ولا معنى للخروج عن مقصود الكلام لقول قيل في تلك الآية الأخرى مع ضعف ذلك القول أيضا، فإن" يس" و" لَحْمَ" و" الم" ونحو ذلك القول فيها واحد، إنما هي حروف مقطعة، إما مأخوذة من أسماء الله تعالى كما قال ابن عباس، وإما من صفات القرآن، وإما كما قال الشعبي: لله في كل كتاب سر، وسره في القرآن فواتح القرآن. وأيضا فإن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" لي خمسة أسماء" ولم يذكر فيها" يس". وأيضا فإن" يس" جاءت التلاوة فيها بالسكون والوقف، ولو كان اسما للنبي صلى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقال:" يسن" بالضم، كما قال تعالى:" يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ" [يوسف: 46] وإذا بطل هذا القول لما ذكرناه، ف" إلياسين" هو إلياس المذكور وعليه وقع التسليم. وقال أبو عمرو بن العلاء: هو مثل إدريس وإدراسين، كذلك هو في مصحف ابن مسعود." وإن إدريس لمن المرسلين" ثم قال:" سلام على إدراسين"." إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ" تقدم «1».

[سورة الصافات (37): الآيات 133 الى 138]
وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137)
وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (138)
قوله تعالى:" وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ" تقدم قصة لوط." ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ"
أي بالعقوبة." وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ
"
__________
(1). راجع ج 7 ص 245 وج 9 ص 75 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144)

خاطب العرب أي تمرون عل منازلهم وآثارهم" مُصْبِحِينَ"
وقت الصباح" وَبِاللَّيْلِ
" تمرون عليهم أيضا بالليل وتم الكلام. ثم قال:" أَفَلا تَعْقِلُونَ
" أي تعتبرون وتتدبرون.

[سورة الصافات (37): الآيات 139 الى 144]
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143)
لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144)
فيه ثمان مسائل: الأولى- قوله تعالى:" وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ"
يونس هو ذو النون، وهو ابن متى، وهو ابن العجوز التي نزل عليها إلياس فاستخفى عندها من قومه ستة أشهر ويونس صبي يرضع، وكانت أم يونس تخدمه بنفسها وتؤانسه، ولا تدخر عنه كرامة تقدر عليها ثم إن إلياس سئم ضيق البيوت فلحق بالجبال، ومات ابن المرأة يونس، فخرجت في أثر إلياس تطوف وراءه في الجبال حتى وجدته، فسألته أن يدعو الله لها لعله يحيى لها ولدها، فجاء إلياس إلى الصبي بعد أربعة عشر يوما من موته، فتوضأ وصلي ودعا الله فأحيا الله يونس بن متى بدعوة إلياس عليه السلام. وأرسل الله يونس إ لي أهل نينوى من أرض الموصل وكانوا يعبدون الأصنام ثم تابوا، حسب ما تقدم بيانه في سورة" يونس" «1» ومضى في" الأنبياء" «2» قصة يونس في خروجه مغاضبا. واختلف في رسالته هل كانت قبل التقام الحوت إياه أو بعده. قال الطبري عن شهر بن حوشب: إن جبريل عليه السلام أتي يونس فقال: انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم أن العذاب قد حضرهم. قال: ألتمس دابة. قال: الأمر أعجل من ذلك. قال: ألتمس حذاء. قال: الأمر أعجل من ذلك. قال: فغضب فانطلق إلى السفينة فركب، فلما ركب السفينة احتبست السفينة لا تتقدم ولا تتأخر. قال: فتساهموا،
__________
(1). ج 8 ص 384 طبعه أولى أو ثانية.
(2). ج 11 ص 329 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.

قال: فسهم، فجاء الحوت يبصبص بذنبه، فنودي الحوت: أيا حوت! إنا لم نجعل لك يونس رزقا، إنما جعلناك له حرزا ومسجدا. قال: فالتقمه الحوت من ذلك المكان حتى مر به إلى الأبلة، ثم انطلق به حتى مر به على دجلة، ثم انطلق حتى ألقاه في نينوى. حدثنا الحرث قال حدثنا الحسن قال حدثنا أبو هلال قال حدثنا شهر بن حوشب عن ابن عباس قال: إنما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت، واستدل هؤلاء بأن الرسول لا يخرج مغاضبا لربه، فكان ما جرى منه قبل النبوة. وقال آخرون: كان ذلك منه بعد دعائه من أرسل إليهم إلى ما أمره الله بدعائهم إليه، وتبليغه إياهم رسالة ربه، ولكنه وعدهم نزول ما كان حذرهم من بأس الله في وقت وقته لهم ففارقهم إذ لم يتوبوا ولم يراجعوا طاعة الله، فلما أظل القوم العذاب وغشيهم- كما قال الله تعالى في تنزيله- تُوبُوا إِلَى اللَّهِ، فرفع الله العذاب عنهم، وبلغ يونس سلامتهم وارتفاع العذاب الذي كان وعدهموه فغضب من ذلك وقال: وعدتهم وعدا فكذب وعدي. فذهب مغاضبا ربه وكره الرجوع إليهم، وقد جربوا عليه الكذب، روا سعيد بن جبير عن ابن عباس. وقد مضى هذا في" الأنبياء" وهو الصحيح على ما يأتي عند قول تعالى:" وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ" [الصافات: 147]. ولم ينصف يونس، لأنه اسم أعجمي ولو كان عربيا لانصرف وإن كانت في أول الياء، لأنه ليس في الأفعال يفعل كما أنك إذا سميت بيعفر صرفته «1»، وإن سميت بيعفر لم تصرفه. الثانية- قوله تعالى:" إِذْ أَبَقَ"
قال المبرد: أصل أبق تباعد، ومنه غلام آبق. وقال غيره: إنما قيل ليونس أبق، لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستترا من الناس." إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ"
أي المملوء." والفلك" يذكر ويؤنث ويكون واحدا وجمعا وقد تقدم «2». قال الترمذي الحكيم: سماه آبقا لأنه أبق عن العبودية، وإنما العبودية ترك الهوى وبذل النفس عند أمور الله، فلما لم يبذل النفس عند ما اشتدت عليه العزمة من الملك حسب ما تقدم بيانه في [الأنبياء]، وآثر هواه لزمه اسم الآبق، وكانت عزمة الملك في أمر الله
__________
(1). وذلك لأنه زال عنه شبه الفعل بخلاف يعفر فانه على وزن يقتل فمنع الصرف.
(2). راجع ج 2 ص 194 طبعه ثانية.

لا في أمر نفسه، وبحظ حق الله لا بحظ نفسه، فتحرى يونس فلم يصب الصواب الذي عند الله فسماه آبقا ومليما. الثالثة: قوله تعالى:" فَساهَمَ
" قل المبرد: فقارع قال: وأصله من السهام التي تجال." فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ"
قال: من المغلوبين. قال القراء: دحضت حجته وأدحضها الله. وأصله من الزلق، قال الشاعر:
قتلنا المدحضين بكل فج ... وفقد قرت بقتلهم العيون
أي المغلوبين. الرابعة- قوله تعالى:" فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ" أي أتى بما يلام عليه. فأما الملوم فهو الذي يلام، استحق ذلك أولم يستحق. وقيل: المليم المعيب. يقال لام الرجل إذا عمل شيئا فصار معيبا بذلك العمل." فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ" قال الكسائي: لم تكسر" أن" لدخول اللام، لأن اللام ليست لها. النحاس: والأمر كما قال، إنما اللام في جواب لولا." فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ" أي من المصلين لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ" أي عقوبة له، أي يكون بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. واختلف كم أقام في بطن الحوت. فقال السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. الضحاك: عشرين يوما. عطاء: سبعة أيام. مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. وقيل: ساعة واحدة. والله أعلم. الخامسة- روى الطبري من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لما أراد الله تعالى ذكره- حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله إلى الحوت أن خذه ولا تخدش لحما ولا تكسر عظما فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه من البحر، فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسا فقال في نفسه ما هذا؟ فأوحى الله تبارك وتعالى إليه وهو في بطن الحوت:" إن هذا تسبيح دواب البحر قال:" فسبح وهو في بطن الحوت" قال:" فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة" قال:" ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر" قالوا العبد الصالح الذي كان

يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال نعم. فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت بقذفه في الساحل كما قال تعالى:" وَهُوَ سَقِيمٌ". وكان سقمه الذي وصفه به الله- تعالى ذكره أنه ألقاه الحوت على الساحل كالصبي المنفوس قد نشر اللحم والعظم. وقد روي: أن الحوت سار مع السفينة رافعا رأسه يتنفس فيه يونس ويسبح، ولم يفارقهم حتى انتهوا إلى البر، فلفظه سالما لم يغير منه شي فأسلموا، ذكره الزمخشري في تفسيره. وقال ابن العربي: أخبرني غير واحد من أصحابنا عن إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني: أنه سئل عن الباري في جهة؟ فقال: لا، هو يتعالى عن ذلك. قيل له: ما الدليل عليه؟ قال: الدليل عليه قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لا تفضلوني على يونس بن متى" فقيل له: ما وجه الدليل في هذا الخبر؟ فقال: لا أقوله حتى يأخذ ضيفي هذا ألف دينار يقضي بها دينا. فقام رجلان فقالا: هي علينا. فقال لا يتبع بها اثنين، لأنه يشق عليه. فقال واحد: هي علي. فقال: إن يونس بن متى رمى بنفسه في البحر فالتقمه الحوت، فصار في قعر البحر في ظلمات ثلاث، ونادى" لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ" [الأنبياء: 87] كما أخبر الله عنه، ولم يكن محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين جلس على الرفرف الأخضر وارتقى به صعدا، حتى انتهى به إلى موضع يسمع فيه صريف الأقلام، ومنا جاه ربه بما ناجاه به، وأوحى إليه ما أوحى بأقرب إلى الله تعالى من يونس في. بطن الحوت في ظلمة البحر. السادسة- ذكر الطبري: أن يونس عليه السلام لما ركب في السفينة أصاب أهلها عاصف من الريح، فقالوا: هذه بخطيئة أحدكم. فقال يونس وعرف أنه هو صاحب الذنب: هذه خطيئتي فالقوني في البحر، وأنهم أبوا عليه حتى أفاضوا بسهامهم" فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ"
فقال لهم: قد أخبرتكم أن هذا الأمر بذنبي. وأنهم أبوا عليه حتى أفاضوا بسهامهم الثانية فكان من المدحضين، وأنهم أبوا أن يلقوه في البحر حتى أعادوا سهامهم الثالثة فكان من المدحضين. فلما رأى ذلك ألقى نفسه في البحر، وذلك تحت الليل فابتلعه الحوت. وروى أنه لما ركب في السفينة بقنع ورقد، فساروا غير بعيد إذ جاعتهم

ريح كادت السفينة أن تغرق، فاجتمع أهل السفينة فدعوا فقالوا: أيقظوا الرجل النائم يدعو معنا، فدعا الله معهم فرفع الله عنهم تلك الريح، ثم انطلق يونس إلى مكانه فرقد، فجاعت ريح
كادت السفينة أن تغرق، فأيقظوه ودعوا الله فارتفعت الريح. قال: فبينما هم كذلك إذ رفع حوت عظيم رأسه إليهم أراد أن يبتلع السفينة، فقال لهم يونس: يا قوم! هذا من أجلى فلو طرحتموني في البحر لسرتم ولذهب الريح عنكم والروع. قالوا: لا نطرحك حتى نتساهم فمن وقعت عليه رميناه في البحر. قال: فتساهموا فوقع على يونس، فقال لهم: يا قوم اطرحوني فمن أجلى أوتيتم، فقالوا لا نفعل حتى نتساهم مرة أخرى. ففعلوا فوقع: على يونس. فقال لهم: يا قوم اطرحوني فمن أجلى أوتيتم. فذلك قول الله عز وجل:" فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ"
أي وقع السهم عليه، فانطلقوا به الى صدر السفينة ليلقوه في البحر، فإذا الحوت فاتح فاه، ثم جاءوا به الى جانب السفينة، فإذا بالحوت، ثم رجعوا به الى الجانب الأخر بالحوت فاتح فاه، فلما رأى ذلك ألقى بنفسه فألقمه الحوت، فأوحى الله تعالى الى الحوت: إنى لم أجعله لك رزقا ولكن جعلت بطنك له وعاء. فمكث في بطن الحوت أربعين ليلة فنادى في الظلمات" أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ" وقد تقدم ويأتي. ففي هذا من الفقه أن القرعة كانت معمولا بها في شرع من قبلنا، وجاءت في شرعنا على ما تقدم في" آل عمران" «1» قال ابن العربي: وقد وردت القرعة في الشرع في ثلاثة مواطن، الأول كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فائتهم خرج سهمها خرج بها معه، الثاني- أنن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رفع إليه أن رجلا أعتق ستة أعبد لا مال له فأقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة. الثالث- أن رجلين اختصما إليه في مواريث قد درست فقال:" اذهبا وتوخيا الحق واستهما وليحلل كل واحد منكما صاحبه". فهذه ثلاثة مواطن، وهى القسم في النكاح والعتق والقسمة، وجريان القرعة فيها لرفع الإشكال
__________
(1). راجع ج 4 ص 86 طبعه أولى أو ثانيه.

وجسم داء التشهر. واختلف علماؤنا في القرية بين الزوجات في الغزو على قولين، الصحيح منهما الاقراع. وبه قال فقهاء الأمصار. وذلك أن السفر بجمعين لا يمكن، واختيار واحدة منهن إيثار فلم يبق الا القرعة. وكذلك في مسألة الأعبد السنة، فإن كل اثنى منهما ثلث، وهو القدر الذي يجوز له فيه العتق في مرض الموت، وتعيينهما بالتشهي لا يجوز شرعا فلم يبق الا القرعة. وكذلك التشاجر إذا وقع في أعيان المواريث لم يميز الحق الا القرعة فصارت أصلا في تعيين المستحق إذا أشكل. قال: والحق عندي أن تجرى في كل مشكل فذلك أبين لها، وأقوى لفصل الحكم فيها، وأجلى لرفع الاشكال عنها، ولذلك قلنا إن القرعة بين الزوجات في الطلاق كالقرعة بين الإماء في العتق. السابعة- الافتراع على إلقاء الأدمي في البحر لا يجوز. وإنما كان ذلك في يونس وزمانه مقدمه لتحقيق برهانه، وزيادة في إيمانه، فانه لا يجوز لمن كان عاصيا أن يقتل ولا يرمى به في النار أو البحر، وإنما تجرى عليه الحدود والتعزير على مقدار جنايته. وقد ظن بعض الناس أن البحر إذا هال على القوم اضطروا الى تخفيف السفينة أن القرعة تضرب عليهم فيطرح بعضهم تخفيفا، وهذا فاسد، فإنها لا تخف برمي بعض الرجال وإنما ذلك في الأموال: ولكنهم يصبرون على قضاء الله عز وجل. الثامنة- أخبر الله عز وجل أن يونس كان من المسبحين، وأن تسبيحه كان سبب نجاته، ولذلك قيل: إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر. قال ابن عباس:" مِنَ الْمُسَبِّحِينَ" من المصلين المطيعين قبل المعصية. وقال وهب: من العابدين. وقال الحسن: ما كان له صلاة في بطن الحوت، ولكنه قدم عملا صالحا في حال الرخاء فذكره الله به في حال البلاء، وإن العمل الصالح ليرفع صاحبه، وإذا عثر وجد متكأ.

فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (148)

قلت: ومن هذا المعنى قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" من استطاع منكم أن تكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل" فيجتهد العبر، ويحرص على خصله من صالح عمله، يخلص فيها بينه وبين ربه، ويدخرها ليوم فاقته وفقره، ويخبؤها بجهده، ويسترها عن خلقه، يصل إليه نفعها أحوج ما كان إليه. وقد خرج البخاري وسلم من حديث ابن عمر عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال:" بينما ثلاثة نفر- في رواية ممن كان قبلكم- يتماشون أخذهم المطر فأووا الى غار في جبل فانحطت على فم الغار صخرة من الجبل فانطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض انظروا أعمالا عملتموها صالحه لله بها لعله يفرجها عنكم" الحديث بكماله وهو مشهور، شهرته أغنت عن تمامه. وقال سعيد بن جبير: لما قال في بطن الحوت" لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ" قذفه الحوت. وقيل:" مِنَ الْمُسَبِّحِينَ" من المصلين في بطن الحوت. قلت: والأظهر أنه تسبيح اللسان الموافق للجنان، وعليه يدل حديث أبى هريرة المذكور قبل الذي ذكره الطبري. قال: فسبح في بطن الحوت. قال: فسمعت الملائكة تسبيحه، فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتا ضفيفا بأرض غريبه. وتكون" كانَ" على هذا القول زائدة. أي فلولا أنه من المسبحين. وفي كتاب أبى داود عن سعد بن أبى وقاص عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" دعاه ذى النون في بطن الحوت" لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ" لم يدع به رجل مسلم في شي قط الا استجب له" وقد مضى هذا في سورة" الأنبياء" «1» فيونس عليه السلام كان قبل مصليا مسبحا، وفى بطن الحوت كذلك. وفي الخبر: فنودي الحوت، انا لم نجعل يونس لك رزقا، إنما جعلناك له حرزا ومسجدا. وقد تقدم.

[سورة الصافات (37): الآيات 145 الى 148]
فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (148)
__________
(1). راجع ج 11 ص 329 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.

قوله تعالى:" فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ- وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ" روى أن الحوت قذفه بساحل قرية من الموصل. وقال ابن قسيط عن أبى هريرة: طرح يونس بالعراء وأنبت الله عليه بقطينه، فقلنا يا أبا هريرة: وما اليقطينة؟ قال: شجرة الدباء هيأ الله له أرويه «1» وحشيه تأكل من خشاش الأرض- أو هشاش الأرض- فتفشج «2» عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خرج به يعنى الحوت- حتى لفظه في ساحل البحر، فطرحه مثل الصبى المنفوس لم ينقص من خلقه شي. وقيل إن يونس لما ألقاه الحوت على ساحل البحر أنبت الله عليه شجرة من يقطين، وهى فيها ذكر شجرة القرع نتقطر عليه من اللبن حتى رجعت إليه قوته. ثم رجع ذات يوم الى الشجرة فوجدها يبست، فحزن وبكى عليها فعوتب، فقيل له: أحزنت على شجرة وبكيت عليها، ولم تحزن على مائة ألف وزيادة من بنى إسرائيل، من أولاد إبراهيم خليلي، أسرى في أيدي العدو، وأردت إهلاكهم جميعا. وقيل: هي شجرة التين. وقيل: شجرة الموز تغطى بورقها، واستظل بأغصانها، وأفطر على ثمارها. والأكثر على أنها شجرة اليقطين على ما يأتي. ثم إن الله تبارك وتعالى اجتباه فجعله من الصالحين. ثم أمره أن يأتي قومه ويخبرهم أن الله تعالى قد تاب عليهم، فعمد إليهم حتى لقي راعيا فسأله عن قوم يونس وعن حالهم وكيف هم، فأخبره أنهم بخير، وأنهم على رجاء أن يرجع إليهم رسولهم. فقال له: فأخبرهم أني قد لقيت يونس. قال: وماذا؟ قال: وهذه البقعة التي أنت فيها تشهد لك أنك لقيت يونس، قال: وماذا؟ قال وهذه الشجرة تشهد لك أنك لقيت يونس. وأنه رجع الراعي إلى قومه فأخبرهم أنه لقى يونس فكذبوه وهموا به شرا فقال: لا تعجلوا علي حتى أصبح، فلما أصبح غدا بهم إلى البقعة التي لقي فيها يونس، فاستنطقها فأخبرتهم أنه لقي يونس، واستنطق الشاة والشجرة فأخبرناهم أنه لقي يونس، ثم إن يونس أتاهم بعد ذلك.
__________
(1). الأروية: الأنثى من الوعول.
(2). تفشج: تفرج ما بين رجليها.

ذكر هذا الخبر وما قبله الطبري رحمه الله." فَنَبَذْناهُ" طرحناه. وقيل: تركناه." بِالْعَراءِ" بالصحراء، قال ابن الأعرابي. الأخفش: بالفضاء. أبو عبيدة: الواسع من الأرض. الفراء: العراء المكان الخالي. قال: وقال أبو عبيدة: العراء وجه الأرض، وأنشد لرجل من خزاعة:
ورفعت رجلا لا أخاف عثارها ... ونبذت بالبلد العراء ثيابي
وحكى الأخفش في قوله:" وَهُوَ سَقِيمٌ" جمع سقيم سقمي «1» وسقامي وسقام. وقال في هذه السورة:" فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ" وقال في" ن والقلم" [القلم: 1]:" لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ" [القلم: 49] والجواب: أن الله عز وجل خبر ها هنا أنه نبذه بالعراء وهو غير مذموم ولولا رحمة الله عز وجل لنبذ بالعراء وهو مذموم، قاله النحاس. وقوله،" وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ" يعني" عَلَيْهِ" أي عنده، كقوله تعالى:" وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ" [الشعراء: 14] أي عندي. وقيل:" عليه" بمعنى له." شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ" اليقطين: شجر الدباء: وقيل غيرها، ذكره ابن الأعرابي. وفي الخبر:" الدباء والبطيخ من الجنة" وقد ذكرناه في كتاب التذكرة. وقال المبرد: يقال لكل شجرة ليس لها ساق يفترش ورقها على الأرض يقطينة نحو الدباء والبطيخ والحنظل، فإن كان لها ساق يقلها فهي شجرة فقط، وإن كانت قائمة أي بعروق تفترش فهي نجمة وجمعها نجم. قال الله تعالى:" وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ" [الرحمن: 6] وروي نحوه عن ابن عباس والحسن ومقاتل. قالوا: كل نبت يمتد ويبسط على الأرض ولا يبقى على استواء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل فهو يقطين. وقال سعيد بن جبير: هو كل شي ينبت ثم يموت من عامه فيدخل في هذا الموز. قلت: وهو مما له ساق. الجوهري: واليقطين ما لا ساق له كشجر القرع ونحوه. الزجاج: اشتقاق اليقطين من قطن بالمكان إذا أقام به فهو يفعيل. وقيل: هو اسم أعجمي. وقيل: إنما خص اليقطين بالذكر، لأنه لا ينزل عليه ذباب. وقيل: ما كان ثم يقطين
__________
(1). الزيادة من إعراب القران للنحاس، وهى عبارته عن الأخفش. [.....]

فأنبته الله في الحال. القشيري: وفي الآية ما يدل على أنه كان مفروشا ليكون له ظل. الثعلبي: كانت تظله فرأى خضرتها فأعجبته، فيبست فجعل يتحزن عليها، فقيل له: يا يونس أنت الذي لم تخلق ولم تسق ولم تنبت تحزن على شجيرة، فأنا الذي خلقت مائة ألف من الناس أو يزيدون تريد مني أن استأصلهم في ساعة واحدة، وقد تابوا وتبت عليهم فأين رحمتي يا يونس أنا أرحم الراحمين. وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يأكل الثريد باللحم والقرع وكان يحب القرع ويقول:" إنها شجرة أخي يونس" وقال أنس: قدم للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرق فيه دباء وقديد فجعل يتبع الدباء حوالي القصعة. قال أنس: فلم أزل أحب الدباء من يومئذ. أخرجه الأئمة. قوله تعالى:" وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ" قد تقدم عن ابن عباس أن رسالة يونس عليه السلام إنما كانت بعد ما نبذه الحوت. وليس له طريق إلا عن شهر بن حوشب. النحاس: وأجود منه إسنادا وأصح ما حدثناه عن علي بن الحسين قال: حدثنا الحسن بن محمد قال حدثني عمرو بن العنقزي قال حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال حدثنا عبد الله بن مسعود في بيت المال عن يونس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إن يونس وعد قومه العذاب وأخبرهم أن يأتيهم إلى ثلاثة أيام، ففرقوا بين كل والدة وولدها، وحرجوا فجاروا إلى الله عز وجل واستغفروا، فكف الله عز وجل عنهم العذاب، وغدا يونس عليه السلام ينتظر العذاب فلم ير شيئا- وكان من كذب لم تكن له بينة قتل- فخرج يونس مغاضبا، فأتى قوما في سفينة فحملوه وعرفوه، فلما دخل السفينة ركدت السفينة والسفن تسير يمينا وشمالا، فقالوا: ما لسفينتكم؟ فقالوا: لا ندري. فقال يونس عليه السلام: إن فيها عبدا آبقا من ربه جل وعز وإنها لن تسير حتى تلقوه. قالوا أما أنت يا نبي الله فإنا لا نلقيك. قال: فأقر عوا فمن قرع فليقع، فاقترعوا فقرعهم يونس فأبوا أن يدعوه، فال: فاقترعوا ثلاثا فمن قرع فليقع. فاقترعوا فقرعهم يونس ثلاث مرات أو قال ثلاثا فوقع. وقد وكل الله به جل وعز حوتا فابتلعه وهو يهوي به إلى قرار الأرض، فسمع يونس عليه السلام

تسبيح الحصى" فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ" [الأنبياء: 87] قال: ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت. قال: فنبذناه بالعراء وهو سقيم" قال: كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش. قال: وأنبت الله عليه شجرة من يقطين فنبتت، فكان يستظل بها ويصيب منها، فيبست فبكى عليها، فأوحى الله جل وعز إليه: أتبكي على شجرة يبست، ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم قال: وخرج رسول الله يونس فإذا هو بغلام يرعى، قال: يا غلام من أنت؟ قال: من قوم يونس. قال: فإذا جئت إليهم فأخبرهم أنك قد لقيت يونس. قال: إن كنت يونس فقد علمت أنه من كذب قتل إذا لم تكن له بينة فمن يشهد لي؟ قال: هذه الشجرة وهذه البقعة. قال: فمرهما، فقال لهما يونس: إذا جاءكما هذا الغلام فأشهدا له. قالتا نعم. قال: فرجع الغلام إلى قومه وكان في منعة وكان له إخوة، فأتى الملك فقال: إني قد لقيت يونس وهو يقرأ عليك السلام. قال: فأمر به أن يقتل، فقالوا: إن له بينة فأرسلوا معه. فأتى الشجرة والبقعة فقال لهما: نشدتكما بالله جل وعز أتشهدان أني لقيت يونس؟ قالتا: نعم! قال: فرجع القوم مذعورين يقولون له: شهدت له الشجرة والأرض فأتوا الملك فأخبروه بما رأوا. قال عبد الله: فتناول الملك يد الغلام فأجلسه في مجلسه، وقال: أنت أحق بهذا المكان مني. قال عبد الله: فأقام لهم ذلك الغلام أمرهم أربعين سنة. قال أبو جعفر النحاس: فقد تبين في هذا الحديث أن يونس كان قد أرسل قبل أن يلقمه الحو ت بهذا الإسناد الذي لا يؤخذ بالقياس. وفية أيضا من الفائدة أن قوم يونس آمنوا اوندموا قبل أن يروا العذاب، لأن فيه أنه أخبرهم أنه يأتيهم العذاب إلى ثلاثة أيام، ففرقوا بين كل والده وولدها، وضجوا ضجة واحدة إلى الله عز وجل. وهذا هو الصحيح في الباب، وأنه لم يكن حكم الله عز وجل فيهم كحكمه في غيرهم في قول عز وجل:" فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا" [غافر: 85] وقوله عز وجل:" وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ" [النساء
: 18] الآية.

وقال بعض العلماء: إنهم رأوا مخائل العذاب فتابوا. وهذا لا يمنع، وقد تقدم ما للعلماء في هذا في سورة" يونس" «1» فلينظر هناك. قوله تعالى:" أَوْ يَزِيدُونَ" قد مضى في" البقرة" «2» محامل" أو" في قوله تعالى:" أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً". وقال الفراء:" أو" بمعنى بل. وقال غيره: إنها بمعنى الواو، ومنه قول الشاعر:
فلما اشتد امر الحرب فينا ... وتأملنا رياحا أو رزاما
أي ورزاما. وهذا كقوله تعالى:" وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ". وقرا جعفر بن محمد" إلى مائة ألف ويزيدون" بغير همز ف" يَزِيدُونَ" في موضع رفع بانه خبر مبتدا محذوف أي وهم يزيدون. النحاس: ولا يصح هذان القولان عند البصريين، وأنكروا كون" أو" بمعنى بل وبمعنى الواو، لان بل للإضراب عن الأول والإيجاب لما بعده وتعالى الله عز وجل عن ذلك، أو خروج من شي الى شي وليس هذا موضع ذلك، والواو معناه خلاف معنى" أو" فلو كان أحدهما بمعنى الأخر لبطلت المعاني، ولو جاز ذلك لكان وأرسلناه الى أكثر من مائتي ألف أخصر. وقال المبرد: المعنى وأرسلناه الى جماعة لو رأيتموهم لقلتم هم مائة ألف أو أكثر، وإنما خوطب العباد على يا يعرفون. وقيل: هو كما تقول: جاءني زيد أو عمر وأنت تعرف من جاءك منهما الا أنك أبهمت على المخاطب. وقال الأخفش والزجاج: أي أو يزيدون في تقديركم. قال ابن عباس: زادوا على مائة ألف عشرين ألفا. ورواه أبى بن كعب مرفوعا. وعن ابن عباس أيضا: ثلاثين ألفا. الحسن والربيع: بضعا وثلاثين ألفا. وقال مقاتل بن حيان: سبعين ألفا." فأمنوا فمتعناهم الى حين" أي الى منتهى آجالهم.
__________
(1). راجع ج 8 ص 384 طبعه أولى أو ثانيه.
(2). راجع ج 1 ص 463 وما بعدها طبعه ثانيه أو ثالثه.

فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (150) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (153) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (155) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (156) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (157)

[سورة الصافات (37): الآيات 149 الى 157]
فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ (150) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (152) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (153)
ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (155) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (156) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (157)
قوله تعالى:" فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ" لما ذكر أخبار الماضين تسلية للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احتج على كفار قريش في قولهم: إن الملائكة بنات الله، فقال:" فَاسْتَفْتِهِمْ". وهو معطوف على مثله في أول السورة وإن تباعدت بينهم المسافة، أي فسل يا محمد أهل مكة" أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ" وذلك أن جهينة وخزاعة وبني مليح وبنى سلمة وعبد الدار زعموا أن الملائكة بنات الله. وهذا سؤال توبيخ." أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ" أي حاضرون لخلقنا إياهم إناثا، وهذا كما قال الله عز وجل:" وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ" [الزخرف: 19]. ثم قال" أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ" وهو أسوأ الكذب" لَيَقُولُونَ. وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ" في قولهم إن لله ولدا وهو الذي لا يلد ولا يولد. و" إن" بعد" ألا" مكسورة، لأنها مبتدأة. وحكى سيبويه أنها تكون بعد أما مفتوح أو مكسورة، فالفتح على أن تكون أما بمعنى ألا. النحاس: وسمعت علي بن سليمان يقول يجوز فتحها بعد ألا تشبيها بأما، وأما في الآية فلا يجوز إلا كسرها، لأن بعدها الرفع. وتمام الكلام" كاذبون". ثم يبتدى" أَصْطَفَى" على معنى التقريع والتوبيخ كأنه قال: ويحكم" أَصْطَفَى الْبَناتِ" أي اختار البنات وترك البنين. وقراءة العامة" أَصْطَفَى" بقطع الألف، لأنها ألف استفهام دخلت

وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (160)

على ألف الوصل، فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوح مقطوعة على حالها مثل:" أَطَّلَعَ الْغَيْبَ" على ما تقدم «1». وقرا أبو جعفر وشيبة ونافع وحمزة" اصطفى" بوصل الألف على الخبر بغير استفهام. وإذا ابتدأ كسر الهمزة. وزعم أبو حاتم أنه لا وجه لها، لأن بعدها" ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ" فالكلام جار على التوبيخ من جهتين: إحداهما أن يكون تبيينا وتفسير لما قالوه من الكذب ويكون" ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ" منقطعا مما قبله. والجهة الثانية أنه قد حكى النحويون- منهم الفراء- أن التوبيخ يكون باستفهام وبغير استفهام كما قال جل وعز:" أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا" [الأحقاف: 20]. وقيل: هو على إضمار القول، أي ويقولون" أَصْطَفَى الْبَناتِ". أو يكون بدلا من قوله:" وَلَدَ اللَّهُ" لأن ولادة البنات واتخاذهن اصطفاه لهن، فأبدل مثال الماضي من مثال الماضي فلا يوقف على هذا على" لَكاذِبُونَ"." أفلا تذكرون في أنه لا يجوز أن يكون له ولد." أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ" حجة وبرهان." فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ"
أي بحججكم" إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ"
في قولكم.

[سورة الصافات (37): الآيات 158 الى 160]
وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158) سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (160)
قوله تعالى:" وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً" أكثر أهل التفسير أن الْجِنَّةِ ها هنا الملائكة. روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: قالوا- يعني كفار قريش- الملائكة بنات الله، جل وتعالى. فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: فمن أمهاتهن. قالوا: مخدرات الجن. وقال أهل الاشتقاق: قيل لهم جنة لأنهم لا يرون. وقال مجاهد: إنهم بطن من بطون الملائكة يقال لهم الجنة. وروي عن ابن عباس. وروى إسرائيل عن السدي عن أبي مالك قال: إنما قيل لهم جنة لأنهم خزان على الجنان والملائكة كلهم جنة." نَسَباً" مصاهرة. فال قتادة والكلبي ومقاتل: قالت اليهود لعنهم الله إن الله صاهر الجن فكانت
__________
(1). راجع ج 11 ص 147 طبعه أولى أو ثانية

فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (161) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (162) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (163)

الملائكة من بينهم. وقال مجاهد والسدي ومقاتل أيضا. القائل ذلك كنانة وخزاعة، قالوا: إن الله خطب إلى سادات الجن فزوجوه من سروات بناتهم، فالملائكة بنات الله من سروات بنات الجن. وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. قلت: قول الحسن في هذا أحسن، دليله قوله تعالى:" إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ" [الشعراء: 98] أي في العبادة. وقال ابن عباس والضحاك والحسن أيضا: هو قولهم إن الله تعالى وإبليس أخوان، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. قوله تعالى:" وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ" أي الملائكة" إِنَّهُمْ" يعني قائل هذا القول" لَمُحْضَرُونَ" في النار، قال قتادة. وقال مجاهد: للحساب. الثعلبي: الأول أولى، لأن الإحضار تكرر في هذه السورة ولم يرد الله به غير العذاب." سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ" أي تنزيها لله عما يصفون." إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ" فإنهم ناجون من النار.

[سورة الصافات (37): الآيات 161 الى 163]
فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (161) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (162) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (163)
فيه ثلاث مسائل: الأولى- قوله تعالى:" فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ"" ما" بمعنى الذي. وقيل: بمعنى المصدر، أي فإنكم وعبادتكم لهذه الأصنام. وقيل: أي فإنكم مع ما تعبدون من دون الله، يقال: جاء فلان وفلان. وجاء فلان مع فلان." ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ" أي على الله" بِفاتِنِينَ" بمضلين. النحاس. أهل التفسير مجمعون فيما علمت على أن المعنى: ما أنتم بمضلين أحدا إلا من قدر الله عز وجل عليه أن يضل: وقال الشاعر:
فرد بنعمته كيده ... وعليه وكان لنا فاتنا
أي مضلا.

الثانية- في هذه الآية رد على القدرية. قال عمرو بن ذر: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر: لو أراد الله ألا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما في كتاب الله عز وجل، عرفه من عرفه، وجهل من جهله، ثم قرأ:" فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ." ما" أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ" إلا من كتب الله عز وجل عليه أن يصلى الجحيم. وقال: فصلت هذه الآية بين الناس، وفيها من المعاني أن الشياطين لا يصلون إلى إضلال أحد إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي، ولو علم الله جل وعز أنه يهتدي لحال بينه وبينهم، وعلى هذا قوله تعالى:" وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ" [الإسراء: 64] أي لست تصل منهم إلى شي إلا إلى ما في علمي. وقال لبيد بن ربيعة في تثبيت القدر فأحسن:
إن تقوى ربنا خير نفل ... ووبإذن الله ريثي وعجل
أحمد الله فلا ند له ... وبيد يه الخير ما شاء فعل
من هداه سبل الخير اهتدى ... وناعم البال ومن شاء أضل
قال الفراء: أهل الحجاز يقولون فتنت الرجل، واهل نجد يقولون أفتنته. الثالثة- روي عن الحسن أنه قرأ:" إلا من صال الجحيم" بضم اللام. النحاس: وجماعة أهل التفسير يقولون إنه لحن، لأنه لا يجوز هذا قاض المدينة. ومن أحسن ما قيل فيه ما سمعت علي بن سليمان يقول، قال: هو محمول عل المعنى، لأن معنى." من" جماعة، فالتقدير صالون، فحذفت النون للإضافة، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين. وقيل: أصله فاعل إلا أنه قلب من صال إلى صائل وحذفت الياء وبقيت اللام مضمومة فهو مثل" شَفا جُرُفٍ هارٍ" [التوبة: 109]. ووجه ثالث أن تحذف لام" صال" تخفيفا وتجري الإعراب على عينه، كما حذف من قولهم: ما باليت به بالة. واصلها بالية من بالي كعافية من عافي، ونظيره قراءة من قرأ،" وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ" [الرحمن: 54]،" وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ" [الرحمن: 24] أجرى الإعراب على العين. والأصل ني قراءة الجماعة صالي بالياء فحذفها الكاتب من الخط لسقوطها في اللفظ.

وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166)

[سورة الصافات (37): الآيات 165 الى 166]
وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166)
هذا من قول الملائكة تعظيما لله عز وجل، وإنكارا منهم عبادة من عبدهم." وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ. وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ" قال مقاتل: هذه الثلاث الآيات نزلت ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند سدرة المنتهى، فتأخر جبريل، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أهنأ تفارقني" فقال ما أستطيع أن أتقدم عن مكاني. وأنزل الله تعالى حكاية عن قول الملائكة:" وما منا إلا له مقام معلوم" الآيات. والتقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام معلوم. فحذف الموصول. وتقديره عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام معلوم، أي مكان معلوم في العبادة، قال ابن مسعود وابن جبير. وقال ابن عباس: ما في السموات موضع شبر إلا وعليه ملك يصلي سبح. وقالت عائشة رضي الله عنها: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" ما في السماء موضع قدم إلا عليه ملك ساجد أو قائم". وعن أبي ذر قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله لوددت أني كنت شجرة تعضد" خرجه أبو عيسى الترمذي وقال فيه حديث" حسن" «1» غريب. ويروى من غير هذا الوجه أن أبا ذر قال: لوددت أني كنت شجرة تعضد. ويروى عن أبي ذر موقوفا. وقال قتادة: كان يصلي الرجال والنساء جميعا حتى نزلت هذه الآية:" وما منا إلا له مقام معلوم". قال: فتقدم الرجال وتأخر النساء." وإنا لنحن الصافون" قال الكلبي: صفوفهم كصفوف أهل الدنيا في الأرض. وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونحن في المسجد، فقال:" ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها" فقلنا يا رسول الله كيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال؟
__________
(1). الزيادة من صحيح الترمذي.

وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (167) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (168) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (169) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (170)

" يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف" وكان عمر يقول إذا قام للصلاة: أقيموا صفوفكم واستووا إنما يريد الله بكم هدي الملائكة عند ربها ويقرأ:" وإنا لنحن الصافون" تأخر يا فلان تقدم يا فلان، ثم يتقدم فيكبر. وقد مضى في سورة [الحجر «1»] بيانه. وقال أبو مالك: كان الناس يصلون متبددين فأنزل الله تعالى:" وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ" فأمرهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يصطفوا. وقال الشعبي. جاء جبريل أو ملك إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه، إن الملائكة لتصلي وتسبح ما في السماء ملك فارغ. وقيل: أي لنحن الصافون أجنحتنا في الهواء وقوفا ننتظر ما نؤمر به. وقيل: أي نحن الصافون حول العرش." وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ" أي المصلون، قال قتاد ة: وقيل: أي المنزهون الله عما أضافه إليه المشركون. والمراد أنهم يخبرون أنهم يعبدون الله بالتسبيح والصلاة وليسوا معبودين ولا بنات الله. وقيل:" وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ" من قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمؤمنين المشركين، أي لكل واحد منا ومنكم في الآخرة مقام معلوم وهو مقام الحساب. وقيل: أي منا من له مقام الخوف، ومنا من له مقام الرجاء، ومنا من له مقام الإخلاص، ومنا من قه مقام الشكر. إلى غيرها من المقامات. قلت: والأضهر أن ذلك راجع إلى قول الملائكة" وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ" والله أعلم.

[سورة الصافات (37): الآيات 167 الى 170]
وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (167) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ (168) لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (169) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (170)
عاد إلى الإخبار عن قول المشركين، أي كانوا قبل بعثة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا عيروا بالجهل قالوا:" لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ" أي لو بعث إلينا نبي ببيان الشرائع لاتبعناه. ولما خففت" إن" دخلت على الفعل ولزمتها اللام فرقا بين النفي والإيجاب. والكوفيون
__________
(1). راجع ج 10 ص 19 وما تعدها طبعه أولى أو ثانية.

وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (176) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (177) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (178) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (179)

يقولون:" إن" بمعنى ما واللام بمعنى إلا. وقيل: معنى" لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً" أي كتابا من كتب الأنبياء." لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ" أي لو جاءنا ذكر كما جاء الأولين لأخلصنا العبادة لله." فَكَفَرُوا بِهِ" أي بالذكر. والفراء يقدره على حذف، أي فجاءهم محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالذكر فكفروا به. وهذا تعجيب منهم، أي فقد جاءهم نبي وأنزل عليهم كتاب فيه بيان ما يحتاجون إليه فكفروا وما وفوا بما قالوا." فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ" قال الزجاج: يعلمون مغبة كفرهم.

[سورة الصافات (37): الآيات 171 الى 179]
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (173) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175)
أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (176) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (177) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (178) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (179)
قوله تعالى:" وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ" قال الفراء: أي بالسعادة. وقيل: أراد بالكلمة قوله عز وجل:" كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي" [المجادلة: 21] قال الحسن: لم يقتل من أصحاب الشرائع قط أحد" إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ" أي سبق الوعد بنصرهم بالحجة والغلبة." إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ"
على المعنى ولو كان على اللفظ لكان هو الغالب مثل" جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ" [ص: 11]. وقال الشيباني: جاء ها هنا على الجمع من أجل أنه رأس آية. قوله تعالى:" فَتَوَلَّ عَنْهُمْ" أي أعرض عنهم." حَتَّى حِينٍ" قال قتادة: إلى الموت. وقال الزجاج: إلى الوقت الذي أمهلوا إليه. وقال ابن عباس: يعني القتل ببدر. وقيل يعني فتح مكة. وقيل: الآية منسوخة بآية السيف." وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ" قال قتادة: سوف يبصرون حين لا ينفعهم الإبصار. وعسى من الله للوجوب وعبر بالإبصار عن تقريب الأمر، أي عن قريب يبصرون. وقيل: المعفسوف يبصرون العذاب يوم

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)

القيامة." أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ" كانوا يقولون من فرط تكذيبهم متى هذا العذاب، أي لا تستعجلوه فإنه واقع بكم. قوله تعالى:" فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ" أي العذاب. قال الزجاج: وكان عذاب هؤلاء بالقتل. ومعنى" بِساحَتِهِمْ" أي بدارهم، عن السدي وغيره. والساحة والسحسة في اللغة فناء الدار الواسع. الفراء:" نَزَلَ بِساحَتِهِمْ" ونزل بهم سواء." فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ" أي بئس صباح الذين أنذروا بالعذاب. وفيه إضمار أي فساء الصباح صباحهم. وخص الصباح بالذكر، لأن العذاب كان يأتيهم فيه. ومنه الحديث الذي رواه أنس رضي الله عنه قال: لما أتى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيبر، وكانوا خارجين إلى مزارعهم ومعهم المساحي، فقالوا: محمد والخميس «1»، ورجعوا إلى حصنهم، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" وهو يبين معنى:" فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ" يريد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ." وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ" كرر تأكيدا وكذا" وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ" تأكيدا أيضا.

[سورة الصافات (37): الآيات 180 الى 182]
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (182)
فيه أربع مسائل: الأولى- قوله تعالى:" سُبْحانَ رَبِّكَ" نزه سبحانه نفسه عما أضاف إليه المشركون." رَبِّ الْعِزَّةِ" على البدل. ويجوز النصب على المدح، والرفع بمعنى هو رَبِّ الْعِزَّةِ." عَمَّا يَصِفُونَ" أي من الصاحبة والولد. وسئل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن معنى" سبحان الله" فقال:" هو تنزيه الله عن كل سوء" وقد مضى في" البقرة" «2» مستوفى. الثانية- سئل محمد بن سحنون عن معنى" رَبِّ الْعِزَّةِ" لم جاز ذلك والعزة من صفات الذات، ولا يقال رب القدرة ونحوها من صفات ذاته جل وعز؟ فال: العزة تكون
__________
(1). الخميس الجيش.
(2). راجع ج 1 ص 276 و85 2 وما بعدها طبعه ثانية أو ثالثة وج 2 ص 76 وما بعدها طبعه ثانية.

صفة ذات وصفه فعل، فصفة الذات نحو قوله:" فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً" وصفه الفعل نحو قوله:" رَبِّ الْعِزَّةِ" والمعنى رب العزة التي يتعاز بها الخلق فيما بينهم فهي من خلق الله عز وجل. قال: وقد جاء في التفسير إن العزة ها هنا يراد بها الملائكة. قال: وقال بعض علمائنا: من حلف بعزة الله فإن أراد عزته التي هي صفته فحنث فعليه الكفارة، وإن أراد التي جعلها الله بين عباده فلا كفارة عليه. الماوردي:" رَبِّ الْعِزَّةِ" يحتمل وجهين، أحدهما مالك العزة، والثاني رب كل شي متعزز من ملك أو متجبر. قلت: وعلى الوجهين فلا كفارة إذا نواها الحالف. الثالثة- روي من حديث أبى سعيد الخدري أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول قبل أن يسلم:" سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ" إلى آخر السورة، ذكره الثعلبي. قلت: قرأت عل الشيخ الإمام المحدث الحافظ أبى على الحسن بن محمد بن محمد بن محمد ابن عمروك البكري بالجزيرة قبالة المنصورة من الديار المصرية، قال أخبرتنا الحرة أم المؤيد زينب بنت عبد الرحمن بن الحسن الشعرى بنيشابور في المرة الأولى، أخبرنا أبو محمد إسماعيل ابن أبى بكر القاري، قال حدثنا أبو الحسن عبد الغافر بن محمد الفارسي، قال حدثنا أبو سهل بشر بن أحد الاسفراينى، قال حدثنا أبو سليمان داود بن الحسين البيهقي، قال حدثنا أبو زكرياء يحيى بن يحيى عبد الرحمن التميمي النيشابوري، قال حدثنا هشيم عن أبى هرون العبدى عن أبى سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غير مرة ولا مرتين يقول في آخر صلاته أو حين ينصرف" سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ". قال الماوردي: روى الشعبي قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم" سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ". ذكره الثعلبي من حديث على رضى الله عنه مرفوعا.

ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (2) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3)

الرابعة- قوله تعالى:" وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ" أي الذين بلغوا عن الله تعالى التوحيد والرسالة. وقال أنس قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين وقيل: معنى" وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ" أي أمن لهم من الله جل وعز يوم الفزع الأكبر." وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" أي على إرسال المرسلين مبشرين ومنذرين. وقيل: أي على جميع ما أنعم الله به على الخلق أجمعين. وقيل: أي على هلاك المشركين، دليله:" فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ." [الأنعام: 45]. قلت: والكل مراد والحمد يعم. ومعنى" يَصِفُونَ" يكذبون، والتقدير عما يصفون من الكذب. تم تفسير سورة الصافات.

[تفسير سورة ص ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سورة ص مكية في قول الجميع، وهى ست وثمانون آية. وقيل ثمان وثمانون آية.

[سورة ص (38): الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (2) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (3)
قوله تعالى:" ص" قراءة العامة" ص" بجزم الدال على الوقف، لأنه حرف من حروف الهجاء مثل:" الم" و" المر". وقرا أبي بن عب والحسن وابن أبي إسحاق ونصر ابن عاصم" صاد" بكسر الدال بغير تنوين. ولقراءته مذهبان: أحدهما أنه من صادي يصادي إذا عارض، ومنه" فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى" [عبس: 6] أي تعرض. والمصاداة المعارضة، ومنه الصدى وهو ما يعارض الصوت في الأماكن الخالية. فالمعنى صاد القرآن بعملك، أي عارضه بعملك وقابله به، فاعمل بأوامره، وانته عن نواهيه. النحاس: وهذا المذهب يروى عن الحسن أنه فسر به قراءته رواية صحيحة. وعنه أن المعنى اتله وتعرض لقراءته. والمذهب

الآخر أن تكون الدال مكسورة لالتقاء الساكنين. وقرا عيسى بن عمر" صاد" بفتح الدال مثله:" قاف" و" نون" بفتح آخرها. وله في ذلك ثلاثة مذاهب: أحدهن أن يكون بمعنى أتل. والثاني أن يكون فتح لالتقاء الساكنين واختار الفتح للإتباع، ولأنه أخف الحركات. والثالث أن يكون منصوبا على القسم بغير حرف، كقولك: الله لأفعلن، وقيل: نصب على الإغراء. وقيل: معناه صاد محمد قلوب الخلق واستمالها حتى آمنوا به. وقرا ابن أبي إسحاق أيضا" صاد" بكسر الدال والتنوين على أن يكون مخفوضا على حذف حرف القسم، وهذا بعيد وإن كان سيبويه قد أجاز مثله. ويجوز أن يكون مشبها بما لا يتمكن من الأصوات وغيرها. وقرا هارون الأعور ومحمد بن السميقع:" صاد" و" قاف" و" نون" بضم آخرهن: لأنه المعروف بالبناء في غالب الحال، نحو منذ وقط وقبل وبعد. و" ص" إذا جعلته اسما للسورة لم ينصرف، كما أنك إدا سميت مؤنثا بمذكر لا ينصرف وإن قلت حروفه. وقال ابن عباس وجابر بن عبد الله وقد سئلا عن" ص" فقالا: لا ندري ما هي. وقال عكرمة: سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن" ص" فقال:" ص" كان بحرا بمكة وكان عليه عرش الرحمن إذ لا ليل ولا نهار. وقال سعيد بن جبير:" ص" بحر يحيي الله به الموتى بين النفختين. قال الضحاك: معناه صدق الله. وعنه أن" ص" قسم أقسم الله به وهو من أسمائه تعالى. وقال السدي، وروي عن ابن عباس. وقال محمد بن كعب: هو مفتاح أسماء الله تعالى صمد وصانع المصنوعات وصادق الوعد. وقال قتادة: هو اسم من أسماء الرحمن. وعنه أنه اسم من أسماء القرآن. وقال مجاهد: هو فاتحة السورة. وقيل: هو مما استأثر الله تعالى بعلمه وهو معنى القول الأول. وقد تقدم جميع هذا في" البقرة" «1». قوله تعالى:" وَالْقُرْآنِ" خفض بواو القسم والواو بدل من الباء، أقسم بالقرآن تنبيها على جلالة قدره، فإن فيه بيان كل شي، وشفاء لما في الصدور، ومعجزة للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ." ذِي الذِّكْرِ" خفض على النعت وعلامة خفضه الياء، وهو اسم معتل والأصل فيه ذوى على فعل. قال ابن عباس: ومقاتل معنى" ذِي الذِّكْرِ" ذي البيان. الضحاك:
__________
(1). راجع ج 1 ص 155 طبعه ثانيه أو ثالثه.

ذي الشرف أي من آمن به كان شرفا له في الدارين، كما قال تعالى:" لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ" [الأنبياء: 10] أي شرفكم. وأيضا القرآن شريف في نفسه لإعجازه واشتماله على ما لا يشتمل عليه غيره. وقيل:" ذِي الذِّكْرِ" أي فيه ذكر ما يحتاج إليه من أمر الدين. وقيل:" ذِي الذِّكْرِ" أي فيه ذكر أسماء الله وتمجيده. وقيل: أي ذي الموعظة والذكر. وجواب القسم محذوف. واختلف فيه على أوجه: فقيل جواب القسم" ص"، لأن معناه حق فهي جواب لقوله:" وَالْقُرْآنِ" كما تقول: حقا والله، نزل والله، وجب والله، فيكون الوقف من هذا الوجه على قوله:" وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ" حسنا، وعلى" فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ" تماما. قال ابن الأنباري. وحكى معناه الثعلبي عن الفراء. وقيل: الجواب" بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ" لأن" بل" نفي لأمر سبق وإثبات لغيره، قاله القتبي، فكأنه قال:" وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ" عن قبول الحق وعداوة لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أو" وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ" ما الأمر كما يقولون من أنك ساحر كذاب، لأنهم يعرفونك بالصدق والأمانة بل هم في تكبر عن قبول الحق. وهو كقوله:" ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ. بَلْ عَجِبُوا" [ق: 2]. وقيل: الجواب" وَكَمْ أَهْلَكْنا" [ق: 36] كأنه قال: والقرآن لكم أهلكنا، فلما تأخرت" كم" حذفت اللام منها، كقوله تعالى:" وَالشَّمْسِ وَضُحاها" [الشمس: 1] ثم قال:" قَدْ أَفْلَحَ" [الشمس: 9] أي لقد أفلح. قال المهدوي: وهذا مذهب الفراء. ابن الأنباري: فمن هذا الوجه لا يتم الوقف على قوله:" فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ". وقال الأخفش: جواب القسم" إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ" ونحو منه قوله تعالى:" تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ" [الشعراء: 97] وقوله:" وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ" إلى قوله" إِنْ كُلُّ نَفْسٍ" [الطارق: 4- 1]. ابن الأنباري: وهذا قبيح، لأن الكلام قد طال فيما بينهما وكثرت الآيات والقصص. وقال الكسائي: جواب القسم قول:" إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ" [ص: 64]. ابن الأنباري: وهذا أقبح من الأول، لأن الكلام أشد طولا فيما بين القسم وجوابه. وقيل الجواب قوله:" إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ" [ص: 54]. وقال قتادة: الجواب محذوف تقديره" وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ" لتبعثن ونحوه.

قوله تعالى:" بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ" أي تكبر وامتناع من قبول الحق، كما قال جل وعز:" وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ" [البقرة: 206] والعزة عند العرب: الغلبة والقهر. يقال: من عز بز، يعني من غلب سلب. ومنه:" وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ" [ص: 23] أراد غلبني. وقال جرير:
يعز على الطريق بمنكبيه ... وكما ابترك الخليع على القداح «1»
أراد يغلب." وشقاق" أي في إظهار خلاف ومباينة. وهو من الشق كأن هذا في شق وذلك في شق. وقد مضى في" البقرة" «2» مستوفى. قوله تعالى:" كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ" أي قوم كانوا أمنع من هؤلاء. و" كَمْ" لفظة التكثير" فَنادَوْا" أي بالاستغاثة والتوبة. والنداء رفع الصوت، ومنه الخبر:" ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتا" أي أرفع." وَلاتَ حِينَ مَناصٍ" قال الحسن: نادوا بالتوبة وليس حين التوبة ولا حين ينفع العمل. النحاس: وهذا تفسير منه لقوله عز وجل:" وَلاتَ حِينَ مَناصٍ" فأما إسرائيل فروى عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس:" وَلاتَ حِينَ مَناصٍ" قال: ليس بحين نزو «3» ولا فرار، قال: ضبط القوم جميعا قال الكلبي: كانوا إذا قاتلوا فاضطروا قال بعضهم لبعض مناص، أي عليكم بالفرار والهزيمة، فلما أتاهم العذاب قالوا مناص، فقال الله عز وجل:" وَلاتَ حِينَ مَناصٍ" قال القشيري: وعلى هذا فالتقدير، فنادوا مناص فحذف لدلالة بقية الكلام عليه، أي ليس الوقت وقت ما تنادون به. وفي هذا نوع تحكم، إذ يبعد أن يقال: كل من هلك من القرون كانوا يقولون مناص عند الاضطرار. وقيل: المعنى" وَلاتَ حِينَ مَناصٍ" أي لإخلاص وهو نصب بوقوع لا عليه. قال القشيري: وفيه نظر لأنه لا معنى على هذا للواو في" وَلاتَ حِينَ مَناصٍ"
__________
(1). البيت في وصف جمل، يقول: يغلب هذا الجمل الإبل على لزوم الطريق، فشبه حرصه على لزوم الطريق، وإلحاحه على السير بحرص هذا الخليع على الضرب بالقداح لعله يسترجع بعض ما ذهب من ماله. والخليع المخلوع المقمور ماله.
(2). راجع ج 2 ص 143 طبعه ثانية.
(3). النزو: ضرب من العدو.

وقال الجرجاني: أي فنادوا حين لا مناص، أي ساعة لا منجى ولا فوت. فلما قدم" لا" وأخر" حين" اقتضى ذلك الواو، كما يقتضي الحال إذا جعل ابتداء وخبرا، مثل قولك: جاء زيد راكبا، فإذا جعلته مبتدأ وخبر اقتضى الواو مثل جاءني زيد وهو راكب، فحين ظرف لقوله: فَنادَوْا". والمناص بمعنى التأخر والفرار والخلاص، أي نادوا لطلب الخلاص في وقت لا يكون لهم فيه خلاص. قال الفراء:
أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص «1»

يقال: ناص عن قرنه ينوص نوصا ومناصا أي فر وزاغ. النحاس: ويقال: ناص ينوص إذا تقدم. قلت: فعلى هذا يكون من الأضداد، والنوص الحمار الوحشي. واستناص أي تأخر، قاله الجوهري. وتكلم النحويون في" وَلاتَ حِينَ" وفي الوقف عليه، وكثر فيه أبو عبيدة القاسم بن سلام في كتاب القراءات وكل ما جاء به إلا يسيرا مردود. فقال سيبويه:" لات" مشبهة بليس والاسم فيها مضمر، أي ليست أحياننا حين مناص. وحكي أن من العرب من يرفع بها فيقول: ولات حين مناص. وحكي أن الرفع قليل ويكون الخبر محذوفا كما كان الاسم محذوفا في النصب، أي ولات حين مناص لنا. وا لقف عليها عند سيبويه والفراء" وَلاتَ" بالتاء ثم تبتدئ" حِينَ مَناصٍ" هو قول ابن كيسان والزجاج. قال أبو الحسن بن كيسان: والقول كما قال سيبويه، لأن شبهها بليس فكما يقال ليست يقال لات. والوقوف عليها عند الكسائي بالهاء ولاه. وهو قول المبرد محمد بن يزيد. وحكى عنه علي بن سليمان أن الحجة في ذلك أنها دخلت عليها الهاء لتأنيث الكلمة، كما يقال ثمه وربه. وقال القشيري: وقد يقال ثمت بعني ثم، وربت بمعنى رب، فكأنهم زادوا في لا هاء فقالوا لاه، كما قالوا في ثمه عند الوصل صارت تاء. وقال الثعلبي: وقال أهل اللغة: و" لات حين" مفتوحتان كأنهما
__________
(1). تمامه:
فتقصر عنها خطوة وتبوص

والبوص بالباء الموحدة التقدم.

كلمة واحدة، وإنما هي" لا" زيدت فيها التاء نحو رب وربت، وثم وثمت. قال أبو زبيد الطائي
طلبوا صلحنا ولات أوان ... وفأجبنا أن ليس حين بقاء
وقال آخر:
تذكر حب ليلى لات حينا ... ووأمسى الشيب فقطع القرينا
ومن العرب من يخفض بها، وأنشد الفراء:
فلتعرفن خلائقا مشمولة ... ولتندمن ولات ساعة مندم
وكان الكسائي والفراء والخليل وسيبويه والأخفش يذهبون إلى أن" ولات حين" التاء منقطعة من حين، ويقولون معناها وليست. وكذلك هو في المصاحف الجدد والعتق بقطع التاء من حين. وإلى هذا كان يذهب أبو عبيدة معمر بن المثنى. وقال أبو عبيد القاسم ابن سلام: الوقف عندي على هذا الحرف" ولا" والابتداء" تحين مناص" فتكون التاء مع حين. وقال بعضهم:" لاتَ" ثم يبتدئ فيقول:" حِينَ مَناصٍ". قال المهدوي: وذكر أبو عبيد أن التاء في المصحف متصلة بحين وهو غلط عند النحويين، وهو خلاف قول المفسرين. ومن حجة أبي عبيد أن قال: إنا لم نجد العرب تزيد هذه التاء إلا في حين وأوان والآن، وأنشد لأبي وجزة السعدي
العاطفون تحين ما من عاطف ... ووالمطعمون زمان ابن المطعم
وأنشد لأبي زبيد الطائي
طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء
فأدخل التاء في أوان. قال أبو عبيد: ومن إدخالهم التاء في الآن، حديث ابن عمر وسأله رجل عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، فذكر مناقبه ثم قال: اذهب بها تلان معك. وكذلك قول الشاعر «1»:
نولي قبل نأي داري جمانا ... وصلينا كما زعمت تلانا
__________
(1). هو جميل بن معمر وبعده:
إن خير الموصلين صفا ... - من يوافي خليله حيث كانا.

قال أبو عبيد: ثم مع هذا كله إني تعمدت النظر في الذي يقال له الإمام- مصحف عثمان- فوجدت التاء متصلة مع حين قد كتبت تحين. قال أبو جعفر النحاس: أما البيت الأول الذي أنشده لأبي وجزة فر واه العلماء باللغة على أربعة أوجه، كلها على خلاف ما أنشده، وفي أحدها تقديران، رواه أبو العباس محمد بن يزيد
العاطفون ولات ما من عاطف

والرو آية الثانية:
العاطفون ولات حين تعاطف

والرواية الثالثة رواها ابن كيسان
العاطفونة حين ما من عاطف

جعلها هاء في الوقف وتاء في الإدراج، وزعم أنها لبيان الحركة شبهت بهاء التأنيث. الرواية الرابعة
العاطفونه حين ما من عاطف

وفي هذه الرواية تقديران، أحدهما وهو مذهب إسماعيل بن إسحاق أن الهاء في موضع نصب، كما تقول: الضاربون زيدا فإذا كنيت قلت الضاربوه. وأجاز سيبويه في الشعر الضاربونه، فجاء إسماعيل بالتأنيث على مذهب سيبويه في إجازته مثله. والتقدير الآخر العاطفون على أن الهاء لبيان الحركة، كما تقول: مر بنا المسلمونه في الوقف، ثم أجريت في الوصل مجراها في الوقف، كما قرأ أهل المدينة:" ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ" [الحاقة: 29- 28] وأما البيت الثاني فلا حجة له فيه، لأنه يوقف عليه: (ولات أوان) غير أن فيه شيئا مشكلا، لأنه يروى (ولات أوان) بالخفض، وإنما يقع ما بعد لات مرفوعا أو منصوبا. وإن كان قد روي عن عيسى بن عمر أنه قرأ" ولات حين مناص" بكسر التاء من لات والنون من حين فإن الثبت عنه أنه قرأ" ولات حين مناص" «1» فبنى" لات" على الكسر ونصب" حين". فأما: (ولات أوان) فقيه تقديران، قال الأخفش: فيه مضمر أي ولا ت حين أوان.
__________
(1). الزيادة من إعراب القرآن للنحاس. [.....]

وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5)

قال النحاس: وهذا القول بين الخطأ. والتقدير الآخر عن أبي إسحاق قال: تقديره ولات أو اننا فحذف، المضاف إليه فوجب ألا يعرب، وكسره لالتقاء الساكنين. وأنشده محمد بن يزيد (ولات أوان) بالرفع. وأما البيت الثالث فبيت مولد لا يعرف قائلة ولا تصح به حجة. على أن محمد بن يزيد رواه (كما زعمت الآن). وقال غيره: المعنى كما زعمت أنت الآن. فأسقط الهمزة من أنت والنون. وأما احتجاجه بحديث ابن عمر، لما ذكر للرجل مناقب عثمان فقال له: اذهب بها تلان إلى أصحابك فلا حجة، فيه، لأن المحدث إنما يروي هذا على المعنى. والدليل على هذا أن مجاهدا يروي عن ابن عمر هذا الحديث وقال فيه: اذهب فاجهد جهدك. ورواه آخر: اذهب بها الآن معك. وأما احتجاجه بأنه وجدها في الإمام" تحين" فلا حجة فيه، لأن معنى الإمام أنه إمام المصاحف فإن كان مخالفا لها فليس بإمام لها، وفي المصاحف كلها" ولات" فلو لم يكن في هذا إلا هذا الاحتجاج لكان مقنعا. وجمع مناص مناوص.

[سورة ص (38): الآيات 4 الى 5]
وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْ ءٌ عُجابٌ (5)
قوله تعالى:" وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ"" أن" في موضع نصب والمعنى من أن جاءهم. قيل: هو متصل بقوله:" فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ" أي في عزة وشقاق وعجبوا، وقوله:" كَمْ أَهْلَكْنا" معترض. وقيل: لا بل هذا ابتداء كلام، أي ومن جهلهم أنهم أظهروا التعجب من أن جاءهم منذر منهم." ف قالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ" أي يجئ بالكلام المموه الذي يخدع به الناس، وقيل: يفرق بسحره بين الوالد وولده والرجل وزوجته" كَذَّابٌ" أي في دعوى النبوة. قوله تعالى:" أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً" مفعولان أي صير الآلهة إلها واحدا." إِنَّ هذا لَشَيْ ءٌ عُجابٌ" أي عجيب. وقرا السلمي:" عجاب" بالتشديد. والعجاب والعجاب

والعجب سواء. وقد فرق الخليل بين عجيب وعجاب فقال: العجيب العجب، والعجاب الذي قد تجاوز حد العجب، والطويل الذي فيه طول، والطوال، الذي قد تجاوز حد الطول. وقال الجوهري: العجيب الأمر الذي يتعجب منه، وكذلك العجاب بالضم، والعجاب بالتشديد أكثر منه، وكذلك الأعجوبة. وقال مقاتل:" عجاب" لغة أزد شنوءة. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: مرض أبو طالب فجاءت قريش إليه، وجاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعند رأس أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كي يمنعه، قال: وشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا بن أخي ما تريد من قومك؟ فقال:" يا عم إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها الجزية العجم" فقال: وما هي؟ قال:" لا إله إلا الله" قال: فقالوا" أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً" قال: فنزل فيهم القرآن:" ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ" حتى بلغ" إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ" خرجه الترمذي أيضا بمعناه. وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقيل: لما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه شق على قريش إسلامه فاجتمعوا إلى أبي طالب وقالوا: اقض بيننا وبين ابن أخيك. فأرسل أبو طالب إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: بابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء، «1» فلا تمل كل الميل على قومك. قال:" وماذا يسألونني" قالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أتعطونني كلمة واحدة وتملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم" فقال أبو جهل: لله أبوك لنعطينكها وعشر أمثالها. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" قولوا لا إله إلا الله" فنفروا من ذلك وقاموا، فقالوا:" أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً" فكيف يسع الخلق كلهم إله واحد. فأنزل الله فيهم هذه الآيات إلى قوله:" كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ" [ص: 12]
__________
(1) في نسخ الأصل: يسألك ذا السوء. وفى أبى المسعود: يسألونك السواء والانصاف. وفي البيضاوي كما في الكشاف: يسألونك السؤال. وعلق عليه الشهاب بقوله: والظاهر أنه تحريف وأنه السواء أي العدل كما وقع في غيره من التفاسير.

وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (8) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (10) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (11)

[سورة ص (38): الآيات 6 الى 11]
وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْ ءٌ يُرادُ (6) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (7) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (8) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (10)
جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (11)
قوله تعالى:" وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا"" الْمَلَأُ" الاشراف، والانطلاق الذهاب بسرعة، أي انطلق هؤلاء الكافرون من عند الرسول عليه السلام يقول بعضهم لبعض" أَنِ امْشُوا" أي امضوا على ما كنتم عليه وما لا تدخلوا في دينه." وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ". وقيل: هو إشارة إلى مشيهم إلى أبي طالب في مرضه كما سبق. وفي رواية محمد بن إسحاق أنهم أبو جهل بن هشام، وشيبة وعتبة أبناء ربيعة بن عبد شمس، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، وأبو معيط، وجاءوا إلى أبي طالب فقالوا: أنت سيدنا وأنصفنا في أنفسنا، فاكفنا أمر ابن أخيك وسفهاء معه، فقد تركوا آلهتنا وطعنوا في ديننا، فأرسل أبو طالب إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال له: إن قومك يدعونك إلى السواء والنصفة. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إنما أدعوهم إلى كلمة واحدة" فال أبو جهل وعشرا. قال:" تقولون لا إله إلا الله" فقاموا وقالوا:" أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً" الآيات." أَنِ امْشُوا"" أن" في موضع نصب والمعنى بأن امشوا. وقيل:" أن بمعنى أي، أي" وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ" أي امشوا، وهذا تفسير انطلاقهم لا أنهم تكلموا بهذا اللفظ. وقيل: المعنى انطلق الأشراف منهم فقالوا للعوام:" امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ" أي على عبادة آلهتكم." إِنَّ هذا" أي هذا الذي جاء به محمد عليه السلام" لَشَيْ ءٌ يُرادُ" أي يراد بأهل الأرض من زوال نعم قوم

وغير تنزل بهم. وقيل:" إِنَّ هذا لَشَيْ ءٌ يُرادُ" كلمة تحذير، أي إنما يريد محمد بما يقول الانقياد له ليعلو علينا، ونكون له أتباعا فيتحكم فينا بما يريد، فاحذروا أن تطيعوه. وقال مقاتل: إن عمر لما أسلم وقوى به الإسلام شق ذلك على قريش فقالوا: إن إسلام عمر في قوة الإسلام لشيء يراد. قوله تعالى:" ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ"
قال ابن عباس والقرظي وقتادة ومقاتل والكلبي والسدي: يعنون ملة عيسى النصرانية وهي آخر الملل. والنصارى يجعلون مع الله إلها. وقال مجاهد وقتادة أيضا: يعنون ملة قريش. وقال الحسن: ما سمعنا أن هذا يكون في آخر الزمان. وقيل: أي ما سمعنا من أهل الكتاب أن محمدا رسول حق." إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ" أي كذب وتخرص، عن ابن عباس وغيره. يقال: خلق واختلق أي ابتدع، وخلق الله عز وجل الخلق من هذا، أي ابتدعهم على غير مثال. قوله تعالى:" أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا" هو استفهام إنكار، والذكر ها هنا القرآن. أنكروا اختصاصه بالوحي من بينهم. فقال الله تعالى:" بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي" أي من وحيي وهو القرآن. أي قد علموا أنك لم تزل صدوقا فيما بينهم، وإنما شكوا فيما أنزلته عليك هل هو من عندي أم لا." بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ" أي إنما اغتروا بطول الإمهال، ولو ذاقوا عذابي على الشرك لزال عنهم الشك، ولما قالوا ذلك، ولكن لا ينفع الإيمان حينئذ. و" لما" بمعنى لم وما زائدة كقوله:" عَمَّا قَلِيلٍ" [المؤمنون: 40] وقوله" فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ" [النساء: 155]. قوله تعالى:" أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ" قيل: أم لهم هذا فيمنعوا محمدا عليه السلام مما أنعم الله عز وجل به عليه من النبوة. و" أم" قد ترد بمعنى التقريع إذا كالكلام متصلا بكلام قبله، كقوله تعالى:" الم تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ" [السجدة: 3- 1] وقد قيل إن قوله:" أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ" متصل بقول:" وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ" [ص: 4] فالمعنى أن الله عز وجل يرسل من يشاء، لأن خزائن السموات والأرض له." أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما"

أي فإن ادعوا ذلك" فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ" أي فليصعدوا إلى السموات، وليمنعوا الملائكة من إنزال الوحي على محمد. يقال: رقي يرقى وارتقى إذا صعد. ورقي يرقي رقيا مثل رمى يرمي رميا من الرقية. قال الربيع بن أنس: الأسباب أرق من الشعر وأشد من الحديد ولكن لا ترى. والسبب في اللغة كل ما يوصل به إلى المطلوب من حبل أو غيره. وقيل: الأسباب أبواب السموات التي تنزل الملائكة منها، قاله مجاهد وقتادة. قال زهير:
ولو رام أسباب السماء بسلم «1»

وقيل: الأسباب السموات نفسها، أي فليصعدوا سماء سماء. وقال السدي:" فِي الْأَسْبابِ" في الفضل والدين. وقيل: أي فليعلوا في أسباب القوة إن ظنوا أنها مانعة. وهو معنى قول أبي
عبيدة. وقيل: الأسباب الحبال، يعني إن وجدوا حبلا أو سببا يصعدون فيه إلى السماء فليرتقوا، وهذا أمر توبيخ وتعجيز. وعد نبيه صلى النصر عليهم فقال:" جُنْدٌ ما هُنالِكَ"" ما" صلة وتقديره هم جند، ف" جند" خبر ابتدا محذوف." مَهْزُومٌ" أي مقموع ذليل قد انقطعت حجتهم، لأنهم لا يصلون إلى أن يقولوا هذا لنا. ويقال: هزمت القربة إذا انكسرت، وهزمت الجيش كسرته. والكلام مرتبط بما قبل، أي" بل الذين كفروا في عزة وشقاق" وهم جند من الأحزاب مهزومون، فلا تغمك عزتهم وشقاقهم، فإني أهزم جمعهم وأسلب عزهم. وهذا تأنيس للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد فعل بهم هذا في يوم بدر. قال قتادة: وعد الله أنه سيهزمهم وهم بما فجاء تأويلها يوم بدر. و" هُنالِكَ" إشارة لبدر وهو موضع تحزبهم لقتال محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقيل: المراد بالأحزاب الذين أتوا المدينة وتحزبوا على النبي صلى اله عليه وسلم. وقد مضى ذلك في" الأحزاب" «2». والأحزاب الجند، كما يقال: جند من قبائل شتى. وقيل: أراد بالأحزاب القرون الماضية من الكفار. أي هؤلاء جند على طريقة أولئك، كقوله
__________
(1). صدر البيت:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه

(2). راجع ج 14 ص 128 وما تعدها طبعه أو ثانية.

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (12) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (13) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (14)

تعالى:" فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي" [البقرة: 249] أي على ديني ومذهبي. وقال الفراء: المعنى هم جند مغلوب، أي ممنوع عن أن يصعد إلى السماء. وقال القتبي: يعنى أنهم جند لهذه الآلهة مهزوم، فهم لا يقدرون على أن يدعوا لشيء من آلهتهم، ولا لأنفسهم شيئا من خزائن رحمة الله، ولا من ملك السموات والأرض."

[سورة ص (38): الآيات 12 الى 14]
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (12) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (13) إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (14)
قوله تعالى:" كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ" ذكرها تعزية للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتسلية له، أي هؤلاء من قومك يا محمد جند من الأحزاب المتقدمين الذين تحزبوا على أنبيائهم، وقد كانوا أقوى من هؤلاء فأهلكوا. وذكر الله تعالى القوم بلفظ التأنيث، واختلف أهل العربية في ذلك على قولين: أحدهما: أنه قد يجوز فيه التذكير والتأنيث. الثاني- أنه مذكر اللفظ لا يجوز تأنيثه، إلا أن يقع المعنى على العشيرة والقبيلة، فيغلب في اللفظ حكم المعنى المضمر تنبيها عليه، كقول تعالى:" كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ" [المدثر: 55- 54] ولم يقل ذكرها، لأنه لما كان المضمر فيه مذكرا ذكره، وإن كان اللفظ مقتضيا للتأنيث. ووصف فرعون بأنه ذو الأوتاد. وقد اختلف في تأويل ذلك، فقال ابن عباس: المعنى ذو البناء المحكم. وقال الضحاك: كان كثير البنيان، والبنيان يسمى أوتادا. وعن ابن عباس أيضا وقتادة وعطاء: أنه كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب له عليها. وعن الضحاك أيضا: ذو القوة والبطش. وقال الكلبي ومقاتل: كان يعذب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحد مده مستلقيا بين أربعة أوتاد في الأرض، ويرسل عليه العقارب والحيات حتى يموت. وقيل: كان يشبح المعذب بين أربع سوار، كل طرف من أطرافه إلى سارية مضروب فيه وتد من حديد ويتركه حتى يموت. وقيل: ذو الأوتاد أي ذو الجنود الكثيرة فسميت الجنود أوتادا،

وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (15) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (16)

لأنهم يقوون أمره كما يقوي الوتد البيت. وقال ابن قتيبة: العرب تقول هم في عز ثابت الأوتاد، يريدون دائما شديدا. واصل هذا أن البيت من بيوت الشعر إنما يثبت ويقوم بالأوتاد. وقال الأسود بن يعفر
ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة ... في ظل ملك ثابت الأوتاد
وواحد الأوتاد وتد بالكسر، وبالفتح لغة. وقال الأصمعي: يقال وتد واتد كما يقال شغل شاغل. وأنشد «1»:
لاقت على الماء جذيلا واتدا ... ولم يكن يخلفها المواعدا
قال: شبه الرجل بالجذل." وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ" أي الغيضة. وقد مضى ذكرها في [الشعراء «2»]. وقرا نافع وابن كثير وابن عامر" ليكة" بفتح اللام والتاء من غير همز. وهمز الباقون وكسروا التاء. وقد تقدم هذا." أُولئِكَ الْأَحْزابُ" أي هم الموصوفون بالقوة والكثرة، كقولك فلان هو الرجل." إِنْ كُلٌّ" بمعنى ما كل." إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ" أي فنزل بهم العذاب لذلك التكذيب. وأثبت يعقوب الياء في" عذابي" و" عقابي" في الحالين وحذفها الباقون في الحالين. ونظير هذه الآية قوله عز وجل:" وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ" [غافر: 31- 30] فسمى هذه الأمم أحزابا.

[سورة ص (38): الآيات 15 الى 16]
وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (15) وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (16)
قوله تعالى:" وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً"" ينظر" بمعنى ينتظر، ومنه قوله تعالى:" انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ" [الحديد: 13]." هؤُلاءِ" يعني كفار مكة." إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً"
__________
(1). البيت لأبى محمد الفقعسي. والضمير في لافت ضمير الإبل.
(2). راجع ج 13 ص 134 وما بعده طبعه أولى أو ثانية.

أي نفخة القيامة. أي ما ينتظرون بعد ما أصيبوا ببدر إلا صيحة القيامة. وقيل: ما ينتظر أحياؤهم الآن إلا الصيحة التي هي النفخة في الصور، كما قال تعالى:" ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ. فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً" [يس: 50- 49] وهذا إخبار عن قرب القيامة والموت. وقيل: أي ما ينتظر كفار آخر هذه الأمة المتدينين بدين أولئك إلا صيحة واحدة وهي النفخة. وقال عبد الله بن عمرو: لم تكن صيحة في السماء إلا بغضب من الله عز وجل على أهل الأرض." ما لَها مِنْ فَواقٍ" أي من ترداد، عن ابن عباس. مجاهد: ما لها رجوع. قتادة: ما لها من مثنوية. السدي: مالها من إفاقة. وقرا حمزة والكسائي" ما لها من فواق" بضم الفاء. الباقون بالفتح. الجوهري: والفواق والفواق ما بين الحلبتين من الوقت، لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب. يقال: ما أقام عنده إلا فواقا، وفي الحديث:" العيادة قدر فواق الناقة. وقول تعالى:" ما لَها مِنْ فَواقٍ" يقرأ بالفتح والضم أي ما لها من نظرة وراحة وإفاقة. والفيقة بالكسر اسم اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين: صارت الواو ياء لكسر ما قبلها، قال الأعشى يصف بقرة
حتى إذا فيقة في ضرعها اجتمعت ... وجاءت لترضع شق النفس لو رضعا
والجمع فيق ثم أفواق مثل شبر وأشبار ثم أفاويق. قال ابن همام السلولي:
وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها ... وأفاويق حتى ما يدر لها ثعل «1»
والأفاويق أيضا ما اجتمع في السحاب من ماء، فهو يمطر ساعة بعد ساعة. وأفاقت الناقة إفاقة أي اجتمعت الفيقة في ضرعها، فهي مفيق ومفيقة- عن أبي عمرووالجمع مفاويق. وقال الفراء وأبو عبيدة وغيرهما:" مِنْ فَواقٍ" بفتح الفاء أي راحة لا يفيقون فيها، كما يفيق المريض والمغشي عليه. و" من فواق" بضم الفاء من انتظار. وقد تقدم أنهما بمعنى وهو ما بين الحلبتين.
__________
(1). البيت في ذم علماء الدنيا. والقعل زيادة في أطباء الناقة والبقرة والشاة، وهو لا يدر وانما ذكره للمبالغة.

قلت: والمعنى المراد أنها ممتدة لا تقطيع فيها. وروى أبو هريرة قال: حدثنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونحن في طائفة من أصحابه، الحديث. وفيه،" يأمر الله عز وجل إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول أنفخ نفخة الفزع أهل السموات واهل الأرض إلا من شاء الله ويأمره فيمدها ويديمها ويطولها يقول الله عز وجل:" ما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ"
وذكر الحديث، خرجه علي بن معبد وغيره كما ذكرناه في كتاب التذكرة. قوله تعالى:" وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ" قال مجاهد: عذابنا. وكذا قال قتادة: نصيبنا من العذاب. الحسن: نصيبنا من الجنة لنتنعم به في الدنيا. وقاله سعيد بن جبير. ومعروف في اللغة أن يقال للنصيب قط وللكتاب المكتوب بالجائزة قط. قال الفراء: القط في كلام العرب الحظ والنصيب. ومنه قيل للصك قط. وقال أبو عبيدة والكسائي: القط الكتاب بالجوائز والجمع القطوط، قال الأعشى
ولا الملك النعمان يوم لقيته ... وبغبطته يعطي القطوط ويأفق
يعني كتب الجوائز. ويروى: بأمته بدل بغبطته، أي بنعمته وحال الجليلة، ويأفق يصلح. ويقال: في جمع قط أيضا قططة وفي القليل أقط وأقطاط. ذكره النحاس. وقال السدي: سألوا أن يمثل لهم منازلهم من الجنة ليعلموا حقيقة ما يوعدون به. وقال إسماعيل بن أبي خالد: المعنى عجل لنا أرزاقنا. وقيل: معناه عجل لنا ما يكفينا، من قولهم: قطني، أي يكفيني. وقيل: إنهم قالوا ذلك استعجالا لكتبهم التي يعطونها بأيمانهم ومائلهم حين تلى عليهم بذلك القرآن. وهو قول تعالى:" فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ" [الحاقة: 19]." وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ" [الانشقاق: 10]. واصل القط القط وهو القطع، ومنه قط القلم، فالقط اسم للقطعة من الشيء كالقسم والقس فأطلق على النصيب والكتاب والرزق لقطعه عن غيره، إلا أنه في الكتاب أكثر استعمالا وأقوى حقيقة. قال أمية بن أبى الصلت
قوم لهم ساحة العراق وما ... ويجبى إلى يه والقط والقلم

اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17)

" قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ" أي قبل يوم القيامة في الدنيا إن كان الأمر كما يقول محمد. وكل هذا استهزاء منهم.

[سورة ص (38): آية 17]
اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17)
قوله تعالى:" اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ" أمر نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالصبر لما استهزءوا به. وهذه منسوخة بآية السيف. قوله تعالى:" وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ" لما ذكر من أخبار الكفار وشقاقهم وتقريعهم بإهلاك القرون من قبلهم، أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالصبر على أذاهم، وسلاه بكل ما تقدم ذكره. ثم أخذ في ذكر داود وقصص الأنبياء، ليتسلى بصبر من صبر منهم، وليعلم أن له في الآخرة أضعاف ما أعطيه داود وغيره من الأنبياء. وقيل: المعنى اصبر على قولهم، واذكر لهم أقاصيص الأنبياء، لتكون برهانا على صحة نبوتك." ذَا الْأَيْدِ" ذا القوة في العبادة. وكان يصوم يوما ويفطر يوما، وذلك أشد الصوم وأفضله، وكان يصلى نصف الليل، وكان لا يفر إذا لاقى العدو، وكان قويا في الدعا الى الله تعالى. وقوله:" عَبْدَنا" إظهارا لشرفه بهذه الإضافة. ويقال: الأيد والاد كما تقول العيب والعاب. قال»
لم يك يناد فأمسى أنا أنادى

ومنه رجل أيد أي قوي. وتأيد الشيء تقوى، قال الشاعر
إذا القوس وترها أيد ... ورمى فأصاب الكلى والذوا
يقول: إذا الله وتر القوس التي في السحاب رمى كلى الإبل وأسمنها بالشحم. يعني من النبات الذي يكون من المطر." إِنَّهُ أَوَّابٌ" قال الضحاك: أي تواب. وعن غيره: أنه كلما ذكر
__________
(1). هو العجاج. وآناد العود يناد انئيادا فهو إذا انثنى واعوج. وصدر البيت
من أن تبدلت بادى آدا

إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18)

ذنبه أو خطر على باله أستغفر منه، كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة". ويقال آب يؤوب إذا رجع، كما قال «1»
وكل ذي غيبة يؤوب ... ووغائب الموت لا يؤوب
فكان داود رجاعا إلى طاعة الله ورضاه في كل أمر فهو أهل لأن يقتدى به.

[سورة ص (38): آية 18]
إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (18)
فيه أربع مسائل الأولى- قوله تعالى:" إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ"" يُسَبِّحْنَ" في موضع نصب على الحال. ذكر تعالى ما آتاه من البرهان والمعجزة وهو تسبيح الجبال معه. قال مقاتل: كان داود إذا ذكر الله جل وعز ذكرت الجبال معه، وكان يفقه تسبيح الجبال. وقال ابن عباس:" يُسَبِّحْنَ" يصلين. وإنما يكون هذا معجزة إذا رآه الناس وعرفوه. وقال محمد بن إسحاق: أوتي داود من حسن الصوت ما يكون له في الجبال دوي حسن، وما تصغي لحسنه الطير «2» وتصوت معه، فهذا تسبيح الجبال والطير. وقيل: سخرها الله عز وجل لتسير معه فذلك تسبيحها، لأنها دالة على تنزيه الله عن شبه المخلوقين. وقد مضى القول في هذا في" سبإ" «3» وفي" سبحان" «4» عند قوله تعالى:" وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ" [الإسراء: 44] وأن ذلك تسبيح مقال على الصحيح من الأقوال. والله أعلم." بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ" الإشراق أيضا ابيضاض الشمس بعد طلوعها. يقال: شرقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت. فكان داود يسبح إثر صلاته عند طلوع الشمس وعند غروبها. الثانية- روي عن ابن عباس أنه قال: كنت أمر بهذه الآية:" بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ" ولا أدري ما هي، حتى حدثتني أم هانئ أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل عليها،
__________
(1). هو عبيد بن الأبرص.
(2). زيادة يقتضيها المعنى.
(3). راجع ج 14 ص 265 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.
(4). راجع ج 10 ص 268 طبعه أولى أو ثانيه.

فدعا بوضوء فتوضأ، ثم صلى صلاة الضحى، وقال:" يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق". وقال عكرمة قال ابن عباس: كان في نفسي شي من صلاة الضحى حتى وجدتها في القرآن" يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ". قال عكرمة: وكان ابن عباس لا يصلي صلاة الضحى ثم صلاها بعد. وروي أن كعب الأحبار قال لابن عباس: إني أجد في كتب الله صلاة بعد طلوع الشمس هي صلاة الأوابين. فقال ابن عباس: وأنا أوجدك في القرآن، ذلك في قصة داود:" يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ". الثالثة- صلاة الضحى نافلة مستحبة، وهي في الغداة بإزاء العصر في العشي، لا ينبغي أن تصلى حتى تبيض الشمس طالعة، ويرتفع كدرها، وتشرق بنورها، كما لا تصلى العصر إذا اصفرت الشمس. وفي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" صلاة الأوابين حين ترمض الفصال" الفصال والفصلان جمع فصيل، وهو الذي يفطم من الرضاعة من الإبل. والرمضاء شدة الحر في الأرض. وخص الفصال هنا بالذكر، لأنها هي التي ترمض قبل انتهاء شدة الحر التي ترمض بها أمهاتها لقلة جلدها، وذلك يكون في الضحى أو بعده بقليل وهو الوقت المتوسط بين طلوع الشمس وزوالها، قاله القاضي أبو بكر بن العربي. ومن الناس من يبادر بها قبل ذلك استعجالا، لأجل شغله فيخسر عمله، لأنه يصليها في الوقت المنهي عنه ويأتي بعمل هو عليه لا له. الرابعة- روى الترمذي من حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصرا من ذهب في الجنة" قال حديث غريب. وفي صحيح مسلم عن أبي ذر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال:" يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة ويجزي من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى". وفي الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" من حافظ على شفعة الضحى غفرت له ذنوبه وإن كانت مئل زبد البحر". وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة

وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20)

قال:" أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت صوم ثلاثة أيام من كل شهر وصلاة الضحى ونوم على وتر" لفظ البخاري. وقال مسلم:" وركعتي الضحى" وخرجه من حديث أبي الدرداء كما خرجه البخاري من حديث أبي هريرة. وهذا كله يدل على أن أقل الضحى ركعتان وأكثره ثنتا عشرة. والله أعلم. واصل السلامي" بضم السين" عظام الأصابع والأكف والأرجل، ثم استعمل في سائر عظام الجسد ومفاصله. وروي من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل فمن كبر الله وحمد الله وهلل الله وسبح الله واستغفر الله وعزل حجرا عن طريق الناس، أو شوكة أو عظما عن طريق الناس وأمر بمعروف أو نهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاثمائة سلامى فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار" قال أبو توبة: وربما قال:" يمسي" كذا خرجه مسلم. وقوله:" ويجزي من ذلك ركعتان" أي يكفي من هذه الصدقات عن هذه الأعضاء ركعتان. وذلك أن الصلاة عمل بجميع أعضاء الجسد، فإذا صلى فقد قام كل عضو بوظيفته التي عليه في الأصل. والله أعلم.

[سورة ص (38): الآيات 19 الى 20]
وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (20)
قوله تعالى:" وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً" معطوف على الجبال. قال الفراء: ولو قرئ" والطير محشورة" لجاز، لأنه لم يظهر الفعل. قال ابن عباس: كان داود عليه السلام إذا سبح جاوبته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه. فاجتماعها إليه حشرها. فالمعنى وسخرنا الطير مجموعة إليه لتسبح الله معه. وقيل: أي وسخرنا الريح لتحشر الطيور إليه لتسبح معه. أو أمرنا الملائكة تحشر الطيور." كُلٌّ لَهُ" أي لداود" أَوَّابٌ" أي مطيع، أي تأتيه وتسبح معه. وقيل: الهاء لله عز وجل. قوله تعالى:" وَشَدَدْنا مُلْكَهُ" أي قويناه حتى ثبت. قيل: بالهيبة وإلقاء الرعب منه في القلوب. وقيل: بكثرة الجنود. وقيل: بالتأييد والنصر. وهذا اختيار ابن العربي.

فلا ينفع الجيش الكثير التفافه على غير منصور وغير معان. وقال ابن عباس رضي الله عنه: كان داود أشد ملوك الأرض سلطانا. كان يحرس محرابه كل ليلة نيف وثلاثون ألف رجل، فإذا أصبح قيل: ارجعوا فقد رضي عنكم نبي الله. والملك عبارة عن كثرة الملك، فقد يكون للرجل ملك ولكن لا يكون ملكا حتى يكثر ذلك، فلو ملك الرجل دارا وامرأة لم يكن ملكا حتى يكون له خادم يكفيه مؤنة التصرف في المنافع التي يفتقر إليها لضرورته الآدمية. وقد مضى هذا المعنى في" براءة" «1» وحقيقة الملك في" النمل" مستوفى. قوله تعالى:" وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ" فيه مسألتان: الأولى- قوله تعالى:" وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ" أي النبوة، قال السدي. مجاهد: العدل. أبو العالية: العلم بكتاب الله تعالى. قتادة: السنة. شريح: العلم والفقه." وَفَصْلَ الْخِطابِ" قال أبو عبد الرحمن السلمي وقتادة: يعني الفصل في القضاء. وهو قول ابن مسعود والحسن والكلبي ومقاتل. وقال ابن عباس: بيان الكلام. علي بن أبي طالب: هو البينة على المدعي واليمين على من أنكر. وقاله شريح والشعبي وقتادة أيضا. وقال أبو موسى الأشعري والشعبي أيضا: هو قوله أما بعد، وهو أول من تكلم بها. وقيل:" فَصْلَ الْخِطابِ" البيان الفاصل بين الحق والباطل. وقيل: هو الإيجاز بجعل المعنى الكثير في اللفظ القليل. والمعنى في هذه الأقوال متقارب. وقول علي رضي الله عنه يجمعه، لأن مدار الحكم عليه في القضاء ما عدا قول أبي موسى. الثانية- قال القاضي أبو بكر بن العربي: فأما علم القضاء فلعمر إلهك إنه لنوع من العلم مجرد، وفصل منه مؤكد، غير معرفة الأحكام والبصر بالحلال والحرام، ففي الحديث" أقضاكم علي وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل" وقد يكون الرجل بصيرا بأحكام الأفعال، عارفا بالحلال والحرام، ولا يقوم بفصل القضاء. يروى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما بعثني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى اليمن حفر قوم زبية للأسد،
__________
(1). راجع ج 8 ص 171 طبعه أولى أو ثانية.

فوقع فيها الأسد، وازدحم الناس على الزبية فوقع فيها رجل وتعلق بآخر، وتعلق الآخر بآخر، حتى صاروا أربعة، فجرحهم الأسد فيها فهلكوا، وحمل القوم السلاح وكاد يكون بينهم قتال، قال فأتيتهم فقلت: أتقتلون مائتي رجل من أجل أربعة أناس! تعالوا أقض بينكم بقضاء، فإن رضيتموه فهو قضاء بينكم، وإن أبيتم رفعتم ذلك إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو أحق بالقضاء. فجعل للأول ربع الدية، وجعل للثاني ثلث الدية، وجعل للثالث نصف الدية، وجعل للرابع الدية، وجعل الديات على من حفر الزبية على قبائل الأربع، فسخط بعضهم ورضي بعضهم، ثم قدموا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقصوا عليه القصة، فقال:" أنا أقضي بينكم" فقال قائل: إن عليا قد قضى بيننا. فأخبروه بما قضى علي، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" القضاء كما قضى علي" في رواية: فأمضى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قضاء علي. وكذلك يروى في المعرفة بالقضاء أن أبا حنيفة جاء إليه رجل فقال: إن ابن أبي ليلى- وكان قاضيا بالكوفة- جلد امرأة مجنونة قالت لرجل يا ابن الزانيين حدين في المسجد وهي قائمة. فقال: أخطأ من ستة أوجه. قال ابن العربي: وهذا الذي قال أبو حنيفة بالبديهة لا يدركه أحد بالرؤية إلا العلماء. فأما قضية علي فلا يدركها الشادي، ولا يلحقها بعد التمرن في الأحكام إلا العاكف المتمادي. وتحقيقها أن هؤلاء الأربعة المقتولين خطأ بالتدافع على الحفرة من الحاضرين عليها، فلهم الديات على من حضر على وجه الخطأ، بيد أن الأول مقتول بالمدافعة قاتل ثلاثة بالمجاذبة، فله الدية بما قتل، وعليه ثلاثة أرباع الدية بالثلاثة الذين قتلهم. وأما الثاني فله ثلث الدية وعليه الثلثان بالإثنين اللذين قتلهما بالمجاذبة. وأما الثالث فله نصف الدية وعليه النصف، لأنه قتل واحدا بالمجاذبة فوقعت المحاصة وغرمت العواقل هذا التقدير بعد القصاص الجاري فيه. وهذا من بديع الاستنباط. وأما أبو حنيفة فإنه نظر إلى المعاني المتعلقة فرآها ستة: الأول أن المجنون لا حد عليه، لأن الجنون يسقط التكليف. وهذا إذا كان القذف في حالة الجنون، وأما إذا كان يجن مرة ويفيق أخرى فإنه يحد بالقذف في حالة إفاقته. والثاني قولها يا ابن الزانيين فجلدها حدين لكل أب حد، فإنما خطأه أبو حنيفة على مذهبه في أن حد

وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (25)

القذف يتداخل، لأنه عنده حق لله تعالى كحد الخمر والزنى، وأما الشافعي ومالك فإنهما يريان أن الحد بالقذف حق للآدمي، فيتعدد بتعدد المقذوف. الثالث أنه جلد بغير مطالبة المقذوف، ولا تجوز إقامة حد القذف بإجماع من الأمة إلا بعد المطالبة بإقامته ممن يقول إنه حق لله تعالى، ومن يقول إنه حق الآدمي. وبهذا المعنى وقع الاحتجاج لمن يرى أنه حق للآدمي، إذ لو كان حقا لله لما توقف على المطالبة كحد الزنى. الرابع. أنه والى بين الحدين، ومن وجب عليه حدان لم يوال بينهما، بل يحد لأحدهما ثم يترك حتى يندمل الضرب،" أو يستبل المضروب" «1» ثم يقام عليه الحد الآخر. الخامس أنه حدها قائمة، ولا تحد المرأة إلا جالسة مستورة، قال بعض الناس: في زنبيل. السادس أنه أقام الحد في المسجد ولا تقام الحدود فيه إجماعا. وفي القضاء في المسجد والتعزير فيه خلاف. قال القاضي: فهذا هو فصل الخطاب وعلم القضاء، الذي وقعت الإشارة إليه على التأويلات في الحديث المروي" أقضاكم علي" وأما من قال: إنه الإيجاز فذلك للعرب دون العجم، ولمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دون العرب، وقد بين هذا بقوله:" وأوتيت جوامع الكلم". وأما من قال: إنه قوله أما بعد، فكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول في خطبته:" أما بعد". ويروى أن أول من قالها في الجاهلية سحبان بن وائل، وهو أول من آمن بالبعث، وأول من توكأ على عصا، وعمر مائة وثمانين سنة. ولو صح أن داود عليه السلام قالها، لم يكن ذلك منه بالعربية على هذا النظم، وإنما كان بلسانه. والله أعلم.

[سورة ص (38): الآيات 21 الى 25]
وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (22) إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (23) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ (24) فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (25)
__________
(1). الزيادة من ابن العربي.==

ج22. الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى : 671هـ)

فيه أربع وعشرون مسألة. الأولى- قوله تعالى:" وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ"" الخصم" يقع على الواحد والاثنين والجماعة، لأن أصله المصدر. قال الشاعر:/ ش وخصم غضاب ينفضون لحاهم/ وكنفض البراذين العراب المخاليا/ ش النحاس: ولا خلاف بين أهل التفسير أنه يراد به ها هنا ملكان. وقيل:" تسوروا" وإن كانا اثنين حملا على الخصم، إذ كان بلفظ الجمع ومضارعا له، مثل الركب والصحب. تقديره للاثنين ذوا خصم وللجماعة ذوو خصم. ومعنى:" تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ" أتوه من أعلى سوره. يقال: تسور. الحائط تسلقه، والسور حائط المدينة وهو بغير همز، وكذلك السور جمع سورة مثل بسرة وبسر وهي كل منزلة من البناء. ومنه سورة القرآن، لأنها منزلة بعد منزلة مقطوعة عن الأخرى. وقد مضى في مقدمة الكتاب بيان هذا «1». وقول النابغة
ألم تر أن الله أعطاك سورة ... وترى كل ملك دونها يتذبذب
يريد شرفا ومنزلة. فأما السؤر بالهمز فهو بقية الطعام في الإناء. ابن العربي: والسؤر الوليمة وبالفارسي. وفي الحديث: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال يوم الأحزاب" إن جابرا قد صنع لكم سورا فحيهلا بكم" والمحراب هنا الغرفة، لأنهم تسوروا عليه فيها، قال يحيى بن سلام. وقال أبو عبيدة: إنه صدر المجلس، ومنه محراب المسجد. وقد مضى القول فيه في غير موضع." «2» إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ" جاءت" إذ" مرتين، لأنهما فعلان. وزعم
__________
(1). راجع ج 1 ص 65 وما بعدها طبعه ثانية أو ثالثة. [.....]
(2). راجع ج 4 ص 71 وج 11 ص 84 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.

الفراء: أن إحداهما بمعنى لما. وقول آخر أن تكون الثانية مع ما بعدها تبيينا لما قبلها. قيل: إنهما كانا إنسيين، قاله النقاش. وقيل: ملكين، قال جماعة. وعينهما جماعة فقالوا: إنهما جبريل وميكائيل. وقيل: ملكين في صورة إنسيين بعثهما الله إليه في يوم عبادته. فمنعهما الحرس الدخول، فتسوروا المحراب عليه، فما شعر وهو في الصلاة إلا وهما بين يديه جالسين، وهو قوله تعالى:" وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ" أي علوا ونزلوا عليه من فوق المحراب، قال سفيان الثوري وغيره. وسبب ذلك ما حكاه ابن عباس أن داود عليه السلام حدث نفسه إن ابتلي أن يعتصم. فقيل له: انك ستبتلى وتعلم اليوم الذي تبتلى فيه فخذ حذرك. فأخذ الزبور ودخل المحراب ومنع من الدخول عليه، فبينا هو يقرأ الزبور إذ جاء طائر كأحسن ما يكون من الطير، فجعل يدرج بين يديه. فهم أن يتناوله بيده، فاستدرج حتى وقع في كوة المحراب، فدنا منه ليأخذه فطار، فاطلع ليبصره فأشرف على امرأة تغتسل، فلما رأته غطت جسدها بشعرها. قال السدي: فوقعت في قلبه. قال ابن عباس: وكان زوجها غازيا في سبيل الله وهو أوريا بن حنان، فكتب داود إلى أمير الغزاة أن يجعل زوجها في حملة التابوت، وكان حملة التابوت إما أن يفتح الله عليهم أو يقتلوا، فقدمه فيهم فقتل، فلما انقضت عدتها خطبها داود، واشترطت عليه إن ولدت غلاما أن يكون الخليفة بعده، وكتبت عليه بذلك كتابا، وأشهدت عليه خمسين رجلا من بني إسرائيل، فلم تستقر نفسه حتى ولدت سليمان وشب، وتسور الملكان وكان من شأنهما ما قص الله في كتابه. ذكره الماوردي وغيره. ولا يصح. قال ابن لعربي: وهو أمثل ما روي في ذلك «1».
__________
(1). ما أورده القرطبي هنا في حق داود عليه الصلاة والسلام من قبيل الإسرائيليات ولا صحة لها، وهو هراء وافتراء كما قال البيضاوي، ومما يقدح في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ولقد أحسن أبو حيان وأجاد حيث يقول: ويعلم قطعا أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الخطايا لا يمكن وقوعهم في شي منها، ضرورة أنا لو جوزنا عليهم شيئا من ذلك بطلت الشرائع، ولم نثق بشيء مما يذكرون أنه أوحى الله به إليهم، فما حكى الله تعالى في كتابه يمر على ما أراده تعالى، وما حكى القصاص مما فيه غض من منصب النبوة طرحناه، ونحن كما قال الشاعر
ونؤثر حكم العقل في كل شبهة ... وإذا آثر الأخبار جلاس قصاص
والرقاشي مطروح الرواية هند التحقيق. وسيأتي للمؤلف أن ينقل عن النحاس في صفحة 175 ما يؤيد ما أوردناه.

قلت: ورواه مرفوعا بمعناه الترمذي لحكيم" في نوادر الأصول" عن يزيد الرقاشي، سمع أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:" إن داود النبي عليه السلام حين نظر إلى المرأة فهم بها قطع على بني إسرائيل بعثا وأوصى صاحب البعث فقال إذا حضر العدو قرب فلانا وسماه، قال فقربه بين يدي التابوت- قال- وكان ذلك التابوت في ذلك الزمان يستنصر به فمن قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل أو ينهزم عنه الجيش الذي يقاتله فقدم فقتل زوج المرأة ونزل الملكان على داود فقصا عليه القصة". وقال سعيد عن قتادة: كتب إلى زوجها وذلك في حصار عمان مدينة بلقاء «1» أن يأخذوا بحلقة الباب، وفية الموت الأحمر، فتقدم فقتل. وقال الثعلبي قال قوم من العلماء: إنما امتحن الله داود بالخطيئة، لأنه تمنى يوما على ربه منزلة إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وسأله أن يمتحنه نحو ما امتحنهم، ويعطيه نحو ما أعطاهم. وكان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام، يوم يقضي فيه بين الناس، ويوم يخلو فيه بعبادة ربه، ويوم يخلو فيه بنسائه وأشغاله. وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب. فقال: يا رب! إن الخير كله قد ذهب به آبائي، فأوحى الله تعالى إليه: إنهم ابتلوا ببلايا لم يبتل بها غيرهم فصبروا عليها، ابتلي إبراهيم بنمروذ وبالنار وبذبح ابنه، وابتلي إسحاق بالذبح، وابتلي يعقوب بالحزن على يوسف وذهاب بصره، ولم تبتل أنت بشيء من ذلك. فقال داود عليه السلام: فابتلني بمثل ما ابتليتهم، وأعطني مثل ما أعطيتهم، فأوحى الله تعالى إليه: إنك مبتلى في شهر كذا في يوم الجمعة. فلما كان ذلك اليوم دخل محرابه وأغلق بابه، وجعل يصلي يقرأ الزبور. فبينا هو كذلك إذ مثل له الشيطان في صورة حمامة من ذهب، فيها من كل لون حسن، فوقف بين رجليه، فمد يده ليأخذها فيدفعها لابن له صغير، فطارت غير بعيد ولم تؤيسه من نفسها، فامتد إليها ليأخذها فتنحت، فتبعها فطارت حتى وقعت في كوة، فذهب ليأخذها فطارت ونظر داود يرتفع في إثرها ليبعث إليها من يأخذها، فنظر امرأة في بستان على شط بركة
__________
(1). مدينة بلقاء يريد بها قصبة البلقاء.

تغتسل، قاله الكلبي. وقال السدي: تغتسل عريانة على سطح لها، فرأى أجمل النساء خلقا، فأبصرت ظله فنفضت شعرها فغطى بدنها، فزاده إعجابا بها. وكان زوجها أور يا بن حنان، في غزوة مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود، فكتب داود إلى أيوب أن ابعث بأوريا إلى مكان كذا وكذا، وقدمه قبل التابوت، وكان من قدم قبل التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتى يفتح الله عليه أو يستشهد. فقدمه ففتح له فكتب إلى داود يخبره بذلك. قال الكلبي: وكان أوريا سيف الله في أرضه في زمان داود، وكان إذا ضرب ضربة وكبر كبر جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله، وكبرت ملائكة السماء بتكبيره حتى ينتهي ذلك إلى العرش، فتكبر ملائكة العرش بتكبيره. قال: وكان. سيوف الله ثلاثة «1»، كالب بن يوفنا في زمن موسى، وأوريا في زمن داود، وحمزة بن عبد المطلب في زمن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فلما كتب أيوب إلى داود يخبره أن الله قد فتح على أوريا كتب داود إليه: أن ابعثه في بعث كذا وقدمه قبل التابوت، ففتح الله عليه، فقتل في الثالثة شهيدا. فتزوج داود تلك المرأة حين انقضت عدتها. فهي أم سليمان بن داود. وقيل: سبب امتحان داود عليه السلام أن نفسه حدثته أنه يطيق قطع يوم بغير مقارفة شي. قال الحسن: إن داود جزأ الدهر أربعة أجزاء، جزء لنسائه، وجزءا للعبادة، وجزء البني إسرائيل يذاكرونه ويذاكرهم ويبكونه ويبكيهم، ويوما للقضا فتذاكروا هل يمر على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا؟ فأضمر داود أنه يطيق ذلك، فأغلق الباب على نفسه يوم عبادته، وأمر ألا يدخل عليه أحد، وأكب على قراءة الزبور، فوقعت حمامة من ذهب بين يديه. وذكر نحو ما تقدم. قال علماؤنا: وفي هذا دليل وهى. الثانية- على أنه ليس على الحاكم أن ينتصب للناس كل يوم، وأنه ليس للإنسان أن يترك وطء نسائه وإن كان مشغولا بالعبادة. وقد مضى هذا المعنى في" النساء." «2» وحكم كعب بذلك في زمن عمر بمحضره رضي الله عنهما. وقد قال عليه السلام
__________
(1). في النسخة الخيرية: وكان سيوف الله هكذا ثلاثة.
(2). راجع ج 5 ص 19 طبعه أولى أو ثانية.

لعبد الله بن عمر:" إن لزوجك عليك حقا" الحديث. وقال الحسن أيضا ومجاهد: إن داود عليه السلام قال لبني إسرائيل حين استخلف: والله لأعدلن بينكم، ولم يستثن فابتلي بهذا. وقال أبو بكر الوراق: كان داود كثير العبادة فأعجب بعمله وقال: هل في الأرض أحد يعمل كعملي. [فأرسل «1»] الله إليه جبريل، فقال: إن الله تعالى يقول لك: عجبت بعبادتك، والعجب يأكل العبادة كما تأكل النار الحطب، فإن أعجبت ثانية وكلتك إلى نفسك. قال: يا رب كلني إلى نفسي سنة. قال: إن ذلك لكثير. قال: فشهرا. قال: إن ذلك لكثير. قال: فيوما. قال: إن ذلك لكثير. قال: يا رب فكلني إلى نفسي ساعة. قال: فشأنك بها. فوكل الأحراس، ولبس الصوف، ودخل المحراب، ووضع الزبور بين يديه، فبينما هو في عبادته إذ وقع الطائر بين يديه، فكان من أمر المرأة ما كان. وقال سفيان الثوري: قال داود ذات يوم: يا رب ما من يوم إلا ومن آل داود لك فيه صائم، وما من ليلة إلا ومن آل داود لك فيها قائم. فأوحى الله إليه: يا داود منك ذلك أو مني؟ وعزتي لأكلنك إلى نفسك. قال: يا رب اعف عني. قال: أكلك إلى نفسك سنة. قال: لا بعزتك. قال: فشهرا. قال: لا بعزتك. قال: فأسبوعا. قال: لا بعزتك. قال: فيوما. قال: لا بعزتك. قال: فساعة. قال: لا بعزتك. قال: فلحظة. فقال له الشيطان: وما قدر لحظة. قال: كلني إلى نفسي لحظة. فوكله الله إلى نفسه لحظة. وقيل له: هي في يوم كذا في وقت كذا. فلما جاء ذلك اليوم جعله للعبادة، ووكل الأحراس حول مكانه. قيل: أربعة آلاف. وقيل: ثلاثين ألفا أو ثلاثة وثلاثين ألفا. وخلا بعبادة ربه، ونشر الزبور بين يديه، فجاءت الحمامة فوقعت له، فكان من أمره في لحظته مع المرأة ما كان. وأرسل الله عز وجل إليه الملكين بعد ولادة سليمان، وضربا له المثل بالنعاج، فلما سمع المثل ذكر خطيئته فخر ساجدا أربعين ليلة على ما يأتي. الثالثة- قوله تعالى:" فَفَزِعَ مِنْهُمْ" لأنهما أتياه ليلا في غير وقت دخول الخصوم. وقيل: لد خولهم عليه بغير إذنه. وقيل: لأنهم تسوروا عليه المحراب ولم يأتوه من الباب.
__________
(1). في الأصول:" فأوحى."

قال ابن العربي: وكان محراب داود عليه السلام من الامتناع بالارتفاع، بحيث لا يرتقى إليه آدمي بحيلة إلا أن يقيم إليه أياما أو أشهرا بحسب طاقته، مع أعوان يكثر عددهم، وآلات جمة مختلفة الأنواع. ولو قلنا: إنه يوصل إليه من باب المحراب لما قال الله تعالى مخبرا عن ذلك" تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ" إذ لا يقال تسور المحراب والغرفة لمن طلع إليها من درجها، وجاءها من أسفلها إلا أن يكون ذلك مجازا، وإذا شاهدت الكوة التي يقال إنه دخل منها الخصمان علمت قطعا أنهما لكان، لأنها من العلو بحيث لا ينالها إلا علوي. قال الثعلبي: وقد قيل كان المتسوران أخوين من بنى إسرائيل لأب وام. فلما قضى داود بينهما بقضية قال له ملك من الملائكة: فهلا قضيت بذلك على نفسك يا داود. قال الثعلبي: والأول أحسن أنهما كانا ملكين نبها داود على ما فعل. قلت: وعلى هذا أكثر أهل التأويل. فإن قيل: كيف يجوز أن يقول الملكان" خصمان بغى بعضنا على بعض" وذلك كذب والملائكة عن مثله منزهون. فالجواب أنه لأبد في الكلام من تقدير، فكأنهما قالا: قدنا كأننا خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق، وعلى ذلك يحمل قولهما:" إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً" لأن ذلك وإن كان بصورة الخبر فالمراد إيراده على طريق التقدير لينبه داود على ما فعل، والله أعلم. الرابعة- إن قبل: لم فزع داود وهو نبى، وقد قويت نفسه بالنبوة، واطمأنت بالوحي، ووثقت بما أتاه الله من المنزلة، وأظهر على يديه من الآيات، وكان من الشجاعة في غاية المكانة؟ قيل له: ذلك سبيل الأنبياء قبله، لم يأمنوا القتل والإذاية ومنهما كان يخاف. ألا ترى إلى موسى وهرون عليهما السلام كيف قالا:" إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى " فقال الله عز وجل" لا تَخافا" وقالت الرسل للوط:" لا تخف. إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ" وكذا قال الملكان هنا:" لا تخف." قال محمد بن إسحاق: بعث الله إليه ملكين يختصمان إليه وهو في محرابه- مثلا ضربه الله له ولأوريا- فرآهما واقفيين على رأسه، فقال: ما أدخلكما على؟ قالا:" لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ" فجئناك لتقضى بيننا.

الخامسة- قال ابن العربي: فإن قيل كيف لم يأمر بإخراجهما إذ قد علم مطلبهما، وهلا أدبهما وقد دخلا عليه بغير إذن؟ فالجواب عليه من أربعة أوجه: الأول: أنا لم نعلم كيفية شرعه في الحجاب والإذن فيكون الجواب بحسب تلك الأحكام، وقد كان ذلك في ابتداء شرعنا مهملا في هذه الأحكام، حتى أوضحها الله تعالى بالبيان. الثاني- أنا لو نزلنا الجواب على أحكام الحجاب، لاحتمل أن يكون الفزع الطارئ عليه أذهله عما كان يجب في ذلك له. الثالث- أنه أراد أن يستوفي كلامهما الذي دخلا له حتى يعلم آخر الأمر منه، ويرى هل يحتمل التقحم فيه بغير إذن أم لا؟ وهل يقترن بذلك عذر لهما أم لا يكون لهما عذر فيه؟ فكان من آخر الحال ما انكشف أنه بلاء ومحنة، ومثل ضربه الله في القصة، وأدب وقع على دعوى العصمة. الرابع- أنه يحتمل أن يكون في مسجد ولا إذن في المسجد لأحد إذ لا حجر فيه على أحد. قلت: وقول خامس ذكره القشيري، وهو أنهما قالا: لما لم يأذن لنا الموكلون بالحجاب، توصلنا إلى الدخول بالتسور، وخفنا أن يتفاقم الأمر بيننا. فقبل داود عذرهم، وأصغى إلى قولهم. السادسة- قوله تعالى:" خَصْمانِ" إن قيل: كيف قال" خَصْمانِ" وقبل هذا" إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ" فقيل: لأن الإثنين جمع، قال الخليل: كما تقول نحن فعلنا إذا كنتما اثنين. وقال الكسائي: جمع لما كان خبرا، فلما انقضى الخبر وجاءت المخاطبة، خبر الاثنان عن أنفسهما فقالا خصمان. وقال الزجاج: المعنى نحن خصمان. وقال غيره: القول محذوف، أي يقول:" خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ" قال الكسائي: ولو كان بغى بعضهما على بعض، لجاز. الماوردي: وكانا ملكين، ولم يكونا خصمين ولا باغيين، ولا يأتي منهما كذب، وتقدير كلامهما ما تقول: إن أتاك خصمان قالا بغى بعضنا على بعض. وقيل: أي نحن فريقان من الخصوم بغى بعضنا على بعض. وعلى هذا يحتمل أن تكون الخصومة بين اثنين ومع كل واحد جمع. ويحتمل أن يكون لكل واحد من هذا الفريق خصومة

مع كل واحد من الفريق الآخر، فحضروا الخصومات ولكن ابتدأ منهم اثنان، فعرف داود بذكر النكاح القصة. وأغنى ذلك عن التعرض للخصومات الأخر
. والبغي التعدي والخروج عن الواجب. يقال: بغى الجرح إذا أفرط وجعه وترامى، إلى ما يفحش، ومنه بغت المرأة إذا أتت الفاحشة. السابعة- قوله تعالى:" فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ" أي لا تجر، قاله السدي. وحكى أبو عبيد: شططت عليه شططت أي جرت. وفي حديث تميم الداري:" إنك لشاطئ" أي جائر علي في الحكم. وقال قتادة: لا تمل. الأخفش: لا تسرف. وقيل: لا تفرط. والمعنى متقارب. والأصل فيه البعد من شطت الدار أي بعدت، شطت الدار تشط وتشط شطا وشطوطا بعدت. وأشط في القضية أي جار، وأشط في السوم واشتط أي أبعد، وأشطوا في طلبي أي أمعنوا. قال أبو عمرو: الشطط مجاوزة القدر في كل شي. وفي الحديث:" لها مهر مثلها لا وكس ولا شطط" أي لا نقصان ولا زيادة. وفي التنزيل:" لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً" [الكهف: 14] أي جورا من القول وبعدا عن الحق." وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ" أي أرشدنا إلى قصد السبيل. الثامنة- قوله تعالى:" إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً" أي قال الملك الذي تكلم عن أوريا" إِنَّ هذا أَخِي" أي على ديني، وأشار إلى المدعى عليه. وقيل: أخي أي صاحبي." لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً" وقرا الحسن:" تسع وتسعون نعجة" بفتح التاء فيهما وهي لغة شاذة، وهي الصحيحة من قراءة الحسن، قال النحاس. والعرب تكني عن المرأة بالنعجة والشاة، لما هي عليه من السكون والمعجزة وضعف الجانب. وقد يكنى عنها بالبقرة والحجرة والناقة، لأن الكل مركوب. قال أبن عون
أنا أبوهن ثلاث هنه ... ورابعة في البيت صغرا هنه
ونعجتي خمسا توفيهنه ... وألا فتى سمح يغذيهنه
طي النقا في الجوع يطويهنه ... وويل الرغيف ويله منهنه

وقال عنترة:
يا شاة ما قنص لمن حلت له ... وحرمت علي وليتها لم تحرم
فبعثت جاريتي فقلت لها اذهبي ... فتجسسي أخبارها لي واعلم
قالت رأيت من الأعادي غرة ... ووالشاة ممكنة لمن هو مرتم
فكأنما التفتت بجيد جداية ... ورشإ من الغزلان حر أرثم

وقال آخر «1»:
فرميت غفلة عينه عن شاته ... وفأصبت حبة قلبها وطحالها
وهذا من أحسن التعريض حيث كنى بالنعاج عن النساء. قال الحسين بن الفضل: هذا من الملكين تعريض وتنبيه كقولهم ضرب زيد عمرا، وما كان ضرب ولا نعاج على التحقيق، كأنه قال: نحن خصمان هذه حالنا. قال أبو جعفر النحاس: وأحسن ما قيل في هذا أن المعنى، يقول: خصمان بغى بعضنا على بعض على جهة المسألة، كما تقول: رجل يقول لامرأته كذا، ما يجب عليه؟ قلت: وفد تأول المزني صاحب الشافعي هذه الآية، وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث ابن شهاب الذي خرجه الموطأ وغيره:" هو لك يا عبد بن زمعة" على نحو هذا، قال المزني: يحتمل هذا الحديث عندي- والله أعلم- أن يكون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أجاب عن المسألة فأعلمهم بالحكم أن هذا يكون إذا ادعى صاحب فراش وصاحب زنى، لا أنه قبل على عتبة قول أخيه سعد، ولا على زمعة قول ابنه إنه ولد «2» زنى، لأن كل، واحد منهما أخبر عن غيره. وقد أجمع المسلمون أنه لا يقبل إقرار أحد على غيره. وقد ذكر الله سبحانه في كتابه مثل ذلك في، قصة داود والملائكة، إذ دخلوا عليه ففزع منهم، قالوا لا تخف خصمان ولم يكونوا خصمين، ولا كان لواحد منهم تسع وتسعون نعجة، ولكنهم كلموه على المسألة ليعرف بها ما أرادوا تعريفه. فيحتمل أن يكون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
__________
(1). هو الأعشى.
(2). قوله:" إنه وتلد زنى" أولى بقول سعد بن أبى وقاص. راجع الحديث في" الموطأ" ج 6 ص 4 طبعه السلطان عبد الحفيظ.

حكم في هذه القصة على المسألة، وإن لم يكن أحد يؤنسني على هذا التأويل في الحديث، فإنه عندي صحيح. والله أعلم. التاسعة- قال النحاس: وفي قراءة أبن مسعود" إن هذا أخي كان له تسع وتسعون نعجة أنثى" و" كان" هنا مثل قول عز وجل:" وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً" [النساء: 96] فأما قوله" أنثى" فهو تأكيد، كما يقال: هو رجل ذكر وهو تأكيد. وقيل: لما كان يقال هذه مائة نعجة، وإن كان فيها من الذكور شي يسير، جاز أن يقال: أنثى ليعلم أنه لا ذكر فيها. وفي التفسير: له تسع وتسعون امرأة. قال ابن العربي: إن كان جميعهن أحرارا فذلك شرعه، وإن كن إماء فذلك شرعنا. والظاهر أن شرع من تقدم قبلنا لم يكن محصورا بعدد، وإنما الحصر في شريعة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لضعف الأبدان وقلة الأعمار. وقال القشيري: ويجوز أن يقال: لم يكن له هذا العدد بعينه، ولكن المقصود ضرب مثل، كما تقول: لو جئتني مائة مرة لم أقض حاجتك، أي مرارا كثيرة. قال ابن العربي: قال بعض المفسرين لم يكن لداود مائة امرأة، وإنما ذكر التسعة والتسعين مثلا، المعنى: هذا غني عن الزوجة وأنا مفتقر إليها. وهذا فاسد من، وجهين: أحدهما- أن العدول عن الظاهر بغير دليل لا معنى له، ولا دليل يدل على أن شرع من قبلنا كان مقصورا من النساء على ما في شرعنا. الثاني: أنه روى البخاري وغيره أن سليمان قال:" لأطوفن الليلة على مائة امرأة تلد كل امرأة غلاما يقاتل في سبيل الله ونسي أن يقول إن شاء الله" وهذا نص العاشرة- قوله تعالى:" وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ" أي امرأة واحدة" فقال أكفلينها" أي أنزل لي عنها حتى أكفلها. وقال ابن عباس: أعطنيها. وعنه: تحول لي عنها. وقاله ابن مسعود. وقال أبو العالية: ضمها إلي حتى أكفلها. وقال ابن كيسان: اجعلها كفلي ونصيبي." وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ" أي غلبني. قال الضحاك: إن تكلم كان أفصح مني، وإن حارب كان أبطش مني. يقال: عزه يعزه" بضم العين في المستقبل" عزا غلبه. وفي المثل: من عزيز، أي من غلب سلب. والاسم العزة وهي القوة والغلبة. قال الشاعر
قطاة عزها شرك فباتت ... وتجاذبه وقد علق الجناح

وقرا عبد الله بن مسعود وعبيد بن عمير:" وعازني في الخطاب" أي غالبني، من المعازة وهي المغالبة، عازه أي غالبه. قال ابن العربي: واختلف في سبب الغلبة، فقيل: معناه غلبني ببيانه. وقيل: غلبني بسلطانه، لأنه لما سأله لم يستطع خلافه. كان ببلادنا أمير يقال له: سير بن أبي بكر فكلمته «1» في أن يسأل لي رجلا حاجة، فقال لي: أما علمت أن طلب السلطان للحاجة غصب لها. فقلت: أما إذا كان عدلا فلا. فعجبت من عجمته وحفظه لما تمثل به وفطنته، كما عجب من جوابي له واستغربه. الحادية عشرة- قوله تعالى:" قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ" قال النحاس: فيقال إن هذه كانت خطيئة داود عليه السلام، لأنه قال: لقد ظلمك من غير تثبت ببينة، ولا إقرار من الخصم، هل كان هذا كذا أو لم يكن. فهذا قول. وسيأتي بيانه في المسألة بعد هذا، وهو حسن إن شاء الله تعالى. وقال أبو جعفر النحاس: فأما قول العلماء الذين لا يدفع قولهم، منهم عبد الله بن مسعود وابن عباس، فإنهم قالوا: ما زاد داود صلى الله على نبينا وعليه على أن قال للرجل انزل لي عن امرأتك. قال أبو جعفر: فعاتبه الله عز وجل على ذلك ونبهه عليه، وليس هذا بكبير من المعاصي، ومن تخطى إلى غير هذا فإنما يأتي بما لا يصح عن عالم، ويلحقه فيه إثم عظيم. كذا قال: في كتاب" إعراب القرآن." وقال: في كتاب معاني القرآن له بمثله. قال رضي الله عنه: قد جاءت أخبار وقصص في أمر داود عليه السلام وأوريا، وأكثرها لا يصح ولا يتصل إسناده، ولا ينبغي أن يجترئ على مثلها إلا بعد المعرفة بصحتها. وأصح ما روي في ذلك ما رواه مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: ما زاد داود عليه السلام على أن قال" أَكْفِلْنِيها" أي انزل لي عنها. وروى المنهال عن سعيد بن جبير قال: ما زاد داود صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أن قال:" أَكْفِلْنِيها" أي تحول لي عنها وضمها إلي، قال أبو جعفر: فهذا أجل ما روي في
هذا، والمعنى عليه أن داود عليه السلام سأل أوريا أن يطلق امرأته، كما يسأل الرجل الرجل أن يبيعه جاريته، فنبهه الله
__________
(1). هو الأمير أبو بكر سير من أمراء المرابطين أحد قواد يوسف بن تاشفين المشاهير تركه بالأندلس حين عزم الرجوع إلى بلاده. 1 هـ نفح الطيب.

عز وجل على ذلك، وعاتبه لما كان نبيا وكان له تسع وتسعون أنكر عليه أن يتشاغل بالدنيا بالتزيد منها، فأما غير هذا فلا ينبغي الاجتراء عليه. قال ابن العربي: وأما قولهم إنها لما أعجبته أمر بتقديم زوجها للقتل في سبيل الله فهذا باطل قطعا، فإن داود صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يكن ليريق دمه في غرض نفسه، وإنما كان من الأمر أن داود قال لبعض أصحابه: انزل لي عن أهلك وعزم عليه في ذلك، كما يطلب الرجل من الرجل الحاجة برغبة صادقة، كانت في الأهل أو في المال. وقد قال سعيد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف حين آخى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بينهما: إن لي زوجتين أنزل لك عن أحسنهما، فقال له: بارك الله لك في أهلك. وما يجوز فعله ابتداء يجوز طلبه، وليس في القرآن أن ذلك كان، ولا أنه تزوجها بعد زوال عصمة الرجل عنها، ولا ولادتها لسليمان، فعمن يروى هذا ويسند؟! وعلى من في نقله يعتمد، وليس يأثره عن الثقات الأثبات أحد. أما أن في سورة" الأحزاب" نكتة تدل على أن داود قد صارت له المرأة زوجة، وذلك قوله:" ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ" [الأحزاب: 38] يعني في أحد الأقوال: تزويج داود المرأة التي نظر إليها، كما تزوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زينب بنت جحش، إلا أن تزويج زينب كان من غير سؤال الزوج في فراق، بل أمره بالتمسك بزوجته، وكان تزويج داود للمرأة بسؤال زوجها فراقها. فكانت، هذه المنقبة لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على داود مضافة إلى مناقبه العلية صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ولكن قد قيل: إن معنى" سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ" تزويج الأنبياء بغير صداق من وهبت نفسها لهم من النساء بغير صداق. وقيل: أراد بقوله:" سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ" [الأحزاب: 38] أن الأنبياء صلوات الله عليهم فرض لهم ما يمتثلونه في النكاح وغيره. وهذا أصح الأقوال. وقد روى المفسرون أن داود عليه السلام نكح مائة امرأة، وهذا نص القرآن. وروي أن سليمان كانت له ثلاثمائة امرأة وسبعمائة جارية، وربك أعلم. وذكر الكيا الطبري في أحكامه في قول الله عز وجل:" وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ" الآية: ذكر المحققون الذين يرون تنزيه الأنبياء عليهم السلام عن الكبائر، أن داود عليه

السلام كان قد أقدم على خطبة امرأة قد خطبها غيره، يقال هو أوريا، فمال القوم إلى تزويجها من داود راغبين فيه، وزاهدين في الخاطب الأول، ولم يكن بذلك داود عارفا، وقد كان يمكنه أن يعرف ذلك فيعدل عن هذه الرغبة، وعن الخطبة بها فلم يفعل ذلك، من حيث أعجب بها إما وصفا أو مشاهدة على غير تعمد، وقد كان لداود عليه السلام من النساء العدد الكثير، وذلك الخاطب لا امرأة له، فنبه الله تعالى على ما فعل بما كان من تسور الملكين، وما أورداه من التمثيل على وجه التعريض، لكي يفهم من ذلك موقع العتب فيعدل عن هذه الطريقة، ويستغفر ربه من هذه الصغيرة. الثانية عشرة- قوله تعالى:" قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ" فيه الفتوى في النازلة بعد السماع من أحد الخصمين، وقبل أن يسمع من الآخر بظاهر هذا القول. قال ابن العربي: وهذا مما لا يجوز عند أحد، ولا في ملة من الملل، ولا يمكن ذلك للبشر. وإنما تقدير الكلام أن أحد الخصمين أدعى والآخر سلم في الدعوى، فوقعت بعد ذلك الفتوى. وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إذا جلس إليك الخصمان فلا تقضى لأحدهما حتى تسمع من الآخر" وقيل: إن داود لم يقض للآخر حتى اعترف صاحبه بذلك. وقيل: تقديره لقد ظلمك إن كان كذلك. والله أعلم بتعيين ما يمكن من هذه الوجوه. قلت: ذكر هذين الوجهين القشيري والماوردي وغيرهما. قال القشيري: وقوله:" لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ" من غير أن يسمع كلام الخصم مشكل، فيمكن أن يقال: إنما قال هذا بعد مراجعة الخصم الآخر وبعد اعترافه. وقد روي هذا وإن لم تثبت روايته، فهذا معلوم من قرائن الحال، أو أراد لقد ظلمك إن كان الأمر على ما تقول، فسكته بهذا وصبره إلى أن يسأل خصمه. قال ويحتمل أن يقال: كان من شرعهم التعويل على قول المدعي عند سكوت المدعى عليه، إذا لم يظهر منه إنكار بالقول. و
- قال الحليمي أبو عبد الله في كتاب منهاج الدين له: ومما جاء في شكر النعمة المنتظرة إذا حضرت، أو كانت خافية فظهرت: السجود لله عز وجل. قال والأصل في ذلك قول عز وجل:" وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ"

إلى قوله:" وَحُسْنَ مَآبٍ". أخبر الله عز وجل عن داود عليه السلام، أنه سمع قول المتظلم من الخصمين، ولم يخبر عنه أنه سأل الآخر، إنما حكى أنه ظلمه، فكان ظاهر ذلك أنه رأى في المتكلم مخائل الضعف والهضيمة، فحمل أمره على أنه مظلوم كما يقول، ودعاه ذلك إلى ألا يسأل الخصم، فقال له مستعجلا:" لَقَدْ ظَلَمَكَ" مع إمكان أنه لو سأله لكان يقول: كانت لي مائة نعجة ولا شي لهذا، فسرق مني هذه النعجة، فلما وجدتها عنده قلت له ارددها، وما قلت له أكفلنيها، وعلم أني مرافعة إليك، فجرني قبل أن أجره، وجاءك متظلما من قبل أن أحضره، لتظن أنه هو المحق وأني أنا الظالم. ولما تكلم داود بما حملته العجلة عليه، علم أن الله عز وجل خلاه ونفسه في ذلك الوقت، وهو الفتنة التي ذكرناها، وأن ذلك لم يكن إلا عن تقصير منه، فاستغفر ربه وخر راكعا لله تعالى شكرا على أن عصمه، بأن اقتصر على تظليم المشكو، ولم يزده على ذلك شيئا من انتهار أو ضرب أو غيرهما، مما يليق بمن تصور في القلب أنه ظالم، فغفر الله له ثم أقبل عليه يعاتبه، فقال:" يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ" [ص: 26] فبان بما قصه الله تعالى من هذه الموعظة، التي توخاه بها بعد المغفرة، أن خطيئته إنما كانت التقصير في الحكم، والمبادرة إلى تظليم من لم يثبت عنده ظلمه. ثم جاء عن ابن عباس أنه قال: سجدها داود شكرا، وسجدها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتباعا، فثبت أن السجود للشكر سنة متواترة عن الأنبياء صلوات الله عليهم." بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ" أي بسؤاله نعجتك، فأضاف المصدر إلى المفعول، وألقى الهاء من السؤال، وهو كقوله تعالى:" لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ" [فصلت: 49] أي من دعائه الخير. الثالثة عشرة- قوله تعالى:" وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ" يقال: خليط وخلطاء ولا يقال طويل وطولاء، لثقل الحركة في الواو. وفية وجهان: أحدهما أنهما الأصحاب. الثاني أنهما الشركاء.

قلت: إطلاق الخلطاء على الشركاء فيه بعد، وقد أختلف العلماء في صفة الخلطاء فقال أكثر العلماء: هو أن يأتي كل واحد بغنمه فيجمعهما راع واحد والدلو والمراح. وقال طاوس وعطاء: لا يكون الخلطاء إلا الشركاء. وهذا خلاف الخبر، وهو قول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان من خليطين فإنهما يتراجحان بينهما بالسويه" وروي" فإنهما يترادان الفضل" ولا موضع لتراد الفضل بين الشركاء، فاعلمه. وأحكام الخلطة مذكورة في كتب الفقه. ومالك وأصحابه وجمع من العلماء لا يرون" الصدقة" «1» على من ليس في حصته ما تجب فيه الزكاة. وقال الربيع والليث وجمع من العلماء منهم الشافعي: إذا كان في جميعها ما تجب فيه الزكاة أخذت منهم الزكاة. قال مالك: وإن أخذ المصدق بهذا ترادوا بينهم للاختلاف في ذلك، وتكون كحكم حاكم اختلف فيه. الرابعة عشرة- قوله تعالى:" لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ" أي يتعدى ويظلم." إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ" فإنهم لا يظلمون أحدا." وَقَلِيلٌ ما هُمْ" يعني الصالحين، أي وقليل هم ف" ما" زائدة. وقيل: بمعنى الذين وتقديره وقليل الذين هم. وسمع عمر رضي الله عنه رجلا يقول في دعائه: اللهم اجعلني من عبادك القليل. فقال له عمر: ما هذا الدعاء. فقال أردت قول الله عز وجل:" إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ" فقال عمر: كل الناس أفقه منك يا عمر الخامسة عشرة- قوله تعالى:" وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ" أي ابتليناه." وَظَنَّ" معناه أيقن. قال أبو عمرو والفراء: ظن بمعنى أيقن، إلا أن الفراء شرحه بأنه لا يجوز في المعاين أن يكون الظن إلا بمعنى اليقين. والقراءة" فَتَنَّاهُ" بتشديد النون دون التاء. وقرا عمر بن الخطاب رضي الله عنه" فتناه" بتشديد التاء والنون على المبالغة. وقرا قتادة وعبيد ابن عمير وابن السميقع" فتناه" بتخفيفهما. ورواه علي بن نصر عن أبي عمرو، والمراد به الملكان اللذان دخلا على داود عليه السلام.
__________
(1). زيادة يقتضيها السياق.

السادسة عشرة- قيل: لما قضى داود بينهما في المسجد، نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك فلم يفطن داود، فأحبا أن يعرفهما، فصعدا إلى السماء حيال وجهه، فعلم داود عليه السلام أن الله تعالى ابتلاه بذلك، ونبهه على ما ابتلاه. قلت: وليس في القران ما يدل على، القضاء في المسجد إلا هذه الآية، وبها استدل من قال بجواز القضاء في المسجد، ولو كان ذلك لا يجوز كما قال الشافعي لما أقرهم داود على ذلك. ويقول: انصرفا إلى موضع القضاء. وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والخلفاء يقضون في المسجد، وقد قال مالك: القضاء في المسجد من الأمر القديم. يعني في أكثر الأمور. ولا بأس أن يجلس في رحبته، ليصل إليه الضعيف والمشرك والحائض، ولا يقيم فيه الحدود، ولا بأس بخفيف الأدب. وقد قال أشهب يقضي في منزله وأين أحب. السابعة عشرة- قال مالك رحمه الله: وكان الخلفاء يقضون بأنفسهم، وأول من استقضى معاوية. قال مالك: وينبغي للقضاة مشاورة العلماء. وقال عمر بن عبد العزيز: لا يستقضي حتى يكون عالما بآثار من مضى، مستشيرا لذوي الرأي، حليما نزها. قال: ويكون ورعا. قال مالك: وينبغي أن يكون متيقظا كثير التحذر من الحيل، وأن يكون عالما بالشروط، عارفا بما لا بد له منه من العربية، فإن الأحكام تختلف باختلاف العبارات والدعاوى والإقرارات والشهادات والشروط التي تتضمن حقوق المحكوم له. وينبغي له أن يقول قبل إنجاز الحكم للمطلوب: أبقيت لك حجة؟ فإن قال لا حكم عليه، ولا يقبل منه حجة بعد إنفاذ حكمه إلا أن يأتي بما له وجه أو بينة. وأحكام القضاء والقضاة فيما لهم وعليهم مذكورة في غير هذا الموضع. الثامنة عشرة- قوله تعالى:" فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ" اختلف المفسرون في الذنب الذي استغفر منه على أقوال ستة، الأول أنه نظر إلى المرأة حتى شبع منها. قال سعيد بن جبير: إنما كانت فتنته النظرة. قال أبو إسحاق: ولم يتعمد داود النظر إلى المرأة لكنه عاود النظر إليها، فصارت الأولى له والثانية عليه. الثاني أنه أغزى زوجها في حملة التابوت. الثالث

أنه نوى إن مات زوجها أن يتزوجها. الرابع أن أوريا كان خطب تلك المرأة، فلما غاب خطبها داود فزوجت منه لجلالته، فاغتم لذلك أوريا. فعتب الله على داود إذ لم يتركها لخاطبها. وقد كان عنده تسع وتسعون امرأة. الخامس أنه لم يجزع على قتل أوريا، كما كان يجزع على من هلك من الجند، ثم تزوج امرأته، فعاتبه الله تعالى على ذلك، لأن ذنوب الأنبياء وإن صغرت فهي عظيمة عند الله. السادس أنه حكم لأحد الخصمين قبل أن يسمع من الآخر. قال القاضي ابن العربي: أما قول من قال: إنه حكم لأحد الخصمين قبل أن يسمع من الآخر فلا يجوز على الأنبياء، وكذلك تعريض زوجها للقتل. وأما من قال: إنه نظر إليها حتى شبع فلا يجوز ذلك عندي بحال، لأن طموح النظر لا يليق بالأولياء المتجردين للعبادة، فكيف بالأنبياء الذين هم وسائط الله المكاشفون بالغيب! وحكى السدي عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قال: لو سمعت رجلا يذكر أن داود عليه السلام قارف من تلك المرأة محرما لجلدته ستين ومائة، لأن حد قاذف الناس ثمانون وحد قاذف الأنبياء ستون ومائة. ذكره الماوردي والثعلبي أيضا. قال الثعلبي: وقال الحرث الأعور عن علي: من حدث بحديث داود على ما ترويه القصاص معتقدا جلدته حدين، لعظم ما ارتكب برمي من قد رفع الله محله، وارتضاه من خلقه رحمة للعالمين، وحجة للمجتهدين. قال ابن العربي: وهذا مما لم يصح عن علي. فإن قيل: فما حكمه عندكم؟ قلنا: أما من قال إن نبيا زنى فإنه يقتل، وأما من نسب إليه ما دون ذلك من النظر والملامسة، فقد أختلف نقل «1» الناس في ذلك، فإن صمم أحد على ذلك فيه ونسبه إليه قتلته، فإنه يناقض التعزير المأمور به، فأما قولهم: إنه وقع بصره على امرأة تغتسل عريانة، فلما رأته أسبلت شعرها فسترت جسدها، فهذا لا حرج عليه فيه بإجماع من الأمة، لأن النظرة الأولى تكشف المنظور إليه ولا يأثم الناظر بها، فأما النظرة الثانية فلا أصل لها. وأما قولهم: إنه. نوى إن مات زوجها تزوجها فلا شي فيه إذ لم يعرضه للموت. وأما قولهم: إنه خطب على خطبة أوريا فباطل يرده القرآن والآثار التفسيرية كلها.
__________
(1). الزيادة من أحكام القرآن لابن العربي.

وقد روى أشهب عن مالك قال: بلغني أن تلك الحمامة أتت فوقعت قريبا من داود عليه السلام وهي من ذهب، فلما رآها أعجبته فقام ليأخذها فكانت قرب يده، ثم صنع مثل ذلك مرتين، ثم طارت واتبعها ببصره فوقعت عينه على تلك المرأة وهي، تغتسل ولها شعر طويل، فبلغني أنه أقام أربعين ليلة ساجدا حتى نبت العشب من دموع عينه. قال ابن العربي: وأما قول المفسرين إن الطائر درج عنده فهم بأخذه واتبعه فهذا لا يناقض العبادة، لأنه مباح فعله، لا سيما وهو حلال وطلب الحلال فريضة، وإنما أتبع الطير لذاته لا لجماله فإنه لا منفعة له فيه، وإنما ذكرهم لحسن الطائر خرق في الجهالة. أما أنه روي أنه كان طائرا من ذهب فاتبعه ليأخذه، لأنه من فضل الله سبحانه وتعالى كما روي في الصحيح:" إن أيوب عليه السلام كان يغتسل عريانا فخر عليه رجل من جراد من ذهب «1» فجعل يحثي منه ويجعل في ثوبه." فقال الله تعالى له:" يا أيوب ألم أكن أغنيتك" قال:" بلى يا رب ولكن لا غنى لي عن بركتك" وقال القشيري: فهم داود بأن يأخذه ليدفعه إلى ابن له صغير فطار ووقع على كوة البيت، وقاله الثعلبي أيضا وقد تقدم. التاسعة عشرة- قوله تعالى:" وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ" أي خر ساجدا، وقد يعبر عن السجود بالركوع. قال الشاعر
فخر على وجهه راكعا ... ووتاب إلى الله من كل ذنب
قال ابن العربي: لا خلاف بين العلماء أن المراد بالركوع ها هنا السجود، فإن السجود هو الميل، والركوع هو الانحناء، واحدهما يدخل على الآخر، ولكنه قد يختص كل واحد بهيئة، ثم جاء هذا على تسمية أحدهما بالآخر، فسمي السجود ركوعا. وقال المهدوي: وكان ركوعهم سجودا. وقيل: بل كان سجودهم ركوعا. وقال مقاتل: فوقع من ركوعه ساجدا لله عز وجل. أي لما أحس بالأمر قام إلى الصلاة، ثم وقع من الركوع إلى السجود، لاشتمالهما جميعا على الانحناء." وَأَنابَ" أي تاب من خطيئته ورجع إلى الله.
__________
(1). الزيادة من أحكام القرآن لابن العربي.

وقال الحسين بن الفضل: سألني عبد الله بن طاهر وهو ألو الي عن قول الله عز وجل:" وَخَرَّ راكِعاً" فهل يقال للراكع خر؟. قلت: لا. قال: فما معنى الآية؟ قلت: معناها فخر بعد أن كان راكعا أي سجد. الموفية عشرين- وأختلف في سجدة داود هل هي من عزائم السجود المأمور به في القرآن أم لا؟ فروى أبو سعيد الخدري أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرأ على المنبر:" ص والقرآن ذي الذكر" فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأ بها فتشزن «1» الناس للسجود، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إنها توبة نبي ولكني رأيتكم تشزنتم للسجود" ونزل وسجد. وهذا لفظ أبي داود. وفي البخاري وغيره عن ابن عباس أنه قال:" ص" ليست من عزائم القرآن، وقد رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسجد فيها. وقد روي من طريق عن أبن مسعود أنه قال:" ص" توبة نبي ولا يسجد فيها، وعن ابن عباس أنها توبة نبي ونبيكم ممن أمر أن يقتدى به. قال ابن العربي: والذي عندي أنها ليست موضع سجود، ولكن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سجد فيها فسجدنا بالاقتداء به. ومعنى السجود أن داود سجد خاضعا لربه، معترفا بذنبه. تائبا من خطيئته، فإذا سجد أحد فيها فليسجد بهذه النية، فلعل الله أن يغفر له بحرمة داود الذي اتبعه، وسواء قلنا إن شرع من قبلنا شرع لنا أم لا؟ فإن هذا أمر مشروع في كل أمة لكل أحد. والله أعلم. الحادية والعشرون- قال ابن خويز منداد: قوله:" وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ" فيه دلالة على، أن السجود للشكر مفردا لا يجوز، لأنه ذكر معه الركوع، وإنما الذي يجوز أن يأتي بركعتين شكرا فأما سجدة مفردة فلا، وذلك أن البشارات كانت تأتي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والأئمة بعده، فلم ينقل عن أحد منهم أنه سجد شكرا، ولو كان ذلك مفعولا لهم لنقل نقلا متظاهرا لحاجة العامة إلى جوازه وكونه قربة.
__________
(1). التشزن التأهب والتهيؤ للشيء.

قلت: وفي سنن ابن ماجة عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى يوم بشر برأس أبي جهل ركعتين. وخرج من حديث أبي بكرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا أتاه أمر يسره- أو يسر به- خر ساجدا شكرا لله. وهذا قول الشافعي وغيره. الثانية والعشرون- روى الترمذي وغيره واللفظ للغير: أن رجلا من الأنصار على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي من الليل يستتر بشجرة وهو يقرأ:" ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ" فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة، فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجرا، وارزقني بها شكرا. قلت: خرج ابن ماجة في سننه عن ابن عباس قال: كنت عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأتاه رجل فقال: إني رأيت البارحة فيما يرى النائم، كأني أصلي إلى أصل شجرة، فقرأت السجدة فسجدت «1» فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها تقول: اللهم احطط بها عني وزرا، واكتب لي بها أجرا، وأجعلها لي عندك ذخرا. قال ابن عباس فرأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرأ" السجدة" فسجد، فسمعته يقول في سجوده مثل الذي أخبره الرجل عن قول الشجرة. ذكره الثعلبي عن أبي سعيد الخدري، قال: قلت يا رسول الله رأيتني في النوم كأني تحت شجرة والشجرة تقرأ" ص" فلما بلغت السجدة سجدت فيها، فسمعتها تقول في سجودها: اللهم أكتب لي بها أجرا، وحط عني بها وزرا، وارزقني بها شكرا، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته. فقال لي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أفسجدت أنت يا أبا سعيد" فقلت: لا والله يا رسول الله. فقال: لقد كنت أحق بالسجود من الشجرة" ثم قرأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" ص" حتى بلغ السجدة فسجد، ثم قال مثل ما قالت السجرة. الثالثة والعشرون- قوله تعالى:" فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ" أي فغفرنا له ذنبه. قال ابن الأنباري:" فغفرنا له ذلك" تام، ثم تبتدئ" وإن له" وقال القشيري: ويجوز الوقف على" فغفرنا له" ثم تبتدئ" ذلك وإن له" كقوله:" هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ" [ص: 55] أي الأمر ذلك.
__________
(1). الزيادة من سنن ابن ماجة. [.....]

وقال عطاء الخراساني وغيره: إن داود سجد أربعين يوما حتى نبت المرعى من حر جوفه وغمر رأسه، فنودي: أجائع فتطعم وأعار فتكسى، فنحب نحبة هاج المرعى من حر جوفه، فغفر له وستر بها. فقال: يا رب هذا ذنبي فيما بيني وبينك قد غفرته، وكيف بفلان وكذا وكذا رجلا من بني إسرائيل، تركت أولادهم أيتاما، ونساءهم أرامل؟ قال: يا داود لا يجاوزني يوم القيامة ظلم أمكنه منك ثم أستوهبك منه بثواب الجنة. قال: يا رب هكذا تكون المغفرة الهينة. ثم قيل: يا داود ارفع رأسك. فذهب ليرفع رأسه فإذا به قد نشب في الأرض، فأتاه جبريل فاقتلعه عن وجه الأرض كما يقتلع من الشجرة صمغها. رواه الوليد بن مسلم عن ابن جابر عن عطاء. قال الوليد: وأخبرني منير بن الزبير، قال: فلزق مواضع مساجده على الأرض من فروة وجهه ما شاء الله. قال الوليد قال ابن لهيعة: فكان يقول في سجوده سبحانك هذا شرابي دموعي وهذا طعامي في رماد بين يدي. في رواية: إنه سجد أربعين يوما لا يرفع رأسه إلا للصلاة المكتوبة، فبكى حتى نبت العشب من دموعه. وروي مرفوعا من حديث أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إن داود مكث أربعين ليلة ساجدا حتى نبت العشب من دموعه على رأسه واكلت الأرض من جبينه وهو يقول في سجوده: يا رب داود زل زلة بعد بها ما بين المشرق والمغرب رب إن لم ترحم ضعف داود وتغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثا في الخلق من بعده فقال له جبريل بعد أربعين سنة يا داود إن الله قد غفر لك الهم الذي هممت به" وقال وهب: إن داود عليه السلام نودي أني قد غفرت لك. فلم يرفع رأسه حتى جاءه جبريل فقال: لم لا ترفع رأسك وربك قد غفر لك؟ قال يا رب كيف وأنت لا تظلم أحدا. فقال الله لجبريل: اذهب إلى داود فقل له يذهب إلى قبر أوريا فيتحلل منه، فأنا أسمعه نداءه. فلبس داود المسوح وجلس عند قبر أوريا ونادى يا أوريا فقال: لبيك! من هذا الذي قطع علي لذتي وأيقظني؟ فقال: أنا أخوك داود أسألك أن تجعلني في حل فإني عرضتك للقتل قال: عرضتني للجنة فأنت في حل. وقال الحسن وغيره: كان داود عليه السلام بعد الخطيئة لا يجالس إلا الخاطئين، ويقول: تعالوا إلى داود الخطاء، ولا يشرب شرابا إلا مزجه بدموع عينيه. وكان يجعل خبز الشعير اليابس في قصعة فلا يزال

يبكي حتى يبتل بدموعه، وكان يذر عليه الرماد والملح فيأكل ويقول: هذا أكل الخاطئين. وكان قبل الخطيئة يقوم نصف أليل ويصوم نصف الدهر. ثم صام بعده الدهر كله وقام الليل كله، وقال: يا رب اجعل خطيئتي في كفي فصارت خطيئته منقوشة في كفه. فكان لا يبسطها لطعام ولا شراب ولا شي إلا رءاها فأبكته، وإن كان ليؤتى بالقدح ثلثاه ماء، فإذا تناوله أبصر خطيئته فما يضعه عن شفته حتى يفيض من دموعه. وروى الوليد بن مسلم: حدثني أبو عمرو الأوزاعي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" إنما مثل عيني داود مثل القربتين تنطفان ولقد خدد الدموع في وجه داود خديد الماء في الأرض" قال الوليد: وحدثنا عثمان بن ابن العاتكة أنه كان في قول داود. إذ هو خلو من الخطيئة شدة قوله في الخطائين أن كان يقول: اللهم لا تغفر للخطائين. ثم صار إلى أن يقول: اللهم رب اغفر للخاطئين لكي تغفر لداود معهم، سبحان خالق النور. إلهي خرجت أسأل أطباء عبادك أن يداووا خطيئتي فكلهم عليك يدلني. إلهي أخطأت خطيئة قد خفت أن تجعل حصادها عذابك يوم القيامة إن لم تغفرها، سبحان خالق النور. إلهي إذا ذكرت خطيئتي ضاقت الأرض برحبها علي، وإذا ذكرت رحمتك ارتد إلى روحي. وفي الخبر: أن داود عليه السلام كان إذا علا المنبر رفع يمينه فاستقبل بها الناس ليريهم نقش خطيئته، فكان ينادي: إلهي! إذا ذكرت خطيئتي ضاقت علي الأرض برحبها، وإذا ذكرت رحمتك ارتد إلي روحي، رب! أغفر للخاطئين كي تغفر لداود معهم. وكان يقعد على سبعة أفرشة من الليف محشوة بالرماد، فكانت تستنقع دموعه تحت رجليه حتى تنفذ من الأفرشة كلها. وكان إذا كان يوم نوحه نادى مناديه في الطرق والأسواق والأودية والشعاب وعلى رءوس الجبال وأفواه الغيران: ألا إن هذا يوم نوح داود، فمن أراد أن يبكي على ذنبه فليأت داود فيسعده، فيهبط السياح من الغيران والأودية
، وترتج الأصوات حول منبره والوحوش والسباع والطير عكف، وبنو إسرائيل حول منبره، فإذا أخذ في العويل والنوح، وأثارت الحرقات منابع دموعه، صارت الجماعة ضجة واحدة نوحا وبكاء، حتى يموت حول منبره بشر كثير في مثل ذلك اليوم. ومات داود عليه السلام فيما قيل يوم السبت فجأة، أتاه ملك الموت وهو يصعد في محرابه وينزل،

فقال: جئت لأقبض روحك. فقال: دعني حتى أنزل أو ارتقى. فقال: مالي إلى ذلك سبيل، نفدت الأيام والشهور والسنون والآثار والأرزاق، فما أنت بمؤثر بعدها أثرا. قال: فسجد داود على مرقاة من الدرج فقبض نفسه على تلك الحال. وكان بينه وبين موسى عليهما السلام خمسمائة وتسع وتسعون سنة. وقيل: تسع وسبعون، وعاش مائة سنة، وأوصى إلى ابنه سليمان بالخلافة. الرابعة والعشرون- قوله تعالى:" وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ" قال محمد بن كعب ومحمد بن قيس:" وإن له عندنا لزلفى" قربة بعد المغفرة." وحسن مآب" قالا: والله إن أول من يشرب الكأس يوم القيامة داود. وقال مجاهد عن عبدا لله بن عمر: الزلفى الدنو من الله عز وجل يوم القيامة. وعن مجاهد: يبعث داود يوم القيامة وخطيئته منقوشة في يده: فإذا رأى أهاويل يوم القيامة لم يجد منها محرزا إلا أن يلجأ إلى رحمة الله تعالى. قال: ثم يرى خطيئته فيقلق فيقال له هاهنا، ثم يرى فيقلق فيقال له هاهنا، ثم يرى فيقلق فيقال له هاهنا،" حتى يقرب فيسكن" «1» فذلك قوله عز وجل:" وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ" ذكره الترمذي الحكيم قال: حدثنا الفضل بن محمد، قال حدثنا عبد الملك بن الأصبغ قال حدثنا الوليد بن مسلم، قال حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري عن عبد الملك بن أبي سليمان عن مجاهد فذكره. قال الترمذي: ولقد كنت أمر زمانا طويلا بهذه الآيات فلا ينكشف لي المراد والمعنى من قوله:" رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا" والقط الصحيفة في اللغة، وذلك أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تلا عليهم:" فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ" [الحاقة: 19]: وقال لهم:" إنكم ستجدون هذا كله في صحائفكم تعطونها بشمائلكم" فقالوا:" ربنا عجل لنا قطنا" أي صحيفتنا" قبل يوم الحساب" قال الله تعالى:" اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ" فقص قصة خطيئته إلى منتهاها، فكنت أقول: أمره بالصبر على ما قالوا، وأمره بذكر داود فأي شي أريد من هذا الذكر؟ وكيف اتصل هذا بذاك؟ فلا أقف على شي يسكن قلبي عليه، حتى هداني الله له
__________
(1). هذه الزيادة يقتضيها المقام ويدل عليها ما ورد في آخر القصة.

يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)

يوما فألهمته أن هؤلاء أنكروا قول أنهم يعطون كتبهم بشمائلهم، فيها ذنوبهم وخطاياهم استهزاء بأمر الله، وقالوا:" رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ" فأوجعه ذلك من استهزائهم، فأمره بالصبر على مقالتهم، وأن يذكر عبده داود، سأل تعجيل خطيئته أن يراها منقوشة في كفه، فنزل به ما نزل من أنه كان إذا رآها اضطرب وامتلأ القدح من دموعه، وكان إذا رآها بكى حتى تنفذ «1» سبعة أفرشة من الليف محشوة بالرماد، فإنما سألها بعد المغفرة وبعد ضمان تبعة الخصم، وأن الله تبارك وتعالى اسمه يستوهبه منه، وهو حبيبه ووليه وصفيه، فرؤية نقش الخطيئة بصورتها مع هذه المرتبة صنعت به هكذا، فكيف كان يحل بأعداء الله وبعصاته من خلقه واهل خزيه، لو عجلت لهم صحائفهم فنظروا إلى صورة تلك الخطايا التي عملوها على الكفر والجحود، وماذا يحل بهم إذا نظروا إليها في تلك الصحائف، وقد أخبر الله عنهم فقال:" فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها" [الكهف: 49] فداود صلوات الله عليه مع المغفرة والبشرى والعطف لم يقم لرؤية صورتها. وقد روينا في الحديث: إذا رآها يوم القيامة منقوشة في كفه قلق حتى يقال له ها هنا، ثم يرى فيقلق ثم يقال هاهنا، ثم يرى فيقلق حتى يقرب فيسكن.

[سورة ص (38): آية 26]
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (26)
فيه خمس مسائل: الأولى- قوله تعالى:" إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ" أي ملكناك لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فتخلف من كان قبلك من الأنبياء والأئمة الصالحين وقد مضى في" البقرة" «2» القول في الخليفة وأحكامه. مستوفى والحمد لله.
__________
(1). لعل الأصل: حتى تنفذ دموعه من سبعة إلخ.
(2). راجع ج 1 ص 263 وما بعدها طبعه ثانية أو ثالثة.

الثانية- قوله تعالى:" فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ" أي بالعدل وهو أمر على الوجوب وقد ارتبط هذا بما قبله، وذلك أن الذي عوتب عليه داود طلبه المرأة من زوجها وليس ذلك بعدل. فقيل له بعد هذا، فاحكم بين الناس بالعدل" وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى " أي لا تقتد بهواك المخالف لأمر الله" فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ" أي عن طريق الجنة." إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ"" أي يحيدون عنها ويتركونها" لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ" في النار" بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ" أي بما تركوا من سلوك طريق الله، فقوله:" نَسُوا" أي تركوا الإيمان به، أو تركوا العمل به فصار وا كالناسين. ثم قيل: هذا لداود لما أكرمه الله بالنبوة. وقيل: بعد أن تاب عليه وغفر خطيئته. الثالثة- الأصل في الأقضية قوله تعالى:" يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ" وقوله:" وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ" [المائدة: 49] وقوله تعالى:" لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ" [النساء: 105] وقوله تعالى:" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ" [المائدة: 8] الآية. وقد تقدم الكلام فيه «1». الرابعة- قال ابن عباس في قوله تعالى:" يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ" قال: إن ارتفع لك الخصمان فكان لك في أحدهما هوى، فلا تشته في نفسك الحق له ليفلج على صاحبه «2»، فإن فعلت محوت اسمك من نبوتي، ثم لا تكون خليفتي ولا أهل كرامتي. فدل هذا على بيان وجوب الحكم بالحق، وألا يميل إلى أحد الخصمين لقرابة أو رجاء نفع، أو سبب يقتضي الميل من صحبة أو صداقة، أو غيرهما. وقال ابن عباس: إنما ابتلي سليمان بن داود عليه السلام، لأنه تقدم إليه خصمان فهوي أن يكون الحق لأحدهما. وقال عبد العزيز بن أبي رواد: بلغني أن قاضيا كان في زمن بني إسرائيل، بلغ من اجتهاده أن طلب إلى ربه
__________
(1). راجع ج 5 ص 375 وما بعدها وج 6 ص 109 وما بعدها وص 212 طبعه أو ثانية.
(2). يفلج على صاحبه: نظفر ويفون.

أن يجعل بينه وبينه علما، إذا هو قضى بالحق عرف ذلك، وإذا هو قصر عرف ذلك، فقيل له: ادخل منزلك، ثم مد يدك في جدارك، ثم انظر حيث تبلغ أصابعك من الجدار فاخطط عندها خطا، فإذا أنت قمت من مجلس القضاء، فارجع إلى ذلك الخط فامدد يدك إليه، فإنك متى ما كنت على الحق فإنك ستبلغه، وإن قصرت عن الحق قصر بك، فكان يغدو إلى القضاء وهو مجتهد فكان لا يقضي إلا بحق، وإذا قام من مجلسه وفرغ لم يذق طعاما ولا شرابا، ولم يفض إلى أهله بشيء من الأمور حتى يأتي ذلك الخط، فإذا بلغه حمد الله وأفضى إلى كل ما أحل الله له من أهل أو مطعم أو مشرب. فلما كان ذات يوم وهو في مجلس القضاء، أقبل إليه رجلان يريدانه فوقع في نفسه أنهما يريدان أن يختصما إليه، وكان أحدهما له صديقا وخدن، فتحرك قلبه عليه محبة أن يكون الحق له فيقضي له، فلما أن تكلما دار الحق على صاحبه فقضى عليه، فلما قام من مجلسه ذهب إلى خطه كما كان يذهب كل يوم، فمد يده إلى الخط فإذا الخط قد ذهب وتشمر إلى السقف، وإذا هو لا يبلغه فخر ساجدا وهو يقول: يا رب شيئا لم أتعمده ولم أرده فبينه لي. فقيل له: أتحسبن أن الله تعالى لم يطلع على خيانة قلبك، حيث أحببت أن يكون الحق لصديقك لتقضي له به، قد أردته وأحببته ولكن الله قد رد الحق إلى أهله وأنت كاره. وعن ليث قال: تقدم إلى عمر بن الخطاب خصمان فأقامهما، ثم عادا فأقامهما، ثم عادا ففصل بينهما، فقيل له في ذلك، فقال: تقدما إلي فوجدت لأحدهما ما لم أجد لصاحبه، فكرهت أن أفصل بينهما على ذلك، ثم، عادا فوجدت بعض ذلك له، ثم عادا وقد ذهب ذلك ففصلت بينهما. وقال الشعبي: كان بين عمر وأبي خصومة، فتقاضيا إلى زيد بن ثابت، فلما دخلا عليه أشار لعمر إلى وسادته، فقال عمر: هذا أول جورك، أجلسني وإياه مجلسا واحدا، فجلسا بين يديه. الخامسة- هذه الآية تمنع من حكم الحاكم بعلمه، لأن الحكام لو مكنوا أن يحكموا بعلمهم لم يشأ أحدهم إذا أراد أن يحفظ وليه ويهلك عدوه إلا ادعى علمه فيما حكم به. ونحو ذلك روي عن جماعة من الصحابة منهم أبو بكر، قال: لو رأيت رجلا على حد من حدود

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29)

الله، ما أخذته حتى يشهد على ذلك غيري. وروي أن امرأة جاءت إلى عمر فقالت له: احكم لي على فلان بكذا فإنك تعلم ما لي عنده. فقال لها: إن أردت أن أشهد لك فنعم وأما الحكم فلا. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قضى بيمين وشاهد، وروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه اشترى فرسا فجحده البائع، فلم يحكم عليه بعلمه وقال:" من يشهد لي" فقام خزيمة فشهد فحكم. خرج الحديث أبو داود وغيره وقد مضى في" البقرة." «1»

[سورة ص (38): الآيات 27 الى 29]
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (29)
قوله تعالى:" وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا" أي هزلا ولعبا. أي ما خلقنا هما إلا لأمر صحيح وهو الدلالة على قدرتنا." ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا" أي حسبان الذين كفروا أن الله خلقهما باطلا." فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ" ثم ونجهم فقال:" أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ" والميم صلة تقديره، أنجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات" كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ" فكان في هذا رد على المرجئة، لأنهم يقولون: يجوز أن يكون المفسد ما لصالح أو أرفع درجة منه. وبعده أيضا:" أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ" أي أنجعل أصحاب محمد عليه السلام كالكفار، قاله ابن عباس. وقيل هو عام في المسلمين المتقين والفجار الكافرين وهو أحسن، وهو رد على منكري البعث الذين جعلوا مصير المطيع والعاصي إلى شي واحد.
__________
(1). راجع ج 3 ص 405 طبعه أولى أو ثانية.

وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33)

قوله تعالى:" كِتابٌ" أي هذا كتاب" أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ" يا محمد" لِيَدَّبَّرُوا" أي ليتدبروا فأدغمت التاء في الدال. وفي هذا دليل على، وجوب معرفة معاني القرآن، ودليل على أن الترتيل أفضل من الهذ «1»، إذ لا يصح التدبر مع الهذ على ما بيناه في كتاب التذكار. وقال الحسن: تدبر آيات الله اتباعها. وقراءة العامة" لِيَدَّبَّرُوا". وقرا أبو حنيفة وشيبة" لتدبروا" بتاء وتخفيف الدال، وهي قراءة علي «2» رضي الله عنه، والأصل لتتدبروا فحذف إحدى التاءين تخفيفا" وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ" أي أصحاب العقول واحدها لب، وقد جمع على ألب، كما جمع بؤس على أبؤس، ونعم على أنعم، قال أبو طالب
قلبي إليه مشرف الألب

وربما أظهروا التضعيف في ضرورة الشعر، قال الكميت:
إليكم ذوي آل النبي تطلعت ... ونوازع من قلبي ظماء وألبب

[سورة ص (38): الآيات 30 الى 33]
وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (31) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (32) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (33)
قوله تعالى:" وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ" لما ذكر داود ذكر سليمان و" أَوَّابٌ" معناه مطيع." إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ" يعني الخيل جمع جواد للفرس إذا كان شديد الحضر، كما يقال للإنسان جواد إذا كان كثير العطية غزيرها، يقال: قوم أجواد وخيل جياد، جاد الرجل بماله يجود جودا فهو جواد، وقوم جود مثال
__________
(1). الهذ: سرعة القراءة.
(2). وفي الألوسي أن عليا قرأ" ليتدبروا" بتاء بعد الياء آخر الحروف وكذا في البحر لأبى حيان.

قذال وقذل، وإنما سكنت الواو لأنها حرف علة، وأجواد وأجاود وجوداء، وكذلك امرأة جواد ونسوة جود مثل نوار ونور، قال الشاعر «1»
صناع بإشفاها حصان بشكرها ... وجواد بقوت البطن والعرق زاخر
وتقول: سرنا عقبة جوادا، وعقبتين جوادين، وعقبا جيادا. وجاد الفرس أي صار رائعا يجود جودة" بالضم" فهو جواد للذكر والأنثى، من خيل جياد وأجياد وأجاويد. وقيل: إنها الطوال الأعناق مأخوذ من الجيد وهو العنق، لأن طول الأعناق" في" الخيل من صفات فراهتها. وفي الصَّافِناتُ أيضا وجهان: أحدهما أن صفونها قيامها. قال القتبي والفراء: الصافن في كلام العرب الواقف من الخيل أو غيرها. ومنه ما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال:" من سره أن يقوم له الرجال صفونا فليتبوأ مقعده من النار" أي يديمون له القيام، حكاه قطرب أيضا وأنشد قول النابغة
لنا قبة مضروبة بفنائها ... وعتاق المهاري والجياد الصوافن
وهذا قول قتادة. الثاني أن صفونها رفع إحدى اليدين على طرف الحافر حتى يقوم على ثلاث كما قال الشاعر:
ألف الصفون فما يزال كأنه ... ومما يقوم على الثلاث كسيرا «2»
وقال عمرو بن كلثوم
تركنا الخيل عاكفة عليه ... - مقلدة أعنتها صفونا
وهذا قول مجاهد. قال الكلبي: غزا سليمان أهل دمشق ونصيبين فأصاب منهم ألف فرس. وقال مقاتل: ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس، وكان أبوه أصابها من العمالقة. وقال الحسن: بلغني أنها كانت خيلا خرجت من البحر لها أجنحة. وقاله الضحاك. وأنها كانت خيلا أخرجت لسليمان من البحر منقوشة ذات أجنحة. ابن زيد: أخرج
__________
(1). هو أبو شهاب الهذلي ورواه ابن السكيت: والعرض وافر، وروى: جواد بزاد الركب والعرق زاخر. وامرأة صناع أي ماهرة حاذقة عمل اليدين، والإشفى المخصف للنعال وعنى أن مرفقها حديد كالإشفى. والشكر الفرج. والعرق زاخر أراد به الجوع يعنى تجود بقوتها مع شدة الجوع.
(2). ورد في اللسان في مادة صفن أن قوله مما يقوم لم يرد من قيامه، وإنما أراد من الجنس الذي يقوم على الثلاث، وجعل" كسيرا" حالا من ذلك النوع الزمن لا من الفرس المذكور.

لا لشيطان لسليمان الخيل من البحر من مروج البحر، وكانت لها أجنحة. وكذلك قال علي رضي الله عنه: كانت عشرين فرسا ذوات أجنحة. وقيل: كانت مائة فرس. وفي الخبر عن إبراهيم التيمي: أنها كانت عشرين ألفا، فالله أعلم. فقال:" إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي" يعنى بالخير الخيل، والعرب تسميها كذلك، وتعاقب بين الراء واللام، فتقول: انهملت العين وانهمرت، وختلت وخترت إذا خدعت. قال الفراء: الخير في كلام العرب والخيل واحد. النحاس: في الحديث:" الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" فكأنها سميت خيرا لهذا. وفي الحديث: لما وفد زيد الخيل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال له:" أنت زيد الخير" وهو زيد بن مهلهل الشاعر. وقيل: إنما سميت خيرا لما فيها من المنافع. وفي الخبر: إن الله تعالى عرض على آدم جميع الدواب، وقيل له: اختر منها واحدا فاختار الفرس، فقيل له: اخترت عزك، فصار اسمه الخير من هذا الوجه. وسمي خيلا، لأنها موسومة بالعز. وسمي فرسا لأنه يفترس مسافات الجو افتراس الأسد وثبانا، ويقطعها كالالتهام بيديه على كل شي خبطا وتناولا. وسمي عربيا لأنه جئ به من بعد آدم لإسمعيل جزاء عن رفع قواعد البيت، وإسماعيل عربي فصارت له نحلة من الله، فسمى عربيا. و" حب" مفعول في قول الفراء. والمعنى إني آثرت حب الخير. وغيره يقدره مصدرا أضيف إلى المفعول، أي أحببت الخير حبا فألهاني عن ذكر ربي. وقيل: إن معنى" أَحْبَبْتُ" قعدت وتأخرت من قولهم: أحب البعير إذا برك وتأخر. وأحب فلان أي طأطأ رأسه. قال أبو زيد: يقال بعير محب، وقد أحب أحبابا وهو أن يصيبه مرض أو كسر فلا يبرح مكانه حتى يبرأ أو يموت. وقال ثعلب: يقال أيضا للبعير الحسير محب، فالمعنى قعدت عن ذكر ربي. و" حُبَّ" على هذا مفعول له. وذكر أبو الفتح الهمداني في كتاب التبيان: أحببت بمعنى لزمت، من قوله»
:
مثل بعير السوء إذ أحبا
__________
(1). هو أبو محمد الفقعسي، وصدر البيت
حلت عليه بالقفيل ضربا
والقفيل السوط. وفي كتب اللغة: ضرب بعير السوء ... إلخ.

" حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ" يعني الشمس كناية عن غير مذكور، مثل قوله تعالى:" ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ" [فاطر: 45] أي على ظهر الأرض، وتقول العرب: هاجت باردة أي هاجت الريح باردة. وقال الله تعالى:" حتى إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ" أي بلغت النفس الحلقوم" [الواقعة: 83] وقال تعالى:" إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ" [المرسلات: 32] ولم يتقدم للنار ذكر. وقال الزجاج: إنما يجوز الإضمار إذا جرى ذكر الشيء أو دليل الذكر، وقد جرى هاهنا الدليل وهو قوله:" بِالْعَشِيِّ". والعشي ما بعد الزوال، والتواري الاستتار عن الأبصار، والحجاب جبل أخضر محيط بالخلائق، قاله قتادة وكعب. وقيل: هو جبل قاف. وقيل: جبل دون قاف. والحجاب الليل سمي حجابا، لأنه يستر ما فيه. وقيل:" حَتَّى تَوارَتْ" أي الخيل في المسابقة. وذلك أن سليمان كان له ميدان مستدير يسابق فيه بين الخيل، حتى توارت عنه وتغيب عن عينه في المسابقة، لأن الشمس لم يجر لها ذكر. وذكر النحاس أن سليمان عليه السلام كان في صلاة فجئ إليه بخيل لتعرض عليه قد غنمت فأشار بيده لأنه كان يصلي حتى توارت الخيل وسترتها جدر الإصطبلات فلما فرغ من صلاته قال:" رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً" أي فأقبل يمسحها مسحا. وفي معناه قولان: أحدهما أنه أقبل يمسح سوقها وأعناقها بيده إكراما منه لها، وليرى أن الجليل لا يقبح أن يفعل مثل هذا بخيله. وقال قائل هذا القول: كيف يقتلها؟ وفي ذلك إفساد المال ومعاقبة من لا ذنب له. وقيل: المسح ها هنا هو القطع أذن له في قتلها. قال الحسن والكلبي ومقاتل: صلى سليمان الصلاة الأولى وقعد على كرسيه وهي تعرض عليه، وكانت ألف فرس، فعرض عليه منها تسعمائة فتنبه لصلاة العصر، فإذا الشمس قد غربت وفاتت الصلاة، ولم يعلم بذلك هيبة له فاغتم، فقال:" رُدُّوها عَلَيَّ" فردت فعقرها بالسيف، قربة لله وبقي منها مائة، فما في أيدي الناس من الخيل العتاق اليوم فهي من نسل تلك الخيل. قال القشيري: وقيل: ما كان في ذلك الوقت صلاة الظهر ولا صلاة العصر، بل كانت تلك الصلاة نافلة فشغل عنها. وكان سليمان عليه السلام رجلا مهيبا، فلم يذكره أحد ما نسي من الفرض أو النفل وظنوا التأخر مباحا، فتذكر سليمان تلك

الصلاة الفائتة، وقال على سبيل التلهف:" إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي" أي عن الصلاة، وأمر برد الأفراس إليه، وأمر بضرب عراقيبها وأعناقها، ولم يكن ذلك معاقبة للأفراس، إذ ذبح البهائم جائز إذا كانت مأكولة، بل عاقب نفسه حتى لا تشغله الخيل بعد ذلك عن الصلاة. ولعله عرقبها ليذبحها فحبسها بالعرقبة عن النفار، ثم ذبحها في الحال، ليتصدق بلحمها، أو لأن ذلك كان مباحا في شرعه فأتلفها لما شغلته عن ذكر الله، حتى يقطع عن نفسه ما يشغله عن الله، فأثنى الله عليه بهذا، وبين أنه أثابه بأن سخر له الريح، فكان يقطع عليها من المسافة في يوم ما يقطع مثله على الخيل في شهرين غدوا ورواحا. وقد قيل: إن الهاء في قوله:" رُدُّوها عَلَيَّ" للشمس لا للخيل. قال ابن عباس: سألت عليا عن هذه الآية فقال: ما بلغك فيها؟ فقلت سمعت كعبا يقول: إن سليمان لما اشتغل بعرض الأفراس حتى توارت الشمس بالحجاب وفاتته الصلاة، قال:" إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي" أي آثرت" حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي" الآية" رُدُّوها عَلَيَّ" يعني الأفراس وكانت أربع عشرة، فضرب سوقها وأعناقها بالسيف، وأن الله سلبه ملكه أربعة عشر يوما، لأنه ظلم الخيل. فقال علي بن أبي طالب: كذب كعب لكن سليمان اشتغل بعرض الأفراس للجهاد حتى توارت أي غربت الشمس بالحجاب فقال بأمر الله للملائكة الموكلين بالشمس:" رُدُّوها" يعني الشمس فردوها حتى صلى العصر في وقتها، وأن أنبياء الله لا يظلمون لأنهم معصومون. قلت: الأكثر في التفسير أن التي توارت بالحجاب هي الشمس، وتركها لدلالة السامع عليها بما ذكر مما يرتبط بها ومتعلق بذكرها، حسب ما تقدم بيانه. وكثيرا ما يضمرون الشمس، قال لبيد
حتى إذا ألقت يدا في كافر ... ووأجن عورات الثغور ظلامها
الهاء في" رُدُّوها" للخيل، ومسحها قال الزهري وابن كيسان: كان يمسح سوقها وأعناقها، ويكشف الغبار عنها حبا لها. وقال الحسن وقتادة وابن عباس. وفي الحديث أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رئي وهو يمسح فرسه بردائه. وقال:" إني عوتبت الليلة في الخيل"

خرجه الموطأ عن يحيى بن سعيد مرسلا. و
هو في غير الموطأ مسند متصل عن مالك عن يحيى بن سعيد عن أنس. وقد مضى في" الأنفال" «1» قوله عليه السلام:" وامسحوا بنواصيها وأكفالها" وروى ابن وهب عن مالك أنه مسح أعناقها وسوقها بالسيوف. قلت: وقد استدل الشبلي وغيره من الصوفية في تقطيع ثيابهم وتخريقها بفعل سليمان، هذا. وهو استدلال فاسد، لأنه لا يجوز أن ينسب إلى نبي معصوم أنه فعل الفساد. والمفسرون اختلفوا في معنى الآية، فمنهم من قال: مسح على أعناقها وسوقها إكراما لها وقال: أنت في سبيل الله، فهذا إصلاح. ومنهم من قال: عرقبها ثم ذبحها، وذبح الخيل واكل لحمها جائز. وقد مضى في" النحل" «2» بيانه. وعلى هذا فما فعل شيئا عليه فيه جناح. فأما إفساد ثوب صحيح لا لغرض صحيح فإنه لا يجوز. ومن الجائز أن يكون في شريعة سليمان جواز ما فعل، ولا يكون في شرعنا. وقد قيل: إنما فعل بالخيل ما فعل بإباحة الله جل وعز له ذلك. وقد قيل: إن مسحه إياها وسمها بالكي وجعلها في سبيل الله، فالله أعلم. وقد ضعف هذا القول من حيث أن السوق ليست بمحل للوسم بحال. وقد يقال: الكي على الساق علاط، وعلى العنق وثاق. والذي في الصحاح للجوهري: علط البعير علطا كواه في عنقه بسمة العلاط. والعلاطان جانبا العنق. قلت: ومن قال إن الهاء في" ردوها" ترجع للشمس فذلك من معجزاته. وقد اتفق مثل ذلك لنبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. خرج الطحاوي في مشكل الحديث عن أسماء بنت عميس من طريقين أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يوحى إليه ورأسه في حجر علي، فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أصليت يا علي" قال: لا. فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس" قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها بعد ما غربت طلعت على الجبال والأرض، وذلك بالصهباء في خيبر. قال الطحاوي: وهذان الحديثان ثابتان، ورواتهما ثقات.
__________
(1). راجع ج 8 ص 36 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.
(2). راجع ج 10 ص 76 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.

وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (40)

قلت: وضعف أبو الفرج ابن الجوزي هذا الحديث فقال: وغلو الرافضة في حب علي عليه السلام حملهم على أن وضعوا أحاديث كثيرة في فضائله، منها أن الشمس غابت ففاتت عليا عليه السلام العصر فردت له الشمس، وهذا من حيث النقل محال، ومن حيث المعنى فإن الوقت قد فات وعودها طلوع متجدد لا يرد الوقت. ومن قال: أن الهاء ترجع إلى الخيل، وأنها كانت تبعد عن عين سليمان في السباق، ففيه دليل على المسابقة بالخيل وهو أمر مشروع. وقد مضى القول فيه في" يوسف." «1»

[سورة ص (38): الآيات 34 الى 40]
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ (34) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (36) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (38)
هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (40)
قوله تعالى:" وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ" قيل: فتن سليمان بعد ما ملك عشرين سنة، وملك بعد الفتنة عشرين سنة، ذكره الزمخشري. و" فَتَنَّا" أي ابتلينا وعاقبنا. وسبب ذلك ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: اختصم إلى سليمان عليه السلام فريقان أحدهما من أهل جرادة امرأة سليمان، وكان يحبها فهوى أن يقع القضاء لهم، ثم قضى بينهما بالحق، فأصابه الذي أصابه عقوبة لذلك الهوى. وقال سعيد بن المسيب: إن سليمان عليه السلام احتجب عن الناس ثلاثة أيام لا يقضي بين أحد، ولا ينصف مظلوما من ظالم، فأوحى الله تعالى إليه:" إنى لم أستخلفك لتحتجب عن عبادي ولكن لتقضي بينهم وتنصف مظلومهم".
__________
(1). راجع ج 9 ص 145 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية. [.....]

وقال شهر بن حوشب ووهب بن منبه: إن سليمان عليه السلام سبى بنت ملك غزاة في البحر، في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صيدون. فألقيت عليه محبتها وهي تعرض عنه، لا تنظر إليه إلا شزرا، ولا تكلمه إلا نزرا، وكان لا يرقأ لها دمع حزنا على أبيها، وكانت في غاية من الجمال، ثم إنها سألته أن يصنع لها تمثالا على صورة أبيها حتى تنظر إليه، فأمر فصنع لها فعظمته وسجدت له، وسجدت معها جواريها، وصار صنما معبودا في داره وهو لا يعلم، حتى مضت أربعون ليلة، وفشا خبره في بني إسرائيل وعلم به سليمان فكسره، وحرقه ثم ذراه في البحر. وقيل: إن سليمان لما أصاب ابنة ملك صيدون واسمها جرادة- فيما ذكر الزمخشري- أعجب بها، فعرض عليها الإسلام فأبت، فخوفها فقالت: اقتلني ولا أسلم فتزوجها وهي مشركة فكانت تعبد صنما لها من ياقوت أربعين يوما في خفية من سليمان إلى أن أسلمت فعوقب سليمان بزوال ملكه أربعين يوما. وقال كعب الأحبار: إنه لما ظلم الخيل بالقتل سلب ملكه. وقال الحسن: إنه قارب بعض نسائه في شي من حيض أو غيره. وقيل: إنه أمر ألا يتزوج امرأة إلا من بني إسرائيل، فتزوج امرأة من غيرهم، فعوقب على ذلك، والله أعلم. قوله تعالى:" وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً" قيل: شيطان في قول أكثر أهل التفسيرين، ألقى الله شبه سليمان عليه السلام عليه، واسمه صخر بن عمير صاحب البحر، وهو الذي دل سليمان على ألماس حين أمر سليمان ببناء بيت المقدس، فصوتت الحجارة لما صنعت بالحديد، فأخذوا ألماس فجعلوا يقطعون به الحجارة والفصوص وغيرها ولا تصوت. قال ابن عباس: كان ماردا لا يقوى عليه جميع الشياطين، ولم يزل يحتال حتى ظفر بخاتم سليمان بن داود، وكان سليمان لا يدخل الكنيف بخاتمه، فجاء صخر في صورة سليمان حتى أخذ الخاتم من امرأة من نساء سليمان أم ولد له يقال لها الأمينة، قاله شهر ووهب. وقال ابن عباس وابن جبير: اسمها جرادة. فقام أربعين يوما على ملك سليمان وسليمان هارب، حتى رد الله عليه الخاتم والملك. وقال سعيد بن المسيب: كان سليمان قد وضع خاتمه تحت فراشه، فأخذه الشيطان من تحته.

وقال مجاهد: أخذه الشيطان من يد سليمان، لأن سليمان سأل الشيطان وكان اسمه آصف: كيف تضلون الناس؟ فقال له الشيطان: أعطني خاتمك حتى أخبرك. فأعطاه خاتمه، فلما أخذ الشيطان الخاتم جلس على كرسي سليمان، متشبها بصورته، داخلا على نسائه، يقضي بغير الحق، ويأمر بغير الصواب «1». واختلف في إصابته لنساء سليمان، فحكي عن ابن عباس ووهب بن منبه: أنه كان يأتيهن في حيضهن. وقال مجاهد: منع من إتيانهن وزال عن سليمان ملكه فخرج هاربا إلى ساحل البحر يتضيف الناس، ويحمل سموك الصيادين بالأجر، وإذا أخبر الناس أنه سليمان أكذبوه. قال قتادة: ثم إن سليمان بعد أن استنكر بنو إسرائيل حكم الشيطان أخذ حوته من صياد. قيل: إنه استطعمها. وقال ابن عباس: أخذها أجرة في حمل حوت. وقيل: إن سليمان صادها فلما شق بطنها وجد خاتمه فيها، وذلك بعد أربعين يوما من زوال ملكه، وهي عدد الأيام التي عبد" فيها" الصنم في داره، وإنما وجد الخاتم في بطن الحوت، لأن الشيطان الذي أخذه ألقاه في البحر. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: بينما سليمان على شاطئ البحر وهو يعبث بخاتمه، إذ سقط منه في البحر وكان ملكه في خاتمه. وقال جابر بن عبد الله: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" كان نقش خاتم سليمان بن داود لا إله إلا الله محمد رسول الله." وحكى يحيى بن أبي عمرو الشيباني أن سليمان وجد خاتمه بعسقلان، فمشى منها إلى بيت المقدس تواضعا لله تعالى. قال أبن عباس وغيره: ثم إن
__________
(1). هذه الأقوال لا تصح قطعا لمنافاتها للعصمة التي هي من أخص صفات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ولو صح شي منها لكان الوحى محل الشك والارتياب، وقد قال أبو حيان في تفسيره: نقل المفسرون في هذه الفتنة وإلقاء الجسد أقوالا يجب براءة الأنبياء منها، يوقف عليها في كتبهم، وهى مما لا يحل نقلها، وهى إما من أوضاع اليهود أو الزنادقة، ولم يبين الله الفتنة ما هي ولا الجسد الذي ألقاه على كرسي سليمان. إلى أن قال: لم يكن ليذكر من يتأسى به ممن نسب المفسرون إليه ما يعظم أن يتفوه به، ويستحيل عقلا وجود بعض ما ذكروه، كتمثل الشيطان بصورة نبى، حتى يلتبس أمره عند الناس، ويعتقدوا أن ذلك المتصور هو النبي. ولو أمكن وجود هذا لم يوثق بإرسال نبى، وإنما هذه مقالة مسترقة من زنادقة السوفسطائية نسأل الله سلامة أذهاننا وعقولنا منها. وقال الألوسي: ومن أقبح ما فيها زعم تسلط الشيطان على نساء نبيه حتى وطئهن وهن حيض. الله أكبر!! هذا بهتان عظيم، وخطب جسيم. وسيأتي للمؤلف تضعيف هذا القول أيضا.

سليمان لما رد الله عليه ملكه، أخذ صخرا الذي أخذ خاتمه، ونقر له صخرة وأدخله فيها، وسد عليه بأخرى وأوثقها بالحديد والرصاص، وختم عليها بخاتمه وألقاها في البحر، وقال: هذا محبسك إلى يوم القيامة. وقال علي رضي الله عنه: لما أخذ سليمان الخاتم، أقبلت إليه الشياطين والجن والإنس والطير والوحش والريح، وهرب الشيطان الذي خلف في أهله، فأتى جزيرة في البحر، فبعث إليه الشياطين فقالوا: لا نقدر عليه، ولكنه يرد عينا في الجزيرة في كل سبعة أيام يوما، ولا نقدر عليه حتى يسكر! قال: فنزح سليمان ماءها وجعل فيها خمرا، فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر، فقال: والله إنك لشراب طيب إلا أنك تطيشين الحليم، وتزيدين الجاهل جهلا. ثم عطش عطشا شديدا ثم أتاه فقال مثل مقالته، ثم شربها فغلبت على عقله، فأروه الخاتم فقال: سمعا وطاعة. فأتوا به سليمان فأوثقه وبعث به إلى جبل، فذكروا أنه جبل الدخان فقالوا: إن الدخان الذي ترون من نفسه، والماء الذي يخرج من الجبل من بوله. وقال مجاهد: اسم ذلك الشيطان آصف. وقال السدي اسمه حبقيق، فالله أعلم. وقد ضعف هذا القول من حيث إن الشيطان لا يتصور بصورة الأنبياء، ثم من المحال أن يلتبس على أهل مملكة سليمان الشيطان بسليمان حتى يظنوا أنهم مع نبيهم في حق، وهم مع الشيطان في باطل. وقيل: إن الجسد ولد ولد لسليمان، وأنه لما ولد اجتمعت الشياطين، وقال بعضهم لبعض: إن عاش له ابن لم ننفك مما نحن فيه من البلاء والسخرة، فتعالوا نقتل ولده أو نخبله. فعلم سليمان بذلك فأمر الريح حتى حملته إلى السحاب، وغدا ابنه في السحاب خوفا من مضرة الشياطين، فعاقبه الله بخوفه من الشياطين، فلم يشعر إلا وقد وقع على كرسيه ميتا. قال معناه الشعبي. فهو الجسد الذي قال الله تعالى:" وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً". وحكى النقاش وغيره: إن أكثر ما وطئ سليمان جواريه طلبا للولد، فولد له نصف إنسان، فهو كان الجسد الملقى على كرسيه جاءت به القابلة فألقته هناك. وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قال سليمان لأطوفن الليلة على

تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله فقال له صاحبه قل إن شاء الله، فلم يقل إن شاء الله فطاف عليهن جميعا فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، وأيم الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهد وا في سبيل الله فرسانا أجمعون" وقيل: إن الجسد هو آصف بن برخيا الصديق كاتب سليمان، وذلك أن سليمان لما فتن سقط الخاتم من يده وكان فيه ملكه، فأعاده إلى يده فسقط فأيقن بالفتنة، فقال له آصف: إنك مفتون ولذلك لا يتماسك في يدك، ففر إلى الله تعالى تائبا من ذلك، وأنا أقوم مقامك في عالمك إلى أن يتوب الله عليك، ولك من حين فتنت أربعة عشر يوما. ففر سليمان هاربا إلى ربه، واخذ آصف الخاتم فوضعه في يده فثبت، وكان عنده علم من الكتاب. وقام آصف في ملك سليمان وعياله، يسير بسيره ويعمل بعمله، إلى أن رجع سليمان إلى منزله تائبا إلى الله تعالى، ورد الله عليه ملكه، فأقام آصف في مجلسه، وجلس على كرسيه واخذ الخاتم. وقيل: إن الجسد كان سليمان نفسه، وذلك أنه مرض مرضا شديدا حتى صار جسدا. وقد يوصف به المريض المضنى فيقال: كالجسد الملقى.

صفة كرسي سليمان وملكه
روي عن ابن عباس قال: كان سليمان يوضع له ستمائة كرسي، ثم يجئ أشراف الناس فيجلسون مما يليه، ثم يأتي أشراف الجن فيجلسون مما يلي الإنس، ثم يدعو الطير فتظلهم، ثم يدعو الريح فتقلهم، وتسير بالغداة الواحدة مسيرة شهر. وقال وهب وكعب وغيرهما: إن سليمان عليه السلام لما ملك بعد أبيه، أمر باتخاذ كرسي ليجلس عليه للقضاء، وأمر أن يعمل بديعا مهولا بحيث إذا راه مبطل أو شاهد زور ارتدع وتهيب، فأمر أن يعمل من أنياب الفيلة مفصصة بالدر والياقوت والزبرجد، وأن يحف بنخيل الذهب، فحف بأربع نخلات من ذهب، شماريخها الياقوت الأحمر والزمرد الأخضر، على رأس نخلتين منهما طاوسان من ذهب، وعلى رأس نخلتين نسران من ذهب بعضها مقابل لبعض، وجعلوا من جنبي الكرسي أسدين من ذهب، على رأس كل واحد منهما عمود من الزمرد الأخضر.

وقد عقدوا على النخلات أشجار كروم من الذهب الأحمر، واتخذوا عناقيدها من الياقوت الأحمر، بحيث أظل عريش الكروم النخل والكرسي. وكان سليمان عليه السلام إذا أراد صعوده وضع قدميه على الدرجة السفلى، فيستدير الكرسي كله بما فيه دوران الرحى المسرعة، وتنشر تلك النسور والطواويس أجنحتها، ويبسط الأسدان أيديهما، ويضربان الأرض بأذنابهما. وكذلك يفعل في كل درجة يصعدها سليمان، فإذا استوى بأعلاه أخذ النسران اللذان على النخلتين تاج سليمان فوضعاه على رأسه، ثم يستدير الكرسي بما فيه، ويدور معه النسران والطاوسان والأسدان مائلان برءوسهما إلى سليمان، وينضحن عليه من أجوافهن المسك والعنبر، ثم تناول حمامة من ذهب قائمة على عمود من أعمدة الجواهر فوق الكرسي التوراة، فيفتحها سليمان عليه السلام ويقرؤها على الناس ويدعوهم إلى فصل القضاء. قالوا: ويجلس عظماء بني إسرائيل على كراسي الذهب المفصصة بالجواهر، وهي ألف كرسي عن يمينه، ويجلس عظماء الجن على كراسي الفضة عن يساره وهي ألف كرسي، ثم تحف بهم الطير تظلهم، ويتقدم الناس لفصل القضاء. فإذا تقدمت الشهود للشهادات، دار الكرسي بما فيه وعليه دوران الرحى المسرعة، ويبسط الأسدان أيديهما ويضربان الأرض بأذنابهما، وينشر النسران والطاوسان أجنحتهما، فتفزع الشهود فلا يشهدون إلا بالحق. وقيل: إن الذي كان يدور بذلك الكرسي تنين من ذهب ذلك الكرسي عليه، وهو عظيم مما عمله له صخر الجني، فإذا أحست بدورانه تلك النسور والأسد والطواويس التي في أسفل الكرسي إلى أعلاه درن معه، فإذا وقفن وقفن كلهن عل رأس سليمان وهو جالس، ثم ينضحن جميعا على رأسه ما في أجوافهن من المسك والعنبر. فلما توفي سليمان بعث بخت نصر فأخذ الكرسي فحمله إلى أنطاكية، فأراد أن يصعد إليه ولم يكن له علم كيف يصعد إليه، فلما وضع رجله ضرب الأسد رجله فكسرها، وكان سليمان إذا صعد وضع قدميه جميعا. ومات بخت نصر وحمل الكرسي إلى بيت المقدس، فلم يستطع قط ملك أن يجلس عليه، ولكن لم يدر أحد عاقبة أمره ولعله رفع.

قوله تعالى:" ثُمَّ أَنابَ" أي رجع إلى الله وتاب. وقد تقدم. قوله تعالى:" قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي" أي أغفر لي ذنبي" وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي" يقال: كيف أقدم سليمان على طلب الدنيا مع ذمها من الله تعالى، وبغضه لها، وحقارتها لديه؟. فالجواب أن ذلك محمول عند العلماء على أداء حقوق الله تعالى وسياسة ملكه، وترتيب منازل خلقه، وإقامة حدوده، والمحافظة على رسومه، وتعظيم شعائره، وظهور عبادته، ولزوم طاعته، ونظم قانون الحكم النافذ عليهم منه، وتحقيق الوعود في أنه يعلم ما لا يعلم أحد من خلقه حسب ما صرح بذلك لملائكته فقال:" إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ" [البقرة: 30] وحوشي سليمان عليه السلام أن يكون سؤاله طلبا لنفس الدنيا، لأنه هو والأنبياء أزهد خلق الله فيها، وإنما سأل مملكتها لله، كما سأل نوح دمارها وهلاكها لله، فكانا محمودين مجابين إلى ذلك، فأجيب نوح فأهلك من عليها، وأعطى سليمان المملكة. وقد قيل: أن ذلك كان بأمر من الله جل وعز على الصفة التي علم الله أنه لا يضبطه إلا هو وحده دون سائر عباده، أو أراد أن يقول ملكا عظيما فقال:" لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي" وهذا فيه نظر. والأول أصح. ثم قال له:" هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب" قال الحسن: ما من أحد إلا ولله عليه تبعة في نعمه غير سليمان بن داود عليه السلام فإنه قال:" هذا عَطاؤُنا" الآية. قلت: وهذا يرد
ما روي في الخبر: إن آخر الأنبياء دخولا الجنة سليمان بن داود عليه السلام لمكان ملكه في الدنيا. وفى بعض الأخبار: يدخل الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفا، ذكره صاحب القوت وهو حديث لا أصل له، لأنه سبحانه إذا كان عطاؤه لا تبعة فيه لأنه من طريق المنة، فكيف يكون آخر الأنبياء دخولا الجنة، وهو سبحانه يقول:" وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ". وفي الصحيح:" لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته" الحديث. وقد تقدم فجعل له من قبل السؤال حاجة مقضية، فلذلك لم تكن عليه تبعة. ومعنى قوله:" لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي" أي أن يسأله. فكأنه سأل منع السؤال بعده، حتى لا يتعلق به أمل أحد، ولم يسأل منع الإجابة. وقيل: إن سؤاله ملكا لا ينبغي

لأحد من بعده، ليكون محله وكرامته من الله ظاهرا في خلق السموات والأرض، فإن الأنبياء عليهم السلام لهم تنافس في المحل عنده، فكل يحب أن تكون له خصوصية يستدل بها على محله عنده، ولهذا لما أخذ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العفريت الذي أراد أن يقطع عليه صلاته وأمكنه الله منه، أراد ربطه ثم تذكر قوله أخيه سليمان:" رب أغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي" فرده خاسئا. فلو أعطي أحد بعده مثله ذهبت الخصوصية، فكأنه كره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يزاحمه في تلك الخصوصية، بعد أن علم أنه شي هو الذي خص به من سخرة الشياطين، وأنه أجيب إلى ألا يكون لأحد بعده. والله أعلم. قوله تعالى:" فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً" أي لينة مع قوتها وشدتها حتى لا تضر بأحد، وتحمله بعسكره وجنوده وموكبه. وكان موكبه فيما روي فرسخا في فرسخ، مائة درجة بعضها فوق بعض، كل درجة صنف من الناس، وهو في أعلى درجة مع جواريه وحشمه وخدمه، صلوات الله وسلامه عليه. وذكر أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا أحمد بن جعفر، قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب، قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن إدريس بن وهب بن منبه، قال حدثني أبي قال: كان لسليمان ابن داود عليه السلام ألف بيت أعلاه قوارير وأسفله حديد، فركب الريح يوما فمر بحراث فنظر إليه الحراث فقال: لقد أوتي آل داود ملكا عظيما! فحملت الريح كلامه فألقته في أذن سليمان، قال فنزل حتى أتى الحراث فقال: إني سمعت قولك، وإنما مشيت إليك لئلا تتمنى مالا تقدر عليه، لتسبيحة واحدة يقبلها الله منك لخير مما أوتي آل داود. فقال الحراث: أذهب الله همك كما أذهبت همي. قوله تعالى:" حَيْثُ أَصابَ" أي أراد، قاله مجاهد. والعرب تقول: أصاب الصواب وأخطأ الجواب. أي أراد الصواب وأخطأ الجواب، قال ابن الأعرابي. وقال الشاعر
أصاب الكلام فلم يستطع ... وفأخطأ الجواب لدى المفصل

وقيل: أصاب أراد بلغة حمير. وقال قتادة: هو بلسان هجر. وقيل:" حيث أصاب" حينما قصد، وهو مأخوذ من إصابة السهم الغرض المقصود." وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ" أي وسخرنا له الشياطين وما سخرت لأحد قبله." كُلَّ بَنَّاءٍ" بدل من الشياطين أي كل بناء منهم، فهم يبنون له ما يشاء. قال «1»
إلا سليمان إذ قال الإله له ... قم في البرية فاحددها عن الفند

وخيس الجن إني قد أذنت لهم ... - يبنون تدمر بالصفاح والعمد
" وَغَوَّاصٍ" يعني في البحر يستخرجون له الدر. فسليمان أول من استخرج له اللؤلؤ من البحر." وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ" أي وسخرنا له مردة الشياطين حتى قرنهم في سلاسل الحديد وقيود الحديد، قال قتادة. السدي: الأغلال. ابن عباس: في وثاق. ومنه قول الشاعر «2»
فآبوا بالنهاب وبالسبايا ... - وأبنا بالملوك مصفدينا
قال يحيى بن سلام: ولم يكن يفعل ذلك إلا بكفارهم، فإذا آمنوا أطلقهم ولم يسخرهم. قوله تعالى:" هذا عَطاؤُنا" الإشارة بهذا إلى الملك، أي هذا الملك عطاؤنا فأعط من شئت أو امنع من شئت لا حساب عليك، عن الحسن والضحاك وغيرهما. قال الحسن: ما أنعم الله على أحد نعمة إلا عليه فيها تبعة إلا سليمان عليه السلام، فإن الله تعالى يقول:" هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ". وقال قتادة: الإشارة في قوله تعالى:" هذا عَطاؤُنا" إلى ما أعطيه من القوة على الجماع، وكانت له ثلاثمائة امرأة وسبعمائة سرية، وكان في ظهره ماء مائة رجل، رواه عكرمة عن ابن عباس «3». ومعناه في البخاري. وعلى هذا
" فَامْنُنْ" من المني، يقال: أمنى يمني ومنى يمني لغتان، فإذا أمرت من أمنى قلت أمن، ويقال: من منى يمني في الأمر آمن، فإذا جئت بنون الفعل نون الخفيفة قلت امنن. ومن
__________
(1). هو النابغة ألذ بياني: ويروى إذ قال المليك له. ويروى فازجرها عن الفند. أي الخطاء. وخيس أي ذلل. والصفاح جمع صفاحة بشد الفاء وهى حجارة رقاق عراض.
(2). هو عمرو بين كلثوم والبيت من معلقنه.
(3). قال أبو حيان في تفسيره: ولعله لا يصح عن ابن عباس لأنه لم يجر هنا ذكر النساء، ولا ما أوتى من القدرة على ذلك.

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43)

ذهب به إلى المنة قال: من عليه، فإذا أخرجه مخرج الأمر أبرز النونين، لأنه كان مضاعفا فقال امنن. فيروى في الخبر أنه سخر له الشياطين، فمن شاء من عليه بالعتق والتخلية، ومن شاء أمسكه، قال قتادة والسدي. وعلى ما روى عكرمة عن ابن عباس: أي جامع من شئت من نسائك، واترك جماع من شئت منهن لا حساب عليك." وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ" أي إن أنعمنا عليه في الدنيا فله عندنا في الآخرة قربة وحسن مرجع.

[سورة ص (38): الآيات 41 الى 43]
وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (42) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (43)
قوله تعالى:" وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ" أمر للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالاقتداء بهم في الصبر على المكاره." أَيُّوبَ" بدل." إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ" وقرا عيسى بن عمر" إني" بكسر الهمزة أي قال. قال الفراء: وأجمعت القراء على أن قرءوا" بِنُصْبٍ" بضم النون والتخفيف. النحاس: وهذا غلط وبعده مناقضة وغلط أيضا، لأنه قال: أجمعت القراء على هذا، وحكى بعده أنهم ذكروا عن يزيد بن القعقاع أنه قرأ:" بنصب" بفتح النون والصاد فغلط على أبي جعفر، وإنما قرأ أبو جعفر:" بنصب" بضم النون والصاد، كذا حكاه أبو عبيد وغيره وهو مروي عن الحسن. فأما" بنصب" فقراءة عاصم الجحدري ويعقوب الحضرمي. وقد رويت هذه القراءة عن الحسن وقد حكي" بنصب" بفتح النون وسكون الصاد عن أبي جعفر. وهذا كله عند أكثر النحويين بمعنى النصب فنصب ونصب كحزن وحزن. وقد يجوزان يكون نصب جمع نصب كو، ثن ووثن. ويجوز أن يكون نصب بمعنى نصب حذفت منه الضمة، فأما" وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ" [المائدة: 3] فقيل: إنه جمع نصاب. وقال أبو عبيدة وغيره: النصب الشر والبلاء. والنصب التعب والإعياء. وقد قيل في معنى:" أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ" أي ما يلحقه من وسوسته لا غير. والله أعلم. ذكره

النحاس. وقيل: إن النصب ما أصابه في بدنه، والعذاب ما أصابه في ماله، وفية بعد. وقال المفسرون: إن أيوب كان روميا «1» من البثنية وكنيته أبو عبد الله في قول الواقدي، اصطفاه الله بالنبوة، وأتاه جملة عظيمة من الثروة في أنواع الأموال والأولاد. وكان شاكرا لأنعم الله، مواسيا لعباد الله، برا رحيما. ولم يؤمن به إلا ثلاثة نفر. وكان لإبليس موقف من السماء السابعة في يوم من العام، فوقف به إبليس على عادته، فقال الله له أو قيل له عنه: أقدرت من عبدي أيوب على شي؟ فقال: يا رب وكيف أقدر منه على شي، وقد ابتليته بالمال والعافية، فلو ابتليته بالبلاء والفقر ونزعت منه ما أعطيته لحال عن حاله، ولخرج عن طاعتك،. قال الله: قد سلطتك على أهله وماله. فانحط عدو الله فجمع عفاريت الجن فأعلمهم، وقال قائل منهم: أكون إعصارا فيه نار أهلك ماله فكان، فجاء أيوب في صورة قيم ماله فأعلمه بما جرى، فقال: الحمد لله هو أعطاه وهو منعه. ثم جاء قصره بأهله وولده، فاحتمل القصر من نواحيه حتى ألقاه على أهله وولده، ثم جاء إليه وأعلمه فألقى التراب على رأسه، وصعد إبليس إلى السماء فسبقته توبة أيوب. قال: يا رب سلطني على بدنه. قال: قد سلطتك على بدنه إلا على لسانه وقلبه وبصره، فنفخ في جسده نفخة اشتعل منها «2» فصار في جسده ثآليل فحكها بأظفاره حتى دميت، ثم بالفخار حتى تساقط لحمه. وقال عند ذلك:" مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ". ولم يخلص إلى شي من حشوة البطن، لأنه لا بقاء للنفس إلا بها فهو يأكل ويشرب، فمكث كذلك ثلاث سنين. فلما غلبه أيوب اعترض لامرأته في هيئة أعظم من هيئة بني آدم في القدر والجمال، وقال لها: أنا إله الأرض، وأنا الذي صنعت بصاحبك ما صنعت، ولو سجدت لي سجدة واحدة لرددت عليه أهله وماله وهم عندي. وعرض لها في بطن الوادي ذلك كله في صورته، أي أظهره لها، فأخبرت أيوب فأقسم أن يضربها إن عافاه الله. وذكروا كلاما طويلا في" سبب «3» بلائه و" مراجعته لربه وتبرمه من البلاء الذي
__________
(1). صحح المحققون أنه من بنى إسرائيل كما جزم به الألوسي وغيره. والبئنيه بالتحريك وكسر النون وياء مشددة قرية بدمشق بينها وبين أذرعات.
(2). الزيادة من قصص الأنبياء للثعلبي.
(3). زيادة يقتضيها السياق.

نزل به، وأن النفر الثلاثة الذين آمنوا به نهوه عن ذلك واعترضوا عليه، وقيل: استعان به مظلوم فلم ينصره فابتلي بسبب ذلك. وقيل: استضاف يوما الناس فمنع فقيرا الدخول فابتلي بذلك. وقيل: كان أيوب يغزو ملكا وكان له غنم في ولايته، فداهنه لأجلها بترك غزوه فابتلي. وقيل،: كان الناس يتعدون امرأته ويقولون نخشى العدوى وكانوا يستقذرونها، فلهذا قال." مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ". وامرأته ليا بنت يعقوب. وكان أيوب في زمن يعقوب وكانت أمه ابنة لوط. وقيل: كانت زوجة أيوب رحمة بنت إفرائيم بن يوسف بن يعقوب عليهم السلام. ذكر القولين الطبري رحمه الله. قال ابن العربي: ما ذكره المفسرون من أن إبليس كان له مكان في السماء السابعة يوما من العام فقول باطل، لأنه أهبط منها بلعنة وسخط إلى الأرض، فكيف يرقى إلى محل الرضا، ويجول في مقامات الأنبياء، ويخترق السموات العلى، ويعلو إلى السماء السابعة إلى منازل الأنبياء، فيقف موقف الخليل؟! إن هذا لخطب من الجهالة عظيم. وأما قولهم: إن الله تعالى قال له هل قدرت من عبدي أيوب على شي فباطل قطعا، لأن الله عز وجل لا يكلم الكفار الذين هم من جند إبليس الملعون، فكيف يكلم من تولى إضلالهم؟! وأما قولهم: إن الله قال قد سلطتك على ماله وولده فذلك ممكن في القدرة، ولكنه بعيد في هذه القصة. وكذلك قولهم: إنه نفخ في جسده حين سلطه عليه فهو أبعد، والباري سبحانه قادر على أن يخلق ذلك كله من غير أن يكون للشيطان فيه كسب حتى تقر له- لعنة الله عليه- عين بالتمكن من الأنبياء في أموالهم وأهليهم وأنفسهم. وأما قولهم: إنه قال لزوجته أنا إله الأرض، ولو تركت ذكر الله وسجدت أنت لي لعافيته، فاعلموا وإنكم لتعلمون أنه لو عرض لأحدكم وبه ألم وقال هذا الكلام ما جاز عنده أن يكون إلها في الأرض، وأنه يسجد له، وأنه يعافي من البلاء، فكيف أن تستريب زوجة نبي؟! ولو كانت زوجة سوادي أو فدم «1» بربري ما ساغ ذلك عندها. وأما تصويره الأموال والأهل في واد للمرأة فذلك ما لا يقدر عليه إبليس بحال، ولا هو في طريق السحر فيقال إنه من جنسه.
__________
(1). الفدم من الناس القليل الفهم والفطنة.

ولو تصور لعلمت المرأة أنه سحر كما نعلمه نحن وهي فوقنا في المعرفة بذلك، فإنه لم يخل زمان قط من السحر وحديثه وجريه بين الناس وتصويره. قال القاضي: والذي جرأهم على ذلك وتذرعوا به إلى ذكر هذا قوله تعالى:" إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ" فلما رأوه قد شكا مس الشيطان أضافوا إليه من رأيهم ما سبق من التفسير في هذه الأقوال. وليس الأمر كما زعموا والأفعال كلها خيرها وشرها. في إيمانها وكفرها، طاعتها وعصيانها، خالقها هو الله لا شريك له في خلقه، ولا في خلق شي غيرها، ولكن الشر لا ينسب إليه ذكرا، وإن كان موجودا منه خلقا، أدبا أدبنا به، وتحميدا علمناه. وكان من ذكر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لربه به قول من جملته:" والخير في يديك والشر ليس إليك" على هذا المعنى. ومنه قول إبراهيم:" وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ" [الشعراء: 80] وقال الفتى للكليم:" وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ" [الكهف: 63] وأما قولهم: انه استعان به مظلوم فلم ينصره، فمن لنا بصحة هذا القول. ولا يخلو أن يكون قادرا على نصره، فلا يحل لأحد تركه فيلام على أنه عصى وهو منزه عن ذلك،. أو كان عاجزا فلا شي عليه في ذلك، وكذلك قولهم: إنه منع فقيرا من الدخول، إن كان علم به فهو باطل عليه وإن لم يعلم به فلا شي عليه فيه. وأما قولهم: إنه داهن على غنمه الملك الكافر فلا تقل داهن ولكن قل دارى. ودفع الكافر والظالم عن النفس أو المال بالمال جائز، نعم وبحسن الكلام. قال ابن العربي القاضي أبو بكر رضى الله عنه: ولم يصح عن أيوب في أمره إلا ما أخبرنا الله عنه في كتابه في آيتين، الأولى قوله تعالى:" وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ" [الأنبياء: 83] والثانية في:" ص"" أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ". وأما النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يصح عنه أنه ذكره بحرف واحد إلا قوله:" بينا أيوب يغتسل إذ خر عليه رجل من جراد من ذهب" الحديث. وإذ لم يصح عنه فيه قرآن ولا سنة إلا ما ذكرناه، فمن الذي يوصل السامع إلى أيوب خبره، أم على أي لسان سمعه؟ والإسرائيليات مرفوضة عند العلماء على البتات، فأعرض عن سطورها بصرك، وأصمم عن سماعها أذنيك، فإنها لا تعطي فكرك إلا خيالا، ولا تزيد فؤادك إلا خبالا

وفي الصحيح واللفظ للبخاري أن ابن عباس قال: يا معشر المسلمين تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيكم أحدث الأخبار بالله، تقرءونه محضا لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتب الله وغيروا وكتبوا بأيديهم الكتب، فقالوا:" هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا" [البقرة: 79] ولا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم، فلا والله ما رأينا رجلا منهم يسألكم عن الذي أنزل عليكم، وقد أنكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث الموطأ على عمر قراءته التوراة. قوله تعالى:" ارْكُضْ بِرِجْلِكَ" الركض الدفع بالرجل. يقال: ركض الدابة وركض ثوبه برجله. وقال المبرد: الركض التحريك، ولهذا قال الأصمعي: يقال ركضت الدابة ولا يقال ركضت هي، لأن الركض إنما هو تحريك راكبها رجليه ولا فعل لها في ذلك. وحكى سيبويه: ركضت الدابة فركضت مثل جبرت العظم فجبر وحزنته فحزن، وفى الكلام إضمار أي قلنا له:" ارْكُضْ" قال الكسائي. وهذا لما عافاه الله." هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ" أي فركض فنبعت عين ماء فاغتسل به، فذهب الداء من ظاهره، ثم شرب منه فذهب الداء من باطنه. وقال قتادة: هما عينان بأرض الشام في أرض يقال لها الجابية، فاغتسل من إحداهما فأذهب الله تعالى ظاهر دائه، وشرب من الأخرى فأذهب الله تعالى باطن دائه. ونحوه عن الحسن ومقاتل، قال مقاتل: نبعت عين حارة واغتسل فيها فحرج صحيحا ثم نبعت عين أخرى فشرب منها ماء عذبا. وقيل: أمر بالركض بالرجل ليتناثر عنه كل داء في جسده. والمغتسل الماء الذي يغتسل به، قال القتبي. وقيل: إنه الموضع الذي يغتسل فيه، قال مقاتل. الجوهري: واغتسلت بالماء، والغسول الماء الذي يغتسل به، وكذلك المغتسل، قال الله تعالى:" هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ" والمغتسل أيضا الذي يغتسل فيه، والمغسل والمغسل بكسر السين وفتحها مغسل الموتى والجمع المغاسل
. واختلف كم بقي أيوب في البلاء، فقال ابن عباس: سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات. وقال وهب بن منبه: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، وترك يوسف، في السجن سبع سنين،

وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)

وعذب بخت نصر وحول «1» في السباع سبع سنين. ذكره أبو نعيم. وقيل: عشر سنين. وقيل: ثمان عشرة سنة. رواه أنس مرفوعا فيما ذكر الماوردي: قلت: وذكره ابن المبارك، أخبرنا يونس بن يزيد، عن عقيل عن ابن شهاب أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكر يوما أيوب، وما أصابه من البلاء، وذكر أن البلاء الذي أصابه كان به ثمان عشرة سنة. وذكر الحديث القشيري. وقيل: أربعين سنة. قوله تعالى:" وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ" تقدم في" الأنبياء" «2» الكلام فيه." رَحْمَةً مِنَّا" أي نعمة منا." وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ" أي عبرة لذوي العقول.

[سورة ص (38): آية 44]
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)
فيه سبع مسائل: الأولى- كان أيوب حلف في مرضه أن يضرب امرأته مائة جلدة، وفي سبب ذلك أربعة أقوال: أحدها ما حكاه ابن عباس أن إبليس لقيها في صورة طبيب فدعته لمداواة أيوب، فقال أداويه على أنه إذا برئ قال أنت شفيتني، لا أريد جزاء سواه. قالت: نعم فأشارت على أيوب بذلك فحلف ليضربنها. وقال: ويحك ذلك الشيطان. الثاني- ما حكاه سعيد بن المسيب، أنها جاءته بزيادة على ما كانت تأتيه من الخبز، فخاف خيانتها فحلف ليضربنها. الثالث- ما حكاه يحيى بن سلام وغيره: أن الشيطان أغواها أن تحمل أيوب على أن يذبح سخلة تقربا إليه وأنه يبرأ، فذكرت ذلك له فحلف ليضربنها إن عوفي مائة. [الرابع [قيل: باعت ذوائبها برغيفين إذ لم تجد شيئا تحمله إلى أيوب، وكان أيوب يتعلق بها إذا أراد القيام، فلهذا حلف ليضربنها، فلما شفاه الله أمره أن يأخذ ضغثا فيضرب به،
__________
(1). حول بمعنى مسخ، راجع قصة دانيال في قصص الأنبياء للثعلبي.
(2). راجع ج 11 ص 323 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.

فأخذ شماريخ قدر مائة فضربها ضربة واحدة. وقيل: الضغث قبضة حشيش مختلطة الرطب باليابس. وقال ابن عباس: إنه إثكال النخل الجامع بشماريخه. الثانية- تضمنت هذه الآية جواز ضرب الرجل امرأته تأديبا. وذلك أن امرأة أيوب أخطأت فحلف ليضربنها مائة، فأمره الله تعالى أن يضربها بعثكول من عثاكيل النخل، وهذا لا يجوز في الحدود. إنما أمره الله بذلك لئلا يضرب امرأته فوق حد الأدب. وذلك أنه ليس للزوج أن يضرب امرأته فوق حد الأدب، ولهذا قال عليه السلام:" واضربوهن ضربا غير مبرح" على ما تقدم في" النساء" «1» بيانه. الثالثة- واختلف العلماء في هذا الحكم هل هو عام أو خاص بأيوب وحده، فروى عن مجاهد أنه عام للناس. ذكره ابن العربي. وحكي عن القشيري أن ذلك خاص بأيوب. وحكى المهدوي عن عطاء بن أبي رباح أنه ذهب إلى أن ذلك حكم باق، وأنه إذا ضرب بمائة قضيب ونحوه ضربة واحدة بر. وروي نحوه الشافعي. وروى نحوه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المقعد الذي حملت منه الوليدة، وأمر أن يضرب بعثكول فيه مائة شمراخ ضربة واحدة. وقال القشيري: وقيل لعطاء هل يعمل بهذا اليوم؟ فقال: ما أنزل القرآن إلا ليعمل به ويتبع. ابن العربي: وروي عن عطاء أنها لأيوب خاصة. وكذلك روى أبو زيد عن ابن القاسم عن مالك: من حلف ليضربن عبده مائة فجمعها فضربه بها ضربة واحدة لم يبر. قال بعض علمائنا: يريد مالك قوله تعالى:" لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً" [المائدة: 48] أي إن ذلك منسوخ بشريعتنا. قال ابن المنذر: وقد روينا عن علي أنه جلد الوليد بن عقبة بسوط له طرفان أربعين جلدة. وأنكر مالك هذا وتلا قول الله عز وجل:" فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ" [النور: 2] وهذا مذهب أصحاب الرأي. وقد احتج الشافعي لقوله بحديث، وقد تكلم في إسناده، والله أعلم. قلت: الحديث الذي أحتج به الشافعي خرجه أبو داود في سننه قال: حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، قال حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، قال: أخبرني
__________
(1). راجع ج 5 ص 172 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.

أبو أمامة بن سهل بن حنيف أنه أخبره بعض أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الأنصار، أنه اشتكى رجل منهم حتى أضنى، فعاد جلدة على عظم، فدخلت عليه جارية لبعضهم فهش لها فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك وقال: استفتوا لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإني قد وقعت على جارية دخلت علي. فذكروا ذلك لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقالوا: ما رأينا بأحد من الناس من الضر مثل الذي هو به، لو حملناه إليك لتفسخت عظامه، ما هو إلا جلد على عظم، فأمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يأخذوا له مائة شمراخ فيضربوه بها ضربة واحدة. قال الشافعي: إذا حلف ليضربن فلانا مائة جلدة، أو ضربا ولم يقل ضربا شديدا ولم ينو ذلك بقلبه يكفيه مثل هذا الضرب المذكور في الآية ولا يحنث. قال ابن المنذر: وإذا حلف الرجل ليضربن عبده مائة فضربه ضربا خفيفا فهو بار عند الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي. وقال مالك: ليس الضرب إلا الضرب الذي يؤلم. الرابعة- قوله تعالى:" وَلا تَحْنَثْ" دليل على أن الاستثناء في اليمين لا يرفع حكمها إذا كان متراخيا. وقد مضى، القول فيه في [المائدة «1»] يقال: حنث في يمينه يحنث إذا لم يبر بها. وعند الكوفيين الواو مقحمة أي فاضرب لا تحنث. الخامسة- قال ابن العربي: قوله تعالى:" فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ" يدل على أحد وجهين: إما أن يكون أنه لم يكن في شرعهم كفارة، وإنما كان البر والحنث. والثاني أن يكون صدر منه نذر لا يمين وإذا كان النذر معينا فلا كفارة فيه عند مالك وأبي حنيفة. وقال الشافعي: في كل نذر كفارة. قلت: قوله إنه لم يكن في شرعهم كفارة ليس بصحيح، فإن أيوب عليه السلام لما بقي في البلاء ثمان عشرة سنة، كما في حديث ابن شهاب، قال له صاحباه: لقد أذنبت ذنبا ما أظن أحدا بلغه. فقال أيوب صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما أدري ما تقولان، غير أن ربي
__________
(1). راجع ج 6 ص 272 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية

عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتزاعمان فكل يحلف بالله، أو على النفر يتزاعمون فانقلب إلى أهلي، فأكفر عن أيمانهم إرادة ألا يأثم أحد يذكره ولا يذكره إلا بحق «1» فنادى ربه" أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ" [الأنبياء: 83] وذكر الحديث. فقد أفادك هذا الحديث أن الكفارة كانت من شرع أيوب، وأن من كفر عن غيره بغير إذنه فقد قام بالواجب عنه وسقطت عنه الكفارة. السادسة- استدل بعض جهال المتزهدة، وطغام المتصوفة بقوله تعالى لأيوب:" ارْكُضْ بِرِجْلِكَ" على جواز الرقص. قال أبو الفرج الجوزي: وهذا احتجاج بارد، لأنه لو كان أمر بضرب الرجل فرحا كان لهم فيه شبهة، وإنما أمر بضرب الرحل لينبع الماء. قال ابن عقيل: أين الدلالة في مبتلى أمر عند كشف البلاء بأن يضرب برجله الأرض لينبع الماء أعجازا من الرقص، ولين جاز أن يكون تحريك رجل قد انحلها تحكم الهوام دلالة على جواز الرقص في الإسلام، جاز أن يجعل قوله سبحانه لموسى:" اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ" دلالة على ضرب المحاد «2» بالقضبان! نعوذ بالله من التلاعب بالشرع. وقد احتج بعض قاصريهم بان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لعلى:" أنت منى وأنا منك" فجعل. وقال الجعفر: أشبهت خلقي وخلقي" فجعل. وقال لزيد:" أنت أخونا ومولانا" فجعل. ومنهم من احتج بان الحبشة زفنت والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينظر إليهم. والجواب- أما العجل فهو نوع من الشيء يفعل عند الفرح فأين هو والرقص، وكذلك زفن الحبشة نوع من الشيء يفعل عند اللقاء للحرب. السابعة- قوله تعالى:" إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً" أي على البلاء." نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ" أي تواب رجاع مطيع. وسيل سفيان عن عبدين ابتلى أحدهما فصبر، وأنعم على الآخر فشكر، فقال: كلاهما سواء، لأن الله تعالى أثنى على عبدين، أحدهما صابر والآخر شاكر ثناء واحدا، فقال في وصف أيوب:" نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ" وقال في وصف سليمان:" نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ".
__________
(1). في نسخة الا نحن.
(2). كذا في الأصل وفى بعض النسخ" بالمخاد" بالخاء المعجمة. [.....]

قلت: وقد رد هذا الكلام صاحب القوت واستدل بقصة أيوب في تفضيل الفقير على الغني وذكر كلاما كثيرا شيد به كلامه، وقد ذكرناه في غير هذا الموضع من كتاب" منهج العباد ومحجة السالكين والزهاد". وخفي عليه أن أيوب عليه السلام كان أحد الأغنياء من الأنبياء قبل البلاء وبعده، وإنما ابتلي بذهاب ماله وولده وعظيم الداء في جسده. وكذلك الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه صبروا على ما به امتحنوا وفتنوا. فأيوب عليه السلام دخل في البلاء على صفة، فخرج منه كما دخل فيه، وما تغير منه حال ولا مقال، فقد اجتمع «1» مع أيوب في المعنى المقصود، وهو عدم التغير الذي يفضل فيه بعض الناس بعضا. وبهذا الاعتبار يكون الغني الشاكر والفقير الصابر سواء. وهو كما قال سفيان. والله أعلم. وفي حديث ابن شهاب عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إن أيوب خرج لما كان يخرج إليه من حاجته فأوحى الله إليه:" ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ" فاغتسل فأعاد الله لحمه وشعره وبشره على أحسن ما كان ثم شرب فأذهب الله كل ما كان في جوفه من ألم أو ضعف وأنزل الله عليه ثوبين من السماء أبيضين فائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر ثم أقبل يمشي إلى منزله وراث «2» على امرأته فأقبلت حتى لقيته وهي لا تعرفه فسلمت عليه وقالت أي يرحمك الله هل رأيت هذا الرجل المبتلى؟ قال من هو؟ قالت نبي الله أيوب، أما والله ما رأيت أحدا قط أشبه به منك إذ كان صحيحا. قال فإني أيوب واخذ ضغثا فضربها به" فزعم ابن شهاب أن ذلك الضغث كان ثماما «3». ورد الله إليه أهله ومثلهم معهم، فأقبلت سحابة حتى سجلت «4» في أندر «5» قمحه ذهبا حتى أمتلأ، وأقبلت سحابة أخرى إلى أندر شعيرة وقطانيه «6» فسجلت فيه ورقا حتى امتلأ.
__________
(1). الضمير يعود على سليمان عليه السلام.
(2). راث: أبطأ.
(3). التمام: نبت ضعيف له خوص أو شبيه بالخوص.
(4). السحل الانصباب المتواصل.
(5). الأندر: الموضع الذي يدرس فيه القمح وغيره.
(6). القطاني: الحبوب التي تدخر كالمحص والعدس واللوبيا وما شاكلها. قوله تعالى: وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ

وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (47)

[سورة ص (38): الآيات 45 الى 47]
وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (47)
قوله تعالى:" وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ" وقرا ابن عباس:" عبدنا" بإسناد صحيح، رواه ابن عيينة عن عمرو عن عطاء عنه، وهي قراءة مجاهد وحميد وابن محيصن وابن كثير، فعلى هذه القراءة يكون" إبراهيم" بدلا من" عبدنا" و" إسحاق ويعقوب" عطف. والقراءة بالجمع أبين، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، ويكون" إبراهيم" وما بعده على البدل. النحاس: وشرح هذا من العربية أنك إذا قلت: رأيت أصحابنا زيدا وعمرا وخالدا، فزيد وعمرو وخالد بدل وهم الأصحاب، وإذا قلت رأيت صاحبنا زيدا وعمرا وخالدا فزيد وحده بدل وهو صاحبنا، وزيد وعمرو عطف على صاحبنا وليسا بداخلين في المصاحبة إلا بدليل غير هذا، غير أنه قد علم أن قوله:" وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ" داخل في العبودية. وقد استدل بهذه الآية من قال: إن الذبيح إسحاق لا إسماعيل، وهو الصحيح على ما ذكرناه في كتاب" الإعلام بمولد النبي عليه السلام"." أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ" قال النحاس: أما" الْأَبْصارِ" فمتفق على تأويلها أنها البصائر في الدين والعلم. وأما" الْأَيْدِي" فمختلف في تأويلها، فأهل التفسير يقولون: إنها القوة في الدين. وقوم يقولون:" الْأَيْدِي" جمع يد وهي النعمة، أي هم أصحاب النعم، أي الذين أنعم الله عز وجل عليهم. وقيل: هم أصحاب النعم والإحسان، لأنهم قد أحسنوا وقدموا خيرا. وهذا اختيار الطبري." وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ" أي الذين اصطفاهم من الأدناس واختارهم لرسالته. ومصطفين جمع مصطفى والأصل مصتفى وقد مضى في" البقرة" «1» عند قوله:" إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ"" والْأَخْيارِ" جمع خير. وقرا الأعمش وعبد لوارث والحسن
__________
(1). راجع ج 2 ص 133 في تفسير قوله تعالى 6" ولقد اصطفيناه في الدنيا" فقيه الكلام على اشتقاق الفظ وليس في الآية المذكورة.

وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (48) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (51) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (52) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (53) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (54)

وعيسى الثقفي" أولى الأيد" بغير ياء في الوصل والوقف على معنى أولى القوة في طاعة الله. ويجوز أن يكون كمعنى قراءة الجماعة وحذفت الياء تخفيفا. قوله تعالى:" إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ" قراءة العامة" بِخالِصَةٍ" منونة وهى اختيار ابى عبيد وأبى حاتم. وقرا نافع وشيبة وأبو جعفر وهشام عن ابن عامر" بخالصة ذكرى الدار" بالإضافة فمن نون خالصة ف" ذِكْرَى الدَّارِ" بدل منها، التقدير إنا أخلصناهم بأن يذكروا الدار الآخرة ويتأهبوا لها، ويرغبوا فيها ويرغبوا الناس فيها. ويجوز أن يكون" خالصة" مصدرا لخلص و" ذكرى" في موضع رفع بأنها فاعلة، والمعنى أخلصناهم بأن خلصت لهم ذكرى الدار، أي تذكير الدار الآخرة. ويجوز أن يكون" خالصة" مصدرا لأخلصت فحذفت الزيادة، فيكون" ذكرى" على هذا في موضع نصب، التقدير: بأن أخلصوا ذكرى الدار. والدار يجوز أن يراد بها الدنيا، أي ليتذكروا الدنيا ويزهدوا فيها، ولتخلص لهم بالثناء الحسن عليهم، كما قال تعالى:" وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا" [مر يم: 50] ويجوز أن يراد بها الدار الآخرة وتذكير الخلق بها. ومن أضاف خالصة إلى الدار فهي مصدر بمعنى الإخلاص، والذكرى مفعول به أضيف إليه المصدر، أي بإخلاصهم ذكرى الدار. ويجوز أن يكون المصدر مضافا إلى الفاعل والخالصة مصدر بمعنى الخلوص، أي بأن خلصت لهم ذكرى الدار، و. هي الدار الآخرة أو الدنيا على ما تقدم. وقال ابن زيد: معنى أخلصناهم أي بذكر الآخرة، أي يذكرون الآخرة ويرغبون فيها ويزهدون في الدنيا. وقال مجاهد: المعنى إنا أخلصناهم بأن ذكرنا الجنة لهم.

[سورة ص (38): الآيات 48 الى 54]
وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (48) هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (51) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (52)
هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (53) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (54)

قوله تعالى:" وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ" مضى ذكر اليسع في" الأنعام" «1» وذكر ذى الكفل في" الأنبياء." «2»" وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ" أي ممن اختير للنبوة." هذا ذِكْرٌ" بمعنى هذا ذكر جميل في الدنيا وشرف يذكرون به في الدنيا أبدا." وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ" أي لهم مع هذا الذكر الجميل في الدنيا حسن المرجع في القيامة. ثم بين ذلك بقوله تعالى:" جَنَّاتِ عَدْنٍ" والعدن في اللغة الإقامة، يقال: عدن بالمكان إذا أقام. وقال عبد الله ابن عمر: إن في الجنة قصرا «3» يقال له عدن حوله البروج والمروج فيه خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حبرة «4» لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد." مُفَتَّحَةً" حال" لَهُمُ الْأَبْوابُ" رفعت الأبواب لأنه اسم ما لم يسم فاعله. قال الزجاج: أي مفتحة لهم الأبواب منها. وقال الفراء: مفتحة لهم أبوابها. وأجاز الفراء:" مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ" بالنصب. قال الفراء: أي مفتحة الأبواب ثم جئت بالتنوين فنصبت. وأنشد هو وسيبويه:
ونأخذ بعده بذناب عيش ... واجب الظهر ليس له سنام «5»
وإنما قال:" مُفَتَّحَةً" ولم يقل مفتوحة، لأنها تفتح لهم بالأمر لا بالمس. قال الحسن: تكلم: انفتحي فتنفح انغلقي فتنغلق. وقيل: تفتح لهم الملائكة الأبواب. قوله تعالى:" مُتَّكِئِينَ فِيها" هو حال قدمت على العامل فيها وهو قوله:" يَدْعُونَ فِيها" أي يدعون في الجنات متكئين فيها." بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ" أي بألوان الفواكه" وَشَرابٍ" أي وشراب كثير فحذف لدلالة الكلام عليه. قوله تعالى:" وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ" أي على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم وقد مضى في" الصافات." «6»" أَتْرابٌ" أي على سن واحد، وميلاد امرأة واحدة، وقد
__________
(1). راجع ج 7 ص 33 طبعه أولى أو ثانية.
(2). راجع ج 11 ص 327 طبعه أولى أو ثانية.
(3). تقدمت هذه الرواية في ج 9 ص 311 بهذا اللفظ وهى توافق ما في تفسير الطبري وغيره عن عبد الله بن عمرو، ولفظ الأصل هنا" جنة عدن قصر في الجنة" إلخ.
(4). الحبرة" بكسر الحاء المهملة وفتحها" ضرب من البرود اليمنية مخطط.
(5). البيت للنابغة والشاهد فيه نصب الظهر بأجب على نية التنوين، وقد وصف مرض النعمان بن المنذر وأنه إن هلك صار الناس في أسوإ حال وأضيق عيش، وتمسكوا منه بمثل ذنب بعير أجب وهو الذي لا سنام له من الهزال.
(6). راجع ص 80 من هذا الجزة.

هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (59) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (60) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (61)

تساوين في الحسن والشباب، بنات ثلاث وثلاثين سنة. قال ابن عباس: يريد الآدميات. و" أَتْرابٌ" جمع ترب وهو نعت لقاصرات، لأن" قاصِراتُ" نكرة وإن كان مضافا إلى المعرفة. والدليل على ذلك أن الألف واللام يدخلانه كما قال:
من القاصرات الطرف لو دب محول ... ومن الذر فوق الإتب منها لأثرا «1»
قوله تعالى:" هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ" أي هذا الجزاء الذي وعدتم به. وقراءة العامة بالتاء أي ما توعدون أيها المؤمنون. وقرا ابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو ويعقوب بالياء على الخبر، وهي قراءة السلمي واختيار أبي عبيد وأبي حاتم، لقوله تعالى:" وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ" فهو خبر." لِيَوْمِ الْحِسابِ" أي في يوم الحساب، قال الأعشى:
المهينين ما لهم لزمان ... والسوء حتى إذا أفاق أفاقوا
أي في زمان السوء. قوله تعالى:" إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ" دليل على أن نعيم الجنة دائم لا ينقطع، كما قال:" عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ" [هود: 108] وقال:" فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ" مَمْنُونٍ." [التين: 6].

[سورة ص (38): الآيات 55 الى 61]
هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (56) هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (58) هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (59)
قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (60) قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (61)
قوله تعالى:" هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ" لما ذكر ما للمتقين ذكر ما للطاغين. قال الزجاج:" هذا" خبر ابتداء محذوف أي الأمر هذا فيوقف على" هذا" قال ابن الأنباري:" هذا" وقف حسن. ثم تبتدئ" وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ" وهم الذين كذبوا الرسل.
__________
(1). قائله امرؤ القيس. المحول: الصغير. والإتب: درع المرأة. وبرده تشق فتلبس من غير كمين ولا جبب. [.....]

" لَشَرَّ مَآبٍ" أي منقلب يصيرون إليه. ثم بين ذلك بقوله:" جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ" أي بئس ما مهدوا لأنفسهم، أو بئس الفراش لهم. ومنه مهد الصبي. وقيل: فيه حذف أي بئس موضع المهاد. وقيل: أي هذا الذي وصفت لهؤلاء المتقين، ثم قال: وإن للطاغين لشر مرجع فيوقف على" هذا" أيضا. قوله تعالى:" هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ"" هذا" في موضع رفع بالابتداء وخبره" حَمِيمٌ" على التقديم والتأخير، أي هذا حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ فليذوقوه. ولا يوقف على" فَلْيَذُوقُوهُ" ويجوز أن يكون" هذا" في موضع رفع بالابتداء و" فَلْيَذُوقُوهُ" في موضع الخبر، ودخلت الفاء للتنبيه الذي في" هذا" فيوقف على" فَلْيَذُوقُوهُ" ويرتفع" حَمِيمٌ" على تقدير هذا حميم. قال النحاس: ويجوز أن يكون المعنى الأمر هذا، وحميم وغساق إذا لم تجعلهما خبرا فرفعهما على معنى هو حميم وغساق. والفراء يرفعهما بمعنى منه حميم ومنه غساق وأنشد:
حتى إذا ما أضاء الصبح» في غلس ... - وغودر البقل ملوي ومحصود
وقال آخر «2»:
لها متاع وأعوان غدون به ... وقتب وغرب إذا ما أفرغ انسحقا
ويجوز أن يكون" هذا" في موضع نصب بإضمار فعل يفسره" فَلْيَذُوقُوهُ" كما تقول زيدا اضربه. والنصب في هذا أولى فيوقف على" فَلْيَذُوقُوهُ" وتبتدئ" حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ" على تقدير الأمر حميم وغساق. وقراءة أهل المدينة واهل البصرة وبعض الكوفيين بتخفيف السين في" وغساق". وقرا يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي" وَغَسَّاقٌ" بالتشديد، وهما لغتان بمعنى واحد في قول الأخفش. وقيل: معناهما مختلف، فمن خفف فهو اسم مثل عذاب وجواب وصواب، ومن شدد قال: هو اسم فاعل نقل إلى فعال للمبالغة، نحو ضراب وقتال وهو فعال من غسق يغسق فهو غساق وغاسق. قال ابن عباس: هو الزمهرير يخوفهم
__________
(1). رواه السمين: أضاء البرق.
(2). قائله زهير بن أبى سلمى يصف الناقة. الى يستقى عليها. وقتب وغرب للمتاع. والقتب أداة السانية، الغرب الدلو العظيمة. وانسحقا أي مضى وبعد سيلانه.

ببرده. وقال مجاهد ومقاتل: هو الثلج البارد الذي قد انتهى برده. وقال غيرهما. إنه يحرق ببرده كما يحرق الحميم بحره. وقال عبد الله بن عمرو: هو قيح غليظ لو وقع منه شي بالمشرق لأنتن من في المغرب، ولو وقع منه شي في المغرب لأنتن من في المشرق. وقال قتادة: هو ما يسيل من فروج الزناة ومن نتن لحوم الكفرة وجلودهم من الصديد والقيح والنتن. وقال محمد بن كعب: هو عصارة أهل النار. وهذا القول أشبه باللغة، يقال: غسق الجرح يغسق غسقا إذا خرج منه ماء أصفر، قال الشاعر:
إذا ما تذكرت الحياة وطيبها ... إلي جرى دمع من الليل «1» غاسق
أي بارد. ويقال: ليل غاسق، لأنه أبرد من النهار. وقال السدي: الغساق الذي يسيل من أعينهم ودموعهم يسقونه مع الحميم. وقال ابن زيد: الحميم دموع أعينهم، يجمع في حياض النار فيسقونه، والصديد الذي يخرج من جلودهم. والاختيار على هذا" وَغَسَّاقٌ" حتى يكون مثل سيال. وقال كعب: الغساق عين في جهنم يسيل إليها سم كل ذي حمة من عقرب وحية. وقيل: هو مأخوذ من الظلمة والسواد. والغسق أول ظلمة الليل، وقد غسق الليل يغسق إذا أظلم. وفي الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" لو أن دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا. قلت: وهذا أشبه على الاشتقاق الأول كما بينا، إلا أنه يحتمل أن يكون الغساق مع سيلانه أسود مظلما فيصح الاشتقاقان. والله أعلم. قوله تعالى:" وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ" قرأ أبو عمرو:" وأخر" جمع أخرى مثل الكبرى والكبر. الباقون:" وَآخَرُ" مفرد مذكر. وأنكر أبو عمرو" وَآخَرُ" لقوله تعالى:" أَزْواجٌ" أي لا يخبر بواحد عن جماعة. وأنكر عاصم الجحدري" وأخر" قال: ولو كانت" وأخر" لكان من شكلها. وكلا الردين لا يلزم والقراءتان صحيحتان." وَآخَرُ" أي وعذاب آخر سوى الحميم والغساق." مِنْ شَكْلِهِ" قال قتادة: من نحوه. قال ابن مسعود: هو
__________
(1). عله من العين.

لا لزمهرير. وارتفع" وَآخَرُ" بالابتداء و" أَزْواجٌ" مبتدأ ثان و" مِنْ شَكْلِهِ" خبره والجملة خبر" آخَرُ". ويجوز أن يكون" وَآخَرُ" مبتدأ والخبر مضمر دل عليه" هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ" لأن فيه دليلا على أنه لهم، فكأنه قال: ولهم آخر ويكون" مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ" صفة لآخر فالمبتدأ متخصص بالصفة و" أَزْواجٌ" مرفوع بالظرف. ومن قرأ" وأخر" أراد وأنواع من العذاب أخر، ومن جمع وهو يريد الزمهرير فعلى أنه جعل الزمهرير أجناسا فجمع لاختلاف الأجناس. أو على أنه جعل لكل جزء منه زمهريرا ثم جمع كما قالوا: شابت مفارقه. أو على أنه جمع لما في الكلام من الدلالة على جواز الجمع، لأنه جعل الزمهرير الذي هو نهاية البرد بإزاء الجمع في قول:" هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ" والضمير في" شَكْلِهِ" يجوز أن يعود على الحميم أو الغساق. أو على معنى" وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ" ما ذكرنا، ورفع" أخر" على قراءة الجمع بالابتداء و" مِنْ شَكْلِهِ" صفة له وفيه ذكر يعود على المبتدإ و" أَزْواجٌ" خبر المبتدإ. ولا يجوز أن يحمل على تقدير ولهم أخر و" مِنْ شَكْلِهِ" صفة لأخر و" أَزْواجٌ" مرتفعة بالظرف كما جاز في الإفراد، لأن الصفة لا ضمير فيها من حيث ارتفع" أَزْواجٌ" مفرد،، قاله أبو علي. و" أَزْواجٌ" أي أصناف وألوان من العذاب. وقال يعقوب: الشكل بالفتح المثل وبالكسر الدل «1». قوله تعالى:" هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ" قال ابن عباس: هو أن القادة إذا دخلوا النار ثم دخل بعدهم الأتباع، قالت الخزنة للقادة:" هذا فَوْجٌ" يعني الأتباع والفوج الجماعة" مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ" أي داخل النار معكم، فقالت السادة:" لا مَرْحَباً بِهِمْ" أي لا اتسعت منازلهم في النار. والرحب السعة، ومنه رحبة المسجد وغيره. وهو في مذهب الدعاء فلذلك نصب، قال النابغة:
لا مرحبا بغد ولا أهلا به ... وإن كان تفريق الأحبة في غد
__________ (1). يقال امرأة ذات شكل (با لكسر) أي ذات دلال، وهو حسن الحديث وحسن المزح والهيئة.

وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (63) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64)

قال أبو عبيدة العرب تقول: لا مرحبا بك، أي لا رحبت عليك الأرض ولا اتسعت.! إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ" قيل: هو من قول القادة، أي إنهم صالوا النار كما صليناها. وقيل: هو من قول الملائكة متصل بقولهم:" هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ" و" قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ" هو من قول الأتباع وحكى النقاش: إن الفوج الأول قادة المشركين ومطعموهم يوم بدر، والفوج الثاني أتباعهم ببدر والظاهر من الآية أنها عامة في كل تابع ومتبوع." أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا" أي دعوتمونا إلى العصيان" فَبِئْسَ الْقَرارُ" لنا ولكم" قالُوا" يعني الأتباع" رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا" قال الفراء: من سوغ لنا هذا وسنة وقال غيره من قدم لنا هذا العذاب بدعائه إيانا إلى المعاصي" فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ" وعذابا بدعائه إيانا فصار ذلك ضعفا. وقال ابن مسعود: معنى عذابا ضعفا في النار الحيات والأفاعي. ونظير هذه الآية قوله تعالى:" رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ" [الأعراف: 38].

[سورة ص (38): الآيات 62 الى 64]
وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (62) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (63) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64)
قوله تعالى:" وَقالُوا" يعني أكابر المشركين" ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ" قال ابن عباس: يريدون أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يقول أبو جهل: أين بلال أين صهيب أين عمار أولئك في الفردوس وأعجبا لأبي جهل مسكين، أسلم ابنه عكرمة، وابنته جويرية، وأسلمت أمه، وأسلم أخوه، وكفر هو، قال:
ونورا أضاء الأرض شرقا ومغربا ... - وموضع رجلي منه أسود مظلم
" أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا" قال مجاهد: أتخذناهم سخريا في الدنيا فأخطأنا" أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ" فلم نعلم مكانهم. قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا، اتخذوهم سخريا، وزاغت عنهم أبصارهم في الدنيا محقرة لهم. وقيل: معنى" أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ" أي أهم معنا في النار فلا

قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (65) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (66) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (70)

نراهم. وكان ابن كثير والأعمش وأبو عمروحمزة والكسائي يقرءون" من الأشرار اتخذناهم" بحذف الألف في الوصل. وكان أبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم وابن عامر يقرءون" أتخذناهم" بقطع الألف على الاستفهام وسقطت ألف الوصل، لأنه قد أستغنى عنها، فمن قرأ بحذف الألف لم يقف على" الْأَشْرارِ" لأن" أَتَّخَذْناهُمْ" حال. وقال النحاس والسجستاني: هو نعت لرجال. قال ابن الأنباري: وهذا خطأ، لأن النعت لا يكون ماضيا ولا مستقبلا. ومن قرأ:" أتخذناهم" بقطع الألف وقف على" الْأَشْرارِ" قال الفراء: والاستفهام هنا بمعنى التوبيخ والتعجب." أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ" إذا قرأت بالاستفهام كانت أم للتسوية، وإذا قرأت بغير الاستفهام فهي بمعنى بل. وقرا أبو جعفر ونافع شيبة والمفضل وهبيرة ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي" سِخْرِيًّا" بضم السين. الباقون بالكسر. قال أبو عبيدة: من كسر جعله من الهزء ومن ضم جعله من التسخير. وقد تقدم" إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ"" لَحَقٌّ" خبر إن و" تَخاصُمُ" خبر مبتدإ محذوف بمعنى هو تخاصم. ويجوز أن يكون بدلا من حق. ويجوز أن يكون خبر ابعد خبر. ويجوز أن يكون بدلا من ذلك على الموضع. أي إن تخاصم أهل النار في النار لحق. يعني قولهم:" لا مَرْحَباً بِكُمْ" الآية وشبهه من قول أهل النار.

[سورة ص (38): الآيات 65 الى 70]
قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (65) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (66) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69)
إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (70)
قوله تعالى:" قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ" أي مخوف عقاب الله لمن عصاه وقد تقدم." وَما مِنْ إِلهٍ" أي معبود" إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ" الذي لا شريك له"

رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ" بالرفع على النعت وإن نصبت الأول نصبته. ويجوز رفع الأول ونصب ما بعده على المدح." والْعَزِيزُ" معناه المنيع الذي لا مثل له." الْغَفَّارُ" الستار لذنوب خلقه. قوله تعالى:" قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ" أي وقل لهم يا محمد" هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ" أي ما أنذركم به من الحساب والثواب والعقاب خبر عظيم القدر فلا ينبغي أن يستخف به. قال معناه قتادة. نظيره قوله تعالى:" عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ" [النبأ: 2- 1]. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني القرآن الذي أنبأكم به خبر جليل. وقيل: عظيم المنفعة" أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ". قوله تعالى:" ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ" الملأ الأعلى هم الملائكة في قول ابن عباس والسدي اختصموا في أمر آدم حين خلق ف" قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها" [البقرة: 30] وقال إبليس:" أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ" [الأعراف: 12] وفي هذا بيان أن محمدا صلى الله عله وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره، وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهي، فقد قامت المعجزة على صدقه، فما بالهم أعرضوا عن تدبر القرآن ليعرفوا صدقه، ولهذا وصل قوله بقوله:" قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ". وقول ثان رواه أبو الأشهب عن الحسن قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" سألني ربي فقال يا محمد فيم اختصم الملأ الأعلى قلت في الكفارات والدرجات قال وما الكفارات قلت المشي على الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في السبرات «1» والتعقيب في المساجد بانتظار الصلاة بعد الصلاة قال وما الدرجات قلت إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام" خرجه الترمذي بمعناه عن ابن عباس، وقال فيه حديث غريب. وعن معاذ بن جبل أيضا وقال حديث حسن صحيح. وقد كتبناه بكماله في كتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، وأوضحنا إشكاله والحمد لله. وقد مضى في" يس" «2» القول في المشي إلى المساجد، وأن الخطا تكفر السيئات، وترفع الدرجات. وقيل: الملأ الأعلى الملائكة والضمير في" يختصمون" لفرقتين. يعني قول من قال منهم الملائكة بنات الله،
__________
(1). السبرات جمع سبرة بسكون الباء وهى شدة البرد.
(2). راجع ص 12 وما بعدها من هذا الجزء.

إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (74)

ش ومن قال آلهة تعبد «1». وقيل: الملأ الأعلى هاهنا قريش، يعني اختصامهم فيما بينهم سرا، فأطلع الله نبيه على ذلك." إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ" أي إن يوحى إلي إلا الإنذار. وقرا أبو جعفر بن القعقاع" إلا إنما" بكسر الهمزة، لأن الوحي قول، كأنه قال: يقال لي إنما أنت نذير مبين، ومن فتحها جعلها في موضع رفع، لأنها اسم ما لم يسم فاعله. قال الفراء: كأنك قلت ما يوحى إلي إلا الإنذار، النحاس: ويجوز أن تكون في موضع نصب بمعنى إلا لأنما. والله أعلم.

[سورة ص (38): الآيات 71 الى 74]
إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (71) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (74)
قوله تعالى:" إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ"" إذ" من صلة" يَخْتَصِمُونَ" المعنى، ما كان لي من علم بالملإ الأعلى حين يختصمون حين" قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ". وقيل:" إِذْ قالَ" بدل من" إِذْ يَخْتَصِمُونَ" و" يَخْتَصِمُونَ" يتعلق بمحذوف، لأن المعنى ما كان لي من علم بكلام الملأ الأعلى وقت اختصامهم." فَإِذا سَوَّيْتُهُ"" إذا" ترد الماضي إلى المستقبل، لأنها تشبه حروف الشرط وجوابها كجوابه، أي خلقته." وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي" أي من الروح الذي أملكه ولا يملكه غيري. فهذا معنى الإضافة، وقد مضى هذا المعنى مجودا في" النساء" «2» في قوله في عيسى" وَرُوحٌ مِنْهُ" [النساء: 171]." فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ" نصب على الحال. وهذا سجود تحية لا سجود عبادة. وقد مضى في" البقرة" «3»." فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ" أي امتثلوا الأمر وسجدوا له خضوعا له وتعظيما لله بتعظيمه" إِلَّا إِبْلِيسَ" أنف من السجود له جهلا بأن السجود له طاعة لله، والأنفة من طاعة الله استكبارا كفر، ولذلك كان من الكافرين باستكباره عن أمر الله تعالى. وقد مضى الكلام في، هذا في" البقرة" «4» مستوفى.
__________
(1). زيادة يقتضيها المقام وذكرها أبو حيان في تفسيره.
(2). راجع ج 6 ص 22 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.
(3). راجع ج 1 ص 293 طبعه ثانيه أو ثالثه.
(4). راجع ج 1 ص 296 وما بعدها طبعه ثانيه أو ثالثه.

قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (78) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)

[سورة ص (38): الآيات 75 الى 83]
قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (75) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (78) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79)
قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)
قوله تعالى:" قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ" أي صرفك وصدك" أَنْ تَسْجُدَ" أي عن أن تسجد" لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ" أضاف خلقه إلى نفسه تكريما له، وإن كان خالق كل شي وهذا كما أضاف إلى نفسه الروح والبيت والناقة والمساجد. فخاطب الناس بما يعرفونه في تعاملهم، فإن الرئيس من المخلوقين لا يباشر شيئا بيده إلا على سبيل الإعظام والتكرم، فذكر اليد هنا بمعنى هذا. قال مجاهد: اليد ها هنا بمعنى التأكيد والصلة، مجازه لما خلقت أنا كقوله:" وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ" [الرحمن: 27] أي يبقى ربك. وقيل: التشبيه في اليد في خلق الله تعالى دليل على أنه ليس بمعنى النعمة والقوة والقدرة، وإنما هما صفتان من صفات ذاته تعالى. وقيل: أراد باليد القدرة، يقال: مالي بهذا الأمر يد. وما لي بالحمل الثقيل يدان. ويدل عليه أن الخلق لا يقع إلا بالقدرة بالإجماع. وقال الشاعر:
تحملت من عفراء «1» ما ليس لي به ... - لا للجبال الراسيات يدان
وقيل:" لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ" لما خلقت بغير واسطة." أَسْتَكْبَرْتَ" أي عن السجود" أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ" أي المتكبرين على ربك. وقرا محمد بن صالح عن شبل عن ابن كثير واهل مكة" بيدي استكبرت" موصولة الألف على الخبر وتكون أم منقطعة بمعنى بل مثل:" أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ
__________ (1). في الأصول ذلفاء وهو تحزيف. والبيت لعروة بن حزام.

قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)

" [السجدة: 3] وشبهه. ومن استفهم فأم معادلة لهمزة الاستفهام وهو تقرير وتوبيخ. أي استكبرت بنفسك حين أبيت السجود لآدم، أم كنت من القوم الذين يتكبرون فتكبرت لهذا. قوله تعالى:" قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ" قال الفراء: من العرب من يقول أنا أخير منه وأشر منه، وهذا هو الأصل إلا أنه حذف لكثرة الاستعمال." خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ" فضل النار على الطين وهذا جهل منه، لأن الجواهر متجانسة فقاس فأخطأ القياس. وقد مضى في" الأعراف" «1» بيانه." قال فاخرج منها" يعني من الجنة" فَإِنَّكَ رَجِيمٌ" أي مرجوم بالكواكب والشهب" وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي" أي طردي وإبعادي من رحمتي" إِلى يَوْمِ الدِّينِ" تعريف بإصراره على الكفر لأن اللعن منقطع حينئذ، ثم بدخوله النار يظهر تحقيق اللعن" قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ" أراد الملعون ألا يموت فلم يجب إلى ذلك، وأخر إلى وقت معلوم، وهو يوم يموت الخلق فيه، فاخر إليه تهاونا به." قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين" لما طرده بسبب آدم حلف بعزة الله أنه يضل بني آدم بتزيين الشهوات وإدخال الشبهة عليهم، فمعنى:" لَأُغْوِيَنَّهُمْ" لأستدعينهم إلى المعاصي وقد علم أنه لا يصل إلا إلى الوسوسة، ولا يفسد إلا من كان لا يصلح لو لم يوسوسه، ولهذا قال:" إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ" أي الذي أخلصتهم لعبادتك، وعصمتهم مني. وقد مضى في" الحجر" «2» بيانه.

[سورة ص (38): الآيات 84 الى 88]
قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)
قوله تعالى:" قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ" هذه قراءة أهل الحرمين واهل البصرة والكسائي. وقرا ابن عباس ومجاهد وعاصم والأعمش وحمزة برفع الأول. وأجاز الفراء فيه
__________
(1). راجع ج 7 ص 171 طبعه أولى أو ثانيه.
(2). راجع ج 10 ص 28 طبعه أولى أو ثانيه.

الخفض. ولا اختلاف في الثاني في أنه منصوب ب" أقول" ونصب الأول على الإغراء أي فاتبعوا الحق واستمعوا الحق، والثاني بإيقاع القول عليه. وقيل: هو بمعنى أحق الحق أي أفعله. قال أبو علي: الحق الأول منصوب بفعل مضمر أي يحق الله الحق، أو على القسم وحذف حرف الجر، كما تقول: الله لأفعلن، ومجازه: قال فبالحق وهو الله تعالى أقسم بنفسه." وَالْحَقَّ أَقُولُ" جملة اعترضت بين القسم والمقسم عليه، وهو توكيد القصة، وإذا جعل الحق منصوبا بإضمار فعل كان" لَأَمْلَأَنَّ" على إرادة القسم. وقد أجاز الفراء وأبو عبيدة أن يكون الحق منصوبا بمعنى حقا" لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ" وذلك عند جماعة من النحويين خطأ، لا يجوز زيدا لأضربن، لأن ما بعد اللام مقطوع مما قبلها فلا يعمل فيه. والتقدير على قولهما لأملأن جهنم حقا. ومن رفع" فَالْحَقُّ" رفعه بالابتداء، أي فأنا الحق أو الحق مني. رويا جميعا عن مجاهد. ويجوز أن يكون التقدير هذا الحق. وقول ثالث على مذهب سيبويه والفراء أن معنى فالحق لأملأن جهنم بمعنى فالحق أن أملأ جهنم. وفي الخفض قولان وهي قراءة ابن السميقع وطلحة بن مصرف: أحدهما أنه على حذف حرف القسم. هذا قول الفراء قال كما يقول: الله عز وجل لأفعلن. وقد أجاز مثل هذا سيبويه وغلطه فيه أبو العباس ولم يجز الخفض، لأن حروف الخفض لا تضمر، والقول الآخر أن تكون الفاء بدلا من واو القسم، كما أنشدوا «1»:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع

" لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ" أي من نفسك وذريتك" وَمِمَّنْ تَبِعَكَ" من بني آدم" أَجْمَعِينَ". قوله تعالى:" قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ" أي من جعل على تبليغ الوحي وكنى به عن غير مذكور. وقيل هو راجع إلى قوله:" أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا" [ص: 8]." وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ" أي لا أتكلف ولا أتخرص ما لم أومر به. وروى مسروق عن عبد الله بن مسعود قال:
__________
(1). البيت لامرى القيس من معلقته وتمامه:
فألهيتها عن ذى تمائم محول

[.....]

من سئل عما لم يعلم فليقل لا أعلم ولا يتكلف، فإن قوله لا أعلم علم، وقد قال الله عز وجل لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ". وعن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" للمتكلف ثلاث علامات ينازع من فوقه ويتعاطى ما لا ينال ويقول ما لا يعلم". وروى الدارقطني من حديث نافع عن ابن عمر قال: خرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بعض أسفاره، فسار ليلا فمروا على رجل جالس عند مقراة «1» له، فقال له عمر: يا صاحب المقراة أولغت السباع الليلة في مقراتك؟ فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" يا صاحب المقراة لا تخبره هذا متكلف لها ما حملت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور". وفي الموطإ عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: أن عمر بن الخطاب خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضا، فقال عمرو بن العاص: يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر: يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا. وقد مضى القول في المياه في سورة" الفرقان" «2»." إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ" يعني القرآن" لِلْعالَمِينَ" من الجن والإنس." وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ" أي نبأ الذكر وهو القرآن أنه حق" بَعْدَ حِينٍ" قال قتادة: بعد الموت. وقال الزجاج. وقال ابن عباس وعكرمة وابن زيد: يعني يوم القيامة. وقال الفراء: بعد الموت وقبله. أي لتظهر لكم حقيقة ما أقول:" بَعْدَ حِينٍ" أي في المستأنف أي إذا أخذتكم سيوف المسلمين. قال السدي: وذلك يوم بدر. وكان الحسن يقول: يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين. وسيل عكرمة عمن حلف ليصنعن كذا إلى حين. قال: إن من الحين ما لا تدركه كقوله تعالى:" وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ" ومنه ما تدركه، كقوله تعالى:" تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها" [إبراهيم: 25] من صرام النخل إلى طلوعه ستة أشهر. وقد مضى القول في هذا في" البقرة" «3» و" إبراهيم" «4» والحمد لله.
__________
(1). المقراة الحوض الذي يجتمع فيه الماء. النهاية لابن الأثير.
(2). راجع ج 13 ص 45 طبعه أولى أو ثانيه.
(3). راجع ج 1 ص 321 وما بعدها طبعه ثانية أو ثالثة.
(4). راجع ج 9 ص 360 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.

تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (4)

[تفسير سورة الزمر]
سورة الزمر يقال سورة الغرف. قال وهب بن منبه: من أحب أن يعرف قضاء الله عز وجل في خلفه لفليقرأ سورة الغرف. وهي مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر بن زيد. وقال ابن عباس: إلا آيتين نزلتا بالمدينة إحداهما" اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ" [الزمر: 23] والأخرى" قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ" [الزمر: 53] الآية. وقال آخرون: إلا سبع آيات من قوله تعالى:" قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ" [الزمر: 53] إلى آخر سبع آيات نزلت في وحشي وأصحابه على ما يأتي. روى الترمذي عن عائشة قالت: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا ينام حتى يقرأ الزمر وبني إسرائيل. وهي خمس وسبعون آية. وقيل: اثنتان وسبعون آية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة الزمر (39): الآيات 1 الى 4]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (2) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (3) لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (4)
قوله تعالى:" تَنْزِيلُ الْكِتابِ" رفع بالابتداء وخبره" مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ". ويجوز أن يكون مرفوعا بمعنى هذا تنزيل، قال الفراء. وأجاز الكسائي والفراء أيضا" تَنْزِيلُ" بالنصب على أنه مفعول به. قال الكسائي: أي اتبعوا واقرءوا" تَنْزِيلُ الْكِتابِ". وقال الفراء: هو على الإغراء مثل قوله:" كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ" [النساء: 24] أي الزموا. والكتاب القرآن. سمي بذلك لأنه مكتوب.

قوله تعالى:" إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ" أي هذا تنزيل الكتاب من الله وقد أنزلناه بالحق، أي بالصدق وليس بباطل وهزل." فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً"" مُخْلِصاً" فيه مسألتان: الاولى-" مُخْلِصاً" نصب على الحال أي موحدا لا تشرك به شيئا" لَهُ الدِّينَ" أي الطاعة. وقيل: العبادة وهو مفعول به." أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ" أي الذي لا يشوبه شي. وفي حديث الحسن عن أبى هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله إنى أتصدق بالشيء. وأصنع الشيء أريد به وجه الله وثناء الناس. فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" والذي نفس محمد بيده لا يقبل الله شيئا شورك فيه" ثم تلا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ" وقد مضى هذا المعنى في" البقرة" «1» و" النساء" «2» و" الكهف" «3» مستوفى. الثانية- قال ابن العربي: هذه الآية دليل على وجوب النية في كل عمل، وأعظمه الوضوء الذي هو شطر الإيمان، خلافا لأبي حنيفة والوليد بن مسلم عن مالك اللذين يقولان أن الوضوء يكفي من غير نية، وما كان ليكون من الإيمان شطرا ولا ليخرج الخطايا من بين الأظافر والشعر بغير نية. قوله تعالى:" وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ" يعنى الأصنام والخبر محذوف. أي قالوا" ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى" قال قتادة: كانوا إذا قيل لهم من ربكم وخالقكم؟ ومن خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء؟ قالوا الله، فيقال لهم ما معنى عبادتكم الأصنام؟ قالوا ليقربونا إلى الله زلفى، ويشفعوا لنا عنده. قال الكلبي: جواب هذا الكلام في الأحقاف" فَلَوْ لا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً" [الأحقاف: 28] والزلفى القربة، أي ليقربونا إليه تقريبا، فوضع" زُلْفى " في موضع المصدر. وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس ومجاهد" والذين اتخذوا من دونه أولياء قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله
__________
(1). راجع ج 3 ص 307 طبعه أولى أو ثانيه.
(2). راجع ج 5 س 425 طبعه أولى أو ثانيه.
(3). راجع ج 11 ص 69 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6)

زُلْفى " وفي حرف أبي" والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدكم إلا لتقربونا إلى الله زلفى" ذكره النحاس. قال: والحكاية في هذا بينة." إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ" أي بين أهل الأديان يوم القيامة فيجازي كلا بما يستحق." إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ" أي من سبق له القضاء بالكفر لم يهتد، أي للدين الذي ارتضاه وهو دين الإسلام، كما قال الله تعالى:" وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً" وفي هذا رد على القدرية وغيرهم على ما تقدم «1». قوله تعالى:" لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ" أي لو أراد أن يسمي أحدا من خلقه بهذا ما جعله عز وجل إليهم." سُبْحانَهُ" أي تنزيها له عن الولد" هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ".

[سورة الزمر (39): الآيات 5 الى 6]
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6)
قوله تعالى:" خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ" أي هو القادر على الكمال المستغني عن الصاحبة والولد، ومن كان هكذا فحقه أن يفرد بالعبادة لا أنه يشرك به. ونبه بهذا على أن يتعبد العباد بما شاء وقد فعل. قوله تعالى:" يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ" قال الضحاك: أي يلقي هذا على هذا وهذا على هذا. وهذا على معنى التكوير في اللغة وهو طرح الشيء بعضه على بعض، يقال كور المتاع أي ألقى بعضه على بعض،
__________
(1). تقدم في غير موضع ج 1 ص 149 طبعه ثانيه أو ثالثه وج 9 ص 340 طبعه أولى أو ثانيه.

ومنه كور العمامة. وقد روي عن ابن عباس هذا في معنى الآية. قال: ما نقص من الليل دخل في النهار وما نقص من النهار دخل في الليل وهو معنى قوله تعالى:" يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ" [فاطر: 13] وقيل: تكوير الليل على النهار تغشيته إياه حتى يذهب ضوءه، ويغشى النهار على الليل فيذهب ظلمته، وهذا قول قتادة. وهو معنى قوله تعالى:" يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً" [الأعراف: 4 5]." وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ" أي بالطلوع والغروب لمنافع العباد." كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى" أي في فلكه إلى أن تنصرم الدنيا وهو يوم القيامة حين «1» تنفطر السماء وتنتثر الكواكب. وقيل: الأجل المسمى هو الوقت الذي ينتهى فيه سير الشمس والقمر إلى المنازل المرتبة لغروبها وطلوعها. قال الكلبي: يسيران إلى أقصى منازلهما، ثم يرجعان إلى أدنى منازلهما لا يجاوزانه. وقد تقدم بيان هذا في سورة" يس" «2»." أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ"" ألا" تنبيه أي تنبهوا فإني أنا" الْعَزِيزُ" الغالب" الْغَفَّارُ" الساتر لذنوب خلقه برحمته." قوله تعالى:" خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ" يعني آدم عليه السلام" ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها" يعني ليحصل التناسل وقد مضى هذا في" الأعراف" «3» وغيرها." وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ" أخبر عن الأزواج بالنزول، لأنها تكونت بالنبات والنبات بالماء المنزل. وهذا يسمى التدريج، ومثله قوله تعالى:" قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً" [الأعراف: 26] الآية. وقيل: أنزل أنشأ وجعل. وقال سعيد بن جبير: خلق. وقيل: إن الله تعالى خلق هذه الأنعام في الجنة ثم أنزلها إلى الأرض، كما قيل في قوله تعالى:" وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ" [الحديد: 25] فإن آدم لما هبط إلى الأرض أنزل معه الحديد. وقيل:" وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ" أي أعطاكم. وقيل: جعل الخلق إنزالا، لأن الخلق إنما يكون بأمر ينزل من السماء. فالمعنى: خلق لكم كذا بأمره النازل. قال قتادة: من الإبل اثنين ومن البقر اثنين ومن الضأن اثنين ومن المعز اثنين كل واحد
__________
(1). في نسخ الأصل: حتى.
(2). راجع ص 29 وما بعدها من هذا الجزء طبعه أولى أو ثانية.
(3). راجع ج 7 ص 337 طبعه أولى أو ثانية.

إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)

زوج. وقد تقدم هذا «1»." يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ" قال قتادة والسدي: نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ثم لحما. ابن زيد:" خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ" خلقا في بطون أمهاتكم من بعد خلقكم في ظهر آدم. وقيل: في ظهر الأب ثم خلقا في بطن الأم ثم خلقا بعد الوضع ذكره الماوردي." فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ" ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة. قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك. وقال ابن جبير: ظلمة المشيمة وظلمة الرحم وظلمة الليل. والقول الأول أصح. وقيل: ظلمة صلب الرجل وظلمة بطن المرأة وظلمة الرحم. وهذا مذهب أبي عبيدة. أي لا تمنعه الظلمة كما تمنع المخلوقين." ذلِكُمُ اللَّهُ" أي الذي خلق هذه الأشياء" رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ"." فَأَنَّى تُصْرَفُونَ" أي كيف تنقلبون وتنصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره. وقرا حمزة" أمهاتكم" بكسر الهمزة والميم. والكسائي بكسر الهمزة وفتح الميم. الباقون بضم الهمزة وفتح الميم.

[سورة الزمر (39): آية 7]
إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (7)
قوله تعالى:" إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ" شرط وجوابه." وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ" أي أن يكفروا أي لا يحب ذلك منهم. وقال ابن عباس والسدي: معناه لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، وهم الذين قال الله فيهم:" إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ" [الإسراء: 65]. وكقوله:" عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ" [الإنسان: 6] أي المؤمنون. وهذا على قول من لا يفرق بين الرضا والإرادة. وقيل: لا يرضى الكفر وإن أراده، فالله تعالى يريد الكفر من الكافر وبإرادته كفر لا يرضاه ولا يحبه، فهو يريد كون ما لا يرضاه، وقد أراد الله عز وجل خلق إبليس وهو لا يرضاه، فالإرادة غير الرضا. وهذا مذهب أهل السنة.
__________
(1). راجع ج 7 ص 113 طبعه أولى أو ثانية.

وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8) أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9)

قوله تعالى:" وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ" أي يرضى الشكر لكم، لأن" تَشْكُرُوا" يدل عليه. وقد مضى القول في الشكر في [البقرة «1»] وغيرها. ويرضى بمعنى يثيب ويثني، فالرضا على هذا إما ثوابه فيكون صفة فعل" لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ" [إبراهيم: 7] وإما ثناؤه فهو صفة ذات. و" يَرْضَهُ" بالإسكان في الهاء قرأ أبو جعفر وأبو عمرو وشيبة وهبيرة عن عاصم. وأشبع الضمة ابن ذكوان وابن كثير وابن محيصن والكسائي وورش عن نافع «2». واختلس الباقون." وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ" تقدم في غير موضع «3».

[سورة الزمر (39): الآيات 8 الى 9]
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (8) أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (9)
قوله تعالى:" وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ" يعنى الكافر" ضُرٌّ" أي شدة من الفقر والبلاء" دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ" أي راجعا إليه مخبتا مطيعا له مستغيثا به في إزالة تلك الشدة عنه." ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ" أي أعطاه وملكه. يقال: خولك الله الشيء أي ملكك إياه، وكان أبو عمرو بن العلاء ينشد:
هنالك إن يستخولوا المال يخولوا ... وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا «4»
__________
(1). راجع ج 1 ص 397 وما بعدها طبعه ثانية أو ثالثة، وج 2 ص 172 طبعه ثانية.
(2). في الأصول: ورش عن نافع، وفي البيضاوي: وقرا ابن كثير ونافع في رواية إلخ يعنى ورواية أخرى بالاختلاس كما هو المشهور في رواية ورش. [.....]
(3). راجع ج 7 ص 157 طبعه أولى أو ثانية. وج 10 ص 230 طبعه أولى أو ثانية.
(4). البيت لزهبر، ويروى: هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا. والإخيال الإعارة أي يستعيرون الناقة للانتفاع بألبانها وأوبارها والفرس للغزو عليها. وإن ييسروا يغلوا: أي إذا قامروا بالميسر يأخذون. سمان الإبل فيقامرون عليها.

وخول الرجل: حشمه الواحد خائل. قال أبو النجم:
أعطى فلم يبخل ولبخل ... وكوم الذرى من خول المخول
" نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ" أي نسي ربه الذي كان يدعوه من قبل فكشف الضر عنه. ف" ما" على هذا الوجه لله عز وجل وهي بمعنى الذي. وقيل: بمعنى من كقوله:" وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ" [الكافرون: 3] والمعنى واحد. وقيل: نسي الدعاء الذي كان يتضرع به إلى الله عز وجل. أي ترك كون الدعاء منه إلى الله، فما والفعل على هذا القول مصدر." وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً" أي أوثانا وأصناما. وقال السدي: يعني أندادا من الرجال يعتمدون عليهم في جميع أمورهم." لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ" أي ليقتدي به الجهال." قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا" أي قل لهذا الإنسان" تَمَتَّعْ" وهو أمر تهديد فمتاع الدنيا قليل." إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ" أي مصيرك إلى النار. قوله تعالى:" أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ" بين تعالى أن المؤمن ليس كالكافر الذي مضى ذكره. وقرا الحسن وأبو عمرو وعاصم والكسائي" أَمَّنْ" بالتشديد. وقرا نافع وابن كثير ويحيى ابن وثاب والأعمش وحمزة:" أَمَّنْ هُوَ" بالتخفيف على معنى النداء، كأنه قال يا من هو قانت. قال الفراء: الألف بمنزلة يا، تقول يا زيد أقبل وأزيد أقبل. وحكي ذلك عن سيبويه وجميع النحويين، كما قال أوس بن حجر:
أبني لبيني لستم بيد ... وإلا يدا ليست لها عضد
وقال آخر هو ذو الرمة:
أدارا بحزوى هجت للعين عبرة ... وفماء الهوى يرفض أو يترقرق

فالتقدير على هذا" قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ" يا من هو قانت إنك من أصحاب الجنة، كما يقال في الكلام: فلان لا يصلي ولا يصوم، فيا من يصلي ويصوم أبشر، فحذف لدلالة الكلام عليه. وقيل: إن الألف في" أَمَّنْ" ألف استفهام أي" أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ" أفضل؟ أم من جعل لله أندادا؟ والتقدير الذي هو قانت خير. ومن شدد

" أمن" فالمعنى العاصون المتقدم ذكرهم خير" أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ" فالجملة التي عادلت أم محذوفة، والأصل أم من فأدغمت في الميم. النحاس: وام بمعنى بل، ومن بمعنى الذي، والتقدير: أم الذي هو قانت أفضل ممن ذكر. وفي قانت أربعة أوجه: أحدها أنه المطيع، قاله ابن مسعود. الثاني أنه الخاشع في صلاته، قاله ابن شهاب. الثالث أنه القائم في صلاته، قاله يحيى ابن سلام. الرابع أنه الداعي لربه. وقول ابن مسعود يجمع ذلك. وقد روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال:" كل قنوت في القرآن فهو طاعة لله عز وجل" وروي عن جابر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه سئل أي الصلاة أفضل؟ فقال:" طول القنوت" وتأوله جماعة من أهل العلم على أنه طول القيام. وروى عبد الله عن نافع عن ابن عمر سئل عن القنوت فقال: ما أعرف القنوت إلا طول القيام، وقراءة القرآن. وقال مجاهد: من القنوت طول الركوع وغض البصر. وكان العلماء إذا وقفوا في الصلاة غضوا أبصارهم، وخضعوا ولم يلتفتوا في صلاتهم، ولم يعبثوا ولم يذكروا شيئا من أمر الدنيا إلا ناسين. قال النحاس: أصل هذا أن القنوت الطاعة، فكل ما قيل فيه فهو طاعة لله عز وجل، فهذه الأشياء كلها داخلة في الطاعة وما هو أكثر منها كما قال نافع: قال لي ابن عمر قم فصل فقمت أصلي وكان علي ثوب خلق، فدعاني فقال لي: أرأيت لو وجهتك في حاجة أكنت تمضي هكذا؟ فقلت: كنت أتزين قال: فالله أحق أن تتزين له. واختلف في تعيين القانت ها هنا، فذكر يحيى بن سلام أنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال ابن عباس في رواية الضحاك عنه: هو أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. وقال ابن عمر: هو عثمان رضي الله عنه. وقال مقاتل: إنه عمار بن ياسر. الكلبي: صهيب وأبو ذر وابن مسعود. وعن الكلبي أيضا أنه مرسل فيمن كان على هذه الحال." آناءَ اللَّيْلِ" قال الحسن: ساعاته، أوله وأوسطه وآخره. وعن ابن عباس:" آناءَ اللَّيْلِ" جوف الليل. قال ابن عباس: من أحب أن يهون الله عليه الوقوف يوم القيامة، فليره الله في ظلمة الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة، ويرجو رحمة ربه. وقيل: ما بين المغرب والعشاء. وقول الحسن عام." يحذر الآخرة" قال سعيد بن جبير: أي عذاب الآخرة." وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ" أي

قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)

نعيم الجنة. وروي عن الحسن أنه سئل عن رجل يتمادى في المعاصي ويرجو فقال: هذا متمن. ولا يقف على قوله:" رَحْمَةَ رَبِّهِ" من خفف" أمن هو قانت" على معنى النداء، لأن قوله:" قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ" متصل إلا أن يقدر في الكلام حذف وهو أيسر، على ما تقدم بيانه. قال الزجاج: أي كما لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون كذلك لا يستوي المطيع والعاصي. وقال غيره: الذين يعلمون هم الذين ينتفعون بعلمهم ويعملون به، فأما من لم ينتفع بعلمه ولم يعمل به فهو بمنزلة من لم يعلم." إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ" أي أصحاب العقول من المؤمنين

[سورة الزمر (39): آية 10]
قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (10)
قوله تعالى:" قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا" أي قل يا محمد لعبادي المؤمنين" اتَّقُوا رَبَّكُمْ أي اتقوا معاصيه والتاء مبدلة من واو وقد تقدم «1». وقال ابن عباس: يريد جعفر بن أبي طالب والذين خرجوا معه إلى الحبشة. ثم قال:" لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ" يعني بالحسنة الأولى الطاعة وبالثانية الثواب في الجنة. وقيل: المعنى للذين أحسنوا في الدنيا حسنة في الدنيا، يكون ذلك زيادة على ثواب الآخرة، والحسنة الزائد في الدنيا الصحة والعافية والظفر والغنيمة. قال القشيري: والأول أصح، لأن الكافر قد نال نعم الدنيا. قلت: وينالها معه المؤمن ويزاد الجنة إذا شكر تلك النعم. وقد تكون الحسنة في الدنيا الثناء الحسن، وفي الآخرة الجزاء." وأرض الله واسعة" فهاجروا فيها ولا تقيموا مع من يعمل بالمعاصي. وقد مضى القول في هذا مستوفى في" النساء" «2» وقيل: المراد أرض الجنة، رغبهم في سعتها وسعة نعيمها، كما قال:" عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ" [آل عمران: 133] والجنة قد تسمى أرضا،
__________
(1). راجع ج 1 س 161 طبعه ثانية أو ثالثه.
(2). راجع ج 5 ص 348 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.

قال الله تعالى: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ" [الزمر: 74] والأول أظهر فهو أمر بالهجرة. أي ارحلوا من مكة إلى حيث تأمنوا. الماوردي: يحتمل أن يريد بسعة الأرض سعة الرزق، لأنه يرزقهم من الأرض فيكون معناه ورزق الله واسع وهو أشبه، لأنه أخرج سعتها مخرج الامتنان. قلت: فتكون الآية دليلا على الانتقال من الأرض الغالية، إلى الأرض الراخية، كما قال سفيان الثوري: كن في موضع تملأ فيه جرابك خبزا بدرهم." إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ" أي بغير تقدير. وقيل: يزاد على الثواب، لأنه لو أعطي بقدر ما عمل لكان بحساب. وقيل:" بِغَيْرِ حِسابٍ" أي بغير متابعة ولا مطالبة كما تقع المطالبة بنعيم الدنيا. و" الصَّابِرُونَ" هنا الصائمون، دليله قوله عليه الصلاة والسلام مخبرا عن الله عز وجل:" الصوم لي وأنا أجزي به" قال أهل العلم: كل أجر يكال كيلا ويوزن وزنا إلا الصوم فإنه يحثى حثوا ويغرف غرفا، وحكي عن علي رضي الله عنه. وقال مالك بن أنس في قوله:" إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ" قال: هو الصبر على فجائع الدنيا وأحزانها. ولا شك أن كل من سلم فيما أصابه، وترك ما نهي عنه، فلا مقدار لأجرهم. وقال قتادة: لا والله ما هناك مكيال ولا ميزان، حدثني أنس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" تنصب الموازين فيؤتى بأهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين وكذلك الصلاة والحج ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ويصب عليهم الأجر بغير حساب قال الله تعالى:" إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ" حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل". وعن الحسين بن علي رضي الله عنهما قال سمعت جدي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:" أد الفرائض تكن من أعبد الناس وعليك بالقنوع تكن من أغنى الناس، يا بني إن في الجنة شجرة يقال لها شجرة البلوى يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان يصب عليهم الأجر صبا" ثم تلا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (11) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (16)

" إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ". ولفظ صابر يمدح به وإنما هو لمن صبر عن المعاصي، وإذا أردت أنه صبر على المصيبة قلت صابر على كذا، قال النحاس. وقد مضى في" البقرة"»
مستوفى.

[سورة الزمر (39): الآيات 11 الى 16]
قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (11) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (15)
لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (16)
قوله تعالى:" قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ" تقدم أول السورة" وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ" من هذه الامة، وكذلك كان فانه كان أول من خالف دين آبائه وخلع الأصنام وحطمها، وأسلم لله وآمن به، ودعا إليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. واللام في قوله:" لِأَنْ أَكُونَ" صلة زائدة، قاله الجرجاني وغيره. وقيل: لام أجل. وفي الكلام حذف أي أمرت بالعبادة" لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ". يريد عذاب يوم القيامة. وقاله حين دعاه قومه إلى دين آبائه، قال أكثر أبو حمزة الثمالي وابن المسيب: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى:" لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ" [الفتح: 2] فكانت هذه الآية من قبل أن يغفر ذنب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
__________
(1). راجع ج 2 ص 174 وما بعدها طبعه ثانيه.

وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18)

قوله تعالى:" قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ"" اللَّهَ" نصب ب" أَعْبُدُ"،" مخلصا له ديني" طاعتي وعبادتي." فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ" أمر تهديد ووعيد وتوبيخ، كقوله تعالى:" اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ" [فصلت: 40]. وقيل بآية السيف. قوله تعالى:" قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ" قال ميمون بن مهران عن ابن عباس: ليس من أحد إلا وقد خلق الله له زوجة في الجنة، فإذا دخل النار خسر نفسه واهلة. في رواية عن ابن عباس فمن عمل بطاعة الله كان له ذلك المنزل والأهل إلا ما كان له ذلك، المنزل والأهل الا ما كان له قبل ذلك، وهو قوله تعالى:" أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ" [المؤمنون: 10]. قوله تعالى:" لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ" سمى ما تحتهم ظللا، لأنها تظل من تحتهم، وهذه الآية نظير قوله تعالى:" لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ" [الأعراف: 41] وقوله:" يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ". [العنكبوت: 55]." ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ" قال ابن عباس: أولياءه." يا عِبادِ فَاتَّقُونِ" أي يا أوليائي فخافون. وقيل: هو عام في المؤمن والكافر. وقيل: خاص بالكفار.

[سورة الزمر (39): الآيات 17 الى 18]
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (18)
قوله تعالى:" وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها" قال الأخفش: الطاغوت جمع ويجوز أن تكون واحدة مؤنثه. وقد تقدم «1». أي تباعدوا من الطاغوت وكانوا منها على جانب فلم يعبدوها. قال مجاهد وابن زيد: هو الشيطان. وقال الضحاك والسدي: هو الأوثان. وقيل: إنه الكاهن. وقيل إنه اسم أعجمي مثل طالوت وجالوت وهاروت وماروت. وقيل: إنه اسم عربي مشتق من الطغيان، و" أن" في موضع نصب بدلا من الطاغوت، تقديره: والذين
__________
(1). راجع ج 5 ص 280 طبعه أولى أو ثانيه.

أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19)

اجتنبوا عبادة الطاغوت." وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ" أي رجعوا إلى عبادته وطاعته." لَهُمُ الْبُشْرى " في الحياة الدنيا بالجنة في العقبى. روي أنها نزلت في عثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد وسعيد وطلحة والزبير رضي الله عنهم، سألوا أبا بكر رضي الله عنه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا. وقيل: نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل وأبي ذر وغيرهما ممن وحد الله تعالى قبل مبعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقوله:" فَبَشِّرْ عِبادِ. الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ" قال ابن عباس: هو الرجل يسمع الحسن والقبيح فيتحدث بالحسن وينكف عن القبيح فلا يتحدث به. وقيل: يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن. وقيل: يستمعون القرآن وأقوال الرسول فيتبعون أحسنه أي محكمه فيعملون به. وقيل: يستمعون عزما وترخيصا فيأخذون بالعزم دون الترخيص. وقيل: يستمعون العقوبة الواجبة لهم والعفو فيأخذون بالعفو. وقيل: إن أحسن القول على من جعل الآية فيمن وحد الله قبل الإسلام" لا إله إلا الله". وقال عبد الرحمن بن زيد: نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي، اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها في جاهليتهم، واتبعوا أحسن ما صار من القول إليهم." أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ" لما يرضاه." وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ" أي أصحاب العقول من المؤمنين الذين انتفعوا بعقولهم

[سورة الزمر (39): آية 19]
أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19)
قوله تعالى:" أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ" كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحرص على إيمان قوم وقد سبقت لهم من الله الشقاوة فنزلت هذه الآية. قال ابن عباس: يريد أبا لهب وولده ومن تخلف من عشيرة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الإيمان. وكرر الاستفهام في قوله:" أَفَأَنْتَ" تأكيدا لطول الكلام، وكذا قال سيبويه في قوله تعالى:" أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ" [المؤمنون: 35] على ما تقدم «1». والمعنى:" أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ" أفأنت تنقذه. والكلام شرط وجوابه. وجئ بالاستفهام، ليدل على التوقيف والتقرير. وقال الفراء: المعنى أفأنت تنقذ من حقت عليه
__________
(1). راجع ج 12 ص 122 طبعه أولى أو ثانيه.

لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (20)

كلمة العذاب. والمعنى واحد. وقيل: إن في الكلام حذفا والتقدير: أفمن حق عليه كلمة العذاب ينجو منه، وما بعده مستأنف وقال:" أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ" وقال في موضع آخر:" حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ" [الزمر: 71] لأن الفعل إذا تقدم ووقع بينه وبين الموصوف به حائل جاز التذكير والتأنيث، على أن التأنيث هنا ليس بحقيقي بل الكلمة في معنى الكلام والقول، أي أفمن حق عليه قول العذاب.

[سورة الزمر (39): آية 20]
لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ (20)
قوله تعالى:" لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ" لما بين أن للكفار ظلا من النار من فوقهم ومن تحتهم بين أن للمتقين غرفا فوقها غرف، لأن الجنة درجات يعلو بعضها بعضا و" لكِنِ" ليس للاستدرار، لأنه لم يأت نفي كقوله: ما رأيت زيدا لكن عمرا، بل هو لترك قصة إلى قصة مخالفة للأولى كقولك: جاءني زيد لكن عمرو لم يأت." غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ" قال ابن عباس: من زبرجد وياقوت" تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ" أي هي جامعة لأسباب النزهة." وَعْدَ اللَّهِ" نصب على المصدر، لأن معنى" لَهُمْ غُرَفٌ" وعدهم الله ذلك وعدا. ويجوز الرفع بمعنى ذلك وعد الله." لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ" أي ما وعد الفريقين.

[سورة الزمر (39): آية 21]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (21)
قوله تعالى:" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً" أي إنه لا يخلف الميعاد في إحياء الخلق، والتمييز بين المؤمن والكافر، وهو قادر على ذلك كما أنه قادر على إنزال الماء من السماء." أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ" أي من السحاب" ماء" أي المطر" فسلكه" أي فأدخله في الأرض

أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22)

وأسكنه فيها، كما قال:" فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ" [المؤمنون: 18]." يَنابِيعَ" جمع ينبوع وهو يفعول من نبع ينبع وينبع وينبع بالرفع والنصب والخفض. النحاس: وحكى لنا ابن كيسان في قول الشاعر «1»:
ينباع من ذفري غضوب جسرة

أن معناه ينبع فأشبع الفتحة فصارت ألفا، نبوعا خرج. والينبوع عين الماء والجمع الينابيع. وقد مضى في" سُبْحانَ" «2»." ثم يخرج به" أي بذلك الماء الخارج من ينابيع الأرض" زَرْعاً" هو للجنس أي زروعا شتى لها ألوان مختلفة، حمرة وصفرة وزرقة وخضرة ونورا. قال الشعبي والضحاك: كل ماء في الأرض فمن السماء نزل، إنما ينزل من السماء إلى الصخرة، ثم تقسم منها العيون والركايا." ثُمَّ يَهِيجُ" أي ييبس." فَتَراهُ" أي بعد خضرته" مُصْفَرًّا" قال المبرد قال الأصمعي: يقال هاجت الأرض تهيج إذا أدبر نبتها وولى. قال: كذلك هاج النبت. قال: وكذلك قال غير الأصمعي. وقال الجوهري: هاج النبت هياجا أي يبس. وأرض هائجة يبس بقلها أو اصفر، وأهاجت الريح النبت أيبسته، وأهيجنا الأرض أي وجدناها هائجة النبات، وهاج هائجة أي ثار غضبه، وهدأ هائجة أي سكنت فورته." ثم يجعله حطاما" أي فتاتا مكسرا من تحطم العود إذا تفتت من اليبس. والمعنى أن من قدر على هذا قدر على الإعادة. وقيل: هو مثل ضربه الله للقرآن ولصدور من في الأرض، أي أنزل من السماء قرآنا فسلكه في قلوب المؤمنين" ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه" أي دينا مختلفا بعضه أفضل من بعض، فأما المؤمن فيزداد إيمانا ويقينا، وأما الذي في قلبه مرض فإنه يهيج كما يهيج الزرع. وقيل: هو مثل ضربه الله للدنيا، أي كما يتغير النبت الأخضر فيصفر كذلك الدنيا بعد بهجتها." إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ".

[سورة الزمر (39): آية 22]
أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (22)
__________
(1). قائله عنترة: ويروى، غضوب حرة. وتمامه:
زيافة مثل الفنيق المقرم

(2). راجع ج 10 ص 330 طبعه أولى أو ثانيه.

شرح فتح ووسع. قال ابن عباس: وسع صدره للإسلام حتى ثبت فيه. وقال السدي: بالإسلام للفرح به والطمأنينة إليه، فعلى هذا لا يجوز أن يكون هذا الشرح إلا بعد الإسلام، وعلى الوجه الأول يجوز أن يكون الشرح قبل الإسلام." فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ" أي على هدى من ربه كمن طبع على قلبه وأقساه. ودل على هذا المحذوف قوله:" فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ" قال المبرد: يقال قسا القلب إذا صلب، وكذلك عتا وعسا مقاربة لها. وقلب قاس أي صلب لا يرق ولا يلين. والمراد بمن شرح الله صدره هاهنا فيما ذكر المفسرون على وحمزة رضى الله عنهما. وحكى انقاش أنه عمر بن الخطاب رضى الله عنه. وقال مقاتل: عمار بن ياسر، وعنه أيضا والكلبي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والآية عامة فيمن شرح الله صدره بخلق الايمان فيه. وروى مرة «1» عن ابن مسعود قال: قلنا يا رسول الله قوله تعالى:" أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ" كيف انشرح صدره؟ قال" إذا دخل النور القلب انشرح وانفتح" قلنا: يا رسول الله وما علامة ذلك؟. قال:" الإنابة الى دار الجلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله" وخرجه الترمذي الحكيم في" نوادر الأصول" من حديث ابن عمر: أن رجلا قال يا رسول الله أي المؤمنين أكيس؟ قال:" أكثر هم للموت ذكرا وأحسنهم له استعدادا وإذا دخل النور في القلب انفسح واستوسع" قالوا: فما آية ذلك يا نبى الله؟ قال:" الإنابة الى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت" فذكر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خصالا ثلاثة، ولا شك أن من كانت فيه هذه الخصال فهو الكامل الايمان، فان الإنابة انما هي أعمال البر، لان دار الجلود انما وضعت جزاء لاعمال البر، ألا ترى كيف ذكره الله في مواضع في تنزيله ثم قال بعقب ذلك" جزاء بما كانوا يعملون" فالجنة جزاء الأعمال، فإذا انكمش العبد في أعمال البر فهو إنابته الى دار الجلود، وإذا خمد حرصه عن الدنيا، ولها عن طلبها، وأقبل على 0
__________
(1). هو مرة بن شراحيل الهمداني يروى عن أبى بكر وعمر وعلى وأبى ذر وحذيفة وابن مسعود إلخ ... التهذيب.

اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)

ما يغنيه منها فاكتفى به وقنع، فقد تجافى عن دار الغرور. وإذا احكم أموره بالتقوى فكان ناظرا في كل أمر، واقفا متأدبا متثبتا حذرا ينتزع عما يريبه الى ما لا يريبه فقد ايتعد للموت. فهذه علامتهم في الظاهر. وإنما صار هكذا الرؤية بالنور الذي ولج القلب. وقوله:" فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ: قيل: المراد أبو لهب وولده، ومعنى" مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ" أن قلوبهم نزداد قسوة من سماع ذكره. وقيل: إن" فَمَنْ" بمعنى عن والمعنى قست عن قبول ذكر الله. وهذا اختيار الطبري. وعن آبى سعيد الجدري أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" قال الله تعالى اطلبوا الحوائج من السمحاء فانى جعلت فيهم رحمتي ولا تطلبوها من القاسية قلوبهم فانى جعلت فيهم سخطي". وقال مالك بن دينار: ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة قلب، وما غضب الله على قوم الأنزع الرحمة من قلوبهم

، [سورة الزمر (39): آية 23]
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (23)
فيه ثلاث مسائل: الاولى- قوله تعالى:" نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ" يعنى القرآن لما قال" فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ" بين أن أحسن ما يسمع ما أنزله الله وهو القرآن. قال سعد بن أبى وقاص قال أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لو حدثتنا فانزل اله عز وجل" الله نزل أحسن الحديث" فقالوا: لو قصصت علينا فنزل" نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ" فقالوا: لو ذكرتنا فنزل" أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ" الآية. وعن ابن مسعود رضى الله عنه أن أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ملموا ملة فقالوا له: حدثنا فنزلت. والحديث ما يحدث به المحدث. وسمي القرآن حديثا، لان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يحدث به

أصحابه وقومه، وهو كقوله:" فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ" وقوله:" أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ" وقوله: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ" [القلم: 4 4] قال القشيري: وتوهم قوم أن الحديث من الحدوث فيدل على أن كلامه محدث وهو وهم، لأنه لا يريد لفظ الحديث على ما في قوله:" ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ" وقد قالوا: إن الحدوث يرجع إلى التلاوة لا إلى المتلو، وهو كالذكر مع المذكور إذا ذكرنا أسماء الرب تعالى." كِتاباً" نصب على البدل من" أَحْسَنَ الْحَدِيثِ" ويحتمل أن يكون حالا منه." مُتَشابِهاً" يشبه بعضه بعضا في الحسن والحكمة ويصدق بعضه بعضا، ليس فيه تناقض ولا اختلاف. وقال قتادة: يشبه بعضه بعضا في الآي والحروف. وقيل: يشبه كتب الله المنزلة على أنبيائه، لما يتضمنه من أمر ونهي وترغيب وترهيب وإن كان أعم وأعجز. ثم وصفه فقال:" مَثانِيَ" تثنى فيه القصص والمواعظ والأحكام وثني للتلاوة فلا يمل." تَقْشَعِرُّ" تضطرب وتتحرك بالخوف مما فيه من الوعيد." ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ" أي عند آية الرحمة. وقيل: الى العمل بكتاب الله والتصديق به. وقيل:" إِلى ذِكْرِ اللَّهِ" يعنى الإسلام. الثانية- عن أسماء بنت أبى بكر الصديق رضى الله عنهما قالت: كان أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إذا قرى عليهم القرآن كما نعتهم الله تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم. قيل لها: فان أناسا اليوم إذا قرى عليهم القرآن خر أحدهم مغشيا عليه. فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وقال سعيد بن عبد الرحمن الجمحي: مر ابن عمر برجل من أهل القرآن ساقطا فقال: ما بال هذا؟ قالوا: إنه إذا قرى عليه القرآن وسمع ذكر الله سقط. فقال ابن عمر: إنا لنخشى الله وما نسقط. ثم قال: إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم، ما كان هذا صنيع أصحاب محمد صلى الله عليه سلم. وقال عمر بن عبد العزيز: ذكر عند ابن سيرين الذين يصرعون إذا قرى عليهم القرآن فقال: بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطا رجليه، ثم يقرأ عليه القرآن من أوله الى آخره فان رمى بنفسه فهو صادق. وقال أبو عمران

الجوني: وعظ موسى عليه السلام بنى إسرائيل ذات يوم فشق رجل قميصه، فأوحى الله الى موسى، قل لصاحب القميص لا يشق قميصه فانى لا أحب المبذرين، يشرح لي عن قلبه. قال زيد بن أسلم: ذرأ أبي بن كعب عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعه أصحابه فرقوا فقأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" اغتنموا الدعاء عند الرقة فإنها رحمة". وعن العباس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" إذا اقشعر جلد المؤمن من مخافة الله تحاتت عنه خطاياه كما يتحات عن الشجرة البالية ورقها". وعن ابن عباس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" ما اقشعر جلد عبد من خشية الله إلا حرمه الله على النار". وعن شهر بن حوشب عن أم الدپرداء قالت: إنما الوجل في قلب الرجل كاحتراق السعفة، أما تجد إلا قشعريرة؟ قلت: بلى، قالت: فادع الله فإن الدعاء عند ذلك مستجاب. وعن ثابت البناني قال: قال فلان: إني لأعلم متى يستجاب لي. قالوا: ومن أين تعلم ذلك؟ قال: إذا اقشعر جلدي، ووجل قلبي، وفاضت عيناي، فذلك حين يستجاب لي. يقال: اقشعر جلد الرجل اقشعرارا فهو مقشعر والجمع قشاعر فتحذف الميم، لأنها زائدة، يقال أخذته قشعريرة. قال امرؤ القيس:
فبت أكابد ليل التمام «1» ... ووالقلب من خشية مقشعر
وقيل: إن القرآن لما كان في غاية الجزالة والبلاغة، فكانوا إذا رأوا عجز هم عن معارضته، اقشعرت الجلود منه إعظاما له، وتعجبا من حسن
ترصيعه وتهيبا لما فيه، وهو كقوله تعالى:" لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ" [الحشر: 21] فالتصدع قريب من الاقشعرار، والخشوع قريب من قوله:" ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ" ومعنى لين القلب رقته وطمأنينته وسكونه." ذلِكَ هُدَى اللَّهِ" أي القرآن هدى الله. وقيل: أي الذي وهبه الله لهؤلاء منخشية عقابه ورجاء ثوابه هدى الله." وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ" أي من خذله فلا مرشد له. وهو يرد على القدرية وغيرهم. وقد مضى معنى هذا كله مستوفى في غير موضع والحمد لله. ووقف ابن كثير وابن محيصن على قوله:" هادٍ" في الموضعين بالياء، الباقون بغير ياء.
__________
(1). ليل التمام: أطول ما يكون من ليالي الشتاء.

أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (24) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (25) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (26) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28)

[سورة الزمر (39): الآيات 24 الى 26]
أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (24) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (25) فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (26)
قوله تعالى:" أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ" قال عطاء وابن زيد: يرمى به مكتوفا في النار فأول شي تمس منه النار وجهه. وقال مجاهد: يجر على وجهه في النار. وقال مقاتل: هو أن الكافر يرمى به في النار مغلولة يداه إلى عنقه، وفي عنقه صخرة عظيمة كالجبل العظيم من الكبريت، فتشتعل النار في الحجر وهو معلق في عنقه، فحرها ووهجها على وجهه، لا يطيق دفعها عن وجهه من أجل الأغلال. والخبر محذوف. قال الأخفش: أي" أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ" أفضل أم من سعد، مثل:" أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ" [فصلت: 40]." وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ" أي وتقول الخزنة للكافرين" ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ" أي جزاء كسبكم من المعاصي. ومثله" هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ" [التوبة: 35]. قوله تعالى:" كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ. فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا" تقدم معناه «1». وقال المبرد: يقال لكل ما نال الجارحة من شي قد ذاقته، أي وصل إليها كما تصل الحلاوة والمرارة إلى الذائق لهما. قال: والخزي من المكروه والخزاية من الاستحياء" وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ" أي مما أصابهم في الدنيا" لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ".

[سورة الزمر (39): الآيات 27 الى 28]
وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28)
__________
(1). راجع ج 2 ص 79 طبعه ثانيه.

ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (29)

قوله تعالى:" وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ" أي من كل مثل يحتاجون إليه، مثل قوله تعالى:" ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ" [الأنعام: 38] وقيل: أي ما ذكرنا من إهلاك الأمم السالفة مثل لهؤلاء." لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ" يتعظون." قُرْآناً عَرَبِيًّا" نصب على الحال. قال الأخفش: لأن قوله جل وعز:" فِي هذَا الْقُرْآنِ" معرفة. وقال علي بن سليمان:" عَرَبِيًّا" نصب على الحال و" قُرْآناً" توطئة للحال كما تقول مررت بزيد رجلا صالحا فقولك صالحا هو المنصوب على الحال. وقال الزجاج:" عَرَبِيًّا" منصوب على الحال و" قُرْآناً" توكيد." غَيْرَ ذِي عِوَجٍ" النحاس: أحسن ما قيل فيه قول الضحاك، قال: غير مختلف. وهو قول ابن عباس، ذكره الثعلبي. وعن ابن عباس أيضا غير مخلوق، ذكره المهدوي وقاله السدي فيما ذكره الثعلبي. وقال عثمان بن عفان: غير متضاد. وقال مجاهد: غير ذي لبس. قال
وقد أتاك يقين غير ذي عوج ... ومن الإله وقول غير مكذوب
" لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ" الكفر والكذب.

[سورة الزمر (39): آية 29]
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (29)
قوله تعالى:" ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ" قال الكسائي: نصب" رَجُلًا" لأنه ترجمة للمثل وتفسير له، وإن شئت نصبته بنزع الخافض، مجازه: ضرب الله مثلا برجل" فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ" قال الفراء: أي مختلفون. وقال المبرد: أي متعاسرون من شكس يشكس شكسا بوزن قفل «1» فهو شكس مثل عسر يعسر عسرا فهو عسر، يقال: رجل شكس وشرس وضرس وضبس. ويقال: رجل ضبس وضبيس أي
__________
(1). الزيادة من حاشية الجمل نقلا عن القرطبي.

شرس عسر شكس، قاله الجوهري. الزمخشري: والتشاكس والتشاخس الاختلاف. يقال: تشاكست أحواله وتشاخست أسنانه. ويقال: شاكسني فلان أي ماكسني وشاحني في حقي. قال الجوهري: رجل شكس بالتسكين أي صعب الخلق. قال الراجز:
شكس عبوس عنبس عذور

وقوم شكس مثال رجل صدق وقوم صدق. وقد شكس بالكسر شكاسة. وحكى الفراء: رجل شكس. وهو القياس، وهذا مثل من عبد آلهة كثيرة." وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ" أي خالصا لسيد واحد، وهو مثل من يعبد الله وحده." هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا" هذا الذي يخدم جماعة شركاء أخلاقهم مختلفة ونياتهم متباينة، لا يلقاه رجل إلا جره واستخدمه، فهو يلقى منهم العناء والنصب والتعب العظيم، وهو مع ذلك كله لا يرضي واحدا منهم بخدمته لكثرة الحقوق في رقبته، والذي يخدم واحدا لا ينازعه فيه أحد، إذا أطاعه وحده عرف ذلك له، وإن أخطأ صفح عن خطأه، فأيهما أقل تعبا أو على هدى مستقيم. وقرا أهل الكوفة واهل المدينة:" ورجلا سالما" وقرا ابن عباس ومجاهد والحسن وعاصم الجحدري وأبو عمرو وابن كثير ويعقوب:" ورجلا سالما" واختاره أبو عبيد لصحة التفسير فيه. قال: لأن السالم الخالص ضد المشترك، والسلم ضد الحرب ولا موضع للحرب هنا. النحاس: وهذا الاحتجاج لا يلزم، لأن الحرف إذا كان له معنيان لم يحمل إلا على أولاهما، فهذا وإن كان السلم ضد الحرب فله موضع آخر، كما يقال لك في هذا المنزل شركاء فصار سلما لك. ويلزمه أيضا في سالم ما ألزم غيره، لأنه يقال شي سالم أي لا عاهة به. والقراءتان حسنتان قرأ بهما الأئمة. واختار أبو حاتم قراءة أهل المدينة" سلما" قال وهذا الذي لا تنازع فيه. وقرا سعيد ابن جبير وعكرمة وأبو العالية ونصر" سلما" بكسر السين وسكون اللام. وسلما وسلما مصدران، والتقدير: ورجلا ذا سلم فحذف المضاف و" مَثَلًا" صفة على التمييز، والمعنى هل تستوي صفاتهما وحالاهما. وإنما اقتصر في التمييز على الواحد لبيان الجنس." الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ" الحق فيتبعونه.

إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31)

[سورة الزمر (39): الآيات 30 الى 31]
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31)
قرأ ابن محيصن وابن أبي عبلة وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق" إنك مائت وإنهم مائتون" وهي قراءة حسنة وبها قرأ عبد الله بن الزبير. النحاس: ومثل هذه الألف تحذف في الشواذ و" مائت" في المستقبل كثير في كلام العرب، ومثله ما كان مريضا وإنه لمارض من هذا الطعام. وقال الحسن والفراء والكسائي: الميت بالتشديد من لم يمت وسيموت، والميت بالتخفيف من فارقته الروح، فلذلك لم تخفف هنا. قال قتادة: نعيت إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفسه، ونعيت إليكم أنفسكم. وقال ثابت البناني: نعى رجل إلى صلة بن أشيم أخا له فوافقه يأكل، فقال: ادن فكل فقد نعي إلي أخي منذ حين، قال: وكيف وأنا أول من أتاك بالخبر. قال إن الله تعالى نعاه إلي فقال:" إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ". وهو خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبره بموته وموتهم، فاحتمل خمسة أوجه أحدها أن يكون ذلك تحذيرا من الآخرة. الثاني أن يذكره حثا على العمل. الثالث أن يذكره توطئة للموت. الرابع لئلا يختلفوا في موته كما اختلفت الأمم في غيره، حتى أن عمر رضي الله عنه لما أنكر موته احتج أبو بكر رضي الله عنه بهذه الآية فأمسك. الخامس ليعلمه أن الله تعالى قد سوى فيه بين خلقه مع تفاضلهم في غيره، لتكثر فيه السلوة وتقل فيه الحسرة" ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ" يعني تخاصم الكافر والمؤمن والظالم والمظلوم، قال ابن عباس وغيره. وفي خبر فيه طول: إن الخصومة تبلغ يوم القيامة إلى أن يحاج الروح الجسد. وقال الزبير: لما نزلت هذه الآية قلنا: يا رسول الله أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال:" نعم ليكررن عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه" فقال الزبير: والله إن الأمر لشديد. وقال ابن عمر: لقد عشنا برهة من دهرنا ونحن نرى هذه الآية نزلت فينا وفي أهل الكتابين:" ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ" فقلنا: وكيف نختصم ونبينا واحد وديننا واحد، حتى رأيت

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (32) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (34) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (35)

بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف، فعرفت أنها فينا نزلت. وقال أبو سعيد الخدري: كنا نقول ربنا واحد وديننا واحد ونبينا واحد فما هذه الخصومة فلما كان يوم صفين وشد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا نعم هو هذا. وقال إبراهيم النخعي: لما نزلت هذه الآية جعل أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولون: ما خصومتنا بيننا؟ فلما قتل عثمان رضي الله عنه قالوا: هذه خصومتنا بيننا. وقيل تخاصمهم هو تحاكمهم إلى الله تعالى، فيستوفي من حسنات الظالم بقدر مظلمته، ويردها في حسنات من وجبت له. وهذا عام في جميع المظالم كما في حديث أبي هريرة، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" أتدرون من المفلس" قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا واكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرفي النار" خرجه مسلم. وقد مضى المعنى مجودا في" آل عمران" «1» وفي البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شي فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه" وفي الحديث المسند" أول ما تقع الخصومات في الدنيا" وقد ذكرنا هذا الباب كله في التذكرة مستوفى.

[سورة الزمر (39): الآيات 32 الى 35]
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (32) وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (34) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (35)
__________
(1). راجع ج 4 ص طبعه أولى أو ثانيه. [.....]

قوله تعالى:" فَمَنْ أَظْلَمُ" أي لا أحد أظلم" مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ" فزعم أن له ولدا وشريكا" وكذب بالصدق" يعني القرآن" أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ" لاستفهام تقرير" مَثْوىً لِلْكافِرِينَ" أي مقام للجاحدين، وهو مشتق من ثوى بالمكان إذ أقام به يثوي ثواء وثويا مثل مضى مضاء ومضيا، ولو كان من أثوى لكان مثوى. وهذا يدل على أن ثوى هي اللغة الفصيحة. وحكى أبو عبيد أثوى، وأنشد قول الأعشى:
أثوى وقصر ليلة ليزودا ... وومضى وأخلف من قتيلة موعدا
والأصمعي لا يعرف إلا ثوى، ويروى البيت أثوى على الاستفهام. وأثويت غيري يتعدى ولا يتعدى. قوله تعالى: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ" في موضع رفع بالابتداء وخبره" أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ" واختلف في الذي جاء بالصدق وصدق به، فقال علي رضي الله عنه:" الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ" النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" وَصَدَّقَ بِهِ" أبو بكر رضي الله عنه. وقال مجاهد: النبي عليه السلام وعلي رضي الله عنه. السدي: الذي جاء بالصدق جبريل والذي صدق به محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال ابن زيد ومقاتل وقتادة:" الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ" النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" وَصَدَّقَ بِهِ" المؤمنون. واستدلوا على ذلك بقوله:" أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ" كما قال:" هُدىً لِلْمُتَّقِينَ" [البقرة: 2]. وقال النخعي ومجاهد:" الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ" المؤمنون الذين يجيئون بالقرآن يوم القيامة فيقولون: هذا الذي أعطيتمونا قد اتبعنا ما فيه، فيكون" الَّذِي" على هذا بمعنى جمع كما تكون من بمعنى جمع. وقيل: بل حذفت منه النون لطول الاسم، وتأول الشعبي على أنه واحد. وقال:" الذي جاء بالصدق" محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيكون على هذا خبره جماعة، كما يقال لمن يعظم هو فعلوا، وزيد فعلوا كذا وكذا. وقيل: إن ذلك عام في كل من دعا إلى توحيد الله عز وجل، قاله ابن عباس وغيره، واختاره الطبري. وفي قراءة ابن مسعود" والذي جاءوا بالصدق وصدقوا به" وهي قراءة على التفسير. وفي قراءة أبي صالح الكوفي" والذي جاء بالصدق وصدق به" مخففا على معنى وصدق بمجيئه

أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (36) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (37)

به، أي صدق في طاعة الله عز وجل، وقد مضى في" البقرة" «1» الكلام في" الذي" وأنه يكون واحدا ويكون جمعا." لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ" أي من النعيم في الجنة، كما يقال: لك إكرام عندي، أي ينالك مني ذلك." ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ" الثناء في الدنيا والثواب في الآخرة. قوله تعالى:" لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ" أي صدقوا" لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ"." أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا" أي يكرمهم ولا يؤاخذهم بما عملوا قبل الإسلام." وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ" أي يثيبهم على الطاعات الدنيا" بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ" وهي الجنة.

[سورة الزمر (39): الآيات 36 الى 37]
أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (36) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ (37)
قوله تعالى:" أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ" حذفت الياء من" كاف" لسكونها وسكون التنوين بعدها، وكان الأصل ألا تحذف في الوقف لزوال التنوين، إلا أنها حذفت ليعلم أنها كذلك في الوصل. ومن العرب من يثبتها في الوقف على الأصل فيقول: كافي. وقراءة العامة" عبده" بالتوحيد يعني محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكفيه الله وعيد المشركين وكيدهم. وقرا حمزة والكسائي" عباده" وهم الأنبياء أو الأنبياء والمؤمنون بهم. واختار أبو عبيد قراءة الجماعة لقوله عقيبه:" وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ". ويحتمل أن يكون العبد لفظ الجنس، كقوله عز من قائل:" إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ" [العصر: 2] وعلى هذا تكون القراءة الأولى راجعة إلى الثانية. والكفاية شر الأصنام، فإنهم كانوا يخوفون المؤمنين بالأصنام، حتى قال إبراهيم عليه السلام." وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ" [الأنعام: 81]. وقال الجرجاني: إن الله كاف عبده المؤمن وعبده الكافر، هذا بالثواب وهذا بالعقاب.
__________
(1). راجع ج 1 ص 212 طبعه ثانيه أو ثالثه.

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (39) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (40) إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (41)

قوله تعالى:" وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ" وذلك أنهم خوفوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مضرة الأوثان، فقالوا: أتسب آلهتنا؟ لئن لم تكف عن ذكرها لتخبلنك أو تصيبنك بسوء. وقال قتادة: مشى خالد بن الوليد إلى العزى ليكسرها بالفأس. فقال له سادنها: أحذركها يا خالد فإن لها شدة لا يقوم لها شي، فعمد خالد إلى العزى فهشم أنفها حتى كسرها بالفأس. وتخويفهم لخالد تخويف للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنه الذي وجه خالدا. ويدخل في الآية تخويفهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكثرة جمعهم وقوتهم، كما قال:" أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ" [القمر: 44]" وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ" تقدم." وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ" أي ممن عاداه أو عادى رسله.

[سورة الزمر (39): الآيات 38 الى 41]
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (39) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (40) إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (41)
قوله تعالى:" وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ" أي ولين سألتهم يا محمد" مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ" بين أنهم مع عبادتهم الأوثان مقرون بأن الخالق هو الله، وإذا كان الله هو الخالق فكيف يخوفونك بإلهتهم التي هي مخلوقة لله تعالى، وأنت رسول الله الذي خلقها وخلق السموات والأرض." قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ" أي قل لهم يا محمد بعد اعترافهم بهذا" أَفَرَأَيْتُمْ" إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ" بشدة وبلاء" هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ" يعنى هذه الأصنام" أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ

نعمة ورخاء" هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ" قال مقاتل: فسألهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسكتوا. وقال غيره: قالوا لا تدفع شيئا قدره الله ولكنها تشفع. فنزلت" قل حسى وترك الجواب لدلالة الكلام عليه يعنى فسيقولون لا (أي لا تكشف ولا تمسك) «1» ف" قُلْ" أنت" حَسْبِيَ اللَّهُ" أي عليه توكلت أي اعتمدت و" عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ" يعتمد المعتمدون. وقد تقدم الكلام «2» في التوكل. وقرا نافع وابن كثير والكوفون ما عدا عاصما" كاشفات ضره" بغيره تنوين. وقرا أبو عمرووشيبه وهر المعروفة من قراءة الحسن وعاصم" هل هن كاشفات ضره"." ممسكات رحمته" بالتنوين على الأصل وهو اختيار أبى عبيد وأبى حاتم، لأنه اسم فاعل في معنى الاستقبال، وإذا كان كذلك كان التنوين أجود. قال الشاعر:
الضاربون عميرا عن بيوتهم ... وبالليل يوم عمير ظالم عادى
. ولو كان ماضيا لم يجز فيه التنوين، وحذف التنوين على التحقيق فإذا حذفت التنوين لي يبق بين الاسمين حاجز فخفضت الثاني بالإضافة. وحذف التنوين كثير في كلام العرب موجود حسن قال الله تعالى" هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ" وقال:" إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ" قال سيبويه: ومثل ذلك" غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ" وأنشد سيبويه:
هل أنت باعث دينار لحاجتنا ... واو عبد رب أخا عون بن مخراق
وقال النابغة:
أحكم كحكم فتاه الحي إذ نظرات ... وإلى حمام شراع وارد الثمد «3»
معناه وارد الثمد فحذف التنوين، مثل" كاشِفاتُ ضُرِّهِ." قوله تعالى:" قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ" أي مكانتي أي على جهتي التي تمكنت عندي" فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ." وقرا أبو بكر بالجمع" مكاناتكم". وقد مضى في" الأنعام." «4»
__________
(1). الزيادة من حاشية الجمل نقلا ع القرطبي.
(2). راجع ج 4 ص 189 وص 253 طبعه أولى أو ثانية.
(3). يقول الشاعر للنعمان بن المنذر وكان واجدا عليه: كن حكيما في أمرى كحكم زرقاء اليمامة في حزرها للحمام التي مرت طائرة بها. وخبرها مشهور. والشراع: الموضع الذي ينحدر منه إلى الماء والثمد: الماء القليل على وجه الأرض.
(4). راجع ج 7 ص 89 طبعه أولى أو ثانية.

اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42)

" مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ" أي يهينه ويذله أي في الدنيا وذلك بالجوع والسيف." وَيَحِلُّ عَلَيْهِ" أي في الآخرة" عَذابٌ مُقِيمٌ." قوله تعالى:" إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ" تقدم الكلام في هذه الآية مستوفى في غير موضع «1».

[سورة الزمر (39): آية 42]
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42)
فيه أربع مسائل: الأولى- قوله تعالى:" اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها" أي يقبضها عند فناء آجالها" وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها" اختلف فيه. فقيل: يقبضها عن التصرف مع بقاء أرواحها في أجسادها" فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى " وهي النائمة فيطلقها بالتصرف إلى أجل موتها، قال ابن عيسى «2». وقال الفراء: المعنى ويقبض التي لم تمت في منامها عند انقضاء أجلها. قال: وقد يكون توفيها نومها، فيكون التقدير على هذا والتي لم تمت وفاتها نومها. وقال ابن عباس وغيره من المفسرين: إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء الله منها، فإذا أراد جميعها الرجوع إلى الأجساد أمسك الله أرواح الأموات عنده، وأرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها. وقال سعيد بن جبير: إن الله يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا، وأرواح الأحياء إذا ناموا، فتتعارف ما شاء الله أن تتعارف" فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى " أي يعيدها. قال علي رضي الله عنه: فما رأته نفس النائم وهي في السماء قبل إرسالها إلى جسدها فهي الرؤيا الصادقة، وما رأته بعد إرسالها وقبل استقرارها في جسدها تلقيها الشياطين، وتخيل إليها الأباطيل فهي الرؤيا الكاذبة.
__________
(1). راجع ج 8 ص 388 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.
(2). في نسخة: قاله أبو عيسى.

وقال ابن زيد: النوم وفاة والموت وفاة. وعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" كما تنامون فكذلك تموتون وكما توقظون فكذلك تبعثون." وقال عمر: النوم أخو الموت. وروي مرفوعا من حديث جابر بن عبد الله قيل: يا رسول الله أينام أهل الجنة؟ قال:" لا النوم أخو الموت والجنة لا موت فيها" خرجه الدارقطني. وقال ابن عباس:" في ابن آدم نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس، فالنفس التي بها العقل والتمييز، والروح التي بها النفس والتحريك، فإذا نام العبد قبض الله نفسه ولم يقبض روحه." وهذا قول ابن الأنباري والزجاج. قال القشيري أبو نصر: وفي هذا بعد إذ المفهوم من الآية أن النفس المقبوضة في الحالين شي واحد، ولهذا قال:" فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى" فإذا يقبض الله الروح في حالين في حالة النوم وحالة الموت، فما قبضه في حال النوم فمعناه أنه يغمره بما يحبسه عن التصرف فكأنه شي مقبوض، وما قبضه في حال الموت فهو يمسكه ولا يرسله إلى يوم القيامة. وقوله:" وَيُرْسِلُ الْأُخْرى " أي يزيل الحابس عنه فيعود كما كان. فتوفي الأنفس في حال النوم بإزالة الحس وخلق الغفلة والآفة في محل الإدراك. وتوفيها في حالة الموت بخلق الموت وإزالة الحس بالكلية." فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ" بألا يخلق فيها الإدراك كيف وقد خلق فيها الموت؟" وَيُرْسِلُ الْأُخْرى " بأن يعيد إليها الإحساس. الثانية- وقد اختلف الناس من هذه الآية في النفس والروح، هل هما شي واحد أو شيئان على ما ذكرنا. والأظهر أنهما شي واحد، وهو الذي تدل عليه الآثار الصحاح على ما نذكره في هذا الباب. من ذلك حديث أم سلمة قالت: دخل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أبي سلمة وقد شق «1» بصره فأغمضه، ثم قال:" إن الروح إذا قبض تبعه البصر" وحديث أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" ألم تروا الإنسان إذا مات شخص بصره" قال:" فذلك حين يتبع بصره نفسه" خرجهما مسلم. وعنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
__________
(1). شق بصره: أي انفتح.

" تحضر الملائكة فإذا كان الرجل صالحا قالوا اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب راض غير غضبان فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء" وذكر الحديث وإسناده صحيح خرجه ابن ماجة، وقد ذكرناه في" التذكرة." وفي صحيح، مسلم عن أبي هريرة قال:" إذا خرجت روح المؤمن تلقاها" ملكان يصعدان بها." وذكر الحديث. وقال بلال في حديث الوادي: أخذ بنفسي يا رسول الله الذي أخذ بنفسك. وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مقابلا له في حديث زيد بن أسلم في حديث الوادي:" يا أيها الناس إن الله قبض أرواحنا ولو شاء ردها إلينا في حين غير هذا." الثالثة- والصحيح فيه أنه جسم لطيف مشابك للأجسام المحسوسة، يجذب ويخرج وفي أكفانه يلف ويدرج، وبه إلى السماء يعرج، لا يموت ولا يفنى، وهو مما له أول وليس له آخر، وهو بعينين ويدين، وأنه ذو ريح طيبة وخبيثة، كما في حديث أبي هريرة. وهذه صفة الأجسام لا صفة الأعراض، وقد ذكرنا الأخبار بهذا كله في كتاب" التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة." وقال تعالى:" فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ" [الواقعة: 83] يعني النفس إلى خروجها من الجسد، وهذه صفة الجسم. والله أعلم. الرابعة- خرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليأخذ داخلة إزاره فلينفض بها فراشه وليسم الله فإنه لا يعلم ما خلفه بعد على فراشه فإذا أراد أن يضطجع فليضطجع على شقه الأيمن وليقل سبحانك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فاغفر لها." وقال البخاري وابن ماجة والترمذي:" فارحمها" بدل" فاغفر لها" وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين" زاد الترمذي" وإذا استيقظ فليقل الحمد لله الذي عافاني في جسدي ورد علي روحي وأذن لي بذكره." وخرج البخاري عن حذيفة قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده، ثم يقول:" اللهم باسمك أموت وأحيا" وإذا استيقظ قال:" الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور."

أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (43) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44) وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45)

قوله تعالى:" فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ" هذه قراءة العامة على أنه مسمى الفاعل" الموت" نصبا، أي قضى الله عليها وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد، لقوله في أول الآية:" اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ" فهو يقضي عليها. وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزه والكسائي" قضي عليها الموت" على ما لم يسم فاعله. النحاس: والمعنى واحد غير أن القراءة الأولى أبين وأشبه بنسق الكلام، لأنهم قد أجمعوا على" ويرسل،" ولم يقرءوا" ويرسل،". وفي الآية تنبيه على عظيم قدرته وانفراده بالألوهية، وأنه يفعل ما يشاء، ويحيي ويميت، لا يقدر على ذلك سواه." إن في ذلك لآيات" يعني في قبض الله نفس الميت والنائم، وإرساله نفس النائم وحبسه نفس الميت" لقوم يتفكرون." وقال الأصمعي سمعت معتمرا يقول: روح الإنسان مثل كبة «1» الغزل، فترسل الروح، فيمضي ثم تمضي ثم تطوى فتجيء فتدخل، فمعنى الآية أنه يرسل من الروح شي في حال النوم ومعظمها في البدن متصل بما يخرج منها اتصالا خفيا، فإذا استيقظ المرء جذب معظم روحه ما انبسط منها فعاد. وقيل غير هذا، وفي التنزيل:" وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي" [الإسراء: 85] أي لا يعلم حقيقته إلا الله. وقد تقدم في [سبحان «2»].

[سورة الزمر (39): الآيات 43 الى 45]
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (43) قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44) وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45)
قوله تعالى:" أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ" أي بل اتخذوا يعني الأصنام وفي الكلام ما يتضمن لم، أي" إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" لم يتفكروا ولكنهم اتخذوا آلهتهم شفعاء." قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً" أي قل لهم يا محمد أتتخذونهم شفعاء وإن كانوا
__________
(1). كبة الغزل: ما جمع منه.
(2). راجع ج 1 ص 323 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.

قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (48)

لا يملكون شيئا من الشفاعة" ولا يعقلون" لأنها جمادات. وهذا استفهام إنكار." قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً" نص في أن الشفاعة لله وحده كما قال:" مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ" [البقرة: 255] فلا شافع إلا من شفاعته" وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى " [الأنبياء: 28]." جَمِيعاً" نصب على الحال. فإن قيل:" جميعا" إنما يكون للاثنين فصاعدا والشفاعة واحدة. فالجواب أن الشفاعة مصدر والمصدر يؤدي عن الاثنين والجميع" لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" قوله تعالى:" وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ" نصب على المصدر عند الخليل وسيبويه، وعلى الحال عند يونس." اشمأزت" قال المبرد انقبضت. وهو قول ابن عباس ومجاهد. وقال قتادة: نفرت واستكبرت وكفرت وتعصت. وقال المؤرج أنكرت. واصل الاشمئزاز النفور والازورار. قال عمرو بن كلثوم:
إذا عض الثقاف بها اشمأزت ... وولتهم عشوزنة زبونا «1»
وقال أبو زيد: اشمأز الرجل ذعر من الفزع وهو المذعور. وكان المشركون إذا قيل لهم" لا إله إلا الله" نفروا وكفروا." وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ" يعني الأوثان حين ألقى الشيطان في أمنية النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند قراءته سورة [النجم ] تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم ترتجى «2». قاله جماعة المفسرين." إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ" أي يظهر في وجوههم البشر والسرور.

[سورة الزمر (39): الآيات 46 الى 48]
قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (48)
__________
(1). الثقاف ما تقوم به الرماح. وعشوزنة صلبة شديدة. والزبون الدفوع. والبيت في وصف قناة، وقبله:
فإن قناتنا يا عمرو أعيت ... - على الأعداء قبلك أن تلينا

(2). راجع ما قيل في هذا الكلام من منافاته للعصمة وتأويلات في قوله تعالى في سورة الحج:" وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ" ج 12 ص 79 وما بعدها

قوله تعالى:" قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" نصب لأنه نداء مضاف وكذا" عالِمَ الْغَيْبِ" ولا يجوز عند سيبويه أن يكون نعتا." أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" وفي صحيح مسلم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة رضي الله عنها بأي شي كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستفتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته" اللهم رب جبريل وميكائيل" وإسرافيل" فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون" اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" ولما بلغ الربيع بن خيثم قتل الحسين بن علي رضي الله عنهم قرأ" قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون". وقال سعيد بن جبير: إني لأعرف آية ما قرأها أحد قط فسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه، قوله تعالى:" قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ". قوله تعالى:" وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا" أي كذبوا وأشركوا" ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ" أي من سوء عذاب ذلك اليوم. وقد مضى هذا في سورة" آل عمران" «1» و" الرعد" «2»." وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ" من أجل ما روي فيه ما رواه منصور عن مجاهد قال: عملوا أعمالا توهموا أنها حسنات فإذا هي سيئات. وقاله السدي. وقيل: عملوا أعمالا توهموا أنهم يتوبون منها قبل الموت فأدركهم الموت قبل أن يتوبوا، وقد كانوا ظنوا أنهم ينجون بالتوبة. ويجوز أن يكونوا توهموا أنه يغفر لهم من غير توبة ف" بدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون" من دخول النار. وقال سفيان الثوري في هذه الآية: ويل لأهل الرياء ويل لأهل الرياء هذه آيتهم وقصتهم. وقال عكرمة ابن عمار: جزع محمد بن المنكدر عند موته جزعا شديد، فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال:
__________
(1). راجع ج 4 ص 131 طبعه أولى أو ثانية.
(2). راجع ج 9 ص 307 طبعه أولى أو ثانية. [.....]

فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (49) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (50) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (51) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)

أخاف آية من كتاب الله" وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ" فأنا أخشى أن يبدو لي ما لم أكن أحتسب." وبَدا لَهُمْ" أي ظهر لهم" سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا" أي عقاب ما كسبوا من الكفر والمعاصي." وَحاقَ بِهِمْ" أي أحاط بهم ونزل" ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ."

[سورة الزمر (39): الآيات 49 الى 52]
فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (49) قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (50) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (51) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)
قوله تعالى:" فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا" قيل: إنها نزلت في حذيفة بن المغيرة." ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ" قال قتادة:" عَلى عِلْمٍ" عندي بوجوه المكاسب، وعنه أيضا" عَلى عِلْمٍ" على خير عندي قيل:" عَلى عِلْمٍ" أي على علم من الله بفضلي. وقال الحسن:" عَلى عِلْمٍ" أي بعلم علمني الله إياه. وقيل: المعنى أنه قال قد علمت أني إذا أوتيت هذا في الدنيا أن لي عند الله منزلة،" فقال الله:" بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ" أي بل النعم التي أوتيتها فتنة تختبر بها. قال الفراء: أنث" هي" لتأنيث الفتنة، ولو كان بل هو فتنة لجاز. النحاس: التقدير بل أعطيته فتنة." وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ" أي لا يعلمون أن إعطاءهم المال اختبار. قوله تعالى:" قَدْ قالَهَا" أنث على تأنيث الكلمة." الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ" يعني الكفار قبلهم كقارون وغيره حيث قال:" إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي"." فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ"" ما" للجحد أي لم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئا. وقيل:

قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (59)

أي فما الذي أغنى أموالهم؟ ف" إِنَّما" استفهام." فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا" أي جزاء سيئا ت أعمالهم. وقد يسمى جزاء السيئة سيئة." وَالَّذِينَ ظَلَمُوا" أي أشركوا" من هؤلاء" لا لأمة" سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا" أي بالجوع والسيف." وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ" أي فائتين الله ولا سابقية. وقد تقدم «1». قوله تعالى:" أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" خص المؤمن بالذكر، لأنه هو الذي يتدبر الآيات وينتفع بها. ويعلم أن سعة الرزق قد يكو مكرا واستدراجا، وتقتيره رفعة وإعظاما.

[سورة الزمر (39): الآيات 53 الى 59]
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57)
أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (59)
قوله تعالى:" قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" وإن شئت حذفت الياء، لأن النداء موضع حذف. النحاس: ومن أجل ما روي فيه ما رواه محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: لما اجتمعنا على الهجرة، اتعدت
__________
(1). راجع ج 7 ص 88 طبعه أولى أو ثانيه. وج 8 ص 351 طبعه أولى أو ثانيه.

أنا وهشام بن العاصي بن وائل السهمي، وعياش بن أبي ربيعة بن عتبة، فقلنا: الموعد أضاه «1» بني غفار، وقلنا: من تأخر منا فقد حبس فليمض صاحبه. فأصبحت أنا وعياش ابن عتبة وحبس عنا هشام، وإذا به قد فتن فافتتن، فكنا نقول بالمدينة: هؤلاء قد عرفوا الله عز وجل وآمنوا برسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم افتتنوا لبلاء لحقهم لا نرى لهم توبة، وكانوا هم أيضا يقولون هذا في أنفسهم، فأنزل الله عز وجل في كتابه:" قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" إلى قوله تعالى:" أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ قال عمر: فكتبتها بيدي ثم بعثتها إلى هشام. قال هشام: فلما قدمت علي خرجت بها إلى ذي طوى فقلت: اللهم فهمنيها فعرفت أنها نزلت فينا، فرجعت فجلست على بعيري فلحقت برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان قوم من المشركين قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فقالوا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو بعثوا إليه: إن ما تدعو إليه لحسن أو تخبرنا أن لنا توبة؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآية:" قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ" ذكره البخاري بمعناه. وقد مضى في آخر" الفرقان" «2». وعن ابن عباس أيضا نزلت في أهل مكة قالوا: بزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له، وكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا مع الله إلها آخر وقتلنا النفس التي حرم الله فأنزل الله هذه الآية. وقيل: إنها نزلت في قوم من المسلمين أسرفوا على أنفسهم في العبادة، وخافوا ألا يتقبل منهم لذنوب سبقت لهم في الجاهلية. وقال ابن عباس أيضا وعطاء نزلت في وحشي قاتل حمزة، لأنه ظن أن الله لا يقبل إسلامه: وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: أتى وحشي إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: يا محمد أتيتك مستجيرا فأجرني حتى أسمع كلام الله. فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" قد كنت أحب أن أراك على غير جوار فأما إذ أتيتني مستجيرا فأنت في جواري حتى تسمع كلام الله" قال: فإني أشركت بالله وقتلت النفس التي حرم الله وزنيت، هل يقبل الله منى توبة؟ فصمت
__________
(1). الاضاة غدير.
(2). راجع ج 13 ص 76 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.

رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى نزلت:" وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ" [الفرقان: 68 إلى آخر الآية فتلاها عليه، فقال أرى شرطا فلعلي لا أعمل صالحا، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله. فنزلت:" إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ" [النساء: 48] فدعا به فتلا عليه، قال: فلعلي ممن لا يشاء أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله. فنزلت:" يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" فقال: نعم الآن لا أرى شرطا. فأسلم. وروى حماد بن سلمة عن ثابت عن شهر بن حوشب عن أسماء أنها سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرأ:" قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ولا يبالي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ". وفي مصحف ابن مسعود" إن الله يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء". قال أبو جعفر النحاس: وهاتان القراءتان على التفسير، أي يغفر الله لمن يشاء. وقد عرف الله عز وجل من شاء أن يغفر له، وهو التائب أو من عمل صغيرة ولم تكن له كبيرة، ودل على أنه يريد التائب ما بعده" وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ" فالتائب مغفور له ذنوبه جميعا يدل على ذلك" وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ" [طه: 82] فهذا لا إشكال فيه. وقال علي بن أبي طالب: ما في القرآن آية أوسع من هذه الآية:" قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" وقد مضى هذا في [سبحان «1»]. وقال عبد الله بن عمر: وهذه أرجى آية في القرآن فرد عليهم ابن عباس وقال أرجى آية في القرآن قول تعالى:" وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ" [الرعد: 6] وقد مضى في [الرعد «2»]. وقرى" ولا تقنطوا" بكسر النون وفتحها. وقد مضى في" الحجر «3»" بيانه. قوله تعالى: (وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ) أي ارجعوا إليه بالطاعة، لما بين أن من تاب من الشرك يغفر له أمر بالتوبة والرجوع إليه، والإنابة الرجوع إلى الله بالإخلاص. (وَأَسْلِمُوا لَهُ) أي اخضعوا له وأطيعوا (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ) في الدنيا
__________
(1). راجع ج: 1 ص 322 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.
(2). راجع ج 9 ص 285 طبعه أولى أو ثانية.
(3). راجع ج 10 ص 36 طبعه أولى أو ثانية.

(ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) أي لا تمنعون من عذابه، وروى من حديث جابر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" من السعادة أن يطيل الله عمر المرء في الطاعة ويرزقه الإنابة وإن من الشقاوة أن يعمل المرء ويعجب بعمله". قوله تعالى: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ)" أحسن ما أنزل" هو القرآن وكله حسن، والمعنى ما قال الحسن: التزموا طاعته، واجتنبوا معصيته، وقال السدى: الأحسن ما أمر الله به في كتابه، وقال ابن زيد: يعنى المحكمات، وكلوا علم المتشابه إلى عالمه، وقال: أنزل الله كتبا التوراة والإنجيل والزبور، ثم أنزل القرآن وأمر باتباعه فهو الأحسن وهو المعجز، وقيل: هذا أحسن لأنه ناسخ قاض على جميع الكتب وجميع الكتب منسوخة- وقيل: يعنى العفو، لان الله تعالى خير نبيه عليه السلام بين العفو والقصاص، وقيل ما علم الله النبي عليه السلام وليس بقرآن فهو حسن، وما أوحى إليه من القرآن فهو الأحسن، وقيل: أحسن ما أنزل إليكم من أخبار الأمم الماضية. قوله تعالى: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى )" أن" في موضع نصب أي كراهة" أَنْ تَقُولَ" وعند الكوفيين لئلا تقول وعند البصريين حذر" أن تقول". وقيل: أي من قبل" أن تقول نفس" لأنه قال قبل هذا:" مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ". الزمخشري: فإن قلت لم نكرت؟ قلت، لان المراد بها بعض الأنفس وهى نفس الكافر، ويجوز أن يريد نفسا متميزة من الأنفس، إما بلجاج في الكفر شديد، أو بعقاب عظيم. ويجوز أن يراد التكثير كما قال الأعشى:
ورب بقيع لو هتفت بجوه ... أتانى كريم ينفض الرأس مغضبا
وهو يريد أفواجا من الكرام ينصرونه لا كريما واحدا، ونظيره رب بلد قطعت، ورب بطل قارعت، ولا يقصد إلا التكثير." يا حَسْرَتى " والأصل" يا حَسْرَتى " فأبدل من الياء ألف، لأنها أخف وأمكن في الاستغاثة بمد الصوت، وربما ألحقوا بها الهاء، أنشد الفراء:
يا مرحباه بحمار ناجية «1» ... إذا أتى قربته للسانية
__________
(1). الناجية: السريعة. وفى تفسير الفراء ناهية بدل ناجية وكذا روى في اللسان وشرح القاموس في مادة سنا. والسانية هنا مصدر على فاعلة بمعنى الاستسقاء، أراد قربته للسناية

وربما ألحقوا بها الياء بعد الالف، لتدل على الإضافة، وكذلك قرأها أبو جعفر: يا حسرتاى والحسرة الندامة. (عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) قال الحسن: في طاعة الله. وقال الضحاك: أي في ذكر الله عز وجل. قال: يعنى القرآن والعمل به. وقال أبو عبيدة: في جنب الله أي في ثواب الله. وقال الفراء: الجنب القرب والجوار: يقال فلان يعيش في جنب فلان أي في جواره ومنه" وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ" أي على ما فرطت في طلب جواره وقربه وهو الجنة وقال الزجاج: أي على ما فرطت في الطريق الذي هو طريق الله الذي دعاني إليه، والعرب تسمى السبب والطريق إلى الشيء جنبا، تقول تجرعت في جنبك غصصا، أي لأجلك وسببك ولأجل مرضاتك. وقيل:" فِي جَنْبِ اللَّهِ" أي في الجانب الذي يؤدى إلى رضا الله عز وجل وثوابه، والعرب تسمى الجانب جنبا، قال الشاعر:
قسم مجهودا لذاك القلب ... الناس جنب والأمير جنب
يعنى الناس من جانب والأمير من جانب، وقال ابن عرفه: أي تركت من أمر الله، يقال ما فعلت ذلك في جنب حاجتي، قال كثير:
ألا تتقين الله في جنب عاشق ... له كبد حرى عليك تقطع
وكذا قال مجاهد، أي ضيعت من أمر الله. ويروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال:" ما جلس رجل مجلسا ولا مشى ممشى ولا اضطجع مضطجع لم يذكر الله عز وجل فيه إلا كان عليه ترة يوم القيامة" أي حَسْرَتى «1»، خرجه أبو داود بمعناه. وقال إبراهيم التيمي: من الحسرات يوم القيامة أن يرى الرجل ماله الذي أتاه الله في الدنيا يوم القيامة في ميزان غيره، قد ورثه وعمل فيه بالحق، كان له أجره وعلى الأخر وزره، ومن الحسرات أن يرى الرجل عبده الذي خوله الله إياه في الدنيا أقرب منزلة من الله عز وجل، أو يرى رجلا يعرفه أعمى في الدنيا قد أبصر يوم القيامة وعمى هو، (وإن كنت لمن الساخرين) أي وما كنت إلا من المستهزئين بالقرآن وبالرسول في الدنيا، بأولياء الله، قال قتادة: لم يكفه أن ضيع
__________
(1). فسرها ابن الأثير في النهاية بالنقص أو التبعة.

طاعة الله حتى سخر من أهلها، ومحل" إِنْ كُنْتُ" النصب على الحال، كأنه قال: فرطت وأنا ساخر، أي فرطت في حال سخريتي، وقيل وما كنت إلا في سخرية ولعب وباطل أي ما كان سعيي إلا في عبادة غير الله تعالى. قوله تعالى: (أَوْ تَقُولَ) هذه النفس (لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي) أي أرشدني إلى دينه (لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) أي الشرك والمعاسى، وهذا القول لو أن الله هداني لاهتديت قول صدق، وهو قريب من احتجاج المشركين فيما أخبر الرب جل وعز عنهم في قوله:" سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا" فهي كلمة حق أريد بها باطل، كما قال على رضى الله عنه لما قال قائل من الخوارج لا حكم إلا لله، (أَوْ تَقُولَ) يعنى هذه النفس (حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً) أي رجعة، (فَأَكُونَ) نصب على جواب التمني، وإن شئت كان معطوفا على" كَرَّةً" لان معناه أن أكر، كما قال الشاعر»
:
للبس عباءة وتقر عيني ... أحب إلى من لبس الشفوف
وأنشد الفراء:
فما لك منها غير ذكرى وخشية ... وتسأل عن ركبانها أين يمموا فنصب
و(تُسْئَلُ) على موضع الذكرى، لان معنى الكلام فمالك منها إلا أن تذكر، ومنه للبس عباءة وتقر، أي لان ألبس عباءة وتقر، وقال أبو صالح: كان رجل عالم في بنى إسرائيل وجد رقعة، إن العبد ليعمل الزمان الطويل بطاعة الله فيختم له عمله بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بمعصية الله ثم يختم له عمله بعمل رجل من أهل الجنة فيدخل الجنة، فقال: ولاي شي أتعب نفسي فترك عمله واخذ في الفسوق والمعصية، وقال له إبليس: لك عمر طويل فتمتع في الدنيا ثم تتوب، فأخذ في الفسوق وأنفق ماله في الفجور، فأتاه ملك الموت في ألذ ما كان، فقال: يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، ذهب عمرى في طاعة الشيطان، فندم حين لا ينفعه الندم، فأنزل الله خبره في القرآن، وقال
__________
(1). قائله ميسون بنت مجدل الكلبية.

وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (61) اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64)

قتادة: هؤلان أصناف، صنف منهم قال:" يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ". وصنف منهم قال:" لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ"، وقال آخر:" لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ" فقال الله تعالى ردا لكلامهم (بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي) قال الزجاج:" بَلى " جواب النفي وليس في الكلام لفظ النفي، ولكن معنى" لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي" ما هداني، وكان هذا القائل قال ما هديت، فقيل، بلى قد بين لك طريق الهدي فكنت بحيث لو أردت أن تؤمن أمكنك أن تؤمن." آياتِي" أي القرآن، وقيل: عنى بالآيات المعجزات، أي وضح الدليل فأنكرته وكذبته، (وَاسْتَكْبَرْتَ) أي تكبرت عن الايمان (وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ). وقال:" اسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ" وهو خطاب الذكر، لان النفس تقع على الذكر والأنثى. يقال،: ثلاثة أنفس، وقال المبرد: تقول العرب نفس واحد أي إنسان واحد. وروى الربيع ابن أنس عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ" قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ". وقرا الأعمش" بلى قد جاءته آياتي" وهذا يدل على التذكر- والربيع ابن أنس لم يلحق أم سلمة إلا أن القراءة جائزة، لان النفس تقع للمذكر والمؤنث. وقد أنكر هذه القراءة بعضهم وقال: يجب إذا كسر التاء أن تقول وكنت من الكوافر أو من الكافرات. قال النحاس: وهذا لا يلزم، إلا تقول وكنت من الكوافر أو من الكافرات. قال النحاس: وهذا لا يلزم، ألا ترى أن قبله،" أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ: ثم قال:" وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ" ولم يقل من السواخر ولا من الساخرات، والتقدير في العربية على كسر التاء" وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ" من الجمع الساخرين أو من الناس الساخرين أو من القوم الساخرين.

[سورة الزمر (39): الآيات 60 الى 64]
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (61) اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (63) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (64)

قوله تعالى: (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) أي مما أحاط بهم من غضب الله ونقمته، وقال الأخفش:" تَرَى" غير عامل في قوله: وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ: إنما هو ابتداء وخبر، الزمخشري: جملة في موضع الحال إن كان" ترى" من رؤية البصر، ومفعول ثان إن كان من رؤية القلب، (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ) وبين رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معنى الكبر فقال عليه السلام:" سفه الحق وغمص الناس" أي احتقارهم، وقد مضى في" البقرة" «1» وغيرها، وفى حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" يحشر المتكبرون يوم القيامة كالذر يلحقهم الصغار حتى يؤتى بهم إلى سجن جهنم". قوله تعالى: (وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا) وقرى" وينجى" أي من الشرك والمعاصي. (بِمَفازَتِهِمْ) على التوحيد قراءة العامة لأنها مصدر، وقرا الكوفيون" بمفازاتهم" وهو جائز كما تقول بسعاداتهم. وعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تفسير هذه الآية من حديث أبى هريرة، قال:" يحشر الله مع كل امرئ عمله فيكون عمل المؤمن معه في أحسن صورة وأطيب ريح فكلما كان رعب أو خوف قال له لا ترع فما أنت بالمراد به ولا أنت بالمعنى به فإذا كثر ذلك عليه قال فما أحسنك فمن أنت فيقول أما تعرفني أنا عملك الصالح حملتني على ثقلي فوالله لأحملنك ولأدفعن عنك فهي التي قال الله" وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ". (اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) أي حافظ وقائم به، وقد تقدم. قوله تعالى: (لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ واحدها مقليد. وقيل: مقلاد وأكثر ما يستعمل فيه إقليد والمقاليد المفاتيح عن ابن عباس، وغيره، وقال السدى: خزائن السموات والأرض، وقال غيره: خزائن السموات المطر وخزائن الأرض النبات، وفية لغة أخرى أقاليد وعليها يكون واحدها إقليد، قال الجوهري: والاقليد المفتاح، والمقلد مفتاح كالمنجل ربما يقلد به الكلاء كما يقلد القت إذا جعل حبالا، أي يقتل والجمع المقاليد، وأقلد البحر على خلق كثير أي غرقهم كأنه أغلق عليهم، وخرج البيهقي عن ابن عمر أن عثمان بن
__________
(1). راجع ج 1 ص 296 طبعه ثانية أو ثالثة.

عفان رضى الله عنه سأل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن تفسير قوله تعالى:" لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" ما سألني عنها أحد لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده استغفر الله ولا حول ولا قوة إل بالله العلى العظيم هو الأول والآخر والظاهر والباطن يحيى ويميت بيده الخير وهو على كل شي قدير" ذكره الثعلبي في تفسيره، وزاد من قالها إذا أصبح أو أمسى عشر مرات أعطاه الله ست خصال: أولها يحرس من إبليس، والثانية يحضره اثنا عشر ألف ملك، والثالثة يعطى قنطارا من الأجر، والرابعة ترفع له درجة، والخامسة يزوجه الله من الحور العين.، والسادسة يكون له من الأجر كمن قرأ القرآن والتوراة والإنجيل والزبور، وله أيضا من الأجر كمن حج واعتمر فقبلت حجته وعمرته. فإن مات من ليلته مات شهيدا، وروى الحارث عن على قال: سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن تفسير المقاليد فقال:" يا على لقد سألت عن عظيم المقاليد هو أن تقول عشرا إذا أصبحت وعشرا إذا أمسيت لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله واستغفر الله ولا قولة ألا بالله الأول والآخر والظاهر والباطن له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شي قدير" من قالها عشرا إذا أصبح، وعشرا إذا أمسى أعطاه الله خصالا ستا أولها يحرسه من الشيطان وجنوده فلا يكون لهم عليه سلطان، والثانية يعطى قنطارا في الجنة هو أثقل في ميزانه من جبل أحد، والثالثة ترفع له درجة لا ينالها إلا الأبرار، والرابعة يزوجه الله من الحور العين، والخامسة يشهده اثنا عشر ألف ملك يكتبونها له في رق منشور ويشهدون له بها يوم القيامة والسادسة يكون له من الأجر كأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وكمن حج واعتمر فقبل الله حجته وعمرته، وإن مات من يومه أو ليلته أو شهره طبع بطابع الشهداء وقيل: المقاليد الطاعة يقال ألقى إلى فلان بالمقاليد أي أطاعه فيما يأمره، فمعنى الآية له طاعة من في السموات والأرض. قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ) أي بالقرآن والحجج والدلالات. (أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) تقدم.

وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)

قوله تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ (وذلك حين دعوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى ما هم عليه من عبادة الأصنام وقالوا هو دين آبائك، و" غير" نصب ب" أعبده" على تقدير أعبد غير الله فيما تأمرونني، ويجوز أن ينتصب ب" تَأْمُرُونِّي" على حذف حرف الجز، التقدير: أتأمروني بغير الله أن أعبد، لان أن مقدرة وأن والفعل مصدر، وهى بدل من غير، التقدير: أتأمروني بعبادة غير الله، وقرا نافع" تَأْمُرُونِّي" بنون واحدة مخففة وفتح الياء، وقرا ابن عامر" تأمرونني، بنونين مخففتين على الأصل. الباقون بنون واحدة مشددة على الإدغام، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، لأنها وقعت في مصحف عثمان بنون واحدة، وقرا نافع على حذف النون الثانية وإنما كانت المحذوفة الثانية، لان التكرير والتثقيل يقع بها، وأيضا حذف الاولى لا يجوز، لأنها دلالة الرفع، وقد مضى في" الانعام" «1» بيانه عند قوله تعالى:" أَتُحاجُّونِّي"." أَعْبُدُ" أي أن أعبد فلما حذف" أن" رفع، قاله الكسائي، ومنه قول الشاعر:
إلا أيهذا الزاجري أحضر الوغي «2»

والدليل على صحة هذا الوجه قراءة من قرأ" أعبد" بالنصب.

[سورة الزمر (39): الآيات 65 الى 66]
وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)
قوله تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ) قيل: إن في الكلام تقديما وتأخيرا، والقدير: لقد أوحى إليك لئن أشركت وأوحى إلى الذين من قبلك كذلك، وقيل: هو على بابه، قال مقاتل: أي أوحى إليك وإلى الأنبياء قبلك بالتوحيد والتوحيد محذوف، ثم قال:" لَئِنْ أَشْرَكْتَ" يا محمد (لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) وهو خطاب للنبي
__________
(1). راجع ج 7 ص 29 طبعه أولى أو ثانية.
(2). البيت من معلقة طرفة وتمامه:
وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
.

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاصة، وقيل: الخطاب له والمراد أمته، إذ قد علم الله إنه لا يشرك ولا يقع منه إشراك، وإلا حباط الابطال والفساد، قال القشيري: فمن ارتد لم تنفعه طاعاته السابقة ولكن إحباط الردة العمل مشروط بالوفاة على الكفر، ولهذا قال:" مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ" فالمطلق ها هنا محمول على المقيد، ولهذا قلنا من حج ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام لا يجب عليه إعادة الحج. قلت: هذا مذهب الشافعي، وعند مالك تجب عليه الإعادة وقد مضى في" البقرة" «1» بيان هذا مستوفى. قوله تعالى: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ) النحاس: في كتابي عن أبى إسحاق لفظ اسم الله عز وجل منصوب ب أَعْبُدُ" قال: ولا اختلاف في هذا بين البصريين والكوفيين، قال النحاس: وقال الفراء يكون منصوبا بإضمار فعل، وحكاه المهدوي عن الكسائي، فأما الفاء فقال: الزجاج: إنها للمجازاة، وقال الأخفش: هي زائدة، وقال ابن عباس: فاعبد: أي فوحد، وقال غيره: بل الله: فأطع (وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) لنعمة بخلاف المشركين

: [سورة الزمر (39): الآيات 67 الى 68]
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (68)
قوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) قال المبرد: ما عظموه حق عظمته من قولك فلان عظيم القدر، قال النحاس: والمعنى على هذا وما عظموه حق عظمته إذ عبدوا معه غيره وهو خالق الأشياء ومالكها، ثم أخبر عن قدرته وعظمته فقال: (وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ). ثم نزه نفسه عن أن يكون ذلك بجارحة
__________
(1). راجع ج 3 ص 48 طبعه أولى أو ثانية.

فقال: (سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ). وفى الترمذي عن عبد الله قال: جاء يهودي إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: يا محمد إن الله يمسك السموات على إصبع والخلائق على إصبع ثم يقول أنا الملك، فضحك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى بدت نواجذه ثم قال:" وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ". قال: هذا حديث حسن صحيح. وفى البخاري ومسلم عن أبى هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوى السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض". وفى الترمذي عن عائشة أنها سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن قوله:" وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ" قالت: قلت فأين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال:" على جسر جهنم" في رواية" على الصراط يا عائشة" قال: حديث حسن صحيح، وقوله:" وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ" ويقبض الله الأرض" عبارة عن قدرته وإحاطته بجميع مخلوقاته، يقال ما فلان إلا في قبضتي، بمعنى ما فلان إلا في قدرتي، والناس يقولون الأشياء في قبضته يريدون في ملكه وقدرته، وقد يكون معنى القبض والطي إفناء الشيء وإذهابه فقوله جل وعز:" وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ" يحتمل أن يكون المراد به والأرض جميعا ذاهبة فانية يوم القيامة، والمراد بالأرض الأرضون السبع، يشهد لذلك شاهدان قوله:" وَالْأَرْضُ جَمِيعاً" ولان الموضع موضع تفخيم وهو مقتض للمبالغة، وقوله:" وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ" ليس يريد به طيا بعلاج وانتصاب، وإنما المراد بذلك الفناء والذهاب، يقال: قد انطوى عنا ما كنا فيه وجاءنا غيره، وانطوى عنا دهر بمعنى المضي والذهاب، واليمين في كلام العرب قد تون بمعنى القدرة والملك، ومنه قوله تعالى:" أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ" يريد بن الملك، وقال:" لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ" أي بالقوة والقدرة أي لأخذنا قوته وقدرته، قال الفراء والمبرد: اليمين القوة والقدرة، وأنشداء:
إذا ما رآية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين «1»
__________
(1). قائله الحطيئة، وقيل هو للشماخ. [.....]

وقال آخر: ولما رأيت
الشمس أشرق نورها ... تناولت منها حاجتي بيمين

«1» قتلت شنيفا ثم فاران بعده ... وكان على الآيات غير أمين
وإنما خص يوم القيامة بالذكر وإن كانت قدرته شاملة لكل شي أيضا، لان الدعاوى تنقطع ذلك اليوم، كما قال:" وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ" وقال:" مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" حسب ما تقدم في" الفاتحة" «2» ولذلك قال في الحديث:" ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض" وقد زدنا هذا الباب في" التذكرة" بيانا، وتكلمنا على ذكر الشمال في حديث ابن عمر، قوله:" ثم يطوى الأرض بشماله". قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ) بين ما يكون بعد قبض الأرض وطي السماء وهو النفخ في الصور، وإنما هما نفختان، يموت الخلق في الاولى منهما ويحيون في الثانية. وقد مضى الكلام في هذا في" النمل" «3» و" الانعام" «4» أيضا، والذي ينفخ في الصور هو إسرافيل عليه السلام، وقد قيل: إنه يكون معه جبريل لحديث أبى سعيد الخدري قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إن صاحبي الصور بأيديهما- أو في أيديهما- قرنان يلاحظان النظر متى يؤمران" خرجه ابن ماجة في السنن، وفى كتاب أبى داود عن أبى سعيد الخدري قال: ذكر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صاحب الصور، وقال:" عن يمينه جبرائيل وعن يساره ميكائيل" واختلف في المستثنى من هم؟ فقيل: هم الشهداء متقلدين أسيافهم حول العرش. روى مرفوعا من حديث أبى هريرة فيما ذكر القشيري، ومن حديث عبد الله بن عمر فيما ذكر الثعلبي، وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السلام. وروى من حديث أنس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تلا" وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ"
__________
(1). كذا في الأصول ولم نعثر على هذين البيتين فيما لدينا من المراجع.
(2). راجع ج 1 ص 142 طبعه ثانية أو ثالثة.
(3). راجع ج 13 ص 239 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.
(4). راجع ج ط ص 20 طبعه أولى أو ثانية.

فقالوا: يا نبي الله من هم الذين استثنى الله تعالى؟ قال: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت فيقول الله لملك الموت يا ملك الموت من بقي من خلقي وهو أعلم فيقول يا رب بقي جبريل وميكائيل وإسرافيل وعبدك الضعيف ملك الموت فيقول الله تعالى خذ نفس إسرافيل وميكائيل فيخران ميتين كالطودين العظيمين فيقول مت يا ملك الموت فيموت فيقول الله تعالى لجبريل يا جبريل من بقي فيقول تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام وجهك الباقي الدائم وجبريل الميت الفاني فيقول الله تعالى يا جبريل لأبد من موتك فيقع ساجدا يخفق بجناحيه يقول سبحانك ربى تبارك وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام" فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إن فضل خلقه على خلق ميكائيل كالطود العظيم على الظرب «1» من الظراب" ذكره الثعلبي، وذكره النحاس أيضا من حديث محمد بن إسحاق، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله جل وعز:" فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ" قال: جبرئيل وميكائيل وحملة العرش وملك الموت وإسرافيل" وفى هذا الحديث:" إن آخرهم موتا جبريل عليه وعليهم السلام" وحديث أبى هريرة في الشهداء أصح على ما تقدم في" النمل" «2»، وقال الضحاك: هو رضوان والحور ومالك والزبانية. وقيل: عقارب أهل النار وحياتها. وقال الحسن: هو الله الواحد القهار وما يدع أحد من أهل السماء والأرض إلا أذاقه الموت. وقال قتادة: الله أعلم بثنياه، وقيل: الاستثناء في قوله:" إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ" يرجع إلى من مات قبل النفخة الاولى، أي فيموت من في السموات والأرض إلا من سبق موته، لأنهم كانوا قد ماتوا، وفي الصحيحين وابن ماجة واللفظ له عن أبى هريرة قال قال رجل من اليهود بسوق المدينة: والذي اصطفى موسى على البشر، فرفع رجل من الأنصار يده فلطمه، قال: تقول هذا وفينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
__________
(1). الظرب ككتف الجبل الصغير والجمع ظراب، وقد يجمع في القلة على أظرب.
(2). راجع ج 13 ص 241 طبعه أولى أو ثانية.

وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70)

فذكرت ذلك لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال:" قال الله عز وجل" وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ" فأكون أول من رفع رأسه فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدرى أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله ومن قال أنا خير من يونس بن متى كذب" وخرجه الترمذي أيضا وقال فيه: حديث حسن صحيح، قال القشيري: ومن حمل الاستثناء على موسى والشهداء فهؤلاء قد ماتوا غير أنهم أحياء عند الله، فيجوز أن تكون الصعقة بزوال العقل دون زوال الحياة، ويجوز أن تكون بالموت، ولا يبعد أن تكون الموت والحياة فكل ذلك مما يجوزه العقل، والامر في وقوعه موقوف على خبر صدق قلت: جاء في بعض طرق أبى هريرة أنه عليه السلام قال:" لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش «1» فلا أدرى أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله" خرجه مسلم، ونحوه عن أبى سعيد الخدري، والإفاقة إنما تكون عن غشية وزوال عقل لا عن موت برد الحياة، والله أعلم. قوله تعالى:" فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ" أي فإذا الأموات من أهل الأرض والسماء أحياء بعثوا من قبورهم، وأعيدت إليهم أبدانهم وأرواحهم، فقاموا ينظرون ماذا يؤمرون وقيل: قيام على أرجلهم ينظرون إلى البعث الذي وعدوا به، وقيل: هذا النظر بمعنى الانتظار، أي ينتظرون ما يفعل بهم، وأجاز الكسائي قياما بالنصب، كما تقول: خرجت فإذا زيد جالسا.

[سورة الزمر (39): الآيات 69 الى 70]
وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِي ءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (70)
__________
(1). باطش بجانب العرش: أي متعلق به بقوة.

قوله تعالى: (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها) إشراقها إضاءتها، يقال: أشرقت الشمس إذا أضاءت وشرقت إذا طلعت. ومعنى" بِنُورِ رَبِّها" بعدل ربها، قاله الحسن وغيره، وقال الضحاك: بحكم ربها، والمعنى واحد: أي أنارت وأضاءت بعدل الله وقضائه بالحق بين عباده. والظلم ظلمات والعدل نور. وقيل: إن الله يخلق نورا يوم القيامة يلبسه وجه الأرض فتشرق الأرض به، وقال ابن عباس: النور المذكور هاهنا ليس من نور الشمس والقمر، بل هو نور يخلقه الله فيضيء به الأرض، وروى أن الأرض يومئذ من فضة تشرق بنور الله تعالى حين يأتي لفصل القضاء. والمعنى أنها أشرقت بنور خلقه الله تعالى، فأضاف النور إليه على حد إضافة الملك إلى المالك. وقيل: إنه اليوم الذي يقضى فيه بين خلقه، لأنه نهار لا ليل معه. وقرا ابن عباس وعبيد بن عمير" وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ" على ما لم يسم فاعله وهى قراءة على التفسير، وقد ضل قوم هاهنا فتوهما أن الله عز وجل من جنس النور والضياء المحسوس، وهو متعال عن (مشابهة) «1» المحسوسات، بل هو منور السموات والأرض، فمنه كل نور خلقا وإنشاء. وقال أبو جعفر النحاس: وقوله عز وجل: وقال أبو جعفر النحاس: وقوله عز وجل:" وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها" يبين هذا الحديث المرفوع من طرق كثيرة صحاح" تنظرون إلى الله عز وجل لا تضامون في رؤيت" وهو يروى على أربعة أوجه: لا تضامون ولا تضارون ولا تضامون ولا تضارون، فمعنى" لا تضامون" لا يلحقكم ضيم كما يلحقكم في الدنيا في النظر إلى الملوك. و" لا تضارون" لا يلحقكم ضير. و" لا تضامون" لا ينضم بعضكم إلى بعض ليسأله أن يريه. و(لا تضارون) لا يخالف بعضكم بعضا. يقال: ضاره مضارة وضرارا أي خالفه." قوله تعالى:" وَوُضِعَ الْكِتابُ" قال لابن عباس: يريد اللوح المحفوظ. وقال قتادة: يريد الكتاب والصحف التي فيها أعمال بني آدم، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله." وَجِي ءَ بِالنَّبِيِّينَ" أي جئ بهم فسألهم عما أجابتهم به أممهم." وَالشُّهَداءِ" الذين شهدوا على الأمم من أمة
__________ (1). في الأصول: مباينة المحسوسات وهو تحريف.

وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72)

محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما قال تعالى:" وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ" [البقرة: 143 وقيل: المراد بالشهداء الذي استشهدوا في سبيل الله، فيشهدون يوم القيامة لمن ذب عن دين الله، قاله السدي. قال ابن زيد: هم الحفظة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم. قال الله تعالى:" وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ" [ق: 21] فالسائق يسوقها إلى الحساب والشهيد يشهد عليها، وهو الملك الموكل بالإنسان على ما يأتي بيانه في [ق «1»]." وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ" أي بالصدق والعدل." وهم لا يظلمون" قال سعيد بن جبير: لا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم." ووفيت كل نفس ما عملت" من خير أو شر." وهم أعلم بما يفعلون" في الدنيا ولا حاجة به عز وجل إلى كتاب ولا إلى شاهد، ومع ذلك فتشهد الكتب، إلزاما للحجة.

[سورة الزمر (39): الآيات 71 الى 72]
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72)
قوله تعالى:" وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً" هذا بيان توفية كل نفس عملها، فيساق الكافر إلى النار والمؤمن إلى الجنة. والزمر: الجماعات واحدتها زمرة كظلمة وغرفة. وقال الأخفش وأبو عبيدة:" زُمَراً" جماعات متفرقة بعضها إثر بعض. قال الشاعر:
وترى الناس إلى منزله ... وزمرا تنتابه بعد زمر
وقال آخر:
حتى أحزأت ... وزمر بعد زمر
__________
(1). آية 21 من السورة المذكورة.

وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74) وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75)

وقيل: دفعا وزجرا بصوت كصوت المزمار." حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها" جواب إذا، وهي سبعة أبواب. وقد مضى في" الحجر" «1»." وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها" واحدهم خازن نحو سدنة وسادن،" يقولون لهم تقريعا وتوبيخا." أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ" يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ" أي الكتب المنزلة على الأنبياء." وَيُنْذِرُونَكُمْ" أي يخوفونكم" لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى " أي قد جاءتنا، وهذا اعتراف منهم بقيام الحجة عليهم" وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ" وهي قوله تعالى:" لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" [السجدة: 13]." قيل ادخلوا أبواب جهنم" أي يقال لهم ادخلوا جهنم. وقد مضى الكلام في أبوابها. قال وهب: تستقبلهم الزبانية بمقامع من نار فيدفعونهم بمقامعهم، فإنه ليقع في الدفعة الواحدة إلى النار بعدد ربيعة ومضر." فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ" تقدم بيانه «2».

[سورة الزمر (39): الآيات 73 الى 75]
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (73) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (74) وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (75)
قوله تعالى:" وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً" يعني من الشهداء والزهاد والعلماء والقراء وغيرهم، ممن اتقى الله تعالى وعمل بطاعته. وقال في حق الفريقين" وسيق" بلفظ واحد، فسوق أهل النار طردهم إليها بالخزي والهوان، كما يفعل بالأسارى والخارجين
__________
(1). راجع ج 10 ص 30 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.
(2). راجع ج 10 ص 100 طبعه أولى أو ثانيه.

على السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل، وسوق أهل الجنان سوق مراكبهم إلى دار الكرامة والرضوان، لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على بعض الملوك، فشتان ما بين السوقين." حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها" قيل: الواو هنا للعطف عطف على جملة والجواب محذوف. قال المبرد: أي سعدوا وفتحت، وحذف الجواب بليغ في كلام العرب. وأنشد «1»:
فلو أنها نفس تموت جميعه ... - ولكنها نفس تساقط أنفسا
فحذف جواب لو والتقدير لكان أروح. وقال الزجاج:" حَتَّى إِذا جاؤُها" دخلوها وهو قريب من الأول. وقيل: الواو زائدة. قال الكوفيون وهو خطأ عند البصريين. وقد قيل: إن زيادة الواو دليل على أن الأبواب فتحت لهم قبل أن يأتوا لكرامتهم على الله تعالى، والتقدير حتى إذا جاءوها وأبوابها مفتحة، بدليل قوله:" جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ" [ص: 50] وحذف الواو في قصة أهل النار، لأنهم وقفوا على النار وفتحت بعد وقوفهم إذلالا وترويعا لهم. ذكره المهدوي وحكى معناه النحاس قبله. قال النحاس: فأما الحكمة في إثبات الواو في الثاني وحذفها من الأول، فقد تكلم فيه بعض أهل العلم بقول لا أعلم أنه سبقه إليه أحد، وهو أنه لما قال الله عز وجل في أهل النار:" حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها" دل بهذا على أنها كانت مغلقة ولما قال في أهل الجنة:" حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها" دل بهذا على أنها كانت مفتحة قبل أن يجيئوها، والله أعلم. وقيل: إنها واو الثمانية. وذلك من عادة قريش أنهم يعدون من الواحد فيقولون خمسة ستة سبعة وثمانية، فإذا بلغوا السبعة قالوا وثمانية. قاله أبو بكر بن عياش. قال الله تعالى:" سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ" [الحاقة: 7] وقال:" التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ" [التوبة: 112] ثم قال في الثامن:" وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ" [التوبة: 112] وقال:" وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ" [الكهف: 22] وقال" ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً" [التحريم: 5] وقد مضى القول في هذا في" براءة" «2» مستوفى وفي" الكهف" «3» أيضا.
__________
(1). البين لامرى القيس." وتموت جميعه" بمعنى أنه مريض فنفسه لا تخرج بمرة ولكنها تموت شيئا بعد شي وهو معنى تساط أنفسا.
(2). راجع ج 8 ص 271 طبعه أولى أو ثانيه.
(3). راجع ج 10 ص 382 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه. [.....]

قلت: وقد استدل بهذا من قال إن أبواب الجنة ثمانية، وذكروا حديث عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ- أو فيسبغ الوضوء «1»- ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" خرجه مسلم وغيره. وقد خرج الترمذي حديث عمر هذا وقال فيه:" فتح له من أبواب الجنة ثمانية أبواب يوم القيامة" بزيادة من وهو يدل على أن أبواب الجنة أكثر من ثمانية. وقد ذكرنا ذلك في كتاب التذكرة وانتهى عددها إلى ثلاثة عشر بابا، وذكر نا هناك عظم أبوابها وسعتها حسب ما ورد في الحديث من ذلك، فمن أراده وقف عليه هناك." وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها" قيل: الواو ملغاة تقديره حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها" قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ" أي في الدنيا. قال مجاهد: بطاعة الله. وقيل: بالعمل الصالح. حكاه النقاش والمعنى واحد. وقال مقاتل: إذا قطعوا جسر جهنم حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا وطيبوا قال لهم رضوان وأصحابه:" سَلامٌ عَلَيْكُمْ" بمعنى التحية" طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ". قلت: خرج البخاري حديث القنطرة هذا في جامعه من حديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا". وحكى النقاش: إن على باب الجنة شجرة ينبع من ساقها عينان يشرب المؤمنون من إحداهما فتطهر أجوافهم وذلك قوله تعالى:" وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً" [الإنسان: 21] ثم يغتسلون من الأخرى فتطيب أبشارهم فعندها يقول لهم خزنتها:" سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ" وهذا يروى معناه عن علي رضي الله عنه." وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ" أي إذا دخلوا الجنة
__________
(1). يبلغ الوضوء: يوصل الوضوء الى مواضعه، الى مواضعه فالوضوء. فيه مفتوح الواو. ومعنى يسبع الوضوء يكمله على الوجه المسنون، فالوضوء فيه مضموم الواو. (هامش مسلم).

قالوا هذا." وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ" أي أرض الجنة قيل: إنهم ورثوا الأرض التي كانت تكون لأهل النار لو كانوا مؤمنين، قاله أبو العالية وأبو صالح وقتادة والسدي وأكثر المفسرين وقيل: إنها أرض الدنيا على التقديم والتأخير." فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ" قيل: هو من قولهم أي نعم الثواب هذا. وقيل: هو من قول الله تعالى، أي نعم ثواب المحسنين هذا الذي أعطيتهم. قوله تعالى:" وَتَرَى الْمَلائِكَةَ" يا محمد" حَافِّينَ" أي محدقين" مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ" في ذلك اليوم" يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ" متلذذين بذلك لا متعبدين به أي يصلون حول العرش شكرا لربهم. والحافون أخذ من حنافات الشيء ونواحيه. قال الأخفش: واحدهم حاف. وقال الفراء: لا واحد له إذ لا يقع لهم الاسم الا مجتمعين. ودخلت" من" على" حول" لأنه ظرف والفعل يتعدى الى الظرف بحرف وبغير حرف. وقال الأخفش:" من" زائده أي حافين حول العرش. وهو كقولك: ما جاءني من أحد، فمن توكيد. الثعلبي: والعرب تدخل الباء أحيانا في التسبيح وتحذفها أحيانا، فيقولون: سبح بحمد ربك وسبح حمد الله قال الله تعالى:" سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى" وقال" فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ"." وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ" بين أهل الجنة والنار. وقيل: قضى بين النبيين الذين جئ بهم مع الشهداء وبين أممهم بالحق والعدل." وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" أي يقول المؤمنون الحمد لله على ما أثابنا من نعمه وإحسانه ونصرنا على من ظلمنا. وقال قتادة في هذه الآية: افتتح الله أول الخلق بالحمد لله فقال:" وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" فلزم الاقتداء به، والأخذ في ابتداء كل أمر بحمده وخاتمته بحمده. وقيل: إن قول" الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" من قول الملائكة فعلى هذا يكون حمدهم لله تعالى على عدله وقضائه. وروي من حديث ابن عمر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرأ على المنبر آخر سورة" الزمر" فتحرك المنبر مرتين. تم تفسير سورة" الزمر"

[تفسير سورة غافر]
تفسير سورة غافر وهي سورة المؤمن، وتسمى سورة الطول وهي مكية في قول الحسن وعطاء وعكرمة وجابر. وعن الحسن إلا قوله:" وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ" [غافر: 55] لأن الصلوات نزلت بالمدينة. وقال ابن عباس وقتادة: إلا آيتين منها نزلتا بالمدينة وهما" إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ" [غافر: 56] والتي بعدها. وهي خمس وثمانون آية. وفي مسند الدارمي قال: حدثنا جعفر بن عون عن مسعر عن سعد بن إبراهيم قال: كن الحواميم يسمين العرائس. وروي من حديث أنس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" الحواميم ديباج القرآن" وروي عن ابن مسعود مثله. وقال الجوهري وأبو عبيدة: وآل حم سور في القرآن. قال ابن مسعود: آل حم ديباج القرآن. قال الفراء: إنما هو كقولك آل فلان وآل فلان كأنه نسب السورة كلها إلى حم، قال الكميت:
وجدنا لكم في آل حاميم آية ... - تأولها منا تقي ومعزب «1»
قال أبو عبيدة: هكذا رواها الأموي بالزاي، وكان أبو عمرو يرويها بالراء. فأما قول العامة الحواميم فليس من كلام العرب. وقال أبو عبيدة: الحواميم سور في القرآن على غير قياس، وأنشد
وبالحواميم التي قد سبغت «2»

قال: والأولى أن تجمع بذوات حم. وروي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" لكل شي ثمرة وإن ثمرة القرآن ذوات حم هن روضا ت حسان مخصبات متجاورات فمن أحب أن يرتع في رياض الجنة فليقرأ الحواميم". وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" مثل الحواميم في القرآن كمثل الحبرات في الثياب" ذكرهما الثعلبي. وقال أبو عبيد: وحدثني حجاج بن محمد عن أبي معشر عن محمد بن قيس قال: رأى رجل سبع جوار حسان مزينات في النوم فقال لمن أنتن بارك الله فيكن فقلن نحن لمن قرأنا نحن الحواميم.
__________
(1). الآية التي ذكرها هي قوله تعالى" قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى " يقول الشاعر: من تأول هذه الآية لم يسعه الا التشيع لال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بنى هاشم، وإبداء. المودة. وتقى: ساكت عنه للتقية. ويروى: تقى معرب، كمكلم أي مبين لما في نفسه.
(2). صدره:
وبالطواسين التي قد ثلثت.

حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (4)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة غافر (40): الآيات 1 الى 4]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (4)
قوله تعالى:" حم" اختلف في معناه، فقال عكرمة: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" حم" اسم من أسماء الله تعالى وهي مفاتيح خزائن ربك" قال ابن عباس:" حم" اسم الله الأعظم. وعنه:" الر" و" حم" و" ن" حروف الرحمن مقطعة. وعنه أيضا: اسم من أسماء الله تعالى أقسم به. وقال قتادة: إنه اسم من أسماء القرآن. مجاهد: فواتح السور. وقال عطاء الخراساني: الحاء افتتاح اسمه حميد وحنان وحليم وحكيم، والميم افتتاح اسمه ملك ومجيد ومنان ومتكبر ومصور، يدل عليه ما روى أنس أن أعرابيا سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما" حم" فإنا لا نعرفها في لساننا؟ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" بدء أسماء وفواتح سور" وقال الضحاك والكسائي: معناه قضي ما هو كائن. كأنه أراد الإشارة إلى تهجى" حم"، لأنها تصير حم بضم الحاء وتشديد الميم، أي قضي ووقع. وقال كعب بن مالك:
فلما تلاقيناهم ودارت بنا الرحى ... - وليس لأمر حمه الله مدفع
وعنه أيضا: إن المعنى حم أمر الله أي قرب، كما قال الشاعر:
قد حم يومي فسر قوم ... - قوم بهم غفلة ونوم
ومنه سميت الحمى، لأنها تقرب من المنية. والمعنى المراد قرب نصره لأوليائه، وانتقامه من أعدائه كيوم بدر. وقيل: حروف هجاء، قال الجرمي: ولهذا تقرأ ساكنة الحروف

فخرجت مخرج التهجي وإذا سميت سورة بشيء من هذه الحروف أعربت، فتقول: قرأت" حم" فتنصب، وقال الشاعر «1»:
يذكرني حاميم والرمح شاجر فهلا ... - تلا حاميم قبل التقدم
وقرا عيسى بن عمر الثقفي:" حم" بفتح الميم على معنى اقرأ حم أو لالتقاء الساكنين. ابن أبي إسحاق وأبو السمال بكسرها. والإمالة والكسر للالتقاء الساكنين، أو على وجه القسم. وقرا أبو جعفر بقطع الحاء من الميم. الباقون بالوصل. وكذلك في" حم. عسق". وقرا أبو عمرو وأبو بكر وحمزة والكسائي وخلف وابن ذكوان بالإمالة في الحاء. وروي عن أبي عمرو بين اللفظين وهي قراءة نافع وأبي جعفر وشيبة. الباقون بالفتح مشبعا. قوله تعالى:" تَنْزِيلُ الْكِتابِ" ابتداء والخبر" مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ". ويجوز أن يكون" تَنْزِيلُ" خبرا لمبتدإ محذوف، أي هذا" تَنْزِيلُ الْكِتابِ". ويجوز أن يكون" حم" مبتدأ و" تنزيل" خبره والمعنى: أن القرآن أنزله الله وليس منقولا ولا مما يجوز أن يكذب به. قوله تعالى:" غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ" قال الفراء: جعلها كالنعت للمعرفة وهي نكرة. وقال الزجاج: هي خفض على البدل. النحاس: وتحقيق الكلام في هذا وتلخيصه أن" غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ" يجوز أن يكونا معرفتين على أنهما لما مضى فيكونا نعتين، ويجوز أن يكونا للمستقبل والحال فيكونا نكرتين ولا يجوز أن يكونا نعتين على هذا ولكن يكون خفضهما على البدل، ويجوز النصب على الحال، فأما" شَدِيدِ الْعِقابِ" فهو نكره ويكون خفضه على البدل. قال ابن عباس:" غافِرِ الذَّنْبِ" لمن قال:" لا إله إلا الله"" وَقابِلِ التَّوْبِ" ممن قال:" لا إله إلا الله"" شَدِيدِ الْعِقابِ" لمن لم يقل:" لا إله إلا الله". وقال ثابت البناني: كنت إلى سرادق مصعب بن الزبير في مكان لا تمر فيه الدواب، قال: فاستفتحت" حم. تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ" فمر علي رجل على دابة فلما قلت" غافِرِ الذَّنْبِ" قال: قل يا غافِرِ الذَّنْبِ اغفر لي ذنبي، فلما قلت:" قابِلِ التَّوْبِ" قال:
__________
(1). قائله شريح بن أوفى العبسي- وقيل هو للأشتر النخعي.

قل يا قابل التوب تقبل توبتي، فلما قلت:" شَدِيدِ الْعِقابِ" قال: قل يا شديد العقاب اعف عني، فلما قلت:" ذِي الطَّوْلِ" قال: قل يا ذا الطول طل علي بخير، فقمت إليه فأخذ ببصري، فالتفت يمينا وشمالا فلم أر شيئا. وقال أهل الإشارة:" غافِرِ الذَّنْبِ" فضلا" وقابِلِ التَّوْبِ" وعدا" شَدِيدِ الْعِقابِ" عدلا" لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ" فردا. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه افتقد رجلا ذا بأس شديد من أهل الشام، فقيل له: تتابع في هذا الشراب، فقال عمر لكاتبه: اكتب من عمر إلى فلان، سلام عليك، وأنا أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو:" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ" ثم ختم الكتاب وقال لرسوله: لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيا، ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة، فلما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول: قد وعدني الله أن يغفر لي، وحذرني عقابه، فلم يبرح يرددها حتى بكى ثم نزع فأحسن النزع وحسنت توبته. فلما بلغ عمر أمره قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أحدكم قد زل زلة فسددوه وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشياطين عليه. و" التَّوْبِ" يجوز أن يكون مصدر تاب يتوب توبا، ويحتمل أن يكون جمع توبة نحو دومة ودوم وعزمة وعزم، ومنه قوله «1»:
فيخبو ساعة ويهب ساعا

ويجوز أن يكون التوب بمعنى التوبة. قال أبو العباس: والذي يسبق إلى قلبي أن يكون مصدرا، أي يقبل هذا الفعل، كما تقول قالا قولا، وإذا كان جمعا فمعناه يقبل التوبات." ذِي الطَّوْلِ" على البدل وعلى النعت، لأنه معرفة. واصل الطول الإنعام والفضل يقال منه: اللهم طل علينا أي أنعم وتفضل. قال ابن عباس:" ذِي الطَّوْلِ" ذي النعم. وقال مجاهد: ذي الغنى والسعة، ومنه قوله تعالى:" وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا" [النساء: 25] أي غنى وسعة. وعن ابن عباس أيضا:" ذِي الطَّوْلِ" ذي الغنى عمن لا يقول لا إله إلا الله. وقال عكرمة:
__________
(1). قائله القطامي وصدره:
وكنا كالحريق أصاب غابا

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (5) وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (6) الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)

" ذِي الطَّوْلِ" ذي المن. قال الجوهري: والطول بالفتح المن، يقال منه طال عليه وتطول عليه إذا امتن عليه. وقال محمد بن كعب:" ذِي الطَّوْلِ" ذي التفضل، قال الماوردي: والفرق بين المن والتفضل أن المن عفو عن ذنب. والتفضل إحسان غير مستحق. والطول مأخوذ من الطول كأنه طال بإنعامه على غيره. وقيل: لأنه طالت مدة إنعامه." لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ" أي المرجع. قوله تعالى:" ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا" سجل سبحانه على المجادلين في آيات الله بالكفر، والمراد الجدال بالباطل، من الطعن فيها، والقصد إلى إدحاض الحق، وإطفاء نور الله تعالى. وقد دل على ذلك في قوله تعالى:" وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ". [غافر: 5]. فأما الجدال فيها لإيضاح ملتبسها، وحل مشكلها، ومقادحة أهل العلم في استنباط معانيها، ورد أهل الزيغ بها وعنها، فأعظم جهاد في سبيل الله. وقد مضى هذا المعنى في [البقرة] عند قوله تعالى:" أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ" «1» [البقرة: 258] مستوفى." فَلا يَغْرُرْكَ" وقرى:" فلا يغرك"" تَقَلُّبُهُمْ" أي تصرفهم" فِي الْبِلادِ" فإني إن أمهلتهم لا أهملهم بل أعاقبهم. قال ابن عباس: يريد تجارتهم من مكة إلى الشام وإلى اليمن. وقيل:" فَلا يَغْرُرْكَ" ما هم فيه من الخير والسعة في الرزق فإنه متاع قليل في الدنيا. وقال الزجاج:" فَلا يَغْرُرْكَ" سلامتهم بعد كفرهم فإن عاقبتهم الهلاك. وقال أبو العالية: آيتان ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن: قوله:" ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا"، وقوله:" وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ" [البقرة: 176].

[سورة غافر (40): الآيات 5 الى 9]
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (5) وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ (6) الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)
__________
(1). راجع ج 3 ص 283 وما بعد طبعة أولى أو ثانية

قوله تعالى:" كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ" على تأنيث الجماعة أي كذبت الرسل." وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ" أي والأمم الذين تحزبوا عل أنبيائهم بالتكذيب نحو عاد وثمود فمن بعدهم." وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ" أي ليحبسوه ويعذبوه وقال قتادة والسدي: ليقتلوه. والأخذ يرد بمعنى الإهلاك، كقوله:" ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ" [الحج: 44]. والعرب تسمي الأسير الأخيذ، لأنه مأسور للقتل، وأنشد قطرب قول الشاعر:
فإما تأخذوني تقتلوني ... - فكم من آخذ يهوى خلودي «1»
وفي وقت أخذهم لرسولهم قولان: أحدهما عند دعائه لهم. الثاني عند نزول العذاب بهم." وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ" أي ليزيلوا. ومنه مكان دحض أي مزلقة، والباطل داحض، لأنه يزلق ويزل فلا يستقر. قال يحيى بن سلام: جادلوا الأنبياء بالشرك ليبطلوا به الإيمان." فَأَخَذْتُهُمْ" أي بالعذاب." فَكَيْفَ كانَ عِقابِ" أي عاقبة الأمم المكذبة. أي أليس وجدوه حقا. قوله تعالى:" وَكَذلِكَ حَقَّتْ" أي وجبت ولزمت، مأخوذ من الحق لأنه اللازم." كَلِمَةُ رَبِّكَ" هذه قراءة العامة على التوحيد. وقرا نافع وابن عامر:" كلمات" جمعا.
__________
(1). في تفسير السمين:
وكم من واحد يهوى خلودي

" عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ" قال الأخفش: أي لأنهم وبأنهم. قال الزجاج: ويجوز إنهم بكسر الهمزة." أَصْحابُ النَّارِ" أي المعذبون بها وتم الكلام. ثم ابتدأ فقال:" الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا" ويروى: أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورءوسهم قد خرقت العرش، وهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وهم أشراف الملائكة وأفضلهم. ففي الحديث:" الله تبارك وتعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلا لهم على سائر الملائكة". ويقال: خلق الله العرش من جوهرة خضراء، وبين القائمتين من قوامه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام. وقيل: حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون به مهللين مكبرين، ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام، قد وضعوا أيديهم على عواتقهم، ورافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير، ومن ورائهم مائة ألف صف، وقد وضعوا الإيمان على الشمائل، ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر. وقرا ابن عباس:" العرش" بضم العين، ذكر جميعه الزمخشري رحمه الله. وقيل: اتصل هذا بذكر الكفار، لأن المعنى والله أعلم-" الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ" ينزهون الله عز وجل عما يقوله الكفار" وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا" أي يسألون لهم المغفرة من الله تعالى. وأقاويل أهل التفسير على أن العرش هو السرير، وأنه جسم مجسم خلقه الله عز وجل، وأمر ملائكة بحمله، وتعبدهم بتعظيمه والطواف به، كما خلق في الأرض بيتا وأمر بني آدم بالطواف به واستقباله في الصلاة. وروى ابن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسير سبعمائة عام) ذكره البيهقي وقد مضى في" البقرة" «1» في آية الكرسي عظم العرش وأنه أعظم المخلوقات. وروى ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن كعب الأحبار أنه قال: لما خلق الله تعالى العرش قال: لن يخلق الله خلقا أعظم مني، فاهتز فطوقه الله بحية، للحية
__________
(1). راجع ج 3 ص 276 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.

سبعون ألف جناح، في الجناح سبعون ألف ريشة، في كل ريشة سبعون ألف وجه، في كل وجه سبعون ألف فم، في كل فم سبعون ألف لسان. يخرج من أفواهها في كل يوم من التسبيح عدد قطر المطر، وعدد ورق الشجر، وعدد الحصى والثرى، وعدد أيام الدنيا وعدد الملائكة أجمعين، فالتوت الحية بالعرش، فالعرش إلى نصف الحية وهي ملتوية به «1». وقال مجاهد: بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب، حجاب نور وحجاب ظلمة، وحجاب نور وحجاب ظلمة." رَبَّنا" أي يقولون" رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً" أي وسعت رحمتك وعلمك كل شي فلما نقل الفعل عن الرحمة والعلم نصب على التفسير" فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا" أي من الشرك والمعاصي" وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ" أي دين الإسلام" وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ" أي اصرفه عنهم حتى لا يصل إليهم. قال ابراهيم نخعي: كان أصحاب عبد الله يقولون الملائكة خير ن ابن الكواء هم يستغفرون لمن في الأرض وابن الكواء يشهد عليهم بالكفر. قال ابراهيم: وكانوا يقولون لا يحجبون الاستغفار عن أحد من أهل القبلة. وقال مطرف بن عبد الله: وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشيطان وتلا هذه الآية. وقال يحيى بن معاذ الرازي لأصحابه في هذه الآية: افهموها فما في العالم جنة أرجى منها ان ملكا واحدا لو سأل الله أن يغفر لجميع المؤمنين لغفر لهم، كيف وجميع الملائكة وحملة العرش يستغفرون للمؤمنين. وقال خلف بن هشام البزاز القاري. كنت أقرأ على سليم بن عيسى فلما بلغت" وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا" بكى ثم قال: يا خلف ما أكرم المؤمن على الله نائما على فراشه والملائكة يستغفرون له. قوله تعالى:" رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ" يروى أن عمر بن الخطاب قال لكعب الأحبار: ما جنات عدن. قال: قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيون والصديقون والشهداء وأئمة العدل." الَّتِي وَعَدْتَهُمْ"" التي" في محل نصب نعتا للجنات." وَمَنْ صَلَحَ"" من" في محل نصب عطفا على الهاء والميم في قوله" وَأَدْخِلْهُمْ"." وَمَنْ صَلَحَ" بالإيمان
__________
(1). هذه الخبر وأشباهه من الإسرائيليات التي يحشرها أهل القصص وليس مما يصح.

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12)

" مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ" وقد مضى في" الرعد" «1» نظير هذه الآية. قال سعيد بن جبير: يدخل الرجل الجنة، فيقول: يا رب أين أبي وجدي وأمي؟ وأين ولدي وولد ولدي؟ وأين زوجاتي؟ فيقال إنهم لم يعملوا كعملك، فيقول: يا رب كنت أعمل لي ولهم، فيقال أدخلوهم الجنة. ثم تلا:" الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ" إلى قوله:" وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ". ويقرب من هذه الآية قوله:" وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ" [الطور: 21]. قوله تعالى:" وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ" قال قتادة: أي وقهم ما يسوءهم، وقيل: التقدير وقهم عذاب السيئات وهو أمر «2» من وقاه الله يقيه وقاية بالكسر، أي حفظه." وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ" أي بدخول الجنة" وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" أي النجاة الكبيرة.

[سورة غافر (40): الآيات 10 الى 12]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (10) قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11) ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12)
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ" قال الأخفش:" لَمَقْتُ" هذه لام الابتداء وقعت بعد" يُنادَوْنَ" لأن معناه يقال لهم والنداء قول. وقال غيره: المعنى يقال لهم:" لَمَقْتُ اللَّهِ" إياكم في الدنيا" إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ" أكبر" من مقت بعضكم بعضا يوم القيامة، لأن بعضهم عادى بعضا ومقته يوم القيامة، فأذعنوا عند ذلك، وخضعوا وطلبوا الخروج من النار. وقال الكلبي: يقول كل إنسان من أهل النار لنفسه مقتك يا نفس، فتقول الملائكة لهم وهم في النار: لمقت الله
__________
(1). راجع ج 9 ص 312 طبعه أولى أو ثانيه.
(2). بل هو دعاء لأنه من الخلق الى الخالق.

إياكم إذ أنتم في الدنيا وقد بعث إليكم الرسل فلم تؤمنوا أشد من مقتكم أنفسكم اليوم. وقال الحسن: يعطون كتابهم فإذا نظروا إلى سيئاتهم مقتوا أنفسهم فينادون" لَمَقْتُ اللَّهِ" إياكم في الدنيا" إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ"" أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ" اليوم. وقال معناه مجاهد. وقال قتادة: المعنى" لَمَقْتُ اللَّهِ" لكم" إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ"" أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ" إذ عاينتم النار. فإن قيل: كيف يصح أن يمقتوا أنفسهم؟ ففيه وجهان: أحدهما أنهم أحلوها بالذنوب محل الممقوت. الثاني أنهم لما صاروا إلى حال زال عنهم الهوى، وعلموا أن نفوسهم هي التي أبقتهم في المعاصي مقتوها. وقال محمد بن كعب القرظي: إن أهل النار لما يئسوا مما عند الخزنة وقال لهم مالك:" إِنَّكُمْ ماكِثُونَ" على ما يأتي. قال بعضهم لبعض: يا هؤلاء إنه قد نزل بكم من العذاب والبلاء ما قد ترون، فهلم فلنصبر فلعل الصبر ينفعنا، كما صبر أهل الطاعة على طاعة الله فنفعهم الصبر إذ صبروا، فأجمعوا رأيهم على الصبر فصبروا فطال صبرهم، ثم جزعوا فنادوا" سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ" [إبراهيم: 21] أي من ملجأ، فقال إبليس عند ذلك:" إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ" [إبراهيم: 22] إلى قوله:" ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ" [إبراهيم: 22] يقول: بمغن عنكم شيئا" إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ" [إبراهيم: 22] فلما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم. قال: فنودوا" لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ" إلى قوله:" فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ" قال فرد عليهم:" ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ" ذكره ابن المبارك. قوله تعالى:" قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ" اختلف أهل التأويل في معنى قولهم:" أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ" فقال ابن مسعود وابن عباس وقتادة والضحاك: كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم، ثم أحياهم ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها في الدنيا، ثم أحياهم للبعث والقيامة، فهاتان حياتان موتتان، وهو قوله تعالى:" كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ" [البقرة: 28]. وقال السدي: أميتوا في الدنيا ثم أحياهم في القبور للمسألة، ثم أميتوا ثم أحيوا في الآخرة. وإنما صار إلى هذا، لأن لفظ الميت لا ينطلق في العرف على

هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (13) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14) رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17)

النطفة. واستدل العلماء من هذا في إثبات سؤال القبر، ولو كان الثواب والعقاب للروح دون الجسد فما معنى الإحياء والإماتة؟ والروح عند من يقصر أحكام الآخرة على الأرواح لا تموت ولا تتغير ولا تفسد، وهو حي لنفسه لا يتطرق إليه موت ولا غشية ولا فناء. وقال ابن زيد في قوله:" رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ ..." الآية قال: خلقهم في ظهر آدم وأخرجهم وأحياهم واخذ عليهم الميثاق، ثم أماتهم ثم أحياهم في الدنيا ثم أماتهم. وقد مضى هذا في" البقرة" «1»." فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا" اعترفوا حيث لا ينفعهم الاعتراف وندموا حيث لا ينفعهم الندم." فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ" أي هل نرد إلى الدنيا لنعمل بطاعتك، نظيره:" هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ" [الشورى: 44] وقوله:" فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً" [السجدة: 12] وقوله:" يا لَيْتَنا نُرَدُّ" [الأنعام: 27] الآية. قوله تعالى:" ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ"" ذلِكُمْ" في موضع رفع أي الأمر" ذلكم" أو" ذلكم" العذاب الذي أنتم فيه بكفركم. وفي الكلام متروك تقديره فأجيبوا بأن لا سبيل إلى الرد. وذلك لأنكم" إِذا دُعِيَ اللَّهُ" أي وحد الله" وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ" وأنكرتم أن تكون الألوهية له خاصة، وإن أشرك به مشرك صدقتموه وآمنتم بقوله. قال الثعلبي: وسمعت بعض العلماء يقول:" وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ" بعد الرد إلى الدنيا لو كان به" تُؤْمِنُوا" تصدقوا المشرك، نظيره:" وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ"" فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ" عن أن تكون له صاحبة أو ولد.

[سورة غافر (40): الآيات 13 الى 17]
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ (13) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (14) رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (15) يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (16) الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (17)
__________
(1). راجع ج 1 ص 249 طبعة ثانية أو ثالثة

قوله تعالى:" هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ" أي دلائل توحيده وقدرته" وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً" جمع بين إظهار الآيات وإنزال الرزق، لأن بالآيات قوام الأبدان، وبالرزق قوام الأبدان. وهذه الآيات هي السموات والأرضون وما فيهما وما بينهما من الشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والبخار والأنهار والعيون والجبال والأشجار وآثار قوم هلكوا." وَما يَتَذَكَّرُ" أي ما يتعظ بهذه الآيات فيوحد الله" إِلَّا مَنْ يُنِيبُ" أي يرجع إلى طاعة الله." فَادْعُوا اللَّهَ" أي اعبدوه" مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ" أي العبادة. وقيل: الطاعة." وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ" عبادة الله فلا تعبدوا أنتم غيره. قوله تعالى:" رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ"" ذو العرش" على إضمار مبتدأ. قال الأخفش: ويجوز نصبه على المدح. ومعنى" رَفِيعُ الدَّرَجاتِ" أي رفيع الصفات. وقال ابن عباس والكلبي وسعيد بن جبير: رفيع السموات السبع. وقال يحيى بن سلام: هو رفعة درجة أوليائه في الجنة ف" رَفِيعُ" على هذا بمعنى رافع فعيل بمعنى فاعل. وهو على القول الأول من صفات الذات، ومعناه الذي لا أرفع قدرا منه، وهو المستحق لدرجات المدح والثناء، وهي أصنافها وأبوابها لا مستحق لها غيره قال الحليمي. وقد ذكرناه في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى والحمد لله." ذُو الْعَرْشِ" أي خالقه ومالكه لا أنه محتاج إليه. وقيل: هو من قولهم: ثل عرش فلان أي زال ملكه وعزه، فهو سبحانه" ذُو الْعَرْشِ" بمعنى ثبوت ملكه وسلطانه وقد بيناه في الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى." يُلْقِي الرُّوحَ" أي الوحي والنبوة" عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ" وسمي ذلك روحا لأن الناس يحيون به، أي يحيون من موت الكفر كما تحيا الأبدان بالأرواح. وقال ابن زيد: الروح القرآن، قال الله قوله تعالى:" رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ"" ذو العرش" على إضمار مبتدا. قال الأخفش: ويجوز نصبه على المدح. ومعنى" رَفِيعُ الدَّرَجاتِ" أي رفيع الصفات. وقال ابن عباس والكلبي وسعيد بك جبير: رفيع السموات السبع. وقال يحيى بن سلام: هو رفعة درجة أوليائه في الجنة ف" رَفِيعُ" على هذا بمعنى رافع فعيل بمعنى فاعل. وهو على القول الأول من صفات الذات، ومعناه الذي لا أرفع قدرا منه، وهو المستحق لدرجات المدح والثناء وهى أصنافها وأبوابها لا مستحق لها غيره قاله الحليمي. وقد ذكرناه في" الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى" والحمد لله." ذُو الْعَرْشِ" أي خالقه ومالكه لا أنه محتاج إليه. وقيل: هو من قولهم ثل عرش فلان أي زال ملكه وعزه فهو سبحانه" ذُو الْعَرْشِ" بمعنى ثبوت ملكه وسلطانه وقد بيناه في" الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى"" يُلْقِي الرُّوحَ" أي الوحى والنبوة" عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ" وسمي ذلك روحا لان الناس يحيون بها، أي يحيون من موت الكفر كما تحيا الأبدان بالأرواح. وقال ابن زيد: الروح القرآن، قال الله تعالى:" وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا" وقيل" الروح جبرئيل، قال الله تعالى" نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ" وقال:" قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ"." مِنْ أَمْرِهِ" أي من قوله. وقيل: من قضائه. وقيل:" مِنْ" بمعنى الباء أي بأمره." على من يشاء من عباده" وهم الأنبياء يشاء هو أن يكونوا أنبياء وليس لأحد فيهم مشيئة.

" لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ" أي إنما يبعث الرسول لإنذار يوم البعث. فقوله:" لِيُنْذِرَ" يرجع إلى الرسول. وقيل: لينذر الله ببعثه الرسل إلى الخلائق" يَوْمَ التَّلاقِ". وقرا ابن عباس والحسن وابن السميقع" لتنذر" بالتاء خطابا للنبي عليه السلام." يَوْمَ التَّلاقِ" قال ابن عباس وقتادة: يوم تلتقي أهل السماء واهل الأرض. وقال قتادة أيضا وأبو العالية ومقاتل: يلتقي فيه الخلق والخالق. وقيل: العابدون والمعبودون. وقيل: الظالم والمظلوم. وقيل: يلقى كل إنسان جزاء عمله. وقيل: يلتقي الأولون والآخرون على صعيد واحد، روي معناه عن ابن عباس. وكله صحيح المعنى." يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ" يكون بدلا من يوم الأول. وقيل:" هُمْ" في موضع رفع بالابتداء و" بارِزُونَ" خبره والجملة في موضع خفض بالإضافة، فلذلك حذف التنوين من" يوم" وإنما يكون هذا عند سيبويه إذا كان الظرف بمعنى إذ، تقول لقيتك يوم زيد أمير. فإن كان بمعنى إذا لم يجز نحو أنا ألقاك يوم زيد أمير. ومعنى:" بارِزُونَ" خارجون من قبورهم لا يسترهم شي، لأن
الأرض يومئذ قاع صفصف لا عوج فيها ولا أمتا على ما تقدم في" طه"»
بيانه." لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ قيل: إن هذا هو العامل في" يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ" أي لا يخفى عليه شي منهم ومن أعمالهم" يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ"." لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ" وذلك عند فناء الخلق. وقال الحسن: هو السائل تعالى وهو المجيب، لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه فيجيب نفسه سبحانه فيقول:" لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ". النحاس: وأصح ما قيل فيه ما رواه أبو وائل عن ابن مسعود قال: يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله جل وعز عليها، فيؤمر مناد ينادي" لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ" فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم" لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ" فيقول المؤمنون هذا الجواب" سرورا وتلذذا، ويقوله الكافرون غما وانقيادا وخضوعا. فأما أن يكون هذا والخلق غير موجودين فبعيد، لأنه لا فائدة فيه، والقول صحيح عن ابن مسعود وليس هو مما يؤخذ بالقياس ولا بالتأويل.
__________
(1). راجع ج 11 ص 246 طبعه أولى أو ثانية.

وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (20) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (22)

قلت: والقول الأول ظاهر جدا، لأن المقصود إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعاوي المدعين وانتساب المنتسبين، إذ قد ذهب كل ملك وملكه ومتكبر وملكه وانقطعت نسبهم ودعاويهم، ودل على هذا قوله الحق عند قبض الأرض والأرواح وطي السماء:" أنا الملك أين ملوك الأرض" كما تقدم في حديث أبي هريرة وفي حديث ابن عمر، ثم يطوي الأرض بشماله والسموات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون. وعنه قوله سبحانه:" لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ" هو انقطاع زمن الدنيا وبعده يكون البعث والنشر. قال محمد بن كعب قوله سبحانه:" لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ" يكون بين النفختين حين فني الخلق وبقي الخالق فلا يرى غير نفسه مالكا ولا مملوكا فيقول:" لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ" فلا يجيبه أحد، لأن الخلق أموات فيجيب نفسه فيقول:" لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ" لأنه بقي وحده وقهر خلقه. وقيل: إنه ينادي مناد فيقول:" لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ" فيجيبه أهل الجنة:" لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ" فالله أعلم. ذكره الزمخشري. قوله تعالى:" الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ" أي يقال لهم إذا أقروا بالملك يومئذ لله وحده" الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ" من خير أو شر." لا ظُلْمَ الْيَوْمَ" أي لا ينقص أحد شيئا مما عمله." إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ" أي لا يحتاج إلى تفكر وعقد يد كما يفعله الحساب، لأنه العالم الذي لا يعزب عن علمه شي فلا يؤخر جزاء أحد للاشتغال بغيره، وكما يرزقهم في ساعة واحدة يحاسبهم كذلك في ساعة واحدة. وقد مضى هذا المعنى في" البقرة" «1». وفي الخبر: ولا ينتصف النهار حتى يقيل أهل الجنة في الجنة واهل النار في النار.

[سورة غافر (40): الآيات 18 الى 22]
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (18) يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (19) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْ ءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (20) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (21) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (22)
__________
(1). راجع ج 2 ص 435 طبعه ثانيه. [.....]

قوله تعالى:" وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ" أي يوم القيامة. سميت بذلك لأنها قريبة، إذ كل ما هو آت قريب. وأزف فلان أي قرب يأزف أزفا، قال النابغة:
أزف الترحل غير أن ركابنا ... - لما تزبر حالنا وكان قد
أي قرب. ونظير هذه الآية:" أَزِفَتِ الْآزِفَةُ" «1» [النجم: 57] أي قربت الساعة. وكان بعضهم يتمثل ويقول:
أزف الرحيل وليس لي من زاد غير ... - الذنوب لشقوتي ونكادي
" إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ" على الحال وهو محمول على المعنى. قال الزجاج: المعنى إذ قلوب الناس" لَدَى الْحَناجِرِ" في حال كظمهم. وأجاز الفراء أن يكون التقدير" وَأَنْذِرْهُمْ" كاظمين. وأجاز رفع" كاظمين" على أنه خبر للقلوب. وقال: المعنى إذ هم كاظمون. وقال الكسائي: يجوز رفع" كاظمين" على الابتداء. وقد قيل: إن المراد ب" يَوْمَ الْآزِفَةِ" يوم حضور المنية، قاله قطرب. وكذا" إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ" عند حضور المنية. والأول أظهر. وقال قتادة: وقعت في الحناجر المخافة فهي لا تخرج ولا تعود في أمكنتها، وهذا لا يكون إلا يوم القيامة كما قال:" وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ". وقيل: هذا إخبار عن نهاية الجزع، كما قال:" وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ" وأضيف اليوم إلى" الْآزِفَةِ" على تقدير يوم القيامة" الْآزِفَةِ" أو يوم المجادلة" الْآزِفَةِ". وعند الكوفيين هو من باب إضافة الشيء إلى
__________
(1). آية 57 من سورة النجم.

نفسه مثل مسجد الجامع وصلاة الأولى." ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ" أي من قريب ينفع" وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ" فيشفع فيهم. قوله تعالى:" يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ" قال المؤرج: فيه تقديم وتأخير أي يعلم الأعين الخائنة وقال ابن عباس: هو الرجل يكون جالسا مع القوم فتمر المرأة فيسارقهم النظر إليها. وعنه: هو الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره، فإذا رأى منهم غفلة تدسس بالنظر، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره، وقد علم الله عز وجل منه أنه يود لو نظر إلى عورتها. وقال مجاهد هي مسارقة نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه. وقال قتادة: هي الهمزة بعينه وإغماضه فيما لا يحب الله تعالى. وقال الضحاك: هي قول الإنسان ما رأيت وقد رأى أو رأيت وما رأى. وقال السدي: إنها الرمز بالعين. وقال سفيان: هي النظرة بعد النظرة. وقال الفراء:" خائِنَةَ الْأَعْيُنِ" النظرة الثانية" وَما تُخْفِي الصُّدُورُ" النظرة الأولى. وقال ابن عباس:" وَما تُخْفِي الصُّدُورُ" أي هل يزني بها لو خلا بها أو لا. وقيل:" وَما تُخْفِي الصُّدُورُ" تكنه وتضمره. ولما جئ بعبد الله بن «1» أبي سرح إلى رسول الله لي الله عليه وسلم، بعد ما اطمأن أهل مكة وطلب له الأمان عثمان رضي الله عنه، صمت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طويلا ثم قال:" نعم" فلما انصرف قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن حوله:" ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه" فقال رجل من الأنصار فهلا أومأت إلي يا رسول الله، فقال:" إن النبي لا تكون له خائنة أعين"." والله يقضى بالحق" أي يجازي من غض بصره عن المحارم، ومن نظر إليها، ومن عزم على مواقعة الفواحش إذا قدر عليها." وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ" يعني الأوثان" لا يَقْضُونَ بِشَيْ ءٍ" لأنها لا تعلم شيئا ولا تقدر عليه ولا تملك. وقراءة العامة بالياء على الخبر عن الظالمين وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وقرا نافع وشيبة وهشام:" تدعون" بالتاء." إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ"" هو" زائدة فاصلة. ويجوز أن تكون في موضع رفع بالابتداء وما بعدها خبر والجملة خبر إن.
__________
(1). عبد الله بن أبى سرح: كان يكتب الوحى لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم ارتد ولحق بالمشركين، فأمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقتله يوم فتح مكة. راجع قصته في ج 7 ص 40 طبعه أولى أو ثانيه.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26) وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27)

قوله تعالى:" أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا" في موضع جزم عطف على" يَسِيرُوا" ويجوز أن يكون في موضع نصب على أنه جواب، والجزم والنصب في التثنية والجمع واحد." كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ" اسم كان والخبر في" كَيْفَ". و" واقٍ" في موضع خفض معطوف على اللفظ. ويجوز أن يكون في موضع رفع على الموضع فرفعه وخفضه واحد، لأن الياء تحذف وتبقى الكسرة دالة عليها وقد مضى الكلام في معنى هذه الآية في غير موضع «1» فأغنى عن الإعادة.

[سورة غافر (40): الآيات 23 الى 27]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (23) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ (24) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (25) وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (26) وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (27)
قوله تعالى:" وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا" وهي التسع الآيات المذكورة في قوله تعالى:" وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ" [الإسراء: 101] وقد مضى تعيينها «2»." وَسُلْطانٍ مُبِينٍ" أي بحجة واضحة بينة، وهو يذكر ومؤنث. وقيل: أراد بالسلطان التوراة." إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ" خصهم بالذكر لأن مدار التدبير في عداوة موسى كان عليهم، ففرعون الملك وهامان الوزير وقارون صاحب الأموال والكنوز فجمعه الله معهما، لأن عمله في الكفر والتكذيب كأعمالهما." فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ" لما عجزوا عن معارضته حملوا المعجزات على السحر.
__________
(1). راجع ج 9 ص 324 طبعه أولى أو ثانيه.
(2). راجع ج 10 ص 335 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.

قوله تعالى:" فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا" وهي المعجزة الظاهرة" قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ" قال قتادة: هذا قتل غير القتل الأول، لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الولدان بعد ولادة موسى، فلما بعث الله موسى أعاد القتل على بني إسرائيل عقوبة لهم فيمتنع الإنسان من الإيمان، ولئلا يكثر جمعهم فيعتضدوا بالذكور من أولادهم. فشغلهم الله عن ذلك بما أنزل عليهم من أنواع العذاب. كالضفادع والقمل والدم والطوفان إلى أن خرجوا من مصر، فأغرقهم الله. وهذا معنى قوله تعالى:" وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ" أي في خسران وهلاك، وان الناس لا يمتنعون من الايمان وإن فعل بهم مثل هذا فكيده يذهب باطلا. قوله تعالى:" وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ" أقتل" جزم، لأنه جواب الأمر" وَلْيَدْعُ" جزم، لأنه أمر و" ذَرُونِي" ليس بمجزوم وإن كان أمرا ولكن لفظه لفظ المجزوم وهو مبني. وقيل: هذا يدل على أنه قيل لفرعون: إنا نخاف أن يدعو عليك فيجاب، فقال:" وَلْيَدْعُ رَبَّهُ" أي لا يهولنكم ما يذكر من ربه فإنه لا حقيقة له وأنا ربكم الأعلى." إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ" أي عبادتكم لي إلى عبادة ربه" أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ" إن لم يبدل دينكم فإنه يظهر في الأرض الفساد. أي يقع بين الناس بسببه الخلاف. وقراءة المدنيين وأبي عبد الرحمن السلمي وابن عامر وأبي عمرو:" أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ" وقراءة الكوفيين" أو أن يظهر" بفتح الياء" الفساد" بالرفع وكذلك هي في مصاحف الكوفيين:" أو" بألف وإليه يذهب أبو عبيد، قال: لأن فيه زيادة حرف وفيه فصل، ولأن" أو" تكون بمعنى الواو. النحاس: وهذا عند حذاق النحويين لا يجوز أن تكون بمعنى الواو، لأن في ذلك بطلان المعاني، ولو جاز أن تكون بمعنى الواو لما احتيج إلى هذا ها هنا، لأن معنى الواو" إِنِّي أَخافُ" الأمرين جميعا ومعنى" أو" لأحد الأمرين أي" إني أخاف أن يبدل دينكم" فإن أعوزه ذلك أظهر في الأرض الفساد. قوله تعالى:" وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ" لما هدده فرعون بالقتل استعاذ موسى بالله" مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ" أي متعظم عن الإيمان بالله، وصفته أنه" لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ".

وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28)

[سورة غافر (40): آية 28]
وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28)
فيه أربع مسائل: الاولى- قوله تعالى" وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ" ذكر بعض المفسرين: أن اسم هذا الرجل حبيب. وقيل: شمعان بالشين المعجمة. قال السهيلي: وهو أصح ما قيل فيه. وفي تاريخ الطبري رحمه الله: اسمه خبرك «1». وقيل: حزقيل. ذكره الثعلبي عن ابن عباس وأكثر العلماء. الزمخشري: واسمه سمعان أو حبيب. وقيل: خربيل أو حزبيل. واختلف هل كان إسرائيليا أو قبطيا فقال الحسن وغيره: كان قبطيا. ويقال: إنه كان ابن عم فرعون، قاله السدي. قال: وهو الذي نجا مع موسى عليه السلام، ولهذا قال:" مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ" وهذا الرجل هو المراد بقوله تعالى:" وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى " [القصص: 20] الآية. وهذا قول مقاتل. وقال ابن عباس: لم يكن من آل فرعون مؤمن غيره وغير امرأة فرعون وغير المؤمن الذي أنذر موسى فقال:" إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ" [القصص: 20]. وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال:" الصديقون حبيب النجار مؤمن آل يس ومؤمن آل فرعون الذي قال أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ والثالث أبو بكر الصديق وهو أفضلهم" «2» وفي هذا تسلية للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أي لا تعجب من مشركي قومك. وكان هذا الرجل له وجاهة عند فرعون، فلهذا لم يتعرض له بسوء. وقيل: كان هذا الرجل من بني إسرائيل يكتم إيمانه من آل فرعون، عن السدي أيضا. ففي الكلام على هذا تقديم
__________
(1). في هامش الطبري حبرك، وفي نسخة جبرك.
(2). الزيادة أوردها الجمل في حاشيته عن القرطبي.

ف" من" عنده متعلقة بمحذوف صفة لرجل، تأخير، والتقدير: وقال رجل مؤمن منسوب من آل فرعون. أي من أهله وأقاربه. ومن جعله إسرائيليا ف" مُؤْمِنٌ" متعلقة ب" يَكْتُمُ" في موضع المفعول الثاني ل" يَكْتُمُ". القشيري: ومن جعله إسرائيليا ففيه بعد، لأنه يقال كتمه أمر كذا ولا يقال كتم منه. قال الله تعالى:" وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً" [النساء: 42] وأيضا ما كان فرعون يحتمل من بني إسرائيل مثل هذا القول. الثانية- قوله تعالى:" أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ" أي لان يقول ومن أجل" أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ" ومن أجل" أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ" ف" أن" في موضع نصب بنزع الخافض." وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ" يعنى الآيات التسع" مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ" ولم يكن ذلك لشك منه في رسالته وصدقه، ولكم تلطفا في الاستكفاف واستنزلا عن الأذى. ولو كان و" إن يكن" بالنون جاز ولكم حذفت النون لكثرة الاستعمال على قول سيبويه، ولأنها نون الاعراب على قول أبى العباس." وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ" أي إن لم يصبكم الا بعض الذي يعدكم به هلكتم. ومذهب أبى عبيدة أن معنى" بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ" كل الذي يعدكم، وأنشد قول لبيد:
تراك أمكنه إذا لم أرضها ... او يرتبط بعض النفوس حمامها «1»
فبعض بمعنى كل لان البعض إذا أصابهم أصابهم الكل لا محالة لدخوله في الوعيد، وهذا ترقيق الكلام في الوعظ. وذكر الماوردي: أن البعض قد يستعمل في موضع الكل تلطفا في الخطاب وتوسعا في الكلام، كما قال الشاعر «2»:
قد يدرك المتأني بعض حاجته ... - وقد يكون مع المتعجل الزلل
وقيل أيضا: قال ذلك لأنه حذرهم أنواعا من العذاب كل نوع منها مهلك فكأنه حذرهم أن يصيبهم بعض تلك الأنواع. وقيل وعدهم موسى بعذاب الدنيا أو بعذاب الآخرة إن كفروا فالمعنى يصبكم أحد العذابين. وقيل: أي يصبكم هذا العذاب الذي يقوله في الدنيا
__________
(1). ويروى: أو يعتلق بدل يرتبط كما في اللسان وغيره.
(2). هو عمر القطامي.

وهو بعض الوعيد، ثم يترادف العذاب في الآخرة أيضا. وقيل: وعدهم العذاب إن كفروا والثواب ان آمنوا، فإذا كفروا يصيبهم بعض ما وعدوا." إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ" على نفسه" كَذَّابٌ" على ربه إشارة الى موسى ويكون هذا من قول المؤمن. وقيل:" مُسْرِفٌ" في عناده" كَذَّابٌ" في ادعائه اشارة الى فرعون ويكون هذا من قول الله تعالى. الثالثة- قوله تعالى:" يَكْتُمُ إِيمانَهُ" قال القاضي أبو بكر بن العربي: ظن بعضهم أن المكلف إذا كتم إيمانه ولم يتلفظ به بلسانه لا يكون مؤمنا باعتقاده، وقد قال مالك: إن الرجل إذا نوى الكفر بقلبه كان كافرا وإن لم يتلفظ بلسانه، وأما إذا نوى الايمان بقلبه فلا يكون مؤمنا بحال حتى يتلفظ بلسانه، ولا تمنعه التقية والخوف من أن يتلفظ بلسانه فيما بينه وبين الله تعالى، انما تمنعه من أن يسمعه غيره، وليس من شرط الايمان أن يسمعه الغير في صحته من التكليف، وإنما يشترط سماع الغير له ليكف عن نفسه وماله. الر أبعه- روى البخاري ومسلم عن عروة بن الزبير قال قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني باشد ما صنعه المشركون برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: بينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بفناء الكعبة، وإذ أقبل عقبة بن أبى معيط، فأخذ بمنكب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولوى ثوبه في عنقه فخنقه به خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر بمنكبه ودفع عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال:" أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ" لفظ البخاري. خرجه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن علي رضي الله عنه قال: اجتمعت قريش بعد وفاة أبي طالب بثلاث فأرادوا قتل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأقبل هذا يجوؤه «1» وهذا يتلتله، فاستغاث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومئذ فلم يغثه أحد إلا أبو بكر وله ضفيرتان، فأقبل يجأ ذا ويتلتل ذا
__________
(1). وجأه يجؤه وجأ ضربه. والتلتلة التحريك والإقلاق والزعزمة.

يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)

ويقول بأعلى صوته: ويلكم:" أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ" والله إنه لرسول الله، فقطعت إحدى ضفيرتي أبي بكر يومئذ. فقال علي: والله ليوم أبي بكر خير من مؤمن آل فرعون، إن ذلك رجل كتم إيمانه، فأثنى الله عليه في كتابه، وهذا أبو بكر أظهر إيمانه وبذل مال ودمه لله عز وجل. قلت: قول علي رضي الله عنه إن ذلك رجل كتم إيمانه يريد في أول أمره بخلاف الصديق فإنه أظهر إيمانه ولم يكتمه، وإلا فالقرآن مصرح بأن مؤمن آل فرعون أظهر إيمانه لما أرادوا قتل موسى عليه السلام على ما يأتي بيانه. في نوادر الأصول أيضا عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالوا لها: ما أشد شي رأيت المشركين بلغوا من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقالت: كان المشركون قعودا في المسجد، ويتذاكرون رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يقول في آلهتهم، فبينا هم كذلك إذ دخل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقاموا إليه بأجمعهم وكانوا إذا سألوه عن شي صدقهم، فقالوا: الست تقول كذا في آلهتنا قال:" بلى" فتشبثوا فيه بأجمعهم فأتى الصريخ إلى أبي بكر فقال له: أدرك صاحبك. فخرج من عندنا وإن له غدائر، فدخل المسجد وهو يقول: ويلكم" أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ" فلهوا عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأقبلوا على أبي بكر، فرجع إلينا أبو بكر فجعل لا يمس شيئا من غدائره إلا جاء معه، وهو يقول: تباركت يا ذا الجلال والإكرام، إكرام إكرام.

[سورة غافر (40): الآيات 29 الى 33]
يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاَّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشادِ (29) وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ (31) وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (33)

قوله تعالى." يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ" هذا من قول مؤمن آل فرعون، وفي قوله" يا قَوْمِ" دليل على أنه قبطي، ولذلك أضافهم إلى نفسه فقال:" يا قَوْمِ" ليكونوا أقرب إلى قبول وعظه" لَكُمُ الْمُلْكُ" فاشكروا الله على ذلك." ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ" أي غالبين وهو نصب على الحال أي في حال ظهوركم. والمراد بالأرض أرض مصر في قول السدي وغيره، كقوله:" وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ". [يوسف: 21] أي في أرض مصر." فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا" أي من عذاب الله تحذيرا لهم من نقمه إن كان موسى صادقا، فذكر وحذر فعلم فرعون ظهور حجته فقال:" ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى ". قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما أشير عليكم إلا ما أرى لنفسي." وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ" في تكذيب موسى والإيمان بي. قوله تعالى:" وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ" زادهم في الوعظ" إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ" يعني أيام العذاب التي عذب فيها المتحزبون على الأنبياء المذكورين فيما بعد. قوله تعالى:" يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ" زاد في الوعظ والتخويف وأفصح عن إيمانه، إما مستسلما موطنا نفسه على القتل، أو واثقا بأنهم لا يقصدونه بسوء، وقد وقاه الله شرهم بقوله الحق" فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا". وقراءة العامة" التَّنادِ" بتخفيف الدال وهو يوم القيامة، قال أمية بن أبي الصلت:
وبث الخلق فيها إذ دحاها ... - فهم سكانها حتى التناد
سمي بذلك لمناداة الناس بعضهم بعضا، فينادي أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم، وينادي أصحاب الجنة أصحاب النار:" أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا" وينادي أصحاب النار أصحاب الجنة:" أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ" وينادي المنادى أيضا بالشقوة

والسعادة: ألا إن فلان بن فلان قد شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا، ألا إن فلان بن فلان قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا. وهذا عند وزن الأعمال. وتنادي الملائكة أصحاب الجنة:" أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" [الأعراف: 43] وينادى حين يذبح الموت: يا أهل الجنة خلود لا موت ويا أهل النار خلود لا موت. وينادي كل قوم بإمامهم إلى غير ذلك من النداء. وقرا الحسن وابن السميقع ويعقوب وابن كثير ومجاهد:" التناد" بإثبات الياء في الوصل والوقف على الأصل. وقرا ابن عباس والضحاك وعكرمة" يَوْمَ التَّنادِ" بتشديد الدال. قال بعض أهل العربية: هذا لحن، لأنه من ند يند إذا مر على وجهه هاربا، كما قال الشاعر «1»:
وبرك هجود قد أثارت مخافتي ... نواديها أسعى بعضب مجرد
قال: فلا معنى لهذا في القيامة. قال أبو جعفر النحاس: وهذا غلط والقراءة بها حسنة على معنى يوم التنافر. قال الضحاك: ذلك إذا سمعوا زفير جهنم ندوا هربا، فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا وجدوا صفوفا من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله:" يَوْمَ التَّنادِ". وقوله:" يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" [الرحمن: 33] الآية. وقوله:" وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها" [الحاقة: 17] ذكره ابن المبارك بمعناه. قال: وأخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثنا عبد الجبار بن عبيد الله بن سلمان في قوله تعالى:" إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ. يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ" ثم تستجيب لهم أعينهم بالدمع فيبكون حتى ينفد الدمع، ثم تستجيب لهم أعينهم بالدم فيبكون حتى ينفد الدم، ثم تستجيب لهم أعينهم بالقيح. قال: يرسل عليهم من الله أمر فيولون مدبرين، ثم تستجيب لهم أعينهم بالقيح، فيبكون حتى ينفد القيح فتغور أعينهم كالخرق في الطين. وقيل: إن هذا يكون عند نفخ إسرافيل عليه السلام في الصور نفخة الفزع. ذكره علي بن معبد والطبري وغيرهما من حديث أبي هريرة، وفية فتكون الأرض كالسفينة في البحر تضربها الأمواج فيميد الناس على ظهرها وتذهل المراضع وتضع الحوامل ما في بطونها وتشيب الولدان وتتطاير الشياطين
__________
(1). هو طرفة. في اللسان: نواديه أمشى. يقول: إبل باركة نيام، ونواديها أي ما ند منها. ويروى هواديه أي أواثلها. أي أثارت مخافتي نوادي هذا البرك حال مشى إليه بالسيف.

وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (34) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35)

هاربة فتلقاها الملائكة تضرب وجوهها ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا وهي التي يقول الله تعالى:" يَوْمَ التَّنادِ. يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ" الحديث بكماله. وقد ذكرناه في كتاب التذكرة وتكلمنا عليه هناك. وروي عن علي ابن نصر عن أبي عمرو إسكان الدال من" التناد" في الوصل خاصة. وروى أبو معمر عن عبد الوارث زيادة الياء في الوصل خاصة وهو مذهب ورش. والمشهور عن أبي عمرو حذفها في الحالين. وكذلك قرأ سائر السبعة سوى ورش على ما ذكرنا عنه وسوى ابن كثير على ما تقدم. وقيل: سمي يوم القيامة يوم التناد، لأن الكافر ينادي فيه بالويل والثبور والحسرة. قاله ابن جريج. وقيل: فيه إضمار أي إني أخاف عليكم عذاب يوم التناد، فالله أعلم." يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ" على البدل من" يَوْمَ التَّنادِ" وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ" أي من خلق الله في قلبه الضلال فلا هادي له. وفي قائله قولان: أحدهما موسى. الثاني مؤمن آل فرعون وهو الأظهر. والله أعلم.

[سورة غافر (40): الآيات 34 الى 35]
وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ (34) الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35)
قوله تعالى:" وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ" قيل: إن هذا من قول موسى. وقيل: هو من تمام وعظ مؤمن آل فرعون، ذكرهم قديم عتوهم على الأنبياء، وأراد يوسف بن يعقوب جاءهم بالبينات" أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ" [يوسف: 39] قال ابن جريج: هو يوسف بن يعقوب بعثه الله تعالى رسولا إلى القبط بعد موت الملك من قبل موسى بالبينات وهي الرؤيا. وقال ابن عباس: هو يوسف بن إفرائيم بن يوسف بن يعقوب أقام فيهم نبيا

عشرين سنة. وحكى النقاش عن الضحاك: أن الله تعالى بعث إليهم رسولا من الجن يقال له يوسف. وقال وهب بن منبه: إن فرعون موسى هو فرعون يوسف عمر. وغيره يقول: هو آخر. النحاس: وليس في الآية ما يدل على أنه هو، لأنه إذا أتى بالبينات نبي لمن معه ولمن بعده فقد جاءهم جميعا بها وعليهم أن يصدقوه بها." فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ" أي أسلافكم كانوا في شك." حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا" أي من يدعي الرسالة" كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ" أي مثل ذلك الضلال" يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ" مشرك" مُرْتابٌ" شاك في وحدانية الله تعالى. قوله تعالى:" الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ" أي في حججه الظاهرة" بِغَيْرِ سُلْطانٍ" أي بغير حجة وبرهان و" الَّذِينَ" في موضع نصب على البدل من" من" وقال الزجاج: أي كذلك يضل الله الذين يجادلون في آيات الله ف" الَّذِينَ" نصب. قال: ويجوز أن يكون رفعا على معنى هم الذين أو على الابتداء والخبر" كَبُرَ مَقْتاً". ثم قيل: هذا من كلام مؤمن آل فرعون. وقيل: ابتداء خطاب من الله تعالى." مَقْتاً" على البيان أي" كَبُرَ" جدالهم" مَقْتاً"، كقوله: كَبُرَتْ كَلِمَةً" [الكهف: 5] ومقت الله تعالى ذمه لهم ولعنه إياهم وإحلال العذاب بهم." كَذلِكَ" أي كما طبع الله على قلوب هؤلاء المجادلين فكذلك" يَطْبَعُ اللَّهُ" أي يختم" عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ" حتى لا يعقل الرشاد ولا يقبل الحق. وقراءة العامة" عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ" بإضافة قلب إلى المتكبر واختاره أبو حاتم وأبو عبيد. وفي الكلام حذف والمعنى:" كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ" على كل" مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ" فحذف" كُلِّ" الثانية لتقدم ما يدل عليها. وإذا لم يقدر حذف" كُلِّ" لم يستقم المعنى، لأنه يصير معناه أنه يطبع على جميع قلبه وليس المعنى عليه. وإنما المعنى أنه يطبع على قلوب المتكبرين الجبارين قلبا قلبا. ومما يدل على حذف" كُلِّ" قول أبي دواد «1»:
أكل امرئ تحسبين امرأ ... - ونار توقد بالليل نارا
__________ (1). هو جارية بن الحجاج الإيادى. وقيل اسمه حنظلة بن الشرقي، وكان في عصر كعب بن مامة الإيادى الذي يضرب به المثل في الجود." الشعر والشعراء لابن قتيبة".

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37)

يريد وكل نار. وفي قراءة ابن مسعود" على قلب كل متكبر" فهذه قراءة على التفسير والإضافة. وقرا أبو عمرو وابن محيصن وابن ذكوان عن أهل الشام" قَلْبِ" منون على أن" مُتَكَبِّرٍ" نعت للقلب فكني بالقلب عن الجملة، لأن القلب هو الذي يتكبر وسائر الأعضاء تبع له، ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" ويجوز أن يكون على حذف المضاف، أي على كل ذي قلب متكبر، تجعل الصفة لصاحب القلب.

[سورة غافر (40): الآيات 36 الى 37]
وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (36) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبابٍ (37)
قوله تعالى:" وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً" لما قال مؤمن آل فرعون ما قال، وخاف فرعون أن يتمكن كلام هذا المؤمن في قلوب القوم، أوهم أنه يمتحن ما جاء به موسى من التوحيد، فإن بان له صوابه لم يخفه عنهم، وإن لم يصح ثبتهم على دينهم، فأمر وزيره هامان ببناء الصرح. وقد مضى في [القصص «1»] ذكره." لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ. أَسْبابَ السَّماواتِ"" أَسْبابَ السَّماواتِ" بدل من الأول. وأسباب السماء أبوابها في قول قتادة والزهري والسدي والأخفش، وأنشد:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... - ولو رام أسباب السماء بسلم «2»
وقال أبو صالح: أسباب السموات طرقها. وقيل: الأمور التي تستمسك بها السموات. وكرر أسباب تفخيما، لأن الشيء إذا أبهم ثم أوضح كان تفخيما لشأنه. والله أعلم." فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى " فأنظر إليه نظر مشرف عليه. توهم أنه جسم تحويه الأماكن. وكان فرعون
__________
(1). راجع ج 3 ص 288 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.
(2). البيت من معلقة زهر بن أبى سلمى

وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40) وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44)

يدعي الألوهية ويرى تحقيقها بالجلوس في مكان مشرف. وقراءة العامة" فَأَطَّلِعَ" بالرفع نسقا على قوله:" أَبْلُغُ" وقرا الأعرج والسلمى وعيسى وحفص" فَأَطَّلِعَ" بالنصب، قال أبو عبيدة: على جواب" لعل" بالفاء. النحاس: ومعنى النصب خلاف معنى الرفع، لأن معنى النصب متى بلغت الأسباب اطلعت. ومعنى الرفع" لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ" ثم لعلي أطلع بعد ذلك، إلا أن ثم أشد تراخيا من الفاء." وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً" أي وإني لأظن موسى كاذبا في ادعائه إلها دوني، وإنما أفعل ما أفعل لإزاحة العلة. وهذا يوجب شك فرعون في أمر الله. وقيل: إن الظن بمعنى اليقين أي وأنا أتيقن أنه كاذب وإنما أقول ما أقول لإزالة الشبهة عمن لا أتيقن ما أتيقنه. قوله تعالى:" وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ" أي الشرك والتكذيب." وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ" قراءة الكوفيين" وصد" على ما لم يسم فاعله وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، ويجوز على هذه القراءة" وصد" بكسر الصاد نقلت كسرة الدال عل الصاد، وهي قراءة يحيى بن وثاب وعلقمة. وقرا ابن أبي إسحاق وعبد الرحمن بن بكرة" وصد عن السبيل" بالرفع والتنوين. الباقون" وصد" بفتح الصاد والدال. أي صد فرعون الناس عن السبيل." وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ" أي في خسران وضلال، ومنه:" تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ" [المسد: 1] وقوله:" وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ" [هود: 101] وفي موضع" غَيْرَ تَخْسِيرٍ" [هود: 63] فهد الله صرحه وغرقه هو وقومه على ما تقدم «1».

[سورة غافر (40): الآيات 38 الى 44]
وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (38) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (40) وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42)
لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (44)
__________
(1). راجع ج 13 ص 288 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية. [.....]

قوله تعالى:" وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ" هذا من تمام ما قاله مؤمن آل فرعون، أي اقتدوا بي في الدين." أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ" أي طريق الهدى وهو الجنة. وقيل من قول موسى. وقرا معاذ بن جبل" الرَّشادِ" بتشديد الشين وهو لحن عند أكثر أهل العربية، لأنه إنما يقال أرشد يرشد ولا يكون فعال من أفعل إنما يكون من الثلاثي، فإن أردت التكثير من الرباعي قلت: مفعال. قال النحاس: يجوز أن يكون رشاد بمعنى يرشد لا على أنه مشتق منه، ولكن كما يقال لآئل من اللؤلؤ فهو بمعناه وليس جاريا عليه. ويجوز أن يكون رشاد من رشد يرشد أي صاحب رشاد، كما قال:
كليني لهم يا أميمة ناصب «1»

الزمخشري: وقرى" الرشاد" فعال من رشد بالكسر كعلام أو من رشد بالفتح كعباد. وقيل: من أرشد كجبار من أجبر وليس بذاك، لأن فعالا من أفعل لم يجئ إلا في عدة أحرف، نحو دراك وسار وقصار وجبار. ولا يصح القياس على هذا القليل. ويجوز أن يكون نسبته إلى الرشد كعواج وبتات «2» غير منظور فيه إلى فعل. ووقع في المصحف" اتبعون"
__________
(1). البيت للنابغة
ألذ بياني وتمامه: ... وليل أقاسيه بطي الكواكب

(2). العواج: بياع العاج. والبتات: بياع البت وهو كساء غليظ.

بغير ياء. وقرأها يعقوب وابن كثير بالإثبات في الوصل والوقف. وحذفها أبو عمرو ونافع في الوقف وأثبتوها في الوصل، إلا ورشا حذفها في الحالين، وكذلك الباقون، لأنها وقعت في المصحف بغير ياء ومن أثبتها فعلى الأصل. قوله تعالى:" يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ" أي يتمتع بها قليلا ثم تنقطع وتزول." وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ" أي الاستقرار والخلود. ومراده بالدار الآخرة الجنة والنار لأنهما لا يفنيان. بين ذلك بقوله:" مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً" يعني الشرك" فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها" وهو العذاب." وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً" قال ابن عباس: يعني لا إله إلا الله." وَهُوَ مُؤْمِنٌ" مصدق بقلبه لله وللأنبياء." فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ" بضم الياء على ما لم يسم فاعله. وهي قراءة ابن كثير وابن محيصن وأبي عمرو ويعقوب وأبي بكر عن عاصم، يدل عليه" يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ" الباقون" يدخلون" بفتح الياء. قوله تعالى:" وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ" أي إلى طريق الإيمان الموصل إلى الجنان" وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ" بين أن ما قال فرعون من قوله:" وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ" [غافر: 29] سبيل الغي عاقبته النار وكانوا دعوه إلى اتباعه، ولهذا قال:" تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ" وهو فرعون" وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ"." لا جَرَمَ" تقدم الكلام فيه «1» ومعناه حقا." أن ما تدعونني إليه"" ما" بمعنى الذي" لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ" قال الزجاج: ليس له استجابة دعوة تنفع، وقال غيره: ليس له دعوة توجب له الألوهية" فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ". وقال الكلبي: ليس له شفاعة في الدنيا ولا في الآخرة. وكان فرعون أولا يدعو الناس الى عبادة الأصنام، ثم دعاهم الى عبادة البقر، فكانت تعبد ما كانت شابة، فإذا هرمت أمر بذبحها، ثم دعا بأخرى لتعبد، ثم لما طال عليه الزمان قال أنا ربكم الأعلى." وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ" قال قتادة وابن سيرين: يعنى المشركين. وقال مجاهد والشعبي: هم السفهاء والسفاكون للدماء بغير حقها. وقال عكرمة: الجبارون
__________
(1). راجع ج 9 ص 20 طبعه أولى أو ثانيه.

فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)

والمتكبرون. وقيل: هم الذين تعدوا حدود الله. وهذا جامع لما ذكر. و" أن" في المواضع في موضع نصب بإسقاط حرف الجر. وعلى ما حكاه سيبويه عن الخليل من أن" لا جَرَمَ" رد لكلام يجوز أن يكون موضع" أن" رفعا على تقدير وجب أن ما تدعونني إليه، كأنه قال وجب بطلان ما تدعونني إليه، والمرد الى الله، وكون المسفرين هم أصحاب النار. قوله تعالى:" فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ" تهديد ووعيد. و" ما" يجوز أن تكون بمعنى الذي أي الذي أقوله لكم. ويجوز أن تكون مصدرية أي فستذكرون قولي لكم إذا حل بكم العذاب." وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ" أي أتوكل عليه وأسلم أمري إليه. وقيل: هذا يدل على أنهم أرادوا قتله. وقال مقاتل: هرب هذا المؤمن إلى الجبل فلم يقدروا عليه. وقد قيل: القائل موسى. والأظهر أنه مؤمن آل فرعون، وهو قول ابن عباس.

[سورة غافر (40): الآيات 45 الى 46]
فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (46)
قوله تعالى:" فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا" أي من إلحاق أنواع العذاب به فطلبوه فما وجدوه لأنه فوض أمره الى الله. قال قتادة: كان قبطيا فنجاه الله مع بنى إسرائيل. فالهاء على هذا لمؤمن آل فرعون. وقيل: إنها لموسى على ما تقدم من الخلاف." وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ" قال الكسائي: يقال حاق يحيق حيقا وحيوقا إذ نزل ولزم. ثم بين العذاب فقال:" النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها" وفيه ستة أوجه: يكون رفعا على البدل من" سوء". ويجوز أن يكون بمعنى هو النار. ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء. وقال الفراء: يكون مرفوعا بالعائد على معنى النار عليها يعرضون، فهذه أربعة أوجه في الرفع، وأجاز الفراء النصب، لأن بعدها عائدا وقبلها ما يتصل به، وأجاز الأخفش الخفض على البدل من" الْعَذابِ". والجمهور على أن هذا العرض في البرزخ. احتج بعض أهل العلم في تثبيت

عذاب القبر بقوله:" النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا" ما دامت الدنيا. كذلك قال مجاهد وعكرمة ومقاتل ومحمد بن كعب كلهم قال: هذه الآية تدل على عذاب القبر في الدنيا، ألا تراه يقول عن عذاب الآخرة:" وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ". وفي الحديث عن ابن مسعود: أن أرواح آل فرعون ومن كان مثلهم من الكفار تعرض على النار بالغداة والعشي فيقال هذه داركم. وعنه أيضا: إن أرواحهم في أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح كل يوم مرتين فذلك عرضها. وروى شعبة عن يعلى بن عطاء قال: سمعت ميمون بن مهران «1» يقول: كان أبو هريرة إذا أصبح ينادي: أصبحنا والحمد لله وعرض آل فرعون على النار. فإذا أمسى نادى: أمسينا والحمد لله وعرض آل فرعون على النار، فلا يسمع أبا هريرة أحد إلا تعوذ بالله من النار. وفي حديث صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إن الكافر إذا مات عرض على النار بالغداة والعشي ثم تلا:" النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا" وإن المؤمن إذا مات عرض روحه على الجنة بالغداة والعشي" وخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة". قال الفراء: في الغداة والعشي بمقادير دلك في الدنيا. وهو قول مجاهد. قال:" غُدُوًّا وَعَشِيًّا" قال: من أيام الدنيا. وقال حماد بن محمد الفزاري: قال رجل للأوزاعي رأينا طيورا تخرج من البحر تأخذ ناحية الغرب، بيضا صغارا فوجا فوجا لا يعلم عددها إلا الله، فإذا كان العشاء رجعت مثلها سودا. قال: تلك الطيور في حواصلها أرواح آل فرعون، يعرضون على النار غدوا وعشيا، فترجع إلى أوكارها وقد احترقت رياشها وصارت سودا، فينبت عليها من الليل رياشها بيضا وتتناثر السود، ثم تغدو فتعرض على النار غدوا وعشيا، ثم ترجع إلى وكرها فذلك دأبها ما كانت في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى:" أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ" وهو الهاوية. قال الأوزاعي: فبلغنا أنهم
__________
(1). في نسخ الأصل ميمون بن ميسرة وهو تحريف، والتصويب عن" التهذيب".

وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48) وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50)

ألفا ألف وستمائة ألف. و" غدوا" مصدر جعل ظرفا على السعة." وعشيا" عطف عليه وتم الكلام. ثم تبتدى و" يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ" على أن تنصب يوما بقوله:" أَدْخِلُوا" ويجوز أن يكون منصوبا ب" يُعْرَضُونَ" على معنى" يعرضون" على النار في الدنيا" وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ" فلا يوقف عليه. وقرا نافع واهل المدينة وحمزة والكسائي:" أدخلوا" بقطع الألف وكسر الخاء من أدخل وهي اختيار أبي عبيد، أي يأمر الملائكة أن يدخلوهم، ودليله" النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها". الباقون" أَدْخِلُوا" بوصل الألف وضم الخاء من دخل أي يقال لهم:" أَدْخِلُوا" يا" آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ" وهو اختيار أبي حاتم. قال: في القراءة الأولى:" آل" مفعول أول و" أشد" مفعول ثان بحذف الجر، وفي القراءة الثانية منصوب، لأنه نداء مضاف. وآل فرعون: من كان على دينه وعلى مذهبه، وإذا كان من كان على دينه ومذهبه في أشد العذاب كان هو أقرب إلى ذلك. وروى ابن مسعود عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إن العبد يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت مؤمنا منهم يحيى بن زكريا ولد مؤمنا وحيي مؤمنا ومات مؤمنا وإن العبد يولد كافرا ويحيا كافرا ويموت كافرا منهم فرعون ولد كافرا وحيي كافرا ومات كافرا" ذكره النحاس. وجعل الفراء في الآية تقديما وتأخيرا مجازه:" أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ"." النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا" فجعل العرض في الآخرة، وهو خلاف ما ذهب إليه الجمهور من انتظام الكلام على سياقه على ما تقدم. والله أعلم.

[سورة غافر (40): الآيات 47 الى 50]
وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ (47) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ (48) وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ (49) قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (50)

قوله تعالى:" وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ" أي يختصمون فيها" فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا" عن الانقياد للأنبياء" إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً" فيما دعوتمونا إليه من الشرك في الدنيا" فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ" أي متحملون" عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ" أي جزاء من العذاب. والتبع يكون واحدا ويكون جمعا في قول البصريين واحده تابع. وقال أهل الكوفة: هو جمع لا واحد له كالمصدر فلذلك لم يجمع ولو جمع لقيل أتباع." قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها" أي في جهنم. قال الأخفش:" كل" مرفوع بالابتداء. الكسائي والفراء" إنا كلا فيها" بالنصب على النعت والتأكيد للمضمر في" إِنَّا" وكذلك قرأ ابن السميقع وعيسى بن عمر والكوفيون يسمون التأكيد نعتا. ومنع ذلك سيبويه، قال: لأن" كلا" لا تنعت ولا ينعت بها. ولا يجوز البدل فيه لأن المخبر عن نفسه لا يبدل منه غيره، وقال معناه المبرد قال: لا يجوز أن يبدل من المضمر هنا، لأنه مخاطب ولا يبدل من المخاطب ولا من المخاطب، لأنهما لا يشكلان فيبدل منهما، هذا نص كلامه." إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ" أي لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره، فكل منا كافر. قوله تعالى:" وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ" من الأمم الكافرة. ومن العرب من يقول اللذون على أنه جمع مسلم معرب، ومن قال:" الَّذِينَ" في الرفع بناه كما كان في الواحد مبنيا. وقال الأخفش: ضمت النون إلى الذي فأشبه خمسة عشر فبني على الفتح." لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ" خزنة جمع خازن ويقال: خزان وخزن." ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ"" يخفف" جواب مجزوم وإن كان بالفاء كان منصوبا، إلا أن الأكثر في كلام العرب في جواب الأمر وما أشبهه أن يكون بغير فاء وعلى هذا جاء القرآن بأفصح اللغات كما قال «1»:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

قال محمد بن كعب القرظي: بلغني أو ذكر لي أن أهل النار استغاثوا بالخزنة، فقال الله تعالى:" وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ" فسألوا يوما
__________
(1). هو امرؤ القيس والبيت من معلقته، وتمامه:
بسقط اللوى بين الدخول فحومل

إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (53) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (54)

واحدا يخفف عنهم فيه العذاب فردت عليهم" أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ" الخبر بطوله وفي الحديث عن أبى الدرداء خرجه الترمذي وغيره قال: يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون منه فيغاثون بالضريع لا يسمن ولا يغنى من جوع، فيأكلونه لا يغنى عنهم شيئا فستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة فيغصون به، فيذكرون أنهم كانوا في الدنيا يجيزون الغصص بالماء، فيستغيثون بالشراب فيرفع لهم الحميم بالكلاليب، فإذا دنا من وجوههم شواها، فإذا وقع في بطونهم قطع أمعاءهم وما في بطونهم، فيستغيثون بالملائكة يقولون:" ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ" فيجيبوهم" أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ" أي خسار وتبار.

[سورة غافر (40): الآيات 51 الى 54]
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (51) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ (53) هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (54)
قوله تعالى:" إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا" ويجوز حذف الضمة لثقلها فيقال:" رُسُلَنا" والمراد موسى عليه السلام." وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا" في موضع نصب عطف على الرسل، والمراد المؤمن الذي وعظ. وقيل: هو عام في الرسل والمؤمنين، ونصرهم بإعلاء الحجج وإفلاحها في قول أبي العالية. وقيل: بالانتقام من أعدائهم. قال السدي: ما قتل قوم قط نبيا أو قوما من دعاة الحق من المؤمنين إلا بعث الله عز وجل من ينتقم لهم، فصاروا منصورين فيها وإن قتلوا. قوله تعالى:" وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ" يعني يوم القيامة. قال زيد بن أسلم:" الْأَشْهادُ" أربعة: الملائكة والنبيون والمؤمنون والأجساد. وقال مجاهد والسدي:" الْأَشْهادُ" الملائكة تشهد للأنبياء بالإبلاغ وعلى الأمم بالتكذيب. وقال قتادة: الملائكة والأنبياء. ثم قيل:

فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (55) إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56) لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (57) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (58) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (59)

" الْأَشْهادُ" جمع شهيد مثل شريف وأشراف. وقال الزجاج:" الْأَشْهادُ" جمع شاهد مثل صاحب وأصحاب. النحاس: ليس باب فاعل أن يجمع على أفعال ولا يقاس عليه ولكن ما جاء منه مسموعا أدي كما سمع، وكان على حذف الزائد. وأجاز الأخفش والفراء:" ويوم تقوم الأشهاد" بالتاء على تأنيث الجماعة. وفي الحديث عن أبي الدرداء وبعض المحدثين يقول عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" من رد عن عرض أخيه المسلم كان حقا على الله عز وجل أن يرد عنه نار جهنم" ثم تلا:" إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا". وعنه عليه السلام أنه قال:" من حمى مؤمنا من منافق يغتابه بعث الله عز وجل يوم القيامة ملكا يحميه من النار ومن ذكر مسلما بشيء يشينه به وقفه الله عز وجل على جسر من جهنم حتى يخرج مما قال" «1»." يوم" بدل من يوم الأول." لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ" قرأ نافع والكوفيون" ينفع" بالياء. الباقون بالتاء." وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ" اللعنة" البعد من رحمة الله و" سُوءُ الدَّارِ" جهنم. قوله تعالى:" وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى " هذا دخل في نصرة الرسل في الدنيا والآخرة أي آتيناه التوراة والنبوة. وسميت التوراة هدى بما فيها من الهدى والنور، وفي التنزيل:" إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ" [المائدة: 44]." وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ" يعني التوراة جعلناها لهم ميراثا." هُدىً" بدل من الكتاب ويجوز بمعنى هو هدى، يعني ذلك الكتاب." وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ" أي موعظة لأصحاب العقول.

[سورة غافر (40): الآيات 55 الى 59]
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (55) إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56) لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (57) وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلا الْمُسِي ءُ قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ (58) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (59)
__________
(1). رواه سهل ين معاذ بن أنس عن أبيه. النحاس.

قوله تعالى:" فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ" أي فاصبر يا محمد على أذى المشركين، كما صبر من قبلك" إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ" بنصرك وإظهارك، كما نصرت موسى وبني إسرائيل. وقال الكلبي: نسخ هذا بآية السيف." وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ" قيل: لذنب أمتك حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: لذنب نفسك على من يجوز الصغائر على الأنبياء. ومن قال لا تجوز قال: هذا تعبد للنبي عليه السلام بدعاء، كما قال تعالى:" وَآتِنا ما وَعَدْتَنا" [آل عمران: 194] والفائدة زيادة الدرجات وأن يصير الدعاء سنة لمن بعده. وقيل: فاستغفر الله من ذنب صدر منك قبل النبوة." وسبح بحمد ربك بالعشي والأبكار" يعني صلاة الفجر وصلاة العصر، قال الحسن وقتادة. وقيل: هي صلاة كانت بمكة قبل أن تفرض الصلوات الخمس ركعتان غدوة وركعتا عشية. عن الحسن أيضا ذكره الماوردي. فيكون هذا مما نسخ والله أعلم. وقوله:" بِحَمْدِ رَبِّكَ" بالشكر له والثناء عليه. وقيل:" وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ" أي استدم التسبيح في الصلاة وخارجا منها لتشتغل بذلك عن استعجال النصر. قوله تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ" يخاصمون" فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ" أي حجة" أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ" قال الزجاج: المعنى ما في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغي إرادتهم فيه. قدره على الحذف. وقال غيره: المعنى ما هم ببالغي الكبر على غير حذف، لأن هؤلاء قرأوا أنهم أن اتبعوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قل ارتفاعهم، ونقصت أحوالهم، وأنهم يرتفعون إذا لم يكونوا تبعا، فأعلم الله عز وجل أنهم لا يبلغون الارتفاع الذي أملوه بالتكذيب. والمراد المشركون. وقيل: اليهود، فالآية مدنية على هذا كما تقدم أول السور.

والمعنى: إن تعظموا عن اتباع محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقالوا إن الدجال سيخرج عن قريب فيرد الملك إلينا، وتسير معه الأنهار، وهو آية من آيات الله فذلك كبر لا يبلغونه «1» فنزلت الآية فيهم. قال أبو العالية وغيره. وقد تقدم في [آل عمران «2»] أنه يخرج ويطأ البلاد كلها إلا مكة والمدينة. وقد ذكرنا خبره مستوفى في كتاب التذكرة. وهو يهودي واسمه صاف ويكنى أبا يوسف. وقيل: كل من كفر بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وهذا حسن، لأنه يعم. وقال مجاهد: معناه في صدورهم عظمة ما هم ببالغيها والمعنى واحد. وقيل: المراد بالكبر الأمر الكبير أي يطلبون النبوة أو أمرا كبيرا يصلون به إليك من القتل ونحوه، ولا يبلغون قوله تعالى:" فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ" قيل: من فتنة الدجال على قول من قال إن الآية نزلت في اليهود. وعلى القل الآخر من شر الكفار. قيل: من مثل ما ابتلوا به من الكفر والكبر." إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" هو" يكون فاصلا ويكون مبتدأ وما بعده خبره والجملة خبر إن على ما تقدم. قوله تعالى:" لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ" مبتدأ وخبره. قال أبو العالية: أي أعظم من خلق الدجال حين عظمته اليهود. وقال يحيى بن سلام: هو احتجاج على منكري البعث، أي هما أكبر من إعادة خلق الناس فلم اعتقدوا عجزي عنها." ولكن أكثر الناس لا يعلمون" ذلك. قوله تعالى:" وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ" أي المؤمن والكافر والضال والمهتدي." وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ" أي ولا يستوي العامل للصالحات" وَلَا الْمُسِي ءُ" الذي يعمل السيئات." قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ" قراءة العامة بياء على الخبر واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، لأجل ما قبله من الخبر وما بعده. وقرا الكوفيون بالتاء على الخطاب.
__________
(1). زيادة يقتضيها السياق.
(2). راجع ج 4 ص 89 وما بعدها وص 100 طبعه أولى أو ثانيه.

وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (62) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (63) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65)

قوله تعالى:" إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ" هذه لام التأكيد دخلت في خبر إن وسبيلها أن تكون في أول الكلام، لأنها توكيد الجملة إلا أنها تزحلق عن موضعها، كذا قال سيبويه. تقول: إن عمر لخارج، وإنما أخرت عن موضعها لئلا يجمع بينها وبين إن، لأنهما يؤديان عن معنى واحد، وكذا لا يجمع بين إن وأن عند البصريين. وأجاز هشام إن أن زيدا منطلق حق، فإن حذفت حقا لم يجز عند أحد من النحويين علمته، قاله النحاس." لا رَيْبَ فِيها" لا شك ولا مرية." وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ" أي لا يصدقون بها وعندها يبين فرق ما بين الطائع والعاصي.

[سورة غافر (40): الآيات 60 الى 65]
وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (60) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (61) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (62) كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (63) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (64)
هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (65)
قوله تعالى:" وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ" الآية روى النعمان بن بشير قال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:" الدعاء هو العبادة" ثم قرأ" وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ" قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. فدل هذا على أن الدعاء هو العبادة. وكذا قال أكثر المفسرين

وأن المعنى: وحدوني واعبدوني أتقبل عبادتكم وأغفر لكم. وقيل: هو الذكر والدعاء والسؤال. قال أنس: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع" ويقال الدعاء: هو ترك الذنوب. وحكى قتادة أن كعب الأحبار قال: أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم تعطهن أمة قبلهم إلا نبي: كان إذا أرسل نبي قيل له أنت شاهد على أمتك، وقال تعالى لهذه الأمة:" لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ" [البقرة: 143] وكان يقال للنبي: ليس عليك في الدين من حرج، وقال لهذه الأمة:" وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ" [الحج: 78] وكان يقال للنبي ادعني استجب لك، وقال لهذه الأمة:" ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ". قلت: مثل هذا لا يقال من جهة الرأي. وقد جاء مرفوعا، رواه ليث عن شهر بن حوشب عن عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:" أعطيت أمتي ثلاثا لم تعط إلا للأنبياء كان الله تعالى إذا بعث النبي قال ادعني استجب لك وقال لهذه الأمة:" ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ" وكان الله إذا بعث النبي قال: ما جعل عليك في الدين من حرج وقال لهذه الأمة:" وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ" [الحج: 78] وكان الله إذا بعث النبي جعله شهيدا على قومه وجعل هذه الأمة شهداء على الناس" ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول. وكان خالد الربعي يقول: عجيب لهذه الأمة قيل لها:" ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ" أمرهم بالدعاء ووعدهم الاستجابة وليس بينهما شرط. قال له قائل: مثل ماذا؟ قال: مثل قوله تعالى:" وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ" [البقرة: 25] فها هنا شرط، وقوله:" وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ" [يونس: 2]، فليس فيه شرط العمل، ومثل قوله:" فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ" [غافر: 14] فها هنا شرط، وقوله تعالى:" ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ" ليس فيه شرط. وكانت الأمة تفزع إلى أنبيائها في حوائجها حتى تسأل الأنبياء لهم ذلك. وقد قيل: إن هذا من باب المطلق والمقيد على ما تقدم في" البقرة" «1» بيانه. أي" أَسْتَجِبْ لَكُمْ" إن شئت، كقوله:" فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ" [الأنعام: 41]. وقد تكون الاستجابة في غير عين المطلوب على حديث أبي سعيد الخدري على ما تقدم
__________
(1). راجع ج 2 ص 309 طبعه ثانيه.

في" البقرة" بيانه فتأمله هناك. وقرا ابن كثير وابن محيصن ورويس عن يعقوب وعياش عن أبي عمرو وأبو بكر والمفضل عن عاصم" سيدخلون" بضم الياء وفتح الخاء على ما لم يسم فاعله. الباقون" يدخلون" بفتح الياء وضم الخاء. ومعنى" داخِرِينَ" صاغرين أذلاء وقد تقدم «1». قوله تعالى:" اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ"" جعل" هنا بمعنى خلق، والعرب تفرق بين جعل إذا كانت بمعنى خلق وبين جعل إذ لم تكن بمعنى خلق، فإذا كانت بمعنى خلق فلا تعديها إلا إلى مفعول واحد، وإذا لم تكن بمعنى خلق عدتها إلى مفعولين، نحو قوله: إنا جعلناه قرآنا عربيا" وقد مضى هذا المعنى في موضع «2»." وَالنَّهارَ مُبْصِراً" أي مضيئا لتبصروا فيه حوائجكم وتتصرفوا في طلب معايشكم." إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ" فضله وإنعامه عليهم. بين الدلالة على وحدانيته وقدرته." لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ" أي كيف تنقلبون وتنصرفون عن الإيمان بعد أن تبينت لكم دلائله كذلك، أي كما صرفتم عن الحق مع قيام الدليل عليه ف" كَذلِكَ يُؤْفَكُ" يصرف عن الحق" الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ". قوله تعالى:" اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً" زاد في تأكيد التعريف والدليل، أي جعل لكم الأرض مستقرا لكم في حياتكم وبعد الموت." وَالسَّماءَ بِناءً" تقدم «3»." وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ" أي خلقكم في أحسن صورة. وقرا أبو رزين والأشهب العقيلي" صوركم" بكسر الصاد، قال الجوهري: والصور بكسر الصاد لغة في الصور جمع صورة وينشد هذا البيت على هذه اللغة يصف الجواري:
أشبهن من بقر الخلصاء أعينها ... هن أحسن من صيرانها صورا
__________
(1). راجع ج 10 ص 111 وج 13 ص 242 طبعه أولى أو ثانيه.
(2). راجع ج 6 ص 386 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.
(3). راجع ج 1 ص 229 طبعه ثانيه أو ثالثه.

قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (66) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (68)

والصيران جمع صوار وهو القطيع من البقر والصوار أيضا وعاء المسك «1» وقد جمعهما الشاعر بقوله:
إذا لاح الصوار ذكرت ليلى ... - وأذكرها إذا نفخ الصوار
والصيار لغة فيه." وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ" تقدم «2»" هُوَ الْحَيُّ" أي الباقي الذي لا يموت" لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ" أي الطاعة والعبادة." الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" قال الفراء: هو خبر وفيه إضمار أمر أي ادعوه واحمدوه. وقد مضى هدا كله مستوفى في" البقرة" «3» وغيرها. وقال ابن عباس: من قال:" لا إله إلا الله" فليقل" الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ".

[سورة غافر (40): الآيات 66 الى 68]
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (66) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (68)
قوله تعالى:" قُلْ إِنِّي نُهِيتُ" أي قل يا محمد: نهاني الله الذي هو الحي القيوم ولا إله غيره" أَنْ أَعْبُدَ" غيره." لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي" أي دلائل توحيده" وأمرت أن أسلم" أذل وأخضع" لرب العالمين" وكانوا دعوه إلى دين آبائه، فأمر أن يقول هذا.
__________ (1). الزيادة من الصحاح الجوهري لا يتم الكلام الا بها.
(2). راجع ج 7 ص 223 طبعه أولى أو ثانيه. وج 1 ص 136 طبعه ثانيه أو ثالثه. [.....]
(3). مضى هذا الكلام للمصنف في تفسير الفاتحة ج 1 ص 136 فليراجع هناك لا في البقرة ولعل ما في الأصل تحريف.

قوله تعالى:" هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا" أي أطفالا. وقد تقدم هذا «1»." ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ" وهي حالة اجتماع القوة وتمام العقل. وقد مضى في [الأنعام»
] بيانه." ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً" بضم الشين قراءة نافع وابن محيصن وحفص وهشام ويعقوب وأبو عمرو على الأصل، لأنه جمع فعل، نحو: قلب وقلوب ورأس ورءوس. وقرا الباقون بكسر الشين لمراعاة الياء وكلاهما جمع كثرة، وفي العدد القليل أشياخ والأصل أشيخ، مثل فلس وأفلس إلا أن الحركة في الياء ثقيلة. وقرى" شيخا" على التوحيد، كقوله:" طِفْلًا" والمعنى كل واحد منكم، واقتصر على الواحد لأن الغرض بيان الجنس. وفي الصحاح: جمع الشيخ شيوخ وأشياخ وشيخة وشيخان ومشيخة ومشايخ ومشيوخاء، والمرأة شيخة. قال عبيد «3»:
كأنها شيخة رقوب «4»

وقد شاخ الرجل يشيخ شيخا بالتحريك على أصله وشيخوخة، واصل الياء متحركة فسكنت، لأنه ليس في الكلام فعلول. وشيخ تشييخا أي شاخ. وشيخته «5» دعوته شيخا للتبجيل. وتصغير الشيخ شييخ وشييخ أيضا بكسر الشين ولا تقل شويخ النحاس: وإن اضطر شاعر جاز أن يقول أشيخ مثل عين واعين إلا أنه حسن في عين، لأنها مؤنثة. والشيخ من جاوز أربعين سنة." وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ" قال مجاهد: أي من قبل أن يكون شيخا، أو من قبل هذه الأحوال إذا خرج سقطا." وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى" قال مجاهد: الموت للكل. واللام لام العاقبة." وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" ذلك فتعلموا أن لا إله غيره.
__________
(1). راجع ج 12 ص 11 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.
(2). راجع ج 7 ص 134 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.
(3). هو عبيد بن الأبرص.
(4). الرقوب: التي ترقب ولدها خوف أن يموت. البيت في وصف فرسه، وتمامه:
باتت على أرم عذوبا

(5). الزيادة من كتب اللغة.

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (74) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (75) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (76) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (77) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78)

قوله تعالى:" هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ" زاد في التنبيه أي هو الذي يقدر على الإحياء والإماتة." فَإِذا قَضى أَمْراً" أي أراد فعله قالَ" لَهُ كُنْ فَيَكُونُ". ونصب" فيكون" ابن عامر على جواب الأمر. وقد مضى في [البقرة «1»] القول فيه.

[سورة غافر (40): الآيات 69 الى 78]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73)
مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ (74) ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (75) ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (76) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (77) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78)
قوله تعالى:" أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ" قال ابن زيد: هم المشركون بدليل قوله:" الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا". وقال أكثر المفسرين: نزلت في القدرية. قال ابن سيرين: إن لم تكن هذه الآية نزلت في القدرية
__________
(1). راجع ج 2 ص 87 ثانية.

فلا أدري فيمن نزلت. قال أبو قبيل: لا أحسب المكذبين بالقدر إلا الذين يجادلون الذين آمنوا. وقال عقبة بن عامر: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" نزلت هذه الآية في القدرية" ذكره المهدوي. قوله تعالى:" إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ" أي عن قريب يعلمون بطلان ما هم فيه إذا دخلوا النار وغلت أيديهم إلى أعناقهم. قال التيمي: لو أن غلا من أغلال جهنم وضع على جبل لوهصه حتى يبلغ الماء الأسود." والسلاسل" بالرفع قراءة العامة عطفا على الأغلال. قال أبو حاتم:" يسحبون" مستأنف على هذه القراءة. وقال غيره: هو في موضع نصب على الحال، والتقدير:" إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ" مسحوبين. وقرا ابن عباس وأبو الجوزاء وعكرمة وابن مسعود" وَالسَّلاسِلُ" بالنصب" يُسْحَبُونَ" بفتح الياء والتقدير في هذه القراءة ويسحبون السلاسل. قال ابن عباس: إذا كانوا يجرونها فهو أشد عليهم. وحكي عن بعضهم" والسلاسل" بالجر ووجهه أنه محمول على المعنى، لأن المعنى أعناقهم في الأغلال والسلاسل، قال الفراء. وقال الزجاج: ومن قرأ" والسلاسل يسحبون" بالخفض فالمعنى عنده وفي" السلاسل يسحبون". قال ابن الأنباري: والخفض على هذا المعنى غير جائز، لأنك إذا قلت زيد في الدار لم يحسن أن تضمر" في" فتقول زيد الدار، ولكن الخفض جائز. على معنى إذ أعناقهم في الأغلال والسلاسل، فتخفض السلاسل على النسق على تأويل الأغلال، لأن الأغلال في تأويل الخفض، كما تقول: خاصم عبد الله زيدا العاقلين فتنصب العاقلين. ويجوز رفعهما، لأن أحدهما إذا خاصم صاحبه فقد خاصمه صاحبه، أنشد الفراء:
قد سالم الحيات منه القدماء ... الأفعون والشجاع الشجعما «1»
فنصب الأفعوان على الإتباع للحيات إذا سالمت القدم فقد سالمتها القدم. فمن نصب السلاسل أو خفضها لم يقف عليها." الْحَمِيمِ" لا لمتناهي في الحر. وقيل: الصديد المغلي."
__________
(1). الشجعم: الضخم من الحيات.

ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ" أي يطرحون فيها فيكونون وقودا لها، قال مجاهد. يقال: سجرت التنور أي أوقدته، وسجرته ملأته، ومنه" وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ" [الطور: 6] أي المملوء. فالمعنى على هذا تملأ بهم النار وقال الشاعر يصف وعلا:
إذا شاء طالع مسجورة ... وترى حولها النبع والسمسما
أي عينا مملوءة." ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ" وهذا تقريع وتوبيخ." قالُوا ضَلُّوا عَنَّا" أي هلكوا وذهبوا عنا وتركونا في العذاب، من ضل الماء في اللبن أي خفي. وقيل: أي صاروا بحيث لا نجدهم." بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً" أي شيئا لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع. وليس هذا إنكارا لعبادة الأصنام، بل هو اعتراف بأن عبادتهم الأصنام كانت باطلة، قال الله تعلى:" كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ" أي كما فعل بهؤلاء من الإضلال يفعل بكل كافر. قوله تعالى:" ذلِكُمْ" أي ذلكم العذاب" بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ" بالمعاصي يقال لهم ذلك توبيخا. أي إنما نالكم هذا بما كنتم تظهرون في الدنيا من السرور بالمعصية وكثرة المال والأتباع والصحة. وقيل إن فرحهم بها عندهم أنهم قالوا للرسل: نحن نعلم أنا لا نبعث ولا نعذب. وكذا قال مجاهد في قوله جل وعز:" فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ" [غافر: 83]." وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ" قال مجاهد وغيره: أي تبطرون وتأشرون. وقد مضى في" سبحان" «1» بيانه. وقال الضحاك: الفرح السرور، والمرح العدوان. وروى خالد عن ثور عن معاذ قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إن الله يبغض البذخين الفرحين ويحب كل قلب حزين ويبغض أهل بيت لحمين ويبغض كل حبر سمين" «2» فأما أهل بيت لحمين: فالذين يأكلون لحوم الناس بالغيبة. وأما الحبر السمين: فالمتحبر بعلمه ولا يخبر بعلمه الناس، يعني المستكثر من علمه ولا ينتفع به الناس. ذكره الماوردي. وقد قيل في
__________
(1). راجع ج 10 ص 260 طبعه أولى أو ثانيه.
(2). الحديث في النهاية" إن الله ليبغض أهل البيت اللحمين".

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (79) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (80) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (81)

اللحمين: أنهم الذين يكثرون أكل اللحم، ومنه قول عمر: اتقوا هذه المجازر فإن لها ضراوة «1» كضراوة الخمر، ذكره المهدوي. والأول قول سفيان الثوري." ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ" أي يقال لهم ذلك اليوم، وقد قال الله تعالى:" لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ" [الحجر: 44]." فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ" تقدم جميعه «2». قوله تعالى:" فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ" هذا تسلية للنبي عليه السلام، أي إنا لينتقم لك منهم إما في حياتك أو في الآخرة." فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ" في موضع جزم بالشرط وما زائدة للتوكيد وكذا النون وزال الجزم وبني الفعل على الفتح." أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ" عطف عليه" فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ" الجواب. قوله تعالى:" وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ" عزاه أيضا بما لقيت الرسل من قبله." مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ" أي أنبأناك بأخبارهم وما لقوا من قومهم." وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ" لا يأتي بها من قبل نفسه وإنما هي من عند الله أي من قبل نفسه" إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ" أي إذا جاء الوقت المسمى لعذابهم أهلكهم الله، وانما التأخير لإسلام من علم الله إسلامه منهم ولمن في أصلابهم من المؤمنين. وقيل: أشار بهذا الى القتل ببدر." قضى بينهم بالحق وخسر هنالك المبطلون" أي الذين يتبعون الباطل والشرك.

[سورة غافر (40): الآيات 79 الى 81]
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ (79) وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (80) وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (81)
قوله تعالى:" اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ" قال أبو إسحاق الزجاج: الأنعام ها هنا الإبل." لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ" فاحتج من منع أكل الخيل وأباح أكل الجمال بأن
__________
(1). الضراوة في قول عمر العادة في النفس الطلابة لأكل اللحم، وهى حال ناشئة عن الاعتياد.
(2). راجع ج 10 ص 30 وص 100 طبعه أولى أو ثانيه.

أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85)

الله عز وجل قال في الأنعام:" وَمِنْها تَأْكُلُونَ" وقال في الخيل:" وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها" [النحل: 8] ولم يذكر إباحة أكلها. وقد مضى هذا في" النحل" «1» مستوفى. قوله تعالى:" وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ" في الوبر والصوف والشعر واللبن والزبد والسمن والجبن وغير ذلك." وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ" أي تحمل الأثقال والأسفار. وقد مضى في" النحل" «2» بيان هذا كله فلا معنى لإعادته. ثم قال:" وَعَلَيْها" يعني الأنعام في البر" وَعَلَى الْفُلْكِ" في البحر" تُحْمَلُونَ.- يُرِيكُمْ آياتِهِ"
أي آياته الدالة على وحدانيته وقدرته فيما ذكر."أَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ
" نصب" أيا" ب" تنكرون"، لأن الاستفهام له صدر الكلام فلا يعمل فيه ما قبله، ولو كان مع الفعل هاء لكان الاختيار في" أي" الرفع، ولو كان الاستفهام بألف أو هل وكان بعدهما اسم بعده فعل معه هاء لكان الاختيار النصب، أي إذا كنتم لا تنكرون أن هذه الأشياء من الله فلم تنكرون قدرته على البعث والنشر

[سورة غافر (40): الآيات 82 الى 85]
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (83) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (85)
قوله تعالى:" أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ" حتى يشاهدوا آثار الأمم السالفة" كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ" عددا" وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ" من الأبنية والأموال وما أدلوا به من الأولاد والاتباع، يقال: دلوت بفلان إليك أي استشفعت
__________
(1). راجع ج 10 ص 96 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.
(2). راجع ج 10 ص 71 طبعه أولى أو ثانيه. [.....]

به إليك. وعلى هذا" ما" للجحد أي فلم يغن عنهم ذلك شيئا. وقيل:" ما" للاستفهام أي أي شي أغنى عنهم كسبهم حين هلكوا ولم ينصرف" وزن أفعل. وزعم الكوفيون أن كل ما لا ينصرف فإنه يجوز أن ينصرف إلا أفعل من كذا فإنه لا يجوز صرفه بوجه في شعر ولا غيره إذا كانت معه من. قال أبو العباس: ولو كانت من المانعة من صرفه لوجب ألا يقال: مررت بخير منك وشر منك «1» ومن عمرو. قوله تعالى:" فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ" أي بالآيات الواضحات." فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ" في معناه ثلاثة أقوال. قال مجاهد: إن الكفار الذين فرحوا بما عندهم من العلم قالوا: نحن أعلم منهم لن نعذب ولن نبعث. وقيل: فرح الكفار بما عندهم من علم الدنيا نحو" يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا" [الروم: 7]. وقيل: الذين فرحوا الرسل لما كذبهم قومهم أعلمهم الله عز وجل أنه مهلك الكافرين ومنجيهم والمؤمنين ف" فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ" بنجاة المؤمنين" وَحاقَ بِهِمْ" أي بالكفار" ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ" أي عقاب استهزائهم بما جاء به الرسل صلوات الله عليهم. قوله تعالى:" فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا" أي عاينوا العذاب." قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ" أي بالأوثان التي أشركناهم في العبادة" فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ" بالله عند معاينة العذاب وحين رأوا البأس." سُنَّتَ اللَّهِ" مصدر، لأن العرب تقول: سن يسن سنا وسنة، أي سن الله عز وجل في الكفار أنه لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا العذاب. وقد مضى هذا مبينا في" النساء" «2» و" يونس" «3» وأن التوبة لا تقبل بعد رؤية العذاب وحصول العلم الضروري. وقيل: أي احذروا يا أهل مكة سنة الله في إهلاك الكفرة ف" سُنَّتَ اللَّهِ" منصوب على التحذير والإغراء." وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ" قال الزجاج: وقد كانوا خاسرين من قبل ذلك إلا أنه بين لنا الخسران لما رأوا العذاب. وقيل: فيه تقديم وتأخير، أي" فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ" كسنتنا في جميع الكافرين ف" سنة" نصب بنزع الخافض أي كسنة الله في الأمم كلها. والله أعلم. ثم تفسير سورة" غافر" والحمد لله.
__________
(1). الزيادة من اعراب القرآن للنحاس.
(2). راجع ج 5 ص 92 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.
(3). راجع ج 8 ص 384 طبعه أولى أو ثانيه.

حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5)

[تفسير سورة فصلت ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سورة فصلت مكية في قول الجميع وهى أربع وخمسون، وقيل: ثلاث وخمسون آية.

[سورة فصلت (41): الآيات 1 الى 5]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (2) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (4)
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (5)
قوله تعالى:" حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" قال الزجاج:" تَنْزِيلٌ" رفع بالابتداء وخبره" كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ" وهذا قول البصريين. وقال الفراء: يجوز أن يكون رفعه على إضمار هذا. ويجوز أن يقال:" كتاب" بدل من قوله:" تَنْزِيلٌ". وقيل: نعت لقوله:" تَنْزِيلٌ". وقيل:" حم" أي هذه" حم" كما تقول با ب كذا، أي هو باب كذا ف" حم" خبر ابتداء مضمر أي هو" حم"، وقوله:" تَنْزِيلٌ" مبتدأ آخر، وقوله:" كِتابٌ" خبر." فُصِّلَتْ آياتُهُ" أي بينت وفسرت. قال قتادة: ببيان حلاله من حرامه، وطاعته من معصيته. الحسن: بالوعد والوعيد. سفيان: بالثواب والعقاب. وقرى" فصلت" أي فرقت بين الحق والباطل، أو فصل بعضها من بعض باختلاف معانيها، من قولك فصل أي تباعد من البلد." قُرْآناً عَرَبِيًّا" في نصبه وجوه، قال الأخفش: هو نصب على المدح. وقيل: على إضمار فعل، أي اذكر" قُرْآناً عَرَبِيًّا". وقيل: على إعادة الفعل، أي فصلنا" قُرْآناً عَرَبِيًّا". وقيل: على الحال أي" فُصِّلَتْ آياتُهُ" في حال كونه" قُرْآناً عَرَبِيًّا". وقيل: لما شغل" فُصِّلَتْ" بالآيات حتى صارت بمنزلة الفاعل انتصب." قُرْآناً" لوقوع البيان عليه. وقيل: على القطع." لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" قال الضحاك: أي إن

القرآن منزل من عند الله. وقال مجاهد: أي يعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل. وقيل: يعلمون العربية فيعجزون عن مثله ولو كان غير عربي لما علموه. قلت: هذا أصح، والسورة نزلت تقريعا وتوبيخا لقريش في إعجاز القرآن." بَشِيراً وَنَذِيراً" حالان من الآيات والعامل فيه" فُصِّلَتْ". وقيل: هما نعتان للقرآن" بَشِيراً" لأولياء الله" نَذِيراً" لأعدائه. وقرى" بشير ونذير" صفة للكتاب. أو خبر مبتدإ محذوف" فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ" يعني أهل مكة" فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ" سماعا ينتفعون به. وروي أن الريان بن حرملة قال: قال الملأ من قريش وأبو جهل قد التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم رجلا عالما بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم آتانا ببيان من أمره، فقال عتبة ابن ربيعة: والله لقد سمعت الكهانة والشعر والسحر، وعلمت من ذلك علما لا يخفى علي إن كان كذلك. فقالوا: ايته فحدثه. فأتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال له: يا محمد أنت خير أم قصي بن كلاب؟ أنت خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ فبم تشتم آلهتنا، وتضلل آباءنا، وتسفه أحلامنا، وتذم ديننا؟ فإن كنت إنما تريد الرياسة عقدنا إليك ألويتنا فكنت رئيسنا ما بقيت، وإن كنت تريد الباءة زوجناك عشر نساء من أي بنات قريش شئت، وإن كنت تريد المال جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا من الجن قد غلب عليك بذلنا لك أموالنا في طلب ما تتداوى به أو نغلب فيك. والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ساكت، فلما فرغ قال:" قد فرغت يا أبا الوليد" قال: نعم. (قال فاسمع منى) «1» قال يا بن أخى أسمع. قال" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" إلى قول:" فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ" [فصلت: 13] فوثب عتبة ووضع يده على فم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وناشده الله والرحم ليسكتن، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش فجاءه أبو جهل، فقال:
__________
(1). الزيادة من سيرة ابن هشام.

أصبوت إلى محمد؟ أم أعجبك طعامه؟ فغضب عتبة وأقسم ألا يكلم محمدا أبدا، ثم قال: والله لقد تعلمون أني من أكثر قريش مالا، ولكني لما قصصت عليه القصة أجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر، ثم تلا عليهم ما سمع منه إلى قوله:" مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ" [فصلت: 13] وأمسكت بفيه وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فوالله لقد خفت أن ينزل بكم العذاب، يعني الصاعقة. وقد روى هذا الخبر أبو بكر الأنباري في كتاب الرد له عن محمد بن كعب القرظي، وأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرأ" حم. فصلت" حتى انتهى إلى السجدة فسجد وعتبة مصغ يستمع، قد اعتمد على يديه من وراء ظهره. فلما قطع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القراءة قال له:" يا أبا الوليد قد سمعت الذي قرأت عليك فأنت وذاك" فانصرف عتبة إلى قريش في ناديها فقالوا: والله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي مضى به من عندكم. ثم قالوا: ما وراءك أبا الوليد؟ قال: والله لقد سمعت كلاما من محمد ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالكهانة، فأطيعوني في هذه وأنزلوها بي، خلوا محمدا وشأنه واعتزلوه، فوالله ليكونن لما سمعت من كلامه نبأ، فان أصابته العرب كفيتموه بأيدي غيركم، وإن كان ملكا أو نبيا كنتم أسعد الناس به، لأن ملكه ملككم وشرفه شرفكم. فقالوا: هيهات سحرك محمد يا أبا الوليد. وقال: هذا رأيي لكم فاصنعوا ما شئتم. قوله تعالى:" وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ" الأكنة جمع كنان وهو الغطاء. وقد مضى في" البقرة" «1». قال مجاهد: الكنان للقلب كالجنة للنبل." وَفِي آذانِنا وَقْرٌ" أي صمم، فكلامك لا يدخل أسماعنا، وقلوبنا مستورة من فهمه." وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ" أي خلاف في الدين، لأنهم يعبدون الأصنام وهو يعبد الله عز وجل. قال معناه الفراء وغيره. وقيل: ستر مانع عن الإجابة. وقيل: إن أبا جهل استغشى على رأسه ثوبا وقال: يا محمد بيننا وبينك حجاب. استهزاء منه. حكاه النقاش وذكره القشيري. فالحجاب هنا (!)
__________
(1). راجع ج 2 ص 25 طبعه ثانيه.

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8)

الثوب." فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ" أي اعمل في هلاكنا فإنا عاملون في هلاكك، قاله الكلبي. وقال مقاتل: اعمل لإلهك الذي أرسلك، فإنا نعمل لآلهتنا التي نعبدها. وقيل: أعمل بما يقتضيه دينك، فإنا عاملون بما يقتضيه ديننا. ويحتمل خامسا «1»: فاعمل لآخرتك فإنا نعمل لدنيانا، ذكره الماوردي.

[سورة فصلت (41): الآيات 6 الى 8]
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (7) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8)
قوله تعالى:" قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ" أي لست بملك بل أنا من بني آدم. قال الحسن: علمه الله تعالى التواضع." يُوحى إِلَيَّ" أي من السماء على أيدي الملائكة" أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ"" ف" آمنوا به و" فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ" أي وجهوا وجوهكم بالدعاء له والمسألة إليه، كما يقول الرجل: أستقم إلى منزلك، أي لا تعرج على شي غير القصد إلى منزلك." وَاسْتَغْفِرُوهُ" أي من شرككم." وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ" قال ابن عباس: لا يشهدون" أن لا إله إلا الله" وهي زكاة الأنفس. وقال قتادة: لا يقرون بالزكاة أنها واجبة. وقال الضحاك ومقاتل: لا يتصدقون ولا ينفقون في الطاعة. قرعهم بالشح الذي يأنف منه الفضلاء، وفية دلالة على أن الكافر يعذب بكفر مع منع وجوب الزكاة عليه. وقال الفراء وغيره: كان المشركون ينفقون النفقات، ويسقون الحجيج ويطعمونهم، فحرموا ذلك على من آمن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فنزلت فيهم هذه الآية." وهم بالآخرة هم كافرون" فلهذا لا ينفقون في الطاعة ولا يستقيمون ولا يستغفرون.
__________
(1). لم يذكر المصنف إلا أربعة أقوال ولعل الخامس ما ذكره الكشاف:" فاعمل في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك."

الزمخشري: فإن قلت لم خص من بين أوصاف المشركين منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة؟ قلت: لأن أحب شي إلى الإنسان ماله، وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على ثباته واستقامته وصدق نيته ونصوع طويته «1» ألا ترى إلى قوله عز وجل:" وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ" [البقرة: 265] أي يثبتون أنفسهم، ويدلون على ثباتها بإنفاق الأموال، وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة «2» من الدنيا، فقويت عصبتهم ولانت شكيمتهم، واهل الردة بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما تظاهروا إلا بمنع الزكاة، فنصبت لهم الحروب وجوهدوا. وفيه بعث للمؤمنين على أداء الزكاة، وتخويف شديد من منعها، حيث جعل المنع من أوصاف المشركين، وقرن بالكفر بالآخرة. قوله تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ" قال ابن عباس: غير مقطوع، مأخوذ من مننت الحبل إذا قطعته، ومنه قول ذي الإصبع:
إني لعمرك ما بابي بذي غلق ... - على الصديق ولا خيري بممنون «3»
وقال آخر:
فترى خلفها من الرجع والوق ... - ع منينا كأنه أهباء
يعني بالمنين الغبار المنقطع الضعيف. وعن ابن عباس أيضا ومقاتل: غير منقوص. ومنه المنون، لأنها تنقص منه الإنسان أي قوته، وقال قطرب، وأنشد قول زهير:
فضل الجياد على الخيل البطاء فلا ... - يعطي بذلك ممنونا ولا نزقا «4»
قال الجوهري: والمن القطع، ويقال النقص، ومنه قوله تعالى:" لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ". وقال لبيد:
غبس كواسب لا يمن طعامها «5»
__________
(1). الزيادة من تفسير الزمخشري.
(2). اللمظة في اللغة: النكتة من بياض أو سواد، والمراد بها هنا الشيء اليسير من حطام الدنيا.
(3). ويروى: ولا زادي بممنون.
(4). البيت من قصيدة يمدح بها هرم بن سنان.
(5). صدر البيت:
لمعفر قهد تنازع شلوه

وقد وقع هذا البيت غلطا في بعض نسخ الجوهري فراجع تحقيقه في اللسان مادة" من."

قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)

وقال مجاهد:" غير ممنون" غير محسوب. وقيل:" غير ممنون" عليهم به. قال السدي: نزلت في الزمني والمرضى والهرمى إذا ضعفوا عن الطاعة كتب لهم من الأجر كأصح ما كانوا يعملون فيه.

[سورة فصلت (41): الآيات 9 الى 12]
قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (11) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)
قوله تعالى:" قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ" أإنكم" بهمزتين الثانية بين بين و" أَإِنَّكُمْ" بألف بين همزتين وهو استفهام معناه التوبيخ. أمره بتوبيخهم والتعجب من فعلهم، أي لم تكفرون بالله وهو خالق السموات والأرض؟!" في يومين" الأحد والاثنين." وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً" أي أضدادا وشركاء" ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ."" وَجَعَلَ فِيها" أي في الأرض" رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها" يعني الجبال. وقال وهب: لما خلق الله الأرض مادت على وجه الماء، فقال لجبريل ثبتها يا جبريل. فنزل فأمسكها فغلبته الرياح، قال: يا رب أنت أعلم لقد غلبت فيها فثبتها بالجبال وأرساها" وَبارَكَ فِيها" بما خلق فيها من المنافع. قال السدي: أنبت فيها شجرها." وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها" قال السدي والحسن: أرزاق أهلها ومصالحهم. وقال قتادة ومجاهد: خلق فيها أنهارها وأشجارها ودوابها في يوم الثلاثاء والأربعاء. وقال عكرمة والضحاك: معنى" قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها" أي أرزاق أهلها وما يصلح لمعايشهم من

التجارات والأشجار والمنافع في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة والأسفار من بلد إلى بلد. قال عكرمة: حتى إنه في بعض البلاد ليتبايعون الذهب بالملح مثلا بمثل. وقال مجاهد والضحاك: السابري من سابور، والطيالسة من الري، والحبر اليمانية من اليمن." في أربعة أيام" يعني في تتمة أربعة أيام. ومثاله قول القائل: خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وإلى الكوفة في خمسة عشر يوما، أي في تتمة خمسة عشر يوما. قال معناه ابن الأنباري وغيره." سواء للسائلين" قال الحسن: المعنى في أربعة أيام مستوية تامة. الفراء: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: وقدر فيها أقواتها سواء للمحتاجين. واختاره الطبري. وقرا الحسن، البصري ويعقوب الحضرمي" سواء للسائلين" بالجر وعن ابن القعقاع" سواء" بالرفع، فالنصب على المصدر و" سواء" بمعنى استواء أي استوت استواء. وقيل: على الحال والقطع، والجر على النعت لأيام أو لأربعة أي" فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ" مستوية تامة. والرفع على الابتداء والخبر" لِلسَّائِلِينَ" أو على تقدير هذه" سواء للسائلين". وقال أهل المعاني: معنى" سواء للسائلين" ولغير السائلين، أي خلق الأرض وما فيها لمن سأل ولمن لم يسأل، ويعطي من سأل ومن لا يسأل. قوله تعالى:" ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ" أي عمد إلى خلقها وقصد لتسويتها. والاستواء من صفة الأفعال على أكثر الأقوال، يدل عليه قوله تعالى:" ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ" [البقرة: 29] وقد مضى القول هناك «1». وروى أبو صالح عن ابن عباس في قوله:" ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ" يعني صعد أمره إلى السماء، وقال الحسن. ومن قال: إنه صفة ذاتية زائدة قال: استوى في الأزل بصفاته. و" ثم" ترجع إلى نقل السماء من صفة الدخان إلى حالة الكثافة، وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس، على ما مضى في [البقرة] عن ابن مسعود وغيره." فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً" أي جيئا بما خلقت فيكما من المنافع والمصالح وأخرجاها لخلقي. قال ابن عباس: قال الله تعالى للسماء: أطلعي شمسك
__________
(1). راجع ج 1 ص 254 وما بعدها طبعه ثانية أو ثالثة.

وقمرك وكواكبك، واجري رياحك وسحابك، وقال للأرض: شقي أنهارك واخرجي شجرك وثمارك طائعتين أو كارهتين" قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ" في الكلام حذف أي أتينا أمرك" طائعين". وقيل: معنى هذا الأمر التسخير، أي كونا فكانتا كما قال تعالى:" إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" [النحل: 40] فعلى هذا قال ذلك قبل خلقهما. وعلى القول الأول قال ذلك بعد خلقهما. وهو قول الجمهور. وفي قوله تعالى لهما وجهان: أحدهما أنه قول تكلم به. الثاني أنها قدرة منه ظهرت لهما فقام مقام الكلام في بلوغ المراد، ذكره الماوردي." قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ" فيه أيضا وجهان: أحدهما أنه ظهور الطاعة منهما حيث انقادا وأجابا فقام مقام قولهما، ومنه قول الراجز:
امتلأ الحوض وقال قطني ... - مهلا رويدا قد ملأت بطني
يعني ظهر ذلك فيه. وقال أكثر أهل العلم: بل خلق الله فيهما الكلام فتكلمتا كما أراد تعالى: قال أبو نصر السكسكي: فنطق من الأرض موضع الكعبة، ونطق من السماء ما بحيالها، فوضع الله تعالى فيه حرمه. وقال:" طائعين" ولم يقل طائعتين على اللفظ ولا طائعات على المعنى، لأنهما سموات وأرضون، لأنه أخبر عنهما وعمن فيهما، وقيل: لما وصفهن بالقول والإجابة وذلك من صفات من يعقل أجراهما في الكناية مجرى من يعقل، ومثله:" رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ" [يوسف: 4] وقد تقدم «1». وفي حديث: إن موسى عليه الصلاة والسلام قال: يا رب لو أن السموات والأرض حين قلت لهما" ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً" عصياك ما كنت صانعا بهما؟ قال كنت آمر دابة من دوابي فتبتلعهما. قال: يا رب وأين تلك الدابة؟ قال: في مرج من مروجي. قال: يا رب وأين ذلك المرج؟ قال علم من علمي. ذكره الثعلبي. وقرا ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة" آتيا" بالمد والفتح. وكذلك قوله:" آتينا طائعين" على معنى أعطيا الطاعة من أنفسكما" قالَتا" أعطينا" طائعين" فحذف المفعولين جميعا. ويجوز وهو أحسن أن يكون" آتينا" فاعلنا فحذف مفعول واحد. ومن قرأ" آتينا" فالمعنى جئنا بما فينا، على ما تقدم بيانه في غير ما موضع والحمد لله.
__________ (1). راجع ج 7 ص 344 وج 9 ص 122 طبعه أولى أو ثانية.

قوله تعالى:" فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ" أي أكملهن وفرغ منهن. وقيل. أحكمهن كما قال «1»:
وعليهما مسرودتان قضاهما ... - داود أو صنع السوابغ تبع
" في يومين" سوى الأربعة الأيام التي خلق فيها الأرض، فوقع خلق السموات والأرض في ستة أيام، كما قال تعالى:" خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ" [الأعراف: 54] على ما تقدم في [الأعراف «2»] بيانه. قال مجاهد: ويوم من الستة الأيام كألف سنة مما تعدون. وعن عبد الله بن سلام قال: خلق الله الأرض في يومين، وقدر فيها أقواتها في يومين، وخلق السموات في يومين، خلق الأرض في يوم الأحد والاثنين، وقدر فيها أقواتها في يومين، وخلق السموات في يومين، خلق الأرض في يوم الأحد والاثنين، وقدر فيها أقواتها يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، وخلق السموات في يوم الخميس ويوم الجمعة، وأخر ساعة في يوم الجمعة خلق الله آدم في عجل، وهي التي تقوم فيها الساعة، وما خلق الله من دابة إلا وهي تفزع من يوم الجمعة إلا الإنس والجن. على هذا أهل التفسير، إلا ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيدي، فقال:" خلق الله التربة يوم السبت" الحديث، وقد تكلمنا على إسناده في أول سورة (الأنعام) «3»." وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها" قال قتادة والسدي: خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وأفلاكها، وخلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد والثلوج. وهو قول ابن عباس، قال: ولله في كل سماء بيت تحج إليه وتطوف به الملائكة بحذاء الكعبة، والذي في السماء الدنيا هو البيت المعمور. وقيل: أوحى الله في كل سماء، أي أوحى فيها ما أراده وما أمر به فيها. والإيحاء قد يكون أمرا، لقوله:" بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها" [الزلزلة: 5] وقوله:" وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ" [المائدة: 111] أي أمرتهم وهو أمر تكوين." وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ" أي بكواكب تضيء وقيل: إن في كل سماء كواكب تضيء. وقيل: بل الكواكب مختصة بالسماء الدنيا." وَحِفْظاً" أي وحفظناها حفظا، أي من الشياطين الذين يسترقون السمع. وهذا
__________
(1). هو أبو ذؤيب الهذلي. والصنع بفتحتين الحاذق. [.....]
(2). راجع ج 7 ص 219 طبعه أولى أو ثانية.
(3). راجع ج 6 ص 384 طبعه أولى أو ثانية.

فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (14) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16)

لا لحفظ بالكواكب التي ترجم بها الشياطين على ما تقدم في [الحجر «1»] بيانه. وظاهر هذه الآية يدل على أن الأرض خلقت قبل السماء. وقال في آية أخرى:" أَمِ السَّماءُ بَناها" [النازعات: 27] ثم قال:" وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها" [النازعات: 30] وهذا يدل على خلق السماء أولا. وقال قوم: خلقت الأرض قبل السماء، فأما قوله:" وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها" [النازعات: 30] فالدحو غير الخلق، فالله خلق الأرض ثم خلق السموات، ثم دحا الأرض أي مدها وبسطها، قال ابن عباس. وقد مضى هذا المعنى مجودا في" البقرة" «2» والحمد لله." ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ".

[سورة فصلت (41): الآيات 13 الى 16]
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (13) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (14) فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (16)
قوله تعالى:" فَإِنْ أَعْرَضُوا" يعني كفار قريش عما تدعوهم إليه يا محمد من الإيمان." فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ" أي خوفتكم هلاكا مثل هلاك عاد وثمود." إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ" يعني من أرسل إليهم وإلى من قبلهم" أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ" موضع" أن" نصب بإسقاط الخافض أي ب" أَلَّا تَعْبُدُوا"" و" قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً" بدل الرسل" فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ" من الإنذار والتبشير. قيل: هذا استهزاء منهم. وقيل: اقرا بإرسالهم ثم بعده جحود وعناد.
__________
(1). راجع ج 10 ص 10 طبعه أولى أو ثانية.
(2). راجع ج 1 ص 255 وما بعدها طبعه ثانية أو ثالثة.

قوله تعالى:" فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ" على عباد الله هود ومن آمن معه" بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً" اغتروا بأجسامهم حين تهددهم بالعذاب، وقالوا: نحن نقدر على دفع العذاب عن أنفسنا بفضل قوتنا. وذلك أنهم كانوا ذوي أجسام طوال وخلق عظيم. وقد مضى في [الأعراف «1»] عن ابن عباس: أن أطولهم كان مائة ذراع وأقصرهم كان ستين ذراعا. فقال الله تعالى ردا عليهم:" أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً" وقدرة، وإنما يقدر العبد بإقدار الله، فالله أقدر إذا." وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ" أي بمعجزاتنا يكفرون. قوله تعالى،" فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً" هذا تفسير الصاعقة التي أرسلها عليهم، أي ريحا باردة شديدة البرد وشديدة الصوت والهبوب. ويقال: أصلها صرر من الصر وهو البرد «2» فابدلوا مكان الراء الوسطى فاء الفعل، كقولهم كبكبوا أصله كببوا، وتجفجف الثوب أصله تجفف. أبو عبيدة: معنى صرصر: شديدة عاصفة. عكرمة وسعيد بن جبير: شديد البرد. وأنشد قطرب قول الحطيئة:
المطعمون إذا هبت بصرصرة ... - والحاملون إذا استودوا على الناس
استودوا: إذا سئلوا الدية. مجاهد: الشديدة السموم. وروى معمر عن قتادة قال: باردة. وقاله عطاء، لأن" صرصرا" مأخوذ من صر والصر في كلام العرب البرد»
كما قال:
لها عذر كقرون النسا ... - ء ركبن في يوم ريح وصر
وقال السدي: الشديدة الصوت. ومنه صر القلم والباب يصر صريرا أي صوت. ويقال: درهم صري وصري للذي له صوت إذا نقد. قال ابن السكيت: صرصر يجوز أن يكون من الصر وهو البرد، ويجوز أن يكون من صرير الباب، ومن الصرة وهي الصيحة. ومنه" فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ" [الذاريات: 29]. وصرصر اسم نهر بالعراق." فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ" أي مشئومات،
__________
(1). راجع ج 7 ص 236 طبعه أولى أو ثانية.
(2). الزيادة من اللسان عن ابن السكيت لأن هذا الكلام له.
(3). هو امرؤ القيس يصف فرسه.

قاله مجاهد وقتادة. كن آخر شوال من يوم الأربعاء إلى يوم الأربعاء وذلك" سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً" [الحاقة: 7] قال ابن عباس: ما عذب قوم إلا في يوم الأربعاء. وقيل:" نَحِساتٍ" باردات، حكاه النقاش. وقيل: متتابعات، عن ابن عباس وعطية. الضحاك: شداد. وقيل: ذات غبار، حكاه ابن عيسى. ومنه قول الراجز:
قد اغتدى قبل طلوع الشمس ... - للصيد في يوم قليل النحس
قال الضحاك وغيره: أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، ودرت الرياح عليهم في غير مطر، وخرج منهم قوم إلى مكة يستسقون بها للعباد، وكان الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم بلاء أو جهد طلبوا إلى الله تعالى الفرج منه، وكانت طلبتهم ذلك من الله تعالى عند بيته الحرام مكة مسلمهم وكافرهم، فيجتمع بمكة ناس كثير شتى، مختلفة أديانهم، وكلهم معظم لمكة، عارف حرمتها ومكانها من الله تعالى. وقال جابر بن عبد الله والتيمي: إذا أراد الله بقوم خيرا أرسل عليهم المطر وحبس عنهم كثرة الرياح، وإذا أراد الله بقوم شرا حبس عنهم المطر وسلط عليهم كثرة الرياح. وقرا نافع وابن كثير وأبو عمرو" نحسات" بإسكان الحاء على أنه جمع نحس الذي هو مصدر وصف به. الباقون:" نَحِساتٍ" بكسر الحاء أي ذوات نحس. ومما يدل على أن النحس مصدر قوله:" فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ" [القمر: 19] ولو كان صفة لم يضف اليوم إليه، وبهذا كان يحتج أبو عمرو على قراءته، واختاره أبو حاتم. واختار أبو عبيد القراءة الثانية وقال: لا تصح حجة أبي عمرو، لأنه أضاف اليوم إلى النحس فأسكن، وإنما كان يكون حجة لو نون اليوم ونعت وأسكن، فقال:" فِي يَوْمِ نَحْسٍ" [القمر: 19] وهذا لم يقرأ به أحد نعلمه. وقال المهدوي: ولم يسمع في" نحس" إلا الإسكان. قال الجوهري: وقرى في قوله" فِي يَوْمِ نَحْسٍ" [القمر: 19] على الصفة، والإضافة أكثر وأجود. وقد نحس الشيء بالكسر فهو نحس أيضا، قال الشاعر:
أبلغ جذاما ولخما أن إخوتهم ... طيا وبهراء قوم نصرهم نحس
ومنه قيل: أيام نحسات." لِنُذِيقَهُمْ" أي لكي نذيقهم" عذاب الخزي في الحياة الدنيا" أي العذاب بالريح العقيم." وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى " أي أعظم وأشد." وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ."

وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (18) وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21)

[سورة فصلت (41): الآيات 17 الى 18]
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (18)
قوله تعالى:" وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ" أي بينا لهم الهدى والضلال، عن ابن عباس وغيره. وقرا الحسن وابن أبي إسحاق وغيرهما" وأما ثمود" بالنصب وقد مضى الكلام فيه في [الأعراف «1»]." فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى " أي اختاروا الكفر على الإيمان. وقال أبو العالية: اختاروا العمى على البيان. السدي: اختاروا المعصية على الطاعة." فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ"" الْهُونِ" بالضم الهوان. وهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس ابن مضر أخو كنانة وأسد. وأهانه: استخف به. والاسم الهوان والمهانة. وأضيف الصاعقة إلى العذاب، لأن الصاعقة اسم للمبيد المهلك، فكأنه قال مهلك العذاب، أي العذاب المهلك. والهون وإن كان مصدرا فمعناه الإهانة والإهانة عذاب، فجاز أن يجعل أحدهما وصفا للآخر، فكأنه قال: صاعقة الهون. وهو كقولك: عندي علم اليقين، وعندي العلم اليقين. ويجوز أن يكون الهون اسما مثل الدون، يقال: عذاب هون أي مهين كما قال:" ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ". [سبأ: 14]. وقيل: أي صاعقة العذاب الهون." بِما كانُوا يَكْسِبُونَ" من تكذيبهم صالحا وعقرهم الناقة، على ما تقدم." وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا" يعني صالحا ومن آمن به، أي ميزناهم عن الكفار، فلم يحل بهم ما حل بالكفار، وهكذا يا محمد نفعل بمؤمني قومك وكفارهم.

[سورة فصلت (41): الآيات 19 الى 21]
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21)
__________
(1). راجع ج 7 ص 238 طبعه أولى أو ثانيه.

قوله تعالى:" وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ" قرأ نافع" نحشر" بالنون" أعداء" بالنصب. الباقون" يحشر" بياء مضمومة" أعداء" بالرفع ومعناهما بين. وأعداء الله: الذين كذبوا رسله وخالفوا أمره." فَهُمْ يُوزَعُونَ" يساقون ويدفعون إلى جهنم. قال قتادة والسدي: يحبس أولهم عل آخرهم حتى يجتمعوا، قال أبو الأحوص: فإذا تكاملت العدة بدئ بالأكابر فالأكابر جرما. وقد مضى في" النمل" «1» الكلام في" يُوزَعُونَ" [النمل: 17] مستوفى. قوله تعالى:" حَتَّى إِذا ما جاؤُها"" ما" زائدة" شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ" الجلود يعني بها الجلود أعيانها في قول أكثر المفسرين وقال السدي وعبيد الله بن أبي جعفر والفراء: أراد بالجلود الفروج، وأنشد بعض الأدباء لعامر بن جوية:
المرء يسعى للسلا ... - مه والسلامة حسبه «2»
أو سالم من قد تثنى ... - جلده وابيض رأسه
وقال: جلده كناية عن فرجه." وَقالُوا" يعنى الكفار" لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا" وإنما كنا نجادل عنكم" قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ" لما خاطبت وخوطبت أجريت مجرى من يعقل." وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ" أي ركب الحياة فيكم بعد أن كنتم نطفا، فمن قدر عليه قدر على أن ينطق الجلود وغيرها من الأعضاء. وقيل:" وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ" ابتداء كلام من الله." وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله فضحك فقال:" هل تدرون مم أضحك" قلنا: الله ورسوله أعلم، قال:" من مخاطبة العبد ربه يقول يا رب ألم تجزني من الظلم قال: يقول بلى قال فيقول فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني قال يقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا قال فيختم على فيه فيقال لأركانه انطقي فتنطق بأعماله قال ثم يخلي بينه وبين الكلام قال فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل" وفي حديث أبي هريرة ثم يقال:" الآن نبعث شاهدنا
__________
(1). راجع ج 13 ص 167 وما بعدها طبعه أولى وثانيه.
(2). كذا في الأصول ولم نعثر على هذين البيتين.

وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24) وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25)

عليك ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي فيختم على فيه ويقال لفخذه (ولحمه وعظامه) «1» انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه «2» وذلك المنافق وذلك الذي سخط الله عليه" خرجه أيضا مسلم.

[سورة فصلت (41): الآيات 22 الى 25]
وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24) وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (25)
قوله تعالى:" وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ" يجوز أن يكون هذا من قول الجوارح لهم: ويجوز أن يكون من قول الله عز وجل أو الملائكة. وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: اجتمع عند البيت ثلاثة نفر، قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي، قليل فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم: فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟ فقال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله عز وجل:" وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ" الآية، خرجه الترمذي فقال: اختصم عند البيت ثلاثة نفر. ثم ذكره بلفظه حرفا حرفا وقال: حديث حسن صحيح، حدثنا هناد قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمارة ابن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد قال قال عبد الله: كنت مستترا بأستار الكعبة فجاء ثلاثة
__________
(1). الزيادة من صحيح مسلم.
(2). ليعذر من نفسه: على بناء الفاعل من الاعذار والمعنى ليزيل الله عذره من قبل نفسه بكثرة ذنوبه، ولشهادة أعضائه عليه، بحيث لم يبق له عذر. (هامش مسلم).

نفسر كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم قرشي وختناه ثقفيان أو ثقفي وختناه قرشيان فتكلموا بكلام لم أفهمه فقال أحدهم: أترون ان الله يسمع كلامنا هذا، فقال الأخر: إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه: وإذا لم نرفع أصواتنا لم يسمعه، فقال الأخر: ان سمع منه شيئا سمعه كله، فقال عبد الله: فذكرت ذلك للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فانزل الله تعالى:" وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ" الى قوله:" فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ" قال: هذا حديث حسن صحيح. قال الثعلبي: والثقفي عبد ياليل، وختناه ربيعة وصفوان بن أمية. ومعنى" تَسْتَتِرُونَ" تستخفون في قول أكثر العلماء، أي ما كنتم تستخفون من أنفسكم حذرا من شهادة الجوارح عليكم، لأن الإنسان لا يمكنه أن يخفي من نفسه عمله، فيكون الاستخفاء بمعنى ترك المعصية. وقيل: الاستتار بمعنى الاتقاء، أي ما كنتم تتقون في الدنيا أن تشهد عليكم جوارحكم في الآخرة فتتركوا المعاصي خوفا من هذه الشهادة. وقال معناه مجاهد. وقال قتادة:" وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ" أي تظنون" أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ" بأن يقول سمعت الحق وما وعيت وسمعت ما لا يجوز من المعاصي" وَلا أَبْصارُكُمْ" فتقول رأيت آيات الله وما اعتبرت ونظرت فيما لا يجوز" وَلا جُلُودُكُمْ" تقدم." وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ" من أعمالكم فجادلتم على ذلك حتى شهدت عليكم جوارحكم بأعمالكم. روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله:" أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ" قال:" إنكم تدعون يوم القيامة مفدمة أفواهكم بفدام فأول ما يبين عن الإنسان فخذه وكفه" قال عبد الله بن عبد الأعلى «1» الشامي فأحسن.
العمر ينقص والذنوب تزيد ... - تقال عثرات الفتى فيعود
هل يستطيع جحود ذنب واحد ... رجل جوارحه عليه شهود
والمرء يسأل عن سنيه فيشتهي ... تقليلها وعن الممات يحيد
__________
(1). كذا في الأصول وفي كتاب" أدب الدنيا والدين": عبد الأعلى بن عبد الله الشامي.

وعن معقل بن يسار عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" ليس من يوم يأتي على ابن آدم إلا ينادي فيه يا ابن آدم أنا خلق جديد وأنا فيما تعمل غدا عليك شهيد فاعمل في خيرا أشهد لك به غدا فإني لو قد مضيت لم ترني أبدا ويقول الليل مثل ذلك" ذكره أبو نعيم الحافظ وقد ذكرناه في كتاب التذكرة في باب شهادة الأرض والليالي والأيام والمال. وقال محمد بن بشير فأحسن:
مضى أمسك الأدنى شهيدا معدلا ... - ويومك هذا بالفعال شهيد
فإن تك بالأمس اقترفت إساءة ... - فثن بإحسان وأنت حميد
ولا ترج فعل الخير منك إلى غد ... - لعل غدا يأتي وأنت فقيد
قوله تعالى:" وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ" أي أهلككم فأوردكم النار. قال قتادة: الظن هنا بمعنى العلم. وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله فإن قوما أساءوا الظن بربهم فأهلكهم" فذلك قوله:" وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ". وقال الحسن البصري: إن قوما ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة، ويقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي وكذب، ولو أحسن الظن لأحسن العمل، وتلا قول الله تعالى:" وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ". وقال قتادة: من استطاع منكم أن يموت وهو حسن الظن بربه فليفعل، فإن الظن اثنان ظن ينجي وظن يردي. وقال عمر بن الخطاب في هذه الآية: هؤلاء قوم كانوا يدمنون المعاصي ولا يتوبون منها ويتكلمون على المغفرة، حتى خرجوا من الدنيا مفاليس، ثم قرأ:" وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين". قوله تعالى:" فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ" أي فإن يصبروا في الدنيا على أعمال أهل النار فالنار مثوى لهم. نظيره:" فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ" [البقرة: 175] على ما تقدم «1»." وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا" في الدنيا وهم مقيمون على كفرهم" فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ". وقيل: المعنى" فإن يصبروا"
__________
(1). راجع ج 2 ص 236 طبعه ثانيه. [.....]

في النار أو يجزعوا" فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ" أي لا محيص لهم عنها، ودل على الجزع قوله:" وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا" لأن المستعتب جزع والمعتب المقبول عتابه، قال النابغة:
فإن أك مظلوما فعبد ظلمته ... - إن تك ذا عتبى فمثلك يعتب
أي مثلك من قبل الصلح والمراجعة إذا سئل. قال الخليل: العتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجدة. تقول: عاتبته معاتبة، وبينهم أعتوبة يتعاتبون بها. يقال: إذا تعاتبوا أصلح ما بينهم العتاب. وأعتبني فلان: إذا عاد إلى مسرتي راجعا عن الإساءة، والاسم منه العتبى، وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب. واستعتب وأعتب بمعنى، واستعتب أيضا طلب أن يعتب، تقول: استعتبته فأعتبني أي استرضيته فأرضاني. فمعنى" وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا" أي طلبوا الرضا لم ينفعهم ذلك بل لا بد لهم من النار. وفي التفاسير: وإن يستقيلوا ربهم فما هم من المقالين. وقرا عبيد بن عمير وأبو العالية" وإن يستعتبوا" بفتح التاء الثانية وضم الياء على الفعل المجهول" فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ" بكسر التاء أي إن أقالهم الله وردهم إلى الدنيا لم يعملوا بطاعته لما سبق لهم في علم الله من الشقاء، قال الله تعالى:" وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ" [الأنعام: 28] ذكره الهروي. وقال ثعلب: يقال أعتب إذا غضب وأعتب إذا رضي. قوله تعالى:" وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ" قال النقاش: أي هيأنا لهم شياطين. وقيل: سلطنا عليهم قرناء يزينون عندهم المعاصي، وهؤلاء القرناء من الجن والشياطين ومن الإنس أيضا، أي سببنا لهم قرناء، يقال: قيض الله فلانا لفلان أي جاءه به وأتاحه له، ومنه قوله تعالى:" وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ". القشيري: ويقال قيض الله لي رزقا أي أتاحه كما كنت أطلبه، والتقييض الإبدال ومنه المقايضة، قايضت الرجل مقايضة أي عاوضته بمتاع، وهما قيضان كما تقول بيعان." فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ" من أمر الدنيا فحسنوه لهم حتى آثروه على الآخرة" وَما خَلْفَهُمْ" حسنوا لهم ما بعد مماتهم ودعوهم إلى التكذيب بأمور الآخرة، عن مجاهد. وقيل: المعنى" قَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ" في النار" فَزَيَّنُوا لَهُمْ" أعمالهم في الدنيا، والمعنى قدرنا عليهم أن ذلك سيكون وحكمنا به عليهم. وقيل: المعنى أحوجناهم إلى الأقران، أي أحوجنا

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (28) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29)

الفقير إلى الغني لينال منه، والغني إلى الفقير ليستعين به فزين بعضهم لبعض المعاصي. وليس قوله:" وَما خَلْفَهُمْ" عطفا على" ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ" بل المعنى وأنسوهم ما خلفهم ففيه هذا الإضمار قال ابن عباس:" ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ" تكذيبهم بأمور الآخرة" وَما خَلْفَهُمْ" التسويف والترغيب في الدنيا. الزجاج:" ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ" ما عملوه" وَما خَلْفَهُمْ" ما عزموا على أن يعملوه. وقد تقدم قول مجاهد. وقيل: المعنى لهم مثل ما تقدم من المعاصي" وَما خَلْفَهُمْ" ما يعمل بعدهم." وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ" أي وجب عليهم من العذاب ما وجب على الأمم الذين من قبلهم الذين كفروا ككفرهم. وقيل:" في" بمعنى مع، فالمعنى هم داخلون مع الأمم الكافرة قبلهم فيما دخلوا فيه. وقيل:" فِي أُمَمٍ" في جملة أمم، ومثله قول الشاعر «1»:
إن تك عن أحسن الصنيعة ما ... فوكا ففي آخرين قد أفكوا
يريد فأنت في جملة آخرين لست في ذلك بأوحد. ومحل" فِي أُمَمٍ" النصب على الحال من الضمير في" عَلَيْهِمُ" أي حق عليهم القول كائنين في جملة أمم." إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ" أعمالهم في الدنيا وأنفسهم وأهليهم يوم القيامة.

[سورة فصلت (41): الآيات 26 الى 29]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (27) ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (28) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29)
__________
(1). هو عمرو بن أذينة.

قوله تعالى:" وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ" لما أخبر تعالى عن كفر قوم هود وصالح وغيرهم أخبر عن مشركي قريش وأنهم كذبوا القرآن فقالوا:" لا تَسْمَعُوا". وقيل: معنى" لا تَسْمَعُوا" لا تطيعوا، يقال: سمعت لك أي أطعتك." وَالْغَوْا فِيهِ" قال ابن عباس: قال أبو جهل إذا قرأ محمد فصيحوا في وجهه حتى لا يدري ما يقول. وقيل: إنهم فعلوا ذلك لما أعجزهم القرآن. وقال مجاهد: المعنى" وَالْغَوْا فِيهِ" بالمكاء والتصفيق والتخليط في المنطق. حتى يصير لغوا. وقال الضحاك: أكثروا الكلام ليختلط عليه ما يقول. وقال أبو العالية وابن عباس أيضا: قعوا فيه. وعيبوه." لعلكم تغلبون" محمدا على قراءته فلا يظهر ولا يستميل القلوب. وقرا عيسى بن عمر والجحدري وابن أبي إسحاق وأبو حيوة وبكر بن حبيب السهمي" والغوا" بضم الغين وهي لغة من لغا يلغو. وقراءة الجماعة من لغي يلغى قال الهروي: وقوله:" وَالْغَوْا فِيهِ" قيل: عارضوه بكلام لا يفهم. يقال: لغوت ألغو وألغى، ولغي يلغى ثلاث لغات. وقد مضى معنى اللغو في" البقرة" «1» وهو ما لا يعلم له حقيقة ولا تحصيل. قوله تعالى:" فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً" قد تقدم أن الذوق يكون محسوسا، ومعنى العذاب الشديد: ما يتوالى فلا ينقطع. العذاب في جميع أجزائهم." وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ" أي ولنجزينهم في الآخرة جزاء قبح أعمالهم التي عملوها في الدنيا. واسوا الأعمال الشرك." قوله تعالى:" ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ" أي ذلك العذاب الشديد، ثم بينه بقوله" النَّارُ" وقرا ابن عباس" ذلك جزاء أعداء الله النار دار الخلد" فترجم بالدار عن النار وهو مجاز الآية. و" ذلك" ابتداء و" جزاء" الخبر و" النار" بدل من" جزاء" أو خبر مبتدأ مضمر، والجملة في موضع بيان للجملة الأولى.
__________
(1). راجع ج 3 ص 99 طبعه أولى أو ثانيه.

إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32)

قوله تعالى:" وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا" يعني في النار فذكره بلفظ الماضي والمراد المستقبل" رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ" يعني إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه. عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، ويشهد لهذا القول الحديث المرفوع: (ما من مسلم يقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من ذنبه لأنه أول من سن القتل) خرجه الترمذي، وقيل: هو بمعنى الجنس وبني على التثنية لاختلاف الجنسين." نجعلها تحت أقدامنا ليكونا سألوا ذلك حتى يشتفوا منهم بأن يجعلوهم تحت أقدامهم" لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ" في النار وهو الدرك الأسفل سألوا أن يضعف الله عذاب من كان سبب ضلالتهم من الجن والإنس. وقرا ابن محيص والسوسي عن أبى عمرو وابن عامر وأبو بكر والمفضل" أرنا بإسكان الراء وعن أبى عمرو أيضا باختلاسها. وأشبع الباقون كسرتها وقد تقدم في" الأعراف" «1».

[سورة فصلت (41): الآيات 30 الى 32]
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (31) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32)
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا" قال عطاء عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وذلك أن المشركين قالوا ربنا الله والملائكة بناته وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، فلم يستقيموا. وقال أبو بكر: ربنا الله وحده لا شريك له ومحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبده ورسوله، فاستقام. وفي الترمذي عن أنس بن مالك أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرأ" إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا" قال:" قد قال الناس ثم كفر أكثرهم فمن مات عليها فهو ممن استقام 2 قال: حديث غريب. ويروى في هذه الآية عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي معنى" اسْتَقامُوا"، ففي صحيح مسلم
__________
(1). هكذا في نسخ الأصل وصوابه في البقرة في ج 2 ص 127 طبعه ثانيه.

عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك- وفي رواية- غيرك. قال:" قل آمنت بالله ثم استقم" زاد الترمذي قلت: يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه وقال:" هذا". وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال:" ثُمَّ اسْتَقامُوا" لم يشركوا بالله شيئا. وروى عنه الأسود بن هلال أنه قال لأصحابه: ما تقولون في هاتين الآيتين" إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا" و" الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ" فقالوا: استقاموا فلم يذنبوا ولم يلبسوا إيمانهم بخطيئة، فقال أبو بكر: لقد حملتموها على غير المحمل" قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا" فلم يلتفتوا إلى إله غيره" وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ" بشرك" أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ". وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال على المنبر وهو يخطب:" إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا" فقال: استقاموا والله على الطريقة لطاعته ثم لم يرغوا روغان الثعالب. وقال عثمان رضي الله عنه: ثم أخلصوا العمل لله. وقال علي رضي الله عنه: ثم أدوا الفرائض. وأقوال التابعين بمعناها. قال ابن زيد وقتادة: استقاموا على الطاعة لله. الحسن: استقاموا على أمر الله فعملوا بطاعته واجتنبوا معصيته. وقال مجاهد وعكرمة: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى ماتوا. وقال سفيان الثوري: عملوا على وفاق ما قالوا. وقال الربيع: اعرضوا عما سوى الله. وقال الفضيل بن عياض: زهدوا في الفانية ورغبوا في الباقية. وقيل: استقاموا إسرارا كما استقاموا إقرارا. وقيل: استقاموا فعلا كما استقاموا قولا. وقال أنس: لما نزلت هذه الآية قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" هم أمتي ورب الكعبة". وقال الإمام ابن فورك: السين سين الطلب مئل استسقى أي سألوا من الله أن يثبتهم على الدين. وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة. قلت: وهذه الأقوال وإن تداخلت فتلخيصها: اعتدلوا على طاعة الله عقدا وقولا وفعلا، وداموا على ذلك. نتنزل عليهم الملائكة" قال ابن زيد ومجاهد: عند الموت. وقال مقاتل وقتادة: إذا قاموا من قبورهم للبعث. وقال ابن عباس: هي بشرى تكون لهم من

وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36)

الملائكة في الآخرة. وقال وكيع وابن زيد: البشرى في ثلاثة مواطن عند الموت وفي القبر وعند البعث." أَلَّا تَخافُوا" أي ب" أَلَّا تَخافُوا" فحذف الجار. وقال مجاهد: لا تخافوا الموت." وَلا تَحْزَنُوا" على أولادكم فان الله خليفتكم عليهم. وقال عطاء بن أبي رباح: لا تخافوا رد ثوابكم فإنه مقبول، وقال عكرمة ولا تخافوا أمامكم، ولا تحزنوا على ذنوبكم." وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ". قوله تعالى:" نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
" أي تقول لهم الملائكة الذين تتنزل عليهم بالبشارة" نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ"
قال مجاهد: أي نحن قرناؤكم الذين كنا معكم في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قالوا لا نفارقكم حتى ندخلكم الجنة. وقال السدي: أي نحن الحفظة لأعمالكم في الدنيا وأولياؤكم في الآخرة. ويجوز أن يكون هذا من قول الله تعالى، والله ولي المؤمنين ومولاهم." وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ
" أي من الملاذ." وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ
" تسألون وتتمنون." نُزُلًا" أي رزقا وضيافة وقد تقدم في [آل عمران «1»] وهو منصوب على المصدر أي أنزلناه نزلا. وقيل: على الحال. وقيل: هو جمع نازل، أي لكم ما تدعون نازلين، فيكون حالا من الضمير المرفوع في" تدعون" أو من المجرور في" لكم".

[سورة فصلت (41): الآيات 33 الى 36]
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36)
__________
(1). راجع ج 4 ص 321 طبعه أولى أو ثانية.

قوله تعالى" وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً" هذا توبيخ للذين تواصوا باللغو في القرآن. والمعنى: أي كلام أحسن من القرآن، ومن أحسن قولا من الداعي إلى الله وطاعته وهو محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال ابن سيرين والسدي وابن زيد والحسن: هو رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وكان الحسن إذا تلا هذه الآية يقول: هذا رسول الله، هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا والله أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب إليه. وقالت عائشة رضي الله عنها وعكرمة وقيس بن أبي حازم ومجاهد: نزلت في المؤذنين. قال فضيل بن رفيدة: كنت مؤذنا لأصحاب عبد الله بن مسعود، فقال لي عاصم بن هبيرة: إذا أذنت فقلت: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، فقل وأنا من المسلمين، ثم قرأ هذه الآية، قال ابن العربي: والأول أصح، لأن الآية مكية والأذان مدني، وإنما يدخل فيها بالمعنى، لا أنه كان المقصود وقت القول، ويدخل فيها أبو بكر الصديق حين قال في النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد خنقه الملعون:" أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ" [غافر: 28] وتتضمن كل كلام حسن فيه ذكر التوحيد والإيمان. قلت: وقول ثالث وهو أحسنها، قال الحسن: هذه الآية عامة في كل من دعا إلى الله. وكذا قال قيس بن أبي حازم قال: نزلت في كل مؤمن. قال: ومعنى" وَعَمِلَ صالِحاً" الصلاة بين الأذان والإقامة. وقاله أبو أمامة، قال: صلي ركعتين بين الأذان والإقامة. وقال عكرمة:" وَعَمِلَ صالِحاً" صلى وصام. وقال الكلبي: أدى الفرائض. قلت: وهذا أحسنها مع اجتناب المحارم وكثرة المندوب. والله أعلم." وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ" قال ابن العربي: وما تقدم يدل على الإسلام، لكن لما كان الدعاء بالقول والسيف يكون للاعتقاد ويكون للحجة، وكان العمل يكون للرياء والإخلاص، دل على أنه لا بد من التصريح بالاعتقاد لله في ذلك كله، وأن العمل لوجهه. مسألة: لما قال الله تعالى:" وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ" ولم يقل له اشترط إن شاء الله، كان في ذلك رد على من يقول أنا مسلم إن شاء الله.

قوله تعالى:" وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ" قال الفراء:" لا" صلة أي" وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ" وأنشد:
ما كان يرضى رسول الله فعلهم ... - والطيبان أبو بكر ولا عمر
أراد أبو بكر وعمر، أي لا يستوي ما أنت عليه من التوحيد، وما المشركون عليه من الشرك. قال ابن عباس: الحسنة لا إله إلا الله، والسيئة الشرك. وقيل: الحسنة الطاعة، والسيئة الشرك. وهو الأول بعينه. وقيل: الحسنة المداراة، والسيئة الغلظة. وقيل: الحسنة العفو، والسيئة الانتصار. وقال الضحاك: الحسنة العلم، والسيئة الفحش. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الحسنة حب آل الرسول، والسيئة بغضهم." قوله تعالى:" ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" نسخت بآية السيف، وبقي المستحب من ذلك: حسن العشرة والاحتمال والإغضاء. قال ابن عباس: أي ادفع بحلمك جهل من يجهل عليك. وعنه أيضا: هو الرجل يسب الرجل فيقول الآخر إن كنت صادقا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبا فغفر الله لك. وكذلك يروى في الأثر: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال ذلك لرجل نال منه. وقال مجاهد:" بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" يعني السلام إذا لقي من يعاديه، وقاله عطاء. وقول ثالث ذكره القاضي أبو بكر بن العربي في الأحكام وهو المصافحة. وفي الأثر:" تصافحوا يذهب الغل". ولم ير مالك المصافحة، وقد اجتمع مع سفيان فتكلما فيها فقال سفيان: قد صافح رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعفرا حين قدم من أرض الحبشة، فقال له مالك: ذلك خاص. فقال له سفيان: ما خص رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخصنا، وما عمه يعمنا، والمصافحة ثابتة فلا وجه لإنكارها. وقد روى قتادة قال قلت لأنس: هل كانت المصافحة في أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: نعم. وهو حديث صحيح. وفي الأثر: (من تمام المحبة الأخذ باليد). ومن حديث محمد بن إسحاق وهو إمام مقدم، عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قدم زيد بن حارثة
المدينة ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بيتي، فقرع الباب فقام إليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عريانا يجر ثوبه- والله ما رأيته عريانا قبله ولا بعده- فاعتنقه وقبله.

قلت: قد روي عن مالك جواز المصافحة وعليها جماعة من العلماء. وقد مضى ذلك في" يوسف" «1» وذكرنا هناك حديث البراء بن عازب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه مودة بينهما ونصيحة إلا ألقيت ذنوبهما بينهما". قوله تعالى:" فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ" أي قريب صديق. قال مقاتل: نزلت في أبي سفيان بن حرب، كان مؤذيا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فصار له وليا بعد أن كان عدوا بالمصاهرة التي وقعت بينه وبين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم أسلم فصار وليا في الإسلام حميما بالقرابة. وقيل: هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، كان يؤذي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأمره الله تعالى بالصبر عليه والصفح عنه، ذكره الماوردي. والأول ذكره الثعلبي والقشيري وهو أظهر، لقوله تعالى:" فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ". وقيل: كان هذا قبل الأمر بالقتال. قال ابن عباس: أمره الله تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعل الناس ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم. وروي أن رجلا شتم قنبرا مولى علي ابن أبي طالب فناداه علي يا قنبر دع شاتمك، وآله عنه ترضي الرحمن وتسخط الشيطان، وتعاقب شاتمك، فما عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه. وأنشدوا:
وللكف عن شتم اللئيم تكرما ... - أضر له من شتمه حين يشتم
وقال آخر:
وما شي أحب إلى سفيه ... - إذا سب الكريم من الجواب
متاركة السفيه بلا جواب ... وأشد على السفيه من السباب

وقال محمود الوراق «2»:
سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب ... - إن كثرت منه لدي الجرائم
فما الناس إلا واحد من ثلاثة ... - شريف ومشرف ومثل مقاوم
__________
(1). راجع ج 9 ص 266 طبعه أولى أو ثانيه.
(2). الأبيات التالية معزوة ب كتاب" أدب الدنيا والدين" ص 252 منبع وزارة المعارف الى الخليل بن أحمد

وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)

فأما الذي فوقي فأعرف قدره ... - واتبع فيه الحق والحق لازم
وأما الذي دوني فإن قال صنت عن ... - إجابته عرضي وإن لام لائم
وأما مثلي فإن زل أو هفا ... - تفضلت إن الفضل بالحلم حاكم
" وَما يُلَقَّاها" يعني هذه الفعلة الكريمة والخصلة الشريفة" إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا" بكظم الغيظ واحتمال الأذى." وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ" أي نصيب وافر من الخير، قاله ابن عباس. وقال قتادة ومجاهد: الحظ العظيم الجنة. قال الحسن: والله ما عظم حظ قط دون الجنة. وقيل الكناية في" يُلَقَّاها" عن الجنة أي ما يلقاها الا الصابرون والمعنى متقارب. قوله تعالى:" وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ" تقدم في آخر" الأعراف" «1» مستوفى." فاستعذ بالله" من كيد وشره" إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ" لاستعاذتك" الْعَلِيمُ" بأفعالك وأقوالك.

[سورة فصلت (41): الآيات 37 الى 39]
وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (38) وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)
قوله تعالى" وَمِنْ آياتِهِ" علاماته الدالة على وحدانيته وقدرته" اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ" وقد مضى في غير موضع «2». ثم نهى عن السجود لهما، لأنهما وان كانا خلقين فليس ذلك لفضيلة لهما في أنفسهما فيستحقان بها العبادة مع الله. لان خالقهما هو الله
__________
(1). راجع ج 7 ص 347 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.
(2). راجع ج 2 ص 192 وما بعدها طبعه ثانيه.

لو شاء لأعدمهما أو طمس نورهما." وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ" وصورهن وسخرهن، فالكناية ترجع إلى الشمس والقمر والليل والنهار. وقيل: للشمس والقمر خاصة، لأن الاثنين جمع. وقيل: الضمير عائد على معنى الآيات" إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ" وإنما أنث على جمع التكثير ولم يجر على طريق التغليب للمذكر والمؤنث لأنه فيما لا يعقل." فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا" يعنى الكفار عن السجود لله" فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ" من الملائكة" يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ" أي لا يملون عبادته. قال زهير
سميت تكاليف الحياة ومن يعش ... - ثمانين حولا لا أبالك يسام
مسألة- هذه الآية آية سجدة بلا خلاف، واختلفوا في موضع السجود منها. فقال مالك: موضعه" إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ"، لأنه متصل بالأمر. وكان علي وابن مسعود وغيرهم يسجدون عند قوله:" تَعْبُدُونَ". وقال ابن وهب والشافعي: موضعه" وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ" لأنه تمام الكلام وغاية العبادة والامتثال. وبه قال أبو حنيفة. وكان ابن عباس يسجد عند قوله:" يَسْأَمُونَ". وقال ابن عمر: اسجدوا بالآخرة منهما. وكذلك يروى عن مسروق وأبي عبد الرحمن السلمي وإبراهيم النخعي وأبي صالح ويحيى بن وثاب وطلحة وزبيد الياميين «1» والحسن وابن سيرين. وكان أبو وائل وقتادة وبكر بن عبد الله يسجدون عند قوله:" يَسْأَمُونَ". قال ابن العربي: والأمر قريب. مسألة: ذكر ابن خويز منداد: أن هذه الآية تضمنت صلاة كسوف القمر والشمس، وذلك أن العرب كانت تقول: إن الشمس والقمر لا يكسفان إلا لموت عظيم، فصلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة الكسوف. قلت: صلاة الكسوف ثابتة في الصحاح البخاري ومسلم وغيرهما. واختلفوا في كيفيتها اختلافا كثيرا، لاختلاف الآثار، وحسبك ما في صحيح مسلم من ذلك، وهو العمدة في الباب. والله الموفق للصواب.
__________
(1). هذه النسبة الى يامة بطن من همدان.

قوله تعالى:" وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً" الخطاب لكل عاقل أي" وَمِنْ آياتِهِ" الدالة على أنه يحيي الموتى" أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً" أي يابسة جدبة، هذا وصف الأرض بالخشوع، قال النابغة:
رماد ككحل العين لأيا أبينه ... - نوى كجذم الحوض أثلم خاشع «1»
والأرض الخاشعة، الغبراء التي تنبت. وبلدة خاشعة: أي مغبرة لا منزل بها. ومكان خاشع." فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ" أي بالنبات، قال مجاهد. يقال: اهتز الإنسان أي تحرك، ومنه:
تراه كنصل السيف يهتز للندى ... - إذا لم تجد عند امرئ السوء مطمعا
" وَرَبَتْ" أي انتفخت وعلت قبل أن تنبت، قال مجاهد. أي تصعدت عن النبات بعد موتها. وعلى هذا التقدير يكون في الكلام تقديم وتأخير وتقديره: ربت واهتزت. والاهتزاز والربو قد يكونان قبل الخروج من الأرض، وقد يكونان بعد خروج النبات إلى وجه الأرض، فربوها ارتفاعها. ويقال للموضع المرتفع: ربوة ورابية، فالنبات يتحرك للبروز ثم يزداد في جسمه بالكبر طولا وعرضا. وقرا أبو جعفر وخالد" وربأت" ومعناه عظمت، من الربيئة. وقيل:" اهْتَزَّتْ" أي استبشرت بالمطر" وَرَبَتْ" أي انتفخت بالنبات. والأرض إذا انشقت بالنبات: وصفت بالضحك، فيجوز وصفها بالاستبشار أيضا. ويجوز أن يقال الربو والاهتزاز واحد، وهي حالة خروج النبات. وقد مضى هذا المعنى في" الحج" «2»" إن الذي أحياها لمحيي الموتى انه على كل شي قدير" تقدم في غير موضع «3».
__________
(1). شبه أرماد بكحل العين لسواده فانه يسود متى تقادم عهده واصابته الأمطار. والنوى حفير حول الخيمة. والجذم الأصل. وأثلم مهدوم. وخاشع تداعت آثاره واستوى بالأرض. يريد أن ذلك الرماد تغير ولم أتبينه الا بعد لأي أي بعد جهد ومشقة.
(2). راجع ج 13 ص 13 طبعه أولى أو ثانيه.
(3). راجع ج 14 ص 45 طبعه أولى أو ثانيه.

إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43)

[سورة فصلت (41): الآيات 40 الى 43]
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (41) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) ما يُقالُ لَكَ إِلاَّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (43)
قوله تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا" أي يميلون عن الحق في أدلتنا. والإلحاد: الميل والعدول. ومنه اللحد في القبر لأنه أميل إلى ناحية منه. يقال: ألحد في دين الله أي حاد عنه وعدل. ولحد لغة فيه. وهذا يرجع إلى الذين قالوا:" لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ" وهم الذين ألحدوا في آياته ومالوا عن الحق فقالوا: ليس القرآن من عند الله، أو هو شعر أو سحر، فالآيات آيات القرآن. قال مجاهد:" يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا" أي عند تلاوة القرآن بالمكاء والتصدية واللغو والغناء. وقال ابن عباس: هو تبديل الكلام ووضعه في غير موضعه. وقال قتادة:" يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا" يكذبون في آياتنا. وقال السدي: يعاندون ويشاقون. وقال ابن زيد: يشركون ويكذبون. والمعنى متقارب. وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل. وقيل: الآيات المعجزات، وهو يرجع إلى الأول فإن القرآن معجز." أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ" على وجهه وهو أبو جهل في قول ابن عباس وغيره." خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ" قيل: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قاله مقاتل. وقيل: عمار ابن ياسر. وقيل: حمزة. وقيل: عمر بن الخطاب. وقيل: أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي. وقيل: المؤمنون. وقيل: إنها على العموم، فالذي يلقى في النار الكافر، والذي يأتي آمنا يوم القيامة المؤمن، قال ابن بحر." اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ" أمر تهديد، أي بعد ما علمتم أنهما لا يستويان فلا بد لكم من الجزاء." إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" وعيد بتهديد وتوعد.

قوله تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ" الذكر ها هنا القرآن في قول الجميع، لأن فيه ذكر ما يحتاج إليه من الأحكام. والخبر محذوف تقديره «1» هالكون أو معذبون. وقيل: الخبر" أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ" [فصلت: 44] واعترض قوله:" ما يُقالُ لَكَ" ثم رجع إلى الذكر فقال:" وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا" ثم قال:" أُولئِكَ يُنادَوْنَ" [فصلت: 44] والأول الاختيار، قال النحاس: عند النحويين جميعا فيما علمت." وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ" أي عزيز على الله، قاله ابن عباس، وعنه: عزيز من عند الله. وقيل: كريم على الله. وقيل:" عَزِيزٌ" أي أعزه الله فلا يتطرق إليه باطل. وقيل: ينبغي أن يعز ويجل وألا يلغى فيه. وقيل:" عَزِيزٌ" من الشيطان أن يبدله، قاله السدي. مقاتل: منع من الشيطان والباطل. السدي: غير مخلوق فلا مثل له. وقال ابن عباس أيضا:" عَزِيزٌ" أي ممتنع عن الناس أن يقولوا مثله." لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ" أي لا يكذبه شي مما أنزل الله من قبل ولا ينزل من بعده يبطله وينسخه، قال الكلبي. وقال السدي وقتادة:" لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ" يعني الشيطان" مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ" لا يستطيع أن يغير ولا يزيد ولا ينقص. وقال سعيد بن جبير: لا يأتيه التكذيب" مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ". ابن جريج:" لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ" فيما أخبر عما مضى ولا فيما أخبر عما يكون. وعن ابن عباس:" مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ" من الله تعالى:" وَلا مِنْ خَلْفِهِ" يريد من جبريل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا من محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ." تنيل من حكيم حميد" ابن عباس:" حَكِيمٍ" في خلقه" حَمِيدٍ" إليهم. قتادة:" حَكِيمٍ" في أمره" حَمِيدٍ" إلى خلقه. قوله تعالى:" ما يُقالُ لَكَ" أي من الأذى والتكذيب" إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ" يعزي نبيه ويسليه" إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ" لك ولأصحابك" وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ" يريد لأعدائك وجيعا. وقيل أي ما يقال لك من اخلاص العبادة لله الا ما قد أوحى الى من قبلك، ولا خلاف بين الشرائع فيما يتعلق بالتوحيد وهو كقوله،"
__________
(1). زيادة يقتضيها السياق.

وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44)

وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ" أي لم تدعهم الا الى ما تدعو إليه جميع الأنبياء فلا معنى لإنكارهم عليك وقيل: هو استفهام أي أي شي يقال لك" إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ". وقيل:" إِنَّ رَبَّكَ" كلام مبتدا وما قبله كلام تام إذا كان الخبر مضمرا. وقيل: هو متصل ب" ما يُقالُ لَكَ"." إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ" أي إنما أمرت بالإنذار والتبشير.

[سورة فصلت (41): آية 44]
وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (44)
قوله تعالى" وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ" فيه ثلاث مسائل: الاولى- قوله تعالى:" وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا" أي بلغة غير العرب" لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ" أي بينت بلغتنا فإننا عرب لا نفهم الاعجمية. فبين أمخ أنزله بلسانهم ليتقرر به معنى الاعجاز، إذ هم أعلم الناس بأنواع الكلام نظما ونثرا. وإذا عجزوا عن معارضته كان من أدل الدليل على أنه من عند الله. ولو كان بلسان العجم لقالوا لا علم لنا بهذا اللسان. الثانية- وإذا ثبت هذا ففيه دليل على أن القرآن عربي، وأنه نزل بلغة العرب، وأنه ليس أعجميا، وأنه إذا نقل عنها إلى غيرها لم يكن قرآنا. الثالثة- قوله تعالى:" ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ" وقرا أبو بكر وحمزة والكسائي" ااعجمي وعربي" بهمزتين مخففتين، والعجمي الذي ليس من العرب كان فصيحا أو غير فصيح، والأعجمي الذي لا يفصح كان من العرب أو من العجم، فالأعجم ضد الفصيح وهو الذي لا يبين كلامه. ويقال للحيوان غير الناطق أعجم، ومنه" صلاة النهار عجماء" أي لا يجهر فيها بالقراء فكانت النسبة إلى الأعجم آكد، لأن الرجل العجمي الذي ليس من العرب قد يكون

فصيحا بالعربية، والعربي قد يكون غير فصيح، فالنسبة إلى الأعجمي آكد في البيان. والمعنى أقرآن أعجمي، ونبي عربي؟ وهو استفهام إنكار. وقرا الحسن وأبو العالية ونصر بن عاصم والمغيرة وهشام عن ابن عامر" ءَ أَعْجَمِيٌّ" بهمزة واحدة على الخبر. والمعنى" لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ" فكان منها عربي يفهمه العرب، وأعجمي يفهمه العجم. وروى سعيد بن جبير قال قالت قريش: لولا أنزل القرآن أعجميا وعربيا فيكون بعض آياته عجميا وبعض آياته عربيا فنزلت الآية. وأنزل في القرآن من كل لغة فمنه" السجيل" وهي فارسية وأصلها سنك كيل، أي طين وحجر، ومنه" الفردوس" رومية وكذلك" القسطاس" وقرا أهل الحجاز وأبو عمرو وابن ذكوان وحفص على الاستفهام، إلا أنهم لينوا الهمزة على أصولهم. والقراءة الصحيحة قراءة الاستفهام. والله أعلم. قوله تعالى:" قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ" أعلم الله أن القرآن هدى وشفاء لكل من آمن به من الشك والريب والأوجاع." وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ" أي صمم عن سماع القرآن. ولهذا تواصوا باللغو فيه. ونظير هذه الآية:" وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً" [الإسراء: 82] وقد مضى مستوفى «1». وقراءة العامة" عَمًى" على المصدر. وقرا ابن عباس وعبد الله بن الزبير وعمرو بن العاص ومعاوية وسليمان بن قتة" وهو عليهم عم" بكسر الميم أي لا يتبين لهم. واختار أبو عبيد القراءة الأولى، لإجماع الناس فيها، ولقوله أولا:" هُدىً وَشِفاءٌ" ولو كان هاد وشاف لكان الكسر في" عمى" أجود، ليكون نعتا مثلهما، تقديره:" وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ" في ترك قبوله بمنزلة من في آذانهم" وَقْرٌ وهو" يعني القرآن" عَلَيْهِمْ" ذو عمى، لأنهم لا يفقهون فحذف المضاف وقيل المعل والوقر عليهم عمى." أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ" يقال ذلك لمن لا يفهم من التمثيل. وحكى أهل اللغة أنه يقال للذي يفهم: أنت تسمع من قريب. ويقال للذي لا يفهم: أنت تنادى من بعيد. أي كأنه ينادى من موضع بعيد منه فهو لا يسمع النداء
__________
(1). راجع ج 10 ص 315 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه. [.....]

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (45) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46)

ولا يفهمه. وقال الضحاك:" يُنادَوْنَ" يوم القيامة بأقبح أسمائهم" مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ" فيكون ذلك أشد لتوبيخهم وفضيحتهم. وقيل: أي من لم يتدبر القرآن صار كالأعمى الأصم، فهو ينادى من مكان بعيد فينقطع صوت المنادي عنه وهو لم يسمع. وقال علي رضي الله عنه ومجاهد: أي بعيد من قلوبهم. وفي التفسير: كأنما ينادون من السماء فلا يسمعون. وحكى معناه النقاش.

[سورة فصلت (41): الآيات 45 الى 46]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (45) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (46)
قوله تعالى:" وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ" يعني التوراة" فَاخْتُلِفَ فِيهِ" أي آمن به قوم وكذب به قوم. والكناية ترجع إلى الكتاب، وتسلية للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أي لا يحزنك اختلاف قومك في كتابك، فقد اختلف من قبلهم في كتابهم. وقيل الكناية ترجع إلى موسى." وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ" أي في إمهالهم." لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ" أي بتعجيل العذاب." وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ" من القرآن" مُرِيبٍ" أي شديد الريبة. وقد تقدم «1». وقال الكلبي في هذه الآية: لولا أن الله أخر عذاب هذه الأمة إلى يوم القيامة لأتاهم العذاب كما فعل بغيرهم من الأمم. وقيل: تأخير العذاب لما يخرج من أصلابهم من المؤمنين. قوله تعالى:" مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ" شرط وجوابه" وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها". والله جل وعز مستغن عن طاعة العباد، فمن أطاع فالثواب له، ومن أساء فالعقاب عليه." وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ" نفى الظلم عن نفسه جل وعز قليله وكثيره، وإذا انتفت المبالغة انتفى غيرها، دليله قوله الحق:" إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً" [يونس: 44] وروى العدول الثقات،
__________
(1). راجع ج 9 ص 59 طبعه أولى أو ثانيه.

إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (47) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (48)

والأئمة الأثبات، عن الزاهد العدل، عن أمين الأرض، عن أمين السماء، عن الرب جل جلاله:" يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا" الحديث. وأيضا فهو الحكيم المالك، وما يفعله المالك في ملكه لا اعتراض عليه، إذ له التصرف في ملكه بما يريد.

[سورة فصلت (41): الآيات 47 الى 48]
إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (47) وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (48)
قوله تعالى:" إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ" أي حين وقتها. وذلك أنهم قالوا: يا محمد إن كنت نبيا فخبرنا متى قيام الساعة فنزلت:" وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ"" مِنْ" زائدة أي وما تخرج ثمرة." مِنْ أَكْمامِها" أي من أوعيتها، فالأكمام أوعية الثمرة، واحدها كمة وهي كل ظرف لمال أو غيره، ولذلك سمي قشر الطلع أعني كفراه الذي ينشق عن الثمرة كمة، قال ابن عباس: الكمة الكفرى قبل أن تنشق، فإذا انشقت فليست بكمه. وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة [الرحمن «1»]. وقرا نافع وابن عامر وحفص" مِنْ ثَمَراتٍ" على الجمع. الباقون" ثمرة" على التوحيد والمراد الجمع، لقوله:" وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى " والمراد الجمع، يقول:" إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ" كما يرد إليه علم الثمار والنتاج." وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ" أي ينادي الله المشركين" أَيْنَ شُرَكائِي" الذين زعمتم في الدنيا أنها آلهة تشفع." قالُوا" يعني الأصنام. وقيل: المشركون. ويحتمل أن يريدهم جميعا العابد والمعبود" آذَنَّاكَ" أسمعناك وأعلمناك. يقال: آذن يؤذن: إذا أعلم، قال «2»:
آذنتنا ببينها أسماء ... - رب ثاو يمل منه الثواء
__________
(1). في تفسير قوله تعالى:" وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ" آية 11.
(2). هو الحرث بن حلزة، والبيت مطلع معلقته.

لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (49) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (51)

" ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ" أي نعلمك ما منا أحد يشهد بأن لك شريكا. لما عاينوا القيامة تبرءوا من الأصنام وتبرأت الأصنام منهم كما تقدم في غير موضع «1». وَضَلَّ عَنْهُمْ" أي بطل عنهم" ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ" في الدنيا" وَظَنُّوا" أي أيقنوا وعلموا" ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ" أي فرار عن النار. و" ما" هنا حرف وليس باسم، فلذلك لم يعمل فيه الظن وجعل الفعل ملغى، تقديره: وظنوا أنهم مالهم محيص ولا مهرب. يقال: حاص يحيص. حيصا ومحيصا إذا هرب. وقيل: إن الظن هنا الذي هو أغلب الرأي، لا يشكون في أنهم أصحاب النار ولكن يطمعون أن يخرجوا منها. وليس يبعد أن يكون لهم ظن ورجاء إلى أن يؤيسوا.

[سورة فصلت (41): الآيات 49 الى 51]
لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (49) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (50) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (51)
قوله تعالى:" لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ" أي لا يمل من دعائه بالخير. والخير هنا المال والصحة والسلطان والعز. قال السدى: والإنسان ها هنا يراد به الكافر. وقيل: الوليد بن المغيرة. وقيل: عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية بن خلف. وفي قراءة عبد الله" لا يسأم الإنسان من دعاء المال"." وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ" لا لفقر والمرض" فَيَؤُسٌ" من روح الله" قَنُوطٌ" من رحمته. وقيل:" يئوس" من إجابة الدعاء" قنوط" بسوء الظن بربه. وقيل:" يئوس" أي يئس من زوال ما به من المكروه" قنوط" أي يظن أنه يدوم، والمعنى متقارب.
__________
(1). راجع ج 13 ص 303 وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.

قوله تعالى:" وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا" عاقبة ورخاء وغنى" مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ" ضر وسقم وشدة وفقر." لَيَقُولَنَّ هذا لِي" أي هذا شي أستحقه على الله لرضاه بعملي، فيرى النعمة حتما واجب على الله تعالى، ولم يعلم أنه ابتلاه بالنعمة والمحنة، ليتبين شكره وصبره. وقال ابن عباس:" هذا لِي" أي هذا من عندي." وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى " أي الجنة، واللام للتأكيد. يتمنى الأماني بلا عمل. قال الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب: للكافر أمنيتان أما في الدنيا فيقول:" لَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى "، وأما في الآخرة فيقول:" يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" [الأنعام: 27] وا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
" [النبأ: 4 0 [." فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا" أي لنجزينهم. قسم أقسم الله عليه." وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ" شديد. قوله تعالى: وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ" يريد الكافر" أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ" وقال ابن عباس: يريد عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف أعرضوا عن الإسلام وتباعدوا عنه. ومعنى" نَأى بِجانِبِهِ" أي ترفع عن الانقياد إلى الحق وتكبر على أنبياء الله. وقيل:" نأى" تباعد. يقال: نائتة ونأيت عنه نأيا بمعنى تباعدت عنه، وأنأيته فانتأى أبعدته فبعد، وتناءوا تباعدوا، والمنتأى الموضع البعيد، قال النابغة
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... - إن خلت أن المنتأى عنك واسع
وقرا يزيد بن القعقاع و" ناء بجانبه" بالألف قبل الهمزة. فيجوز أن يكون من" ناء" إذا نهض. ويجوز أن يكون على قلب الهمزة بمعنى الأول." وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ" أي أصابه المكروه" فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ" كثير، والعرب تستعمل الطول والعرض في الكثرة. يقال: أطال فلان في الكلام وأعرض في الدعاء إذا أكثر. وقال ابن عباس:" فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ" فذو تضرع واستغاثة. والكافر يعرف ربه في البلاء ولا يعرفه في الرخاء.

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (52) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54)

[سورة فصلت (41): الآيات 52 الى 54]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (52) سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54)
قوله تعالى:" قُلْ أَرَأَيْتُمْ" أي قل لهم يا محمد" أَرَأَيْتُمْ" يا معشر المشركين." إِنْ كانَ" هذا القرآن" مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ" أي فأي الناس أضل، أي لا أحد أضل منكم لفرط شقاقكم وعداوتكم. وقيل: قوله:" إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ" يرجع إلى الكتاب المذكور في قوله:" آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ" [البقرة: 53] والأول أظهر وهو قول ابن عباس. قوله تعالى:" سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ" أي علامات وحدانيتنا وقدرتنا" فِي الْآفاقِ" يعني خراب منازل الأمم الخالية" وَفِي أَنْفُسِهِمْ" بالبلايا والأمراض. وقال ابن زيد:" فِي الْآفاقِ" آيات السماء" وَفِي أَنْفُسِهِمْ" حوادث الأرض. وقال مجاهد:" فِي الْآفاقِ" فتح القرى، فيسر الله عز وجل لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وللخلفاء من بعده وأنصار دينه في آفاق الدنيا وبلاد المشرق والمغرب عموما، وفي ناحية المغرب خصوصا من الفتوح التي لم يتيسر أمثالها لأحد من خلفاء الأرض قبلهم، ومن الإظهار على الجبابرة والأكاسرة وتغليب قليلهم على كثيرهم، وتسليط ضعفائهم على أقويائهم، وإجرائه على أيديهم أمورا خارجة عن المعهود خارقة للعادات" وَفِي أَنْفُسِهِمْ" فتح مكة. وهذا اختيار الطبري. وقال المنهال بن عمرو والسدي. وقال قتادة والضحاك:" فِي الْآفاقِ" وقائع الله في الأمم" وَفِي أَنْفُسِهِمْ" يوم بدر. وقال عطاء وابن زيد أيضا" فِي الْآفاقِ" يعني أقطار السموات والأرض من الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والرياح والأمطار والرعد والبرق والصواعق والنبات

والأشجار والجبال والبحار وغيرها. وفي الصحاح: الآفاق النواحي، واحدها أفق وافق مثل عسر وعسر، ورجل أفقي بفتح الهمزة والفاء: إذا كان من آفاق الأرض. حكاه أبو نصر. وبعضهم يقول: أفقي بضمها وهو القياس. وأنشد غير الجوهري:
أخذنا بافاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع
" وَفِي أَنْفُسِهِمْ" من لطيف الصنعة وبديع الحكمة حتى سبيل الغائط والبول، فإن الرجل يشرب ويأكل من مكان واحد ويتميز ذلك من مكانين، وبديع صنعة الله وحكمته في عينيه اللتين هما قطرة ماء ينظر بهما من السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، وفى أذنيه اللتين يفرق بهما بين الأصوات المختلفة. وغير ذلك من بديع حكمة الله فيه. وقيل:" وَفِي أَنْفُسِهِمْ" من كونهم نطفا إلى غير ذلك من انتقال أحوالهم كما تقدم في [المؤمنون «1»] بيانه. وقيل: المعنى سيرون ما أخبرهم به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الفتن وأخبار الغيوب" حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ" فيه أربعة أوجه [أحدها] أنه القرآن. [الثاني ] الإسلام جاءهم به الرسول ودعاهم إليه. [الثالث ] أن ما يريهم الله ويفعل من ذلك هو الحق. [الرابع ] أن محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو الرسول الحق." أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ" في موضع رفع بأنه فاعل" بيكف" و" أنه" بدل من" ربك" فهو رفع إن قدرته بدلا على الموضع، وجر" إن" قدرته بدلا على اللفظ. ويجوز أن يكون نصبا بتقدير حذف اللام، والمعنى أو لم يكفهم ربك بما دلهم عليه من توحيده، لأنه" عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" وإذا شهده جازى عليه. وقيل: المعنى" أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ" في معاقبته الكفار. وقيل: المعنى" أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ" يا محمد أنه شاهد على أعمال الكفار. وقيل:" أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ" شاهدا على أن القرآن من عند الله. وقيل:" أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ" مما يفعله العبد" شَهِيدٌ" والشهيد بمعنى العالم، أو هو من الشهادة التي هي الحضور" أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ" في شك" مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ" في الآخرة. وقال السدي: أي من البعث." أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ" أي أحاط علمه بكل شي.
__________
(1). راجع ج 12 ص 109 طبعه أولى أو ثانيه.

قاله السدي. وقال الكلبي: أحاطت قدرته بكل شي. وقال الخطابي: هو الذي أحاطت قدرته بجميع خلقه، وهو الذي أحاط بكل شي علما، وأحصى كل شي عددا. وهذا الاسم أكثر ما يجئ في معرض الوعيد، وحقيقته الإحاطة بكل شي، واستئصال المحاط به، وأصله محيط نقلت حركة الياء إلى الحاء فسكنت. يقال منه: أحاط يحيط إحاطة وحيطة، ومن ذلك حائط الدار، يحوطها أهلها. وأحاط ت الخيل بفلان: إذا أخذ مأخذا حاصرا من كل جهة، ومنه قوله تعالى:" وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ" [الكهف: 42] والله أعلم بصواب ذلك.

حم (1) عسق (2) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4)

الجزء السادس عشر

[تفسير سورة الشورى ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سورة الشورى مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. وقال ابن عباس وقتادة: إلا أربع آيات منها أنزلت بالمدينة:" قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى " «1» [الشورى: 23] إلى آخرها. وهي ثلاث وخمسون آية.

[سورة الشورى (42): الآيات 1 الى 4]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (1) عسق (2) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4)
قوله تعالى:" حم. عسق" قال عبد المؤمن: سألت الحسين بن الفضل «2»: لم قطع" حم" من" عسق" ولم تقطع" كهيعص" و" المر" و" المص"؟ فقال: لان" حم. عسق" بين سور أولها" حم" فجرت مجرى نظائرها قبلها وبعدها، فكأن" حم" مبتدأ و" عسق" خبره. ولأنها عدت آيتين، وعدت أخواتها اللواتي كتبت جملة آية واحدة. وقيل: إن الحروف المعجمة كلها في معنى واحد، من حيث إنها أس البيان وقاعدة الكلام، ذكره الجرجاني. وكتبت" حم. عسق" منفصلا و" كهيعص" متصلا لأنه قيل: حم، أي حم ما هو كائن، ففصلوا بين ما يقدر فيه فعل وبين ما لا يقدر. ثم لو فصل هذا ووصل ذا لجاز، حكاه القشيري. وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس" حم. سق" قال ابن عباس:
__________
(1). آية 23
(2). في ز: الحسن بن المفضل وفي ل: الحسن بن الفضل.

وكان علي رضي الله عنه يعرف الفتن بها. وقال أرطاة بن المنذر: قال رجل لابن عباس وعنده حذيفة بن اليمان: أخبرني عن تفسير قوله تعالى:" حم. عسق"؟ فأعرض عنه حتى أعاد عليه ثلاثا فأعرض عنه. فقال حذيفة بن اليمان: أنا أنبئك بها، قد عرفت لم تركها، نزلت في رجل من أهل بيته يقال له عبد الاله أو عبد الله، ينزل على نهر من أنهار المشرق، يبني عليه مدينتين يشق النهر بينهما شقا، فإذا أراد الله زوال ملكهم وانقطاع دولتهم، بعث على إحداهما نارا ليلا فتصبح سوداء مظلمة، فتحرق كلها كأنها لم تكن مكانها، فتصبح صاحبتها متعجبة، كيف قلبت! فما هو إلا بياض يومها حتى يجتمع فيها كل جبار عنيد، ثم يخسف الله بها وبهم جميعا، فذلك قوله:" حم. عسق" أي عزمة «1» من عزمات الله، وفتنة وقضاء حم: حم." ع": عدلا منه،" س": سيكون،" ق": واقع في هاتين المدينتين. ونظير هذا التفسير ما روى جرير بن عبد الله البجلي قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل «2» والصراة، يجتمع فيها جبابرة الأرض تجبى إليها الخزائن يخسف بها- وفي رواية بأهلها- فلهي أسرع ذهابا في الأرض من الوتد الجيد في الأرض الرخوة (. وقرا ابن عباس" حم. سق" بغير عين. وكذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود، حكاه الطبري. وروى نافع عن ابن عباس:" الحاء" حلمه «3»، و" الميم" مجده، و" العين" علمه، و" السين" سناه، و" القاف" قدرته، أقسم الله بها. وعن محمد بن كعب: أقسم الله بحلمه ومجده وعلوه وسناه وقدرته ألا يعذب من عاذ بلا إله إلا الله مخلصا من قلبه. وقال جعفر بن محمد وسعيد بن جبير:" الحاء" من الرحمن،" والميم" من المجيد، و" العين" من العليم، و" السين" من القدوس، و" القاف" من القاهر. وقال مجاهد: فواتح السور. وقال عبد الله بن بريدة: إنه اسم الجبل المحيط بالدنيا. وذكر القشيري واللفظ للثعلبي: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما نزلت هذه الآية عرفت الكآبة في وجهه،
__________
(1). أي حق من حقوقه.
(2). وروى بفتح أوله وطائه.
(3). في بعض النسخ." حكمه" بالكاف.

فقيل له: يا رسول الله، ما أحزنك؟ قال: (أخبرت ببلايا تنزل بأمتي من خسف وقذف ونار تحشرهم وريح تقذفهم في البحر وآيات متتابعات متصلات بنزول عيسى وخروج الدجال (. والله أعلم. وقيل: هذا في شأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ف" الحاء" حوضه المورود، و" الميم" ملكه الممدود، و" العين" عزه الموجود، و" السين" سناه المشهود، و" القاف" قيامه في المقام المحمود، وقربه في الكرامة»
من الملك المعبود. وقال ابن عباس: ليس من نبي صاحب كتاب إلا وقد أوحي إليه:" حم. عسق"، فلذلك قال:" يوحي إليك وإلى الذين من قبلك" المهدوي: وقد جاء في الخبر أن (" حم. عسق" معناه أوحيت إلى الأنبياء المتقدمين). وقرا ابن محيصن وابن كثير ومجاهد" يوحى" (بفتح الحاء) على ما لم يسم فاعله، وروي عن ابن عمر. فيكون الجار والمجرور في موضع رفع لقيامه مقام الفاعل. ويجوز أن يكون اسم ما لم يسم فاعله مضمرا، أي يوحى إليك القرآن الذي تضمنته هذه السورة، ويكون اسم الله مرفوعا بإضمار فعل، التقدير: يوحيه الله إليك، كقراءة ابن عامر وأبي بكر" يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ «2» رِجالٌ" [النور: 37- 36] أي يسبحه رجال. وأنشد سيبويه:
ليبك يزيد ضارع بخصومة ... وأشعث ممن طوحته الطوائح «3»
فقال: لبيك يزيد، ثم بين من ينبغي أن يبكيه، فالمعنى يبكيه ضارع. ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف، كأنه قال: الله يوحيه. أو على تقدير إضمار مبتدأ أي الموحي الله. أو يكون مبتدأ والخبر" الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ". وقرا الباقون" يوحي إليك" بكسر الحاء، ورفع الاسم على أنه الفاعل." لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ" تقدم في غير موضع «4».
__________
(1). في نسخة من الأصل:" وقربه يوم القيامة من الملك ...".
(2). راجع ج 12 ص 275
(3). رواية البيت كما في كتاب سيبويه وخزانة الأدب:
لبيك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح
وهذا البيت نسبه سيبويه للحارث بن نهيك. ونسبه صاحب خزانة الأدب لنهشل بن حري في مرثية يزيد. (راجع الشاهد الخامس والأربعين).
(4). راجع ج 2 ص 69 طبعه ثانية. وج 3 ص 278. [.....]

تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (5)

[سورة الشورى (42): آية 5]
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (5)
قوله تعالى:" تَكادُ السَّماواتُ" قراءة العامة بالتاء. وقرا نافع وابن وثاب والكسائي بالياء." يتفطرن" قرأ «1» نافع وغيره بالياء والتاء والتشديد في الطاء، وهي قراءة العامة. وقرا أبو عمرو وأبو بكر والمفضل وأبو عبيد" ينفطرن" من الانفطار، كقول تعالى:" إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ" «2» [الانفطار: 1] وقد مضى في سورة" مريم" بيان هذا «3». وقال ابن عباس:" تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ" أي تكاد كل واحدة منها تنفطر فوق التي تليها، من قول المشركين:" اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً" «4» [البقرة: 116]. وقال الضحاك والسدي:" يَتَفَطَّرْنَ" أي يتشققن من عظمة الله وجلاله فوقهن. وقيل:" فَوْقِهِنَّ"، فوق الأرضين من خشية الله لو كن مما يعقل. قوله تعالى:" وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ" أي ينزهونه عما لا يجوز في وصفه، وما لا يليق بجلاله. وقيل يتعجبون من جرأة المشركين، فيذكر التسبيح في موضع التعجب. وعن علي رضي الله عنه: أن تسبيحهم تعجب مما يرون من تعرضهم لسخط الله. وقال ابن عباس: تسبيحهم خضوع لما «5» يرون من عظمة الله. ومعنى" بِحَمْدِ رَبِّهِمْ" بأمر ربهم، قاله السدي." وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ" قال الضحاك: لمن في الأرض من المؤمنين، وقاله السدي. بيانه في سورة المؤمن:" وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا" [غافر: 7]. وعلى هذا تكون الملائكة هنا حملة العرش. وقيل: جميع ملائكة السماء، وهو الظاهر من قول الكلبي. وقال وهب ابن منبه: هو منسوخ بقوله:" وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا". قال المهدوي: والصحيح أنه ليس بمنسوخ، لأنه خبر، وهو خاص للمؤمنين. وقال أبو الحسن الماوردي عن الكلبي: ان الملائكة لما رأت الملكين اللذين اختبرا وبعثا إلى الأرض ليحكما بينهم، فافتتنا بالزهرة
__________
(1). في ح ن: قراءة نافع وغيره
(2). راجع ج 19 ص 242.
(3). راجع ج 11 ص 156.
(4). راجع ج 2 ص 85.
(5). في ك: مما يرون.

وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (6)

وهربا إلى إدريس- وهو جد أبي نوح عليهما السلام- وسألاه أن يدعو لهما، سبحت الملائكة بحمد ربهم واستغفرت لبني آدم. قال أبو الحسن بن الحصار: وقد ظن بعض من جهل أن هذه الآية نزلت بسبب هاروت وماروت، وأنها منسوخة بالآية التي في المؤمن، وما علموا أن حملة العرش مخصوصون بالاستغفار للمؤمنين خاصة، ولله ملائكة أخر يستغفرون لمن في الأرض. الماوردي: وفي استغفارهم لهم قولان: أحدهما- من الذنوب والخطايا، وهو ظاهر قول مقاتل. الثاني- أنه طلب الرزق لهم والسعة عليهم، قاله الكلبي. قلت: وهو أظهر، لان الأرض تعم الكافر وغيره، وعلى قول مقاتل لا يدخل فيه الكافر. وقد روي في هذا الباب خبر رواه عاصم الأحول عن أبي عثمان عن سلمان قال: إن العبد إذا كان يذكر الله في السراء فنزلت به الضراء قالت الملائكة: صوت معروف من آدمي ضعيف، كان يذكر الله تعالى في السراء فنزلت به الضراء، فيستغفرون له. فإذا كان لا يذكر الله في السراء فنزلت به الضراء قالت الملائكة: صوت منكر من آدمي كان لا يذكر الله في السراء فنزلت به الضراء، فلا يستغفرون. وهذا يدل على أن الآية في الذاكر لله «1» تعالى في السراء والضراء، فهي خاصة ببعض من في الأرض من المؤمنين. والله أعلم. يحتمل أن يقصدوا بالاستغفار طلب الحلم والغفران في قوله تعالى:" إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا" «2» [فاطر: 41]- إلى أن قال- إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً"، وقوله تعالى:" وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ" «3» [الرعد: 6]. والمراد الحلم عنهم وألا يعالجهم بالانتقام، فيكون عاما، قاله الزمخشري. وقال مطرف: وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة، ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشياطين. وقد تقدم «4»." أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" قال بعض العلماء: هيب وعظم عز وجل في الابتداء، وألطف وبشر في الانتهاء.

[سورة الشورى (42): آية 6]
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (6)
__________
(1). في ل: في الذاكرين الله.
(2). راجع ج 14 ص 356
(3). راجع ج 9 ص 285
(4). راجع ج 15 ص 295

وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7)

قوله تعالى:" وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ" يعني أصناما يعبدونها." اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ" أي يحفظ أعمالهم ليجازيهم بها." وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ" وهذه منسوخة بآية السيف. وفي الخبر: (أطت السماء وحق لها أن تئط) أي صوتت من ثقل سكانها لكثرتهم، فهم مع كثرتهم لا يفترون عن عبادة الله، وهؤلاء الكفار يشركون به.

[سورة الشورى (42): آية 7]
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7)
قوله تعالى:" وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا" أي وكما أوحينا إليك وإلى من قبلك هذه المعاني فكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا بيناه بلغة العرب. وقيل: أي أنزلنا عليك قرآنا عربيا بلسان قومك، كما أرسلنا كل رسول بلسان قومه. والمعنى واحد «1»." لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى " يعني مكة. قيل لمكة أم القرى لان الأرض دحيت من تحتها." وَمَنْ حَوْلَها" من سائر الخلق." وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ" أي بيوم الجمع، وهو يوم القيامة." لا رَيْبَ فِيهِ" لا شك فيه." فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ" ابتداء وخبر. وأجاز الكسائي النصب على تقدير: لتنذر فريقا في الجنة وفريقا في السعير.

[سورة الشورى (42): آية 8]
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (8)
قوله تعالى:" وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً" قال الضحاك: أهل دين واحد، أهل ضلالة أو أهل هدى." وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ" قال أنس بن مالك: في الإسلام." وَالظَّالِمُونَ" رفع على الابتداء، والخبر" ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ" عطف على اللفظ. ويجوز" وَلا نَصِيرٍ" بالرفع على الموضع و" مَنْ" زائدة.
__________
(1). في ل: تقديم وتأخير لسياق هذه الجملة ولم تخرج عن اللفظ والمعنى

أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (9)

[سورة الشورى (42): آية 9]
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (9)
قوله تعالى:" أَمِ اتَّخَذُوا" أي بل اتخذوا." مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ" يعني أصناما." فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ" أي وليك يا محمد وولي من اتبعك، لا ولي سواه «1»." وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى " يريد عند البعث." وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" وغيره من الأولياء لا يقدر على شي.

[سورة الشورى (42): آية 10]
وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10)
قوله تعالى:" وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ" حكاية قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمؤمنين، أي وما خالفكم فيه الكفار من أهل الكتاب والمشركين من أمر الدين، فقولوا لهم حكمه إلى الله لا إليكم، وقد حكم أن الدين هو الإسلام لا غيره. وأمور الشرائع إنما تتلقى من بيان الله." ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي" أي الموصوف بهذه الصفات هو ربي وحده، وفية إضمار: أي قل لهم يا محمد ذلكم الله الذي يحيي الموتى ويحكم بين المختلفين هو ربي." عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ" اعتمدت." وَإِلَيْهِ أُنِيبُ" أرجع.

[سورة الشورى (42): آية 11]
فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)
أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) قوله تعالى:" فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" بالرفع على النعت لاسم الله، أو على تقدير هو فاطر. ويجوز النصب على النداء، والجر على البدل من الهاء في" عليه". والفاطر: المبدع والخالق. وقد تقدم «2» .." جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً" قيل معناه إناثا. وإنما
__________
(1). ما بين المربعين من ح ل هـ.
(2). راجع ج 6 ص 397، ج 9 ص 270 و346، ج 14 ص 24 وما بعدها. 319

قال:" مِنْ أَنْفُسِكُمْ" لأنه خلق حواء من ضلع آدم. وقال مجاهد: نسلا بعد نسل." وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً" يعني الثمانية التي ذكرها في" الانعام" «1» ذكور الإبل والبقر والضأن والمعز وإناثها." يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ" أي يخلقكم وينشئكم" فِيهِ" أي في الرحم. وقيل: في البطن. وقال الفراء وابن كيسان:" فيه" بمعنى به. وكذلك قال الزجاج: معنى" يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ" يكثركم به، أي يكثركم يجعلكم أزواجا، أي حلائل، لأنهن سبب النسل. وقيل: إن الهاء في" فِيهِ" للجعل، ودل عليه" جعل"، فكأنه قال: يخلقكم ويكثركم في الجعل. ابن قتيبة:" يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ" أي في الزوج، أي يخلقكم في بطون الإناث. وقال: ويكون" فِيهِ" في الرحم، وفية بعد، لان الرحم مؤنثة ولم يتقدم لها ذكر." لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" قيل: إن الكاف زائدة للتوكيد، أي ليس مثله شي. قال:
وصاليات ككما يؤثفين «2»

فأدخل على الكاف كافا تأكيدا للتشبيه. وقيل: المثل زائدة للتوكيد، وهو قول ثعلب: ليس كهو شي، نحو قوله تعالى:" فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا" «3». [البقرة: 137]. وفي حرف ابن مسعود" فإن آمنوا بما آمنتم به فقد اهتدوا" قال أوس بن حجر:
وقتلى كمثل جذوع ألن ... خيل يغشاهم مطر منهمر
أي كجذوع. والذي يعتقد في هذا الباب أن الله جل اسمه في عظمته وكبريائه وملكوته وحسنى أسمائه وعلي صفاته، لا يشبه شيئا من مخلوقاته ولا يشبه به، وإنما جاء مما أطلقه الشرع على الخالق والمخلوق، فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي، إذ صفات القديم عز وجل بخلاف صفات المخلوق، إذ صفاتهم لا تنفك عن الأغراض والاعراض، وهو تعالى منزه عن ذلك، بل لم يزل بأسمائه وبصفاته على ما بيناه في (الكتاب الأسنى في شرح
__________
(1). راجع ج 7 ص 113 طبعه أولى أو ثانية.
(2). الصاليات: الأثافي، وهي الأحجار التي ينصب عليها القدر. ومعنى يؤثفين: ينصبن للقدر. (راجع خزانة الأدب في الشاهد الخامس والثلاثين بعد المائة وكتاب سيبويه). [.....]
(3). آية 137 سورة البقرة.

لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12) شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14)

أسماء الله الحسنى (، وكفى في هذا قوله الحق:" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ". وقد قال بعض العلماء المحققين: التوحيد إثبات ذات غير مشبهة للذوات ولا معطلة من الصفات. وزاد الواسطي رحمه الله بيانا فقال: ليس كذاته ذات، ولا كاسمه اسم، ولا كفعله فعل، ولا كصفته صفة إلا من جهة موافقة اللفظ، وجلت الذات القديمة أن يكون لها صفة حديثة، كما استحال أن يكون للذات المحدثة صفة قديمة. وهذا كله مذهب أهل الحق والسنة والجماعة. رضي الله عنهم!

[سورة الشورى (42): آية 12]
لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12)
قوله تعالى:" لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" تقدم في" الزمر" «1» بيانه. النحاس: والذي يملك المفاتيح يملك الخزائن، يقال للمفتاح: إقليد، وجمعه على غير قياس، كمحاسن والواحد حسن." يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" تقدم أيضا في غير موضع «2».

[سورة الشورى (42): الآيات 13 الى 14]
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) وَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14)
__________
(1). راجع ج 15 ص 274.
(2). راجع ج 1 ص 62 1 طبعه ثانية أو ثالثة. وج 9 ص 314

قوله تعالى:" شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً" فيه مسألتان: الاولى- قوله تعالى:" شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ" أي الذي له مقاليد السموات والأرض شرع لكم من الدين ما شرع لقوم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، ثم بين ذلك بقوله تعالى:" أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ" وهو توحيد الله وطاعته، والايمان برسله وكتبه وبيوم الجزاء، وبسائر ما يكون الرجل بإقامته مسلما. ولم يرد الشرائع التي هي مصالح الأمم على حسب أحوالها، فإنها مختلفة متفاوتة، قال الله تعالى:" لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً" [المائدة: 48] وقد تقدم القول «1» فيه. ومعنى" شَرَعَ" أي نهج وأوضح وبين المسالك. وقد شرع لهم يشرع شرعا أي سن «2». والشارع: الطريق الأعظم. وقد شرع المنزل إذا كان على طريق نافذ. وشرعت الإبل إذا أمكنتها من الشريعة. وشرعت الأديم إذا سلخته. وقال يعقوب: إذا شققت ما بين الرجلين، قال: وسمعته من أم الحمارس البكرية. وشرعت في هذا الامر شروعا أي خضت." أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ"" أن" في محل رفع، على تقدير والذي وصى به نوحا أن أقيموا الدين، ويوقف على هذا الوجه على" عِيسى ". وقيل: هو نصب، أي شرع لكم إقامة الدين. وقيل: هو جر بدلا من الهاء في" به"، كأنه قال: به أقيموا الدين. ولا يوقف على" عِيسى " على هذين الوجهين. ويجوز أن تكون" أَنْ" مفسرة، مثل أن امشوا، فلا يكون لها محل من الاعراب. الثانية- قال القاضي أبو بكر بن العربي: ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في حديث الشفاعة الكبير المشهور: (ولكن ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض فيأتون نوحا فيقولون له أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ... (وهذا صحيح لا إشكال فيه، كما أن آدم أول نبي «3» بغير إشكال، لان آدم لم يكن معه إلا نبوة «4»، ولم تفرض له الفرائض ولا شرعت له المحارم، وإنما كان تنبيها على بعض
__________
(1). راجع ج 6 ص 211 طبعه أولى أو ثانية.
(2). في ل: أى بين.
(3). في نسخ الأصل:" كما أن آدم أول رسول نبي بغير إشكال، إلا أن آدم" والتصويب عن ابن العربي.
(4). في ز ك ل هـ: لم يكن معه إلا بنوه.

الأمور واقتصارا على ضرورات المعاش، وأخذا بوظائف الحياة والبقاء، واستقر المدى إلى نوح فبعثه الله بتحريم الأمهات والبنات والأخوات، ووظف عليه الواجبات وأوضح له الآداب في الديانات، ولم يزل ذلك يتأكد بالرسل يتناصر «1» بالأنبياء- صلوات الله عليهم- واحدا بعد واحد وشريعة إثر شريعة، حتى ختمها الله بخير الملل ملتنا على لسان أكرم الرسل نبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكان المعنى أوصيناك يا محمد ونوحا دينا واحدا، يعني في الأصول التي لا تختلف فيها الشريعة، وهي التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج، والتقرب إلى الله بصالح الأعمال، والزلف إليه بما يرد القلب والجارحة إليه، والصدق والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة وصلة الرحم، وتحريم الكفر والقتل والزنى والاذاية للخلق كيفما تصرفت، والاعتداء على الحيوان كيفما دار، واقتحام الدناءات وما يعود بخرم المروءات، فهذا كله مشروع دينا واحدا وملة متحدة، لم تختلف على ألسنة الأنبياء وإن اختلفت أعدادهم، وذلك قوله تعالى:" أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ" أي اجعلوه قائما، يريد دائما مستمرا محفوظا مستقرا من غير خلاف فيه ولا اضطراب، فمن الخلق من وفى بذلك ومنهم من نكث، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه «2» [الفتح: 10]. واختلفت الشرائع وراء هذا في معان حسبما أراده الله مما اقتضت المصلحة وأوجبت الحكمة وضعه في الأزمنة على الأمم". والله أعلم. قال مجاهد: لم يبعث الله نبيا قط إلا وصاه بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإقرار لله بالطاعة، فذلك دينه الذي شرع لهم، وقاله الوالبي عن ابن عباس، وهو قول الكلبي. وقال قتادة: يعني تحليل الحلال وتحريم الحرام. وقال الحكم: تحريم الأمهات والأخوات والبنات. وما ذكره القاضي يجمع هذه الأقوال ويزيد عليها. وخص نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى بالذكر لأنهم أرباب الشرائع. قوله تعالى:" كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ" أي عظم عليهم." ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ" من التوحيد ورفض الأوثان. قال قتادة: كبر على المشركين فاشتد عليهم شهادة أن لا إله إلا الله، وضاق بها إبليس وجنوده، فأبى الله عز وجل إلا أن ينصرها ويعليها ويظهرها على من
__________
(1). في ابن العربي:" ويتناشر".
(2). راجع ص 286 من هذا الجزء.

ناوأها. ثم قال:" اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ" أي يختار. والاجتباء الاختيار، أي يختار للتوحيد من يشاء." وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ" أي يستخلص لدينه من رجع إليه." وَما تَفَرَّقُوا" قال ابن عباس: يعني قريشا." إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ" محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكانوا يتمنون أن يبعث إليهم نبي، دليله قوله تعالى في سورة فاطر:" وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ" «1» [فاطر: 42] يريد نبيا. وقال في سورة البقرة:" فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ" [البقرة: 89] على ما تقدم بيانه هناك «2». وقيل: أمم الأنبياء المتقدمين، فإنهم فيما بينهم اختلفوا لما طال بهم المدى «3»، فآمن قوم وكفر قوم. وقال ابن عباس أيضا: يعني أهل الكتاب، دليله في سورة المنفكين" وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ" «4» [البينة: 4]. فالمشركون قالوا: لم خص بالنبوة! واليهود حسدوه لما بعث، وكذا النصارى." بَغْياً بَيْنَهُمْ" أي بغيا من بعضهم على بعض طلبا للرئاسة، فليس تفرقهم لقصور في البيان والحجج، ولكن للبغي والظلم والاشتغال بالدنيا." وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ
«5» مِنْ رَبِّكَ" في تأخير العقاب عن هؤلاء." إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى" قيل: القيامة، لقوله تعالى:" بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ"»
[القمر: 46]. وقيل: إلى الأجل الذي قضي فيه بعذابهم." لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ" أي بين من آمن وبين من كفر بنزول العذاب." وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ" يريد اليهود والنصارى." مِنْ بَعْدِهِمْ" أي من بعد المختلفين في الحق." لَفِي شَكٍّ" من الذي أوصى به الأنبياء. والكتاب هنا التوراة والإنجيل. وقيل:" إِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ" قريش." مِنْ بَعْدِهِمْ" من بعد اليهود النصارى." لَفِي شَكٍّ" من القرآن أو من محمد. وقال مجاهد: معنى" مِنْ بَعْدِهِمْ" من قبلهم، يعني من قبل مشركي مكة، وهم اليهود والنصارى.
__________
(1). راجع ج 14 ص 357
(2). راجع ج 2 ص 27
(3). لفظة المدى ساقطة من ك.
(4). راجع ج 17 ص 146
(5). راجع ج 20 ص 143 [.....]
(6). راجع ج 11 ص 260

فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)

[سورة الشورى (42): آية 15]
فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)
قوله تعالى:" فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ" لما أجاز أن يكون الشك لليهود والنصارى، أو لقريش قيل له:" فَلِذلِكَ فَادْعُ" أي فتبينت شكهم فادع إلى الله، أي إلى ذلك الدين الذي شرعه الله للأنبياء ووصاهم به. فاللام بمعنى إلى، كقوله تعالى:" بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها" «1» [الزلزلة: 5] أي إليها. و" ذلِكَ" بمعنى هذا. وقد تقدم أول" البقرة" «2». والمعنى فلهذا القرآن فادع. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى كبر على المشركين ما تدعوهم إليه فلذلك فادع. وقيل: إن اللام على بابها، والمعنى: فمن أجل ذلك الذي تقدم ذكره فادع واستقم. قال ابن عباس: أي إلى القرآن فادع الخلق." وَاسْتَقِمْ" خطاب له عليه السلام. قال قتادة: أي استقم على أمر الله. وقال سفيان: أي استقم على القرآن. وقال الضحاك: استقم على تبليغ الرسالة." وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ" أي لا تنظر إلى خلاف من خالفك." وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ" أي أن أعدل، كقوله تعالى:" وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ" «3» [غافر: 66]. وقيل: هي لام كي، أي لكي أعدل. قال ابن عباس وأبو العالية: لاسوي بينكم في الدين فأومن بكل كتاب وبكل رسول. وقال غيرهما: لأعدل في جميع الأحوال وقيل: هذا العدل هو العدل في الأحكام. وقيل في التبليغ." اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ" قال ابن عباس ومجاهد: الخطاب لليهود، أي لنا ديننا ولكم دينكم. قال: ثم نسخت بقوله:" قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ" «4» [التوبة: 29] الآية. قال مجاهد: ومعنى" لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ" لا خصومة بيننا وبينكم. وقيل: ليس بمنسوخ،
__________
(1). راجع ج 20 ص 149.
(2). راجع ج 1 ص 157 طبعه ثانية أو ثالثة.
(3). آية 66 سورة غافر.
(4). آية 29 سورة التوبة.

وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (16)

لان البراهين قد ظهرت، والحجج قد قامت، فلم يبق إلا العناد، وبعد العناد لا حجة ولا جدال. قال النحاس: ويجوز أن يكون معنى" لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ" على ذلك القول: لم يؤمر أن يحتج عليكم ويقاتلكم، ثم نسخ هذا. كما أن قائلا لو قال من قبل أن تحول القبلة: لا تصل «1» إلى الكعبة، ثم حول الناس بعد، لجاز أن يقال نسخ ذلك." اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا" يريد يوم القيامة." وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ" أي فهو يحكم بيننا إذا صرنا إليه، ويجازي كلا بما كان عليه. وقيل: إن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة، وقد سألا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يرجع عن دعوته ودينه إلى دين قريش، على أن يعطيه الوليد نصف ماله ويزوجه شيبة بابنته.

[سورة الشورى (42): آية 16]
وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (16)
قوله تعالى:" وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ" رجع إلى المشركين." مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ" قال مجاهد: من بعد ما أسلم الناس. قال: وهؤلاء قد توهموا أن الجاهلية تعود. وقال قتادة: الذين يحاجون في الله اليهود والنصارى، ومحاجتهم قولهم نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم، وكانوا يرون لأنفسهم الفضيلة بأنهم أهل الكتاب وأنهم أولاد الأنبياء. وكان المشركون يقولون:" أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا" «2» [مريم: 73] فقال الله تعالى:" وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ" أي لا ثبات لها كالشيء الذي يزل عن موضعه. والهاء في" لَهُ" يجوز أن يكون لله عز وجل، أي من بعد ما وحدوا الله وشهدوا له بالوحدانية. ويجوز أن يكون للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أي من بعد ما استجيب لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في دعوته من أهل بدر ونصر الله المؤمنين. يقال: دحضت حجته دحوضا بطلت. وأدحضها الله. والإدحاض: الإزلاق. ومكان دحض ودحض أيضا
__________
(1). في ك ل: لا نصلى وفي ز لا يصلى.
(2). راجع ج 11 ص 142.

اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17)

(بالتحريك) أي زلق. ودحضت رجله تدحض دحضا زلقت. ودحضت الشمس عن كبد السماء زالت." وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ" يريد في الدنيا." وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ" يريد في الآخرة عذاب دائم.

[سورة الشورى (42): آية 17]
اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17)
قوله تعالى:" اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ" يعني القرآن وسائر الكتب المنزلة." بِالْحَقِّ" أي بالصدق." وَالْمِيزانَ" أي العدل، قاله ابن عباس وأكثر المفسرين. والعدل يسمى ميزانا، لان الميزان آلة الانصاف والعدل. وقيل: الميزان ما بين في الكتب مما يجب على الإنسان أن يعمل به. وقال قتادة: الميزان العدل فيما أمر به ونهى عنه. وهذه الأقوال متقاربة المعنى. وقيل: هو الجزاء على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب. وقيل: إنه الميزان نفسه الذي يوزن به، أنزله من السماء وعلم العباد الوزن به، لئلا يكون بينهم تظالم وتباخس، قال الله تعالى:" لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ" «1» [الحديد: 25]. قال مجاهد: هو الذي يوزن به. ومعنى أنزل الميزان. هو إلهامه للخلق أن يعملوه ويعملوا] به [. وقيل: الميزان محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يقضي بينكم بكتاب الله." وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ" فلم يخبره بها. يحضه على العمل بالكتاب والعدل والسوية، والعمل بالشرائع قبل أن يفاجئ اليوم الذي يكون فيه المحاسبة ووزن الأعمال، فيوفى لمن أوفى ويطفف لمن طفف. ف" لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ" أي منك وأنت لا تدري. وقال:" قَرِيبٌ" ولم يقل قريبة، لان تأنيثها غير حقيقي لأنها كالوقت، قاله الزجاج. والمعنى: لعل البعث أو لعل مجيء الساعة قريب. وقال الكسائي:" قَرِيبٌ" نعت ينعت به المذكر والمؤنث والجمع بمعنى ولفظ واحد، قال الله تعالى:" إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ" «2» [الأعراف: 56] قال الشاعر:
وكنا قريبا والديار بعيدة ... فلما وصلنا نصب أعينهم غبنا
__________
(1). آية 25 سورة الحديد.
(2). آية 56 سورة الأعراف. راجع ج 7 ص 227.

يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (18)

[سورة الشورى (42): آية 18]
يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (18)
قوله تعالى:" يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها" يعني على طريق الاستهزاء، ظنا منهم أنها غير آتية، أو إيهاما للضعفة أنها لا تكون." وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها" أي خائفون وجلون لاستقصارهم أنفسهم مع الجهد في الطاعة، كما قال:" وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ" «1» [المؤمنون: 60]." وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ" أي التي لا شك فيها." أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ" أي يشكون ويخاصمون في قيام الساعة." لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ" أي عن الحق وطريق الاعتبار، إذ لو تذكروا لعلموا أن الذي أنشأهم من تراب ثم من نطفة إلى أن بلغوا ما بلغوا، قادر على أن يبعثهم.

[سورة الشورى (42): آية 19]
اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19)
قوله تعالى:" اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ" قال ابن عباس: حفي بهم. وقال عكرمة: بار بهم. وقال السدي: رفيق بهم. وقال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر، حيث لم يقتلهم جوعا بمعاصيهم. وقال القرظي: لطيف بهم في العرض والمحاسبة. قال:
غدا عند مولى الخلق للخلق موقف ... يسائلهم فيه الجليل ويلطف

وقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين: يلطف بهم في الرزق من وجهين: أحدهما- أنه جعل رزقك من الطيبات. والثاني- أنه لم يدفعه إليك مرة واحدة فتبذوه. وقال الحسين بن الفضل: لطيف بهم في القرآن وتفصيله وتفسيره. وقال الجنيد: لطيف
__________
(1). آية 60 سورة المؤمنون.

بأوليائه حتى عرفوه، ولو لطف بأعدائه لما جحدوه. وقال محمد بن علي الكتاني: اللطيف بمن لجأ إليه من عباده إذا يئس من الخلق توكل عليه ورجع إليه، فحينئذ يقبله ويقبل عليه. وجاء في حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن الله تعالى يطلع على القبور الدوارس فيقول عز وجل امحت آثارهم واضمحلت صورهم وبقي عليهم العذاب وأنا اللطيف وأنا أرحم الراحمين خففوا عنهم العذاب فيخفف عنهم العذاب (. قال أبو علي الثقفي رضي الله عنه:
أمر بأفناء القبور كأنني ... أخو فطنة والثواب فيه نحيف
ومن شق فاه الله قدر رزقه ... وربي بمن يلجأ إليه لطيف
وقيل: اللطيف الذي ينشر من عباده المناقب ويستر عليهم المثالب، وعلى هذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يا من أظهر الجميل وستر القبيح). وقيل: هو الذي يقبل القليل ويبذل الجزيل. وقيل: هو الذي يجبر الكسير وييسر العسير. وقيل: هو الذي لا يخاف إلا عدله ولا يرجى إلا فضله. وقيل: هو الذي يبذل لعبده النعمة فوق الهمة ويكلفه الطاعة فوق الطاقة، قال تعالى:" وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها" «1» [النحل: 18]" وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً" «2» [لقمان: 20]، وقال:" وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ" «3» [الحج: 78]،" يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ" «4» [النساء: 28]. وقيل: هو الذي يعين على الخدمة ويكثر المدحة. وقيل: هو الذي لا يعاجل من عصاه ولا يخيب من رجاه. وقيل: هو الذي لا يرد سائله ولا يوئس آمله. وقيل: هو الذي يعفو عمن يهفو. وقيل: هو الذي يرحم من لا يرحم نفسه. وقيل: هو الذي أوقد في أسرار العارفين من المشاهدة سراجا، وجعل الصراط المستقيم لهم منهاجا، وأجزل لهم من سحائب بره ماء ثجاجا. وقد مضى في" الانعام" قول أبي العالية والجنيد أيضا «5». وقد ذكرنا جميع هذا في (الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى) عند اسمه اللطيف، والحمد لله." يرزق من يشاء" ويحرم من يشاء. وفي تفضيل قوم بالمال حكمة، ليحتاج
__________
(1). آية 34 سورة إبراهيم.
(2). آية 20 سورة لقمان.
(3). آية 78 سورة الحج.
(4). آية 28 سورة النساء. [.....]
(5). راجع ج 7 ص 57 طبعه أولى أو ثانية.

مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20)

البعض إلى البعض، كما قال:" لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا" «1» [الزخرف: 32]، فكان هذا لطفا بالعباد. وأيضا ليمتحن الغني بالفقير والفقير بالغني، كما قال:" وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ" [الفرقان: 20] على ما تقدم بيانه «2»." وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ"

[سورة الشورى (42): آية 20]
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20)
قوله تعالى:" مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ" الحرث العمل والكسب. ومنه قول عبد الله بن عمر: وأحرث لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا. ومنه سمى الرجل حارثا. والمعنى: أي من طلب بما رزقناه حرثا لآخرته، فأدى حقوق الله وأنفق في إعزاز الدين، فإنما نعطيه ثواب ذلك للواحد عشرا إلى سبعمائة فأكثر." وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا" أي طلب بالمال الذي آتاه الله رئاسة الدنيا والتوصل إلى المحظورات، فإنا لا نحرمه الرزق أصلا، ولكن لا حظ له في الآخرة من ماله، قال الله تعالى:" مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً" «3» [الاسراء: 19- 18]. وقيل:" نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ" نوفقه للعبادة ونسهلها عليه. وقيل: حرث الآخرة الطاعة، أي من أطاع فله الثواب. وقيل:" نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ" أي نعطيه الدنيا مع الآخرة. وقيل: الآية في الغزو، أي من أراد بغزوة الآخرة أوتي الثواب، ومن أراد بغزوة الغنيمة أوتي منها. قال القشيري: والظاهر أن الآية في الكافر، يوسع له في الدنيا، أي لا ينبغي له أن يغتر بذلك لان الدنيا لا تبقى. وقال قتادة: إن الله يعطي على نية الآخرة ما شاء من أمر الدنيا، ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا. وقال أيضا: يقول الله تعالى: (من عمل لآخرته زدناه في عمله وأعطيناه من الدنيا ما كتبنا له ومن آثر دنياه على آخرته لم نجعل له نصيبا في الآخرة
__________
(1). آية 32 سورة الزخرف.
(2). آية 20 سورة الفرقان. راجع ج 13 ص (18)
(3). آية 18 وما بعدها سورة الاسراء.

أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (21)

إلا النار ولم يصب من الدنيا إلا رزقا قد قسمناه له لا بد أن كان يؤتاه مع إيثار أو غير إيثار (. وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: وقوله عز وجل:" مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ" من كان من الأبرار يريد بعمله الصالح ثواب الآخرة" نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ" أي في حسناته." وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا" أي من كان من الفجار يريد بعمله الحسن الدنيا" نُؤْتِهِ مِنْها" ثم نسخ ذلك في سبحان:" مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ" [الاسراء. 18]. والصواب أن هذا ليس بنسخ، لان هذا خبر والأشياء كلها بإرادة الله عز وجل. ألا ترى أنه قد صح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت). وقد قال قتادة ما تقدم ذكره، وهو يبين لك أن لا نسخ. وقد ذكرنا في" هود" أن هذا من باب المطلق والمقيد، وأن النسخ لا يدخل في الاخبار «1». والله المستعان. مسألة: هذه الآية تبطل مذهب أبي حنيفة في قوله: إنه من توضأ تبردا أنه يجزيه عن فريضة الوضوء الموظف عليه، فإن فريضة الوضوء من حرث الآخرة والتبرد من حرث الدنيا، فلا يدخل أحدهما على الآخر، ولا تجزي نيته عنه بظاهر هذه الآية، قاله ابن العربي.

[سورة الشورى (42): آية 21]
أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (21)
قوله تعالى:" أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ" أي ألهم! والميم صلة والهمزة للتقريع. وهذا متصل بقوله:" شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً" [الشورى: 13]، وقوله تعالى:" اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ" [الشورى: 17] كانوا لا يؤمنون به، فهل لهم آلهة شرعوا لهم الشرك الذي لم يأذن به الله! وإذا استحال هذا فالله لم يشرع الشرك، فمن أين يدينون به." وَلَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ" يوم
__________
(1). راجع ج 9 ص 14

تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (22)

القيامة حيث قال:" بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ" «1» [القمر: 46]." لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ" في الدنيا، فعاجل الظالم بالعقوبة وأثاب الطائع." وَإِنَّ الظَّالِمِينَ" أي المشركين." لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ" في الدنيا القتل والأسر والقهر، وفي الآخرة عذاب النار. وقرا ابن هرمز" وأن" بفتح الهمزة على العطف على" وَلَوْ لا كَلِمَةُ" والفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجواب" لَوْ لا" جائز. ويجوز أن يكون موضع" إِنَّ" رفعا على تقدير: وجب أن الظالمين لهم عذاب أليم، فيكون منقطعا مما قبله كقراءة الكسر، فاعلمه.

[سورة الشورى (42): آية 22]
تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (22)
قوله تعالى:" تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ" أي خائفين" مِمَّا كَسَبُوا" أي من جزاء ما كسبوا. والظالمون ها هنا الكافرون، بدليل التقسيم بين المؤمن والكافر." وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ" أي نازل بهم." وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ" الروضة: الموضع النزه الكثير الخضرة. وقد مضى في" الروم" «2»." لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ" أي من النعيم والثواب الجزيل." ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ" أي لا يوصف ولا تهتدي العقول إلى كنه صفته، لان الحق إذا قال كبير فمن ذا الذي يقدر قدره.

[سورة الشورى (42): آية 23]
ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23)
__________
(1). راجع ج 17 ص 146.
(2). راجع ج 14 ص 11

قوله تعالى:" ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا" قرئ" يبشر" من بشره،" ويبشر" من أبشره،" ويبشر" من بشره، وفية حذف، أي يبشر الله به عباده المؤمنين ليتعجلوا السرور ويزدادوا منه وجدا في الطاعة. قوله تعالى:" قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى " فيه مسألتان: الاولى- قوله تعالى:" قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً" أي قل يا محمد لا أسألكم على تبليغ الرسالة جعلا." إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى " قال الزجاج:" إِلَّا الْمَوَدَّةَ" استثناء ليس من الأول، أي إلا أن تودوني لقرابتي فتحفظوني. والخطاب لقريش خاصة، قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد وأبو مالك والشعبي وغيرهم. قال الشعبي: أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عنها، فكتب أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان أوسط الناس في قريش، فليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده، فقال الله له:" قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى " إلا أن تودوني في قرابتي منكم، أي تراعوا ما بيني وبينكم فتصدقوني. ف" الْقُرْبى " ها هنا قرابة الرحم، كأنه قال: اتبعوني للقرابة إن لم تتبعوني للنبوة. قال عكرمة: وكانت قريش تصل أرحامها فلما بعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قطعته، فقال: (صلوني كما كنتم تفعلون). فالمعنى على هذا: قل لا أسألكم عليه أجرا لكن أذكركم قرابتي، على أنه استثناء ليس من الأول، ذكره النحاس. وفي البخاري عن طاوس عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى:" إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى " فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد، فقال ابن عباس: عجلت! إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بينكم من القرابة. فهذا قول. وقيل: القربى قرابة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أي لا أسألكم أجرا إلا أن تودوا قرابتي واهل بيتي، كما أمر بإعظامهم ذوي القربى. وهذا قول علي بن حسين وعمرو بن شعيب والسدي. وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: لما أنزل الله عز وجل:" قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى " قالوا: يا رسول الله، من

هؤلاء الذين نودهم؟ قال: (علي وفاطمة وأبناؤهما). ويدل عليه أيضا ما روي عن علي رضي الله عنه قال: شكوت إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حسد الناس لي. فقال: (أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذريتنا خلف أزواجنا (. وعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:) حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غدا إذا لقيني يوم القيامة (. وقال الحسن وقتادة: المعنى إلا أن يتوددوا إلى الله عز وجل ويتقربوا إليه بطاعته. ف" القربى" على هذا بمعنى القربة. يقال: قربة وقربى بمعنى، كالزلفة والزلفى. وروى قزعة بن سويد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قل لا أسألكم على ما آتيتكم به أجرا إلا أن توادوا وتقربوا إليه بالطاعة). وروى منصور وعوف عن الحسن" قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى " قال: يتوددون إلى الله عز وجل ويتقربون منه بطاعته. وقال قوم: الآية منسوخة وإنما نزلت بمكة، وكان المشركون يؤذون رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنزلت هذه الآية، وأمرهم الله بمودة نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصلة رحمه، فلما هاجر آوته الأنصار ونصروه، وأراد الله أن يلحقه بإخوانه من الأنبياء حيث قالوا:" وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ" «1» [الشعراء: 109] فأنزل الله تعالى:" قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ" «2» [سبأ: 47] فنسخت بهذه الآية وبقوله:" قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ" «3» [ص: 86]، وقوله." أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ" «4» [المؤمنون: 72]، وقوله:" أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ" «5» [الطور: 40]، قاله الضحاك والحسين بن الفضل. ورواه جويبر عن الضحاك عن ابن عباس. قال الثعلبي: وليس بالقوي، وكفى قبحا بقول من يقول: إن التقرب إلى الله بطاعته ومودة نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واهل بيته منسوخ، وقد
__________
(1). آية 109 و127 و145 و164 و180 سورة الشعراء.
(2). آية 47 سورة سبأ.
(3). آية 86 سورة ص.
(4). آية 72 سورة المؤمنون.
(5). آية 40 سورة الطور وآية 46 سورة القلم

قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من مات على حب آل محمد مات شهيدا. ومن مات على حب آل محمد جعل الله زوار قبره الملائكة والرحمة. ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه أيس اليوم من رحمة الله. ومن مات على بغض آل محمد لم يرح «1» رائحة الجنة. ومن مات على بغض آل بيتي فلا نصيب له في شفاعتي (. قلت: وذكر هذا الخبر الزمخشري في تفسيره بأطول من هذا فقال: وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من مات على حب آل محمد مات شهيدا ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا مستكمل الايمان. ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير. ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنة. ألا ومن مات في حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة. ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة. ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه أيس من رحمة الله. ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافرا. ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة (. قال النحاس: ومذهب عكرمة ليست بمنسوخة، قال: كانوا يصلون أرحامهم فلما بعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قطعوه فقال: (قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا أن تودوني وتحفظوني لقرابتي ولا تكذبوني). قلت: وهذا هو معنى قول ابن عباس في البخاري والشعبي عنه بعينه، وعليه لا نسخ. قال النحاس: وقول الحسن حسن، ويدل على صحته الحديث المسند عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما حدثنا أحمد بن محمد الأزدي قال أخبرنا الربيع بن سليمان المرادي قال أخبرنا أسد ابن موسى قال حدثنا قزعة- وهو ابن يزيد «2» البصري- قال حدثنا عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لا أسئلكم على ما أنبئكم به من البينات والهدى أجرأ إلا أن توادوا الله عز وجل وأن تتقربوا إليه بطاعته). فهذا المبين عن الله عز وجل قد قال هذا، وكذا قالت الأنبياء صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبله:" إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ" [سبأ: 47].
__________
(1). أي لم يشم ريحها، يقال: راح يريح، وراح يراح، وأراح يريح. والثلاثة قد روى بها الحديث.
(2). تقدم أنه قزعة بن سويد، وهو ممن يروى عن ابن أبي نجيح. (راجع تهذيب التهذيب). [.....]

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (24)

الثانية- واختلفوا في سبب نزولها، فقال ابن عباس: لما قدم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة كانت تنوبه نوائب وحقوق لا يسعها ما في يديه، فقالت الأنصار: إن هذا الرجل هداكم الله به وهو ابن أخيكم، وتنوبه نوائب وحقوق لا يسعها ما في يديه فنجمع له، ففعلوا، ثم أتوه به فنزلت. وقال الحسن: نزلت حين تفاخرت الأنصار والمهاجرون، فقالت الأنصار نحن فعلنا، وفخرت المهاجرون بقرابتهم من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. روى مقسم عن ابن عباس قال سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيئا فخطب فقال للأنصار: (ألم تكونوا أذلاء فأعزكم الله بي. ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي. ألم تكونوا خائفين فآمنكم الله بي ألا تردون علي)؟ فقالوا: بم نجيبك؟ قال. (تقولون ألم يطردك قومك فآويناك. ألم يكذبك قومك فصدقناك ...) فعدد عليهم. قال: فجثوا على ركبهم فقالوا: أنفسنا وأموالنا لك، فنزلت:" قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى". وقال قتادة: قال المشركون لعل محمدا فيما يتعاطاه يطلب أجرا، فنزلت هذه الآية، ليحثهم على مودته ومودة أقربائه. قال الثعلبي: وهذا أشبه بالآية، لان السورة مكية. قوله تعالى:" وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً" أي يكتسب. واصل القرف الكسب، يقال: فلان يقرف لعياله، أي يكسب. والاقتراف الاكتساب، وهو مأخوذ من قولهم: رجل قرفة، إذا كان محتالا. وقد مضى في" الانعام" «1» القول فيه. وقال ابن عباس:" وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً" قال المودة لآل محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ." نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً" أي نضاعف له الحسنة بعشر فصاعدا." إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ" قال قتادة:" غفور" للذنوب" شكور" للحسنات. وقال السدي:" غفور" لذنوب آل محمد عليه السلام،" شكور" لحسناتهم.

[سورة الشورى (42): آية 24]
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (24)
__________
(1). راجع ج 7 ص 70

وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25)

قوله تعالى:" أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً" الميم صلة، والتقدير أيقولون افترى. واتصل الكلام بما قبل، لان الله تعالى لما قال:" وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب" «1» [الشورى: 15]، وقال" اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ" «2» [الشورى: 17] قال إتماما للبيان:" أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً" يعني كفار قريش قالوا: إن محمدا اختلق الكذب على الله." فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ" شرط وجوابه" عَلى قَلْبِكَ" قال قتادة: يطبع على قلبك فينسيك القرآن، فأخبرهم الله أنه لو افترى عليه لفعل بمحمد ما أخبرهم به في هذه الآية. وقال مجاهد ومقاتل:" فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ" يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يدخل قلبك مشقة من قولهم. وقيل: المعنى إن يشأ يزل تمييزك. وقيل: المعنى لو حدثت نفسك أن تفتري على الله كذبا لطبع على قلبك، قاله ابن عيسى. وقيل: فإن يشأ الله يختم على قلوب الكفار وعلى ألسنتهم وعاجلهم بالعقاب. فالخطاب له والمراد الكفار، ذكره القشيري. ثم ابتدأ فقال:" وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ" قال ابن الأنباري:" يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ" تام. وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير، مجازه: والله يمحو الباطل، فحذف منه الواو في المصحف، وهو في موضع رفع. كما حذفت من قوله" سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ"، «3» [العلق: 18]،" وَيَدْعُ الْإِنْسانُ"»
[الاسراء: 11] ولأنه عطف على قوله" يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ". وقال الزجاج: قول:" أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً" تمام، وقوله:" وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ" احتجاج على من أنكر ما أتى به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أي لو كان ما أتى به باطلا لمحاه كما جرت به عادته في المفترين." وَيُحِقُّ الْحَقَّ" أي الإسلام فيثبته «5»" بِكَلِماتِهِ" أي بما أنزله من القرآن." إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ" عام، أي بما في قلوب العباد. وقيل خاص. والمعنى أنك لو حدثت نفسك أن تفتري على الله كذبا لعلمه وطبع على قلبك.

[سورة الشورى (42): آية 25]
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (25)
__________
(1). آية 15 من هذه السورة.
(2). آية 17 من هذه السورة.
(3). آية 18 سورة العلق.
(4). آية 11 سورة الاسراء.
(5). في أح ز هـ: فبينه.

وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (26)

قوله تعالى:" وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ" قال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى" قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى " قال قوم في نفوسهم: ما يريد إلا أن يحثنا على أقاربه من بعده، فأخبر جبريل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأنهم قد اتهموه فأنزل:" أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً" الآية، فقال القوم: يا رسول الله، فإنا نشهد أنك صادق ونتوب. فنزلت:" وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ". قال ابن عباس: أي عن أوليائه واهل طاعته. والآية عامة. وقد مضى الكلام في معنى التوبة وأحكامها «1»، ومضى هذا اللفظ في" براءة" «2»" وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ" أي عن الشرك قبل الإسلام." وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ" أي من الخير والشر. وقرا حمزة والكسائي وحفص وخلف بالتاء على الخطاب، وهي قراءة ابن مسعود وأصحابه. الباقون بالياء على الخبر، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، لأنه بين خبرين: الأول وهو" وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ" والثاني" وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ".

[سورة الشورى (42): آية 26]
وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (26)
" الَّذِينَ" في موضع نصب، أي ويستجيب الله الذين آمنوا، أي يقبل عبادة من أخلص له بقلبه وأطاع ببدنه. وقيل: يعطيهم مسألتهم إذا دعوه. وقيل: ويجيب دعاء المؤمنين بعضهم لبعض، يقال: أجاب واستجاب بمعنى، وقد مضى في" البقرة" «3». وقال ابن عباس:" وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ" يشفعهم في إخوانهم." وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ" قال: يشفعهم في إخوان إخوانهم. وقال المبرد: معنى" وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا" وليستدع الذين آمنوا الإجابة، هكذا حقيقة معنى استفعل. ف" الَّذِينَ" في موضع رفع." وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ".
__________
(1). راجع ج 5 ص 90 وما بعدها.
(2). آية 104 راجع ج 8 ص (250)
(3). راجع ج 2 ص 308 وما بعدها طبعه ثانية.

وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27)

[سورة الشورى (42): آية 27]
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27)
فيه مسألتان: الاولى- في نزولها، قيل: إنها نزلت في قوم من أهل الصفة تمنوا سعة الرزق. وقال خباب بن الأرت: فينا نزلت، نظرنا إلى أموال بني النضير وقريظة وبني قينقاع فتمنيناها فنزلت." لَوْ بَسَطَ" معناه وسع. وبسط الشيء نشره. وبالصاد أيضا." لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ" طغوا وعصوا. وقال ابن عباس: بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة ودابة بعد دابة ومركبا بعد مركب وملبسا بعد ملبس. وقيل أراد لو أعطاهم الكثير لطلبوا ما هو أكثر منه، لقوله: (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثا) وهذا هو البغي، وهو معنى قول ابن عباس. وقيل: لو جعلناهم سواء في المال لما انقاد بعضهم لبعض، ولتعطلت الصنائع. وقيل: أراد بالرزق المطر الذي هو سبب الرزق، أي لو أدام المطر لتشاغلوا به عن الدعاء، فيقبض تارة ليتضرعوا ويبسط أخرى ليشكروا. وقيل: كانوا إذا أخصبوا أغار بعضهم على بعض، فلا يبعد حمل البغي على هذا. الزمخشري:" لَبَغَوْا" من البغي وهو الظلم، أي لبغي هذا على ذاك وذاك على هذا، لان الغنى مبطرة مأشرة، وكفى بقارون عبرة. ومنه قوله عليه السلام: (أخوف ما أخاف على أمتي زهرة الدنيا وكثرتها). ولبعض العرب:
وقد جعل الوسمي ينبت بيننا ... وبين بني دودان نبعا وشوحطا «1»
يعني أنهم أحيوا فحدثوا أنفسهم بالبغي والتغابن. أو من البغي وهو البذخ والكبر، أي لتكبروا في الأرض وفعلوا ما يتبع الكبر من العلو فيها والفساد." وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ" أي ينزل أرزاقهم بقدر ما يشاء لكفايتهم. وقال مقاتل:" يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ" يجعل من يشاء غنيا ومن يشاء فقيرا.
__________
(1). الوسمي: مطر أول الربيع. والنبع والشوحط: شجر من أشجار الجبال تتخذ منه القسي. وفي النسخ الأصل وبعض كتب التفسير:" ... بني رومان". ودودان: أبو قبيلة من أسد.

وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28)

الثانية- قال علماؤنا: أفعال الرب سبحانه لا تخلو عن مصالح وإن لم يجب على الله الاستصلاح، فقد يعلم من حال عبد أنه لو بسط عليه قاده ذلك إلى الفساد فيزوى عنه الدنيا، مصلحة له. فليس ضيق الرزق هوانا ولا سعة فضيلة، وقد أعطى أقواما مع علمه أنهم يستعملونه في الفساد، ولو فعل بهم خلاف ما فعل لكانوا أقرب إلى الصلاح. والامر على الجملة مفوض إلى «1» مشيئته، ولا يمكن التزام مذهب الاستصلاح في كل فعل من أفعال الله تعالى. وروى أنس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال: (من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وإني لأسرع شيء إلى نصرة أوليائي وإني لاغضب لهم كما يغضب الليث الحرد. وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره إساءته ولا بد له منه. وما تقرب إلي عبدي المؤمن بمثل أداء ما افترضت عليه. وما يزال عبدي المؤمن يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا فإن سألني أعطيته وإن دعاني أجبته. وإن من عبادي المؤمنين من يسألني الباب من العبادة وإني عليم أن لو أعطيته إياه لدخله العجب فأفسده. وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده الفقر. وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده الغنى. وإني لادبر عبادي لعلمي بقلوبهم فإني عليم خبير (. ثم قال أنس: اللهم إني من عبادك المؤمنين الذين لا يصلحهم إلا الغنى، فلا تفقرني برحمتك.

[سورة الشورى (42): آية 28]
وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28)
قرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد ومجاهد وأبو عمرو ويعقوب وابن وثاب والأعمش وحمزه والكسائي" ينزل" مخففا. الباقون بالتشديد. وقرا ابن وثاب أيضا والأعمش وغيرهما" قنطوا" بكسر النون، وقد تقدم جميع هذا «2». والغيث المطر، وسمي الغيث غيثا لأنه يغيث
__________
(1). في ح: والأمر على الجملة إلى مسببه
(2). راجع ج: 1 ص 36، 67 وج 14 ص 34

وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (29)

الخلق. وقد غاث الغيث الأرض أي أصابها. وغاث الله البلاد يغيثها غيثا. وغيثت الأرض تغاث غيثا فهي أرض مغيثة ومغيوثة. وعن الأصمعي قال: مررت ببعض قبائل العرب وقد مطروا فسألت عجوزا منهم: أتاكم المطر؟ فقالت: غثنا ما شئنا غيثا، أي مطرنا. وقال ذو الرمة: قاتل الله أمة بني فلان ما أفصحها! قلت لها كيف كان المطر عندكم؟ فقالت: غثنا ما شئنا. ذكر الأول الثعلبي والثاني الجوهري. وربما سمي السحاب والنبات غيثا. والقنوط الإياس، قاله قتادة وغيره. قال قتادة: ذكر أن رجلا قال لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، قحط المطر وقل الغيث وقنط الناس؟ فقال: مطرتم إن شاء الله، ثم قرأ:" وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا". والغيث ما كان نافعا في وقته، والمطر قد يكون نافعا وضارا في وقته وغير وقته، قال الماوردي." وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ" قيل المطر، وهو قول السدي. وقيل ظهور الشمس بعد المطر، ذكره المهدوي. وقال مقاتل: نزلت في حبس المطر عن أهل مكة سبع سنين حتى قنطوا، ثم أنزل الله المطر. وقيل: نزلت في الاعرابي سأل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المطر يوم الجمعة في خبر الاستسقاء، ذكره القشيري، والله أعلم." وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ"" الْوَلِيُّ" الذي ينصر أولياءه." الْحَمِيدُ" المحمود بكل لسان.

[سورة الشورى (42): آية 29]
وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ (29)
قوله تعالى:" وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" أي علاماته الدالة على قدرته." وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ" قال مجاهد: يدخل في هذا الملائكة والناس، وقد قال تعالى:" وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ" «1» [النحل: 8]. وقال الفراء: أراد ما بث في الأرض دون السماء، كقوله:" يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ" «2» [الرحمن: 22] وإنما يخرج من الملح دون العذب. وقال أبو علي: تقديره وما بث في أحدهما، فحذف المضاف. وقوله:" يَخْرُجُ مِنْهُمَا" أي من أحدهما." وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ" أي يوم القيامة." إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ".
__________
(1). آية 8 سورة النحل.
(2). راجع ج 17 ص 163 [.....]

وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (31)

[سورة الشورى (42): الآيات 30 الى 31]
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (30) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (31)
قوله تعالى:" وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ" قرأ نافع وابن عامر" بما كسبت" بغير فاء. الباقون" فَبِما" بالفاء، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم للزيادة في الحرف والأجر. قال المهدوي: إن قدرت أن" ما" الموصولة جاز حذف الفاء وإثباتها، والإثبات أحسن. وإن قدرتها التي للشرط لم يجز الحذف عند سيبويه، وأجازه الأخفش واحتج بقوله تعالى:" وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ" «1» [الانعام: 121]. والمصيبة هنا الحدود على المعاصي، قاله الحسن. وقال الضحاك: ما تعلم رجل القرآن ثم نسيه إلا بذنب، قال الله تعالى:" وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ" ثم قال: وأى مصيبة أعظم من نسيان القرآن، ذكره ابن المبارك عن عبد العزيز بن أبي رواد. قال أبو عبيد: إنما هذا على الترك، فأما الذي هو دائب في تلاوته حريص على حفظه إلا أن النسيان يغلبه فليس من ذلك في شي. ومما يحقق ذلك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان ينسى الشيء من القرآن حتى يذكره، من ذلك حديث عائشة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سمع قراءة رجل في المسجد فقال: (ماله رحمه الله لقد أذكرني آيات كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا). وقيل:" ما" بمعنى الذي، والمعنى الذي أصابكم فيما مضى بما كسبت أيديكم. وقال علي رضي الله عنه: هذه الآية أرجى آية في كتاب الله عز وجل. وإذا كان يكفر عني بالمصائب ويعفو عن كثير فما يبقى بعد كفارته وعفوه! وقد روي هذا المعنى مرفوعا عنه رضي الله عنه، قال على بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله حدثنا بها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ" الآية: (يا علي ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم. والله أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة وما عفا عنه
__________
(1). آية 121 سورة الانعام.

في الدنيا فالله أحلم من أن يعاقب به بعد عفوه (. وقال الحسن: لما نزلت هذه الآية قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:) ما من اختلاج عرق ولا خدش عود ولا نكبة حجر إلا بذنب ولما يعفو الله عنه أكثر (. وقال الحسن: دخلنا على عمران بن حصين فقال رجل: لا بد أن أسألك عما أرى بك من الوجع، فقال عمران: يا أخي لا تفعل! فوالله إني لاحب الوجع ومن أحبه كان أحب الناس إلى الله، قال الله تعالى:" وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ" فهذا مما كسبت يدي، وعفو ربي عما بقي أكثر «1». وقال مرة الهمداني: رأيت على ظهر كف شريح قرحه فقلت: يا أبا أمية، ما هذا؟ قال: هذا بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير. وقال ابن عون: إن محمد بن سيرين لما ركبه الدين اغتم لذلك فقال: إني لأعرف هذا الغم، هذا بذنب أصبته منذ أربعين سنة. وقال أحمد بن أبي الحواري «2» قيل لابي سليمان الداراني: ما بال العقلاء أزالوا اللوم عمن أساء إليهم؟ فقال: لأنهم علموا أن الله تعالى إنما ابتلاهم بذنوبهم، قال الله تعالى:" وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ". وقال عكرمة: ما من نكبة أصابت عبد افما فوقها إلا بذنب لم يكن الله ليغفره له إلا بها أو لينال درجة لم يكن يوصله إليها إلا بها. وروي أن رجلا قال لموسى: يا موسى، سل الله لي في حاجة يقضيها لي هو أعلم بها، ففعل موسى، فلما نزل إذ هو بالرجل قد مزق السبع لحمه وقتله، فقال موسى: ما بال هذا يا رب؟ فقال الله تبارك وتعالى له: (يا موسى إنه سألني درجة علمت أنه لم يبلغها بعمله فأصبته بما ترى لا جعلها وسيلة له في نيل تلك الدرجة (. فكان أبو سليمان الداراني إذا ذكر هذا الحديث يقول: سبحان من كان قادرا على أن ينيله تلك الدرجة بلا بلوى! ولكنه يفعل ما يشاء. قلت: ونظير هذه الآية في المعنى قوله تعالى:" مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ" [النساء: 123] وقد مضى القول فيه «3». قال علماؤنا: وهذا في حق المؤمنين، فأما الكافر فعقوبته مؤخرة إلى الآخرة. وقيل: هذا خطاب للكفار، وكان إذا أصابهم شر قالوا: هذا بشؤم محمد، فرد عليهم وقال بل ذلك
__________
(1). في ح وه: أكبر
(2). ضبط كسكارى (بالفتح) أو أحد الحواريين (شرح القاموس).
(3). ج 5 ص 369

وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (32) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33)

بشؤم كفركم. والأول اكثر وأظهر وأشهر. وقال ثابت البناني: إنه كان يقال ساعات الأذى يذهبن ساعات الخطايا. ثم فيها قولان: أحدهما- أنها خاصة في البالغين أن تكون عقوبة لهم، وفي الأطفال أن تكون مثوبة لهم. الثاني- أنها عقوبة عامة للبالغين في أنفسهم والأطفال في غيرهم من والد ووالدة." وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ" أي عن كثير من المعاصي ألا يكون عليها حدود، وهو مقتضى قول الحسن. وقيل: أي يعفو عن كثير من العصاة ألا يعجل عليهم بالعقوبة." وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ" أي بفائتين الله، أي لن تعجزوه ولن تفوتوه" وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ" تقدم في غير موضع «1».

[سورة الشورى (42): الآيات 32 الى 33]
وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (32) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33)
قوله تعالى:" وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ" أي ومن علاماته الدالة على قدرته السفن الجارية في البحر كأنها من عظمها أعلام. والاعلام: الجبال، وواحد الجواري جارية، قال الله تعالى:" إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ" «2» [الحاقة: 11]. سميت جارية لأنها تجري في الماء. والجارية: هي المرأة الشابة، سميت بذلك لأنها يجري فيها ماء الشباب. وقال مجاهد: الاعلام القصور، واحدها علم، ذكره الثعلبي. وذكر الماوردي عنه أنها الجبال. وقال الخليل: كل شيء مرتفع عند العرب فهو علم. قالت الخنساء ترثي أخاها صخرا:
وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
" إن يشأ يسكن الرياح" كذا قرأه أهل المدينة" الرياح" بالجمع." فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ" أي فتبقى السفن سواكن على ظهر البحر لا تجري. ركد الماء ركودا سكن. وكذلك الريح والسفينة، والشمس إذا قام قائم الظهيرة. وكل ثابت في مكان فهو راكد. وركد
__________
(1). راجع ج 2 ص 69 طبعه ثانية.
(2). آية 11 [سورة الحاقة]

أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (34) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (35)

الميزان استوى. وركد القوم هدءوا. والمراكد: المواضع التي يركد فيها الإنسان وغيره. وقرا قتادة" فيظللن" بكسر اللام الاولى على أن يكون لغة، مثل ضللت «1» أضل. وفتح اللام وهي اللغة المشهورة." إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ" أي دلالات وعلامات" لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ" أي صبار على البلوى شكور على النعماء. قال قطرب: نعم العبد الصبار الشكور، الذي إذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر. قال عون بن عبد الله: فكم من منعم عليه غير شاكر، وكم من مبتلى غير صابر.

[سورة الشورى (42): الآيات 34 الى 35]
أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (34) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (35)
قوله تعالى:" أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا" أي وإن يشأ يجعل الرياح عواصف فيوبق السفن، أي يغرقهن بذنوب أهلها. وقيل: يوبق أهل السفن." ويعف عن كثير" من أهلها فلا يغرقهم معها، حكاه الماوردي. وقيل:" وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ" أي ويتجاوز عن كثير من الذنوب فينجيهم الله من الهلاك. قال القشري: والقراءة الفاشية" ويعف" بالجزم، وفيها إشكال، لان المعنى: إن يشأ يسكن الريح فتبقى تلك السفن رواكد ويهلكها بذنوب أهلها، فلا يحسن عطف" يعف" على هذا، لأنه يصير «2» المعنى: إن يشأ يعف، وليس المعنى ذلك بل المعنى الاخبار عن العفو من غير شرط المشيئة، فهو إذا عطف على المجزوم من حيث اللفظ لا من حيث المعنى. وقد قرأ قوم" وَيَعْفُ" بالرفع، وهي جيدة في المعنى." وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ" يعني الكفار، أي إذا توسطوا البحر وغشيتهم الرياح من كل مكان أو بقيت السفن رواكد علموا أنه لا ملجأ لهم سوى الله، ولا دافع لهم إن أراد الله إهلاكهم فيخلصون له العبادة. وقد مضى هذا المعنى في غير موضع «3»، ومضى القول في ركوب البحر في" البقرة" «4» وغيرها بما يغني عن إعادته. وقرا نافع وابن عامر
__________
(1). في الأصول:" ظللت أظل" بالظاء المعجمة. والتصويب عن الكشاف.
(2). في ح: لأنه إن يشأ يعف.
(3). راجع ج 8 ص 325 وج 13 ص 3 (223)
(4). راجع ج 2 ص 195 طبعه ثانية.

فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36)

" وَيَعْلَمَ" بالرفع، الباقون بالنصب. فالرفع على الاستئناف بعد الشرط والجزاء، كقوله في سورة التوبة:" وَيُخْزِهِمْ «1» وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ" [التوبة: 14] ثم قال:" وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ" [التوبة: 15] رفعا. ونظيره في الكلام: إن تأتني آتك وينطلق عبد الله. أو على أنه خبر ابتداء محذوف. والنصب على الصرف، كقوله تعالى:" وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ" «2» [آل عمران: 142] صرف من حال الجزم إلى النصب استخفافا كراهية لتوالي الجزم، كقول النابغة:
فإن يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع الناس والشهر الحرام «3»
ويمسك بعده بذناب عيش ... أجب الظهر ليس له سنام «4»
وهذا معنى قول الفراء، قال: ولو جزم" وَيَعْلَمَ" جاز. وقال الزجاج: نصب على إضمار" أن" لان قبلها جزما، تقول: ما تصنع أصنع مثله وأكرمك. وإن شئت قلت: وأكرمك بالجزم. وفي بعض المصاحف" وليعلم". وهذا يدل على أن النصب بمعنى: وليعلم أو لان يعلم. وقال أبو علي والمبرد: النصب بإضمار" أن" على أن يجعل الأول في تقدير المصدر، أي ويكون منه عفو وأن يعلم، فلما حمله. على الاسم أضمر أن، كما تقول: إن تأتني وتعطيني أكرمك، فتنصب تعطيني، أي إن يكن منك إتيان وأن تعطيني. ومعنى" مِنْ مَحِيصٍ" أي من فرار ومهرب، قاله قطرب. السدي: من ملجأ وهو مأخوذ من قولهم: حاص به البعير حيصة إذا رمى به. ومنه قولهم: فلان يحيص عن الحق أي يميل عنه.

[سورة الشورى (42): آية 36]
فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36)
__________
(1). آية (14)
(2). آية 142 سورة آل عمران.
(3). أبو قابوس: كنيته النعمان بن المنذر، يريد أنه كان كالربيع في الخصب لمجتديه، وكالشهر الحرام لجاره، أي لا يوصل إلى من أجاره. والمعنى: إن يمت النعمان يذهب خير الدنيا لأنها كانت تعمر به وبجوده وعدله ونفعه للناس، ومن كان في ذمته وسلطانه فهو آمن على نفسه محقون الدم كما يأمن الناس في الشهر الحرام على أموالهم ودمائهم.
(4). ذناب كل شي: عقبه ومؤخره. واجب الظهر مقطوع السنام. يقول: إن مات بقينا في طرف عيش قد مضى صدره ومعظمه وختره، وقد بقي منه ذنبه. [.....]

وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37)

قوله تعالى:" فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ" يريد من الغنى والسعة في الدنيا." فَمَتاعُ" أي فإنما هو متاع في أيام قليلة تنقضي وتذهب، فلا ينبغي أن يتفاخر به. والخطاب للمشركين." وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى " يريد من الثواب على الطاعة" لِلَّذِينَ آمَنُوا" صدقوا ووحدوا" وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ" نزلت في أبي بكر الصديق حين أنفق جميع ماله في طاعة الله فلامه الناس. وجاء في الحديث أنه: أنفق ثمانين ألفا.

[سورة الشورى (42): آية 37]
وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37)
فيه مسألتان: الاولى- قوله تعالى:" وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ" الذين في موضع جر معطوف على قوله:" خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا" أي وهو للذين يجتنبون" كَبائِرَ الْإِثْمِ" وقد مضى القول في الكبائر في" النساء" «1». وقرا حمزة والكسائي" كَبائِرَ الْإِثْمِ" والواحد قد يراد به الجمع عند الإضافة، كقوله تعالى:" وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها" «2» [النحل: 18]، وكما جاء في الحديث: (منعت العراق درهمها وقفيزها). الباقون بالجمع هنا وفي" النجم" «3»." وَالْفَواحِشَ" قال السدي: يعني الزنى. وقاله ابن عباس، وقال: كبير الإثم الشرك. وقال قوم: كبائر الإثم ما تقع على الصغائر مغفورة عند اجتنابها. والفواحش داخلة في الكبائر، ولكنها تكون أفحش وأشنع كالقتل بالنسبة إلى الجرح، والزنى بالنسبة إلى المراودة. وقيل: الفواحش والكبائر بمعنى واحد، فكرر لتعدد اللفظ، أي يجتنبون المعاصي لأنها كبائر وفواحش. وقال مقاتل: الفواحش موجبات الحدود. الثانية- قوله تعالى:" وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ" أي يتجاوزون ويحملون عمن ظلمهم. قيل: نزلت في عمر حين شتم بمكة. وقيل: في أبي بكر حين لامه الناس على
__________
(1). آية 31 ج 5 ص 158 وما بعدها.
(2). آية 34 سورة إبراهيم. و18 سورة النحل.
(3). آية 32

وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38)

انفاق مال كله وحين شتم فحلم. وعن علي رضي الله عنه قال: اجتمع لابي بكر مال مرة، فتصدق به كله في سبيل الخير، فلامه المسلمون وخطأه الكافرون فنزلت:" فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون- إلى قوله- وإذا ما غضبوا هم يغفرون". وقال ابن عباس: شتم رجل من المشركين أبا بكر فلم يرد عليه شيئا، فنزلت الآية. وهذه من محاسن الأخلاق، يشفقون على ظالمهم ويصفحون لمن جهل عليهم، يطلبون بذلك ثواب الله تعالى وعفوه، لقوله تعالى في آل عمران:" وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ" «1» [آل عمران: 134]. وهو أن يتناولك الرجل فتكظم غيظك عنه. وأنشد بعضهم:
إني عفوت لظالمي ظلمي ... ووهبت ذاك له على علمي
ما زال يظلمني وأرحمه ... حتى بكيت له من الظلم

[سورة الشورى (42): آية 38]
وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (38)
فيه ثلاث مسائل: الاولى- قوله تعالى:" وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ" قال عبد الرحمن ابن زيد: هم الأنصار بالمدينة، استجابوا إلى الايمان بالرسول حين أنفذ إليهم اثنى عشر نقيبا منهم قبل الهجرة." وَأَقامُوا الصَّلاةَ" أي أدوها لمواقيتها بشروطها وهيئاتها. الثانية- قوله تعالى:" وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ" أي يتشاورون في الأمور. والشورى مصدر شاورته، مثل البشرى والذكرى ونحوه. فكانت الأنصار قبل قدوم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليهم إذا أرادوا أمرا تشاوروا فيه ثم عملوا عليه، فمدحهم الله تعالى به، قاله النقاش. وقال الحسن: أي إنهم لانقيادهم إلى الرأي في أمورهم متفقون لا يختلفون، فمدحوا باتفاق كلمتهم. قال الحسن: ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم. وقال
__________
(1). آية 134 راجع ج 4 ص 206

الضحاك: هو تشاورهم حين سمعوا بظهور رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وورد «1» النقباء إليهم حتى اجتمع رأيهم في دار أبي أيوب على الايمان به والنصرة له. وقيل تشاورهم فيما يعرض لهم، فلا يستأثر بعضهم بخبر دون بعض. وقال ابن العربي: الشورى ألفة للجماعة ومسبار للعقول وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم إلا هدوا. وقد قال الحكيم:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي لبيب أو مشورة حازم «2»
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي قوة «3» للقوادم
فمدح الله المشاورة في الأمور بمدح القوم الذين كانوا يمتثلون ذلك. وقد كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يشاور أصحابه في الآراء المتعلقة بمصالح الحروب، وذلك في الآراء كثير. ولم يكن يشاورهم في الأحكام، لأنها منزلة من عند الله على جميع الأقسام من الفرض والندب والمكروه والمباح والحرام. فأما الصحابة بعد استئثار الله تعالى به علينا فكانوا يتشاورون في الأحكام ويستنبطونها من الكتاب والسنة. وأول ما تشاور فيه الصحابة الخلافة، فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم ينص عليها حتى كان فيها بين أبي بكر والأنصار ما سبق بيانه «4». وقال عمر رضي الله عنه: نرضى لدنيانا من رضيه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لديننا وتشاوروا في أهل الردة فاستقر رأي أبي بكر على القتال. وتشاوروا في الجد وميراثه، وفي حد الخمر وعدده. وتشاوروا بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحروب، حتى شاور عمر الهرمزان حين وفد عليه مسلما في المغازي، فقال له الهرمزان: مثلها ومثل من فيها من الناس من عدو المسلمين مثل طائر له ريش وله جناحان ورجلان فإن كسر أحد الجناحين نهضت الرجلان بجناح والرأس وإن كسر الجناح الآخر نهضت الرجلان والرأس وإن شدخ الرأس ذهب الرجلان والجناحان. والرأس كسرى والجناح الواحد قيصر والآخر فارس، فمر المسلمين فلينفروا إلى كسرى ... وذكر الحديث. وقال بعض العقلاء: ما أخطأت قط! إذا حزبني أمر شاورت قومي ففعلت الذي يرون، فإن أصبت فهم المصيبون، وإن أخطأت فهم المخطئون.
__________
(1). في ح ك: وورود النقباء
(2). البيتان لبشار بن برد. والخوافي: ريشات إذا ضم الطائر جناحيه خفيت. والقوادم: عشر ريشات في مقدم الجناح وهي كبائر الريش.
(3). في الأصول" نافع".
(4). راجع ج 4 ص 224

وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)

الثالثة- قد مضى في" آل عمران" ما تضمنته الشورى من الأحكام عند قوله تعالى:" وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ"»
[آل عمران: 159]. والمشورة بركة. والمشورة: الشورى، وكذلك المشورة (بضم الشين)، تقول منه: شاورته في الامر واستشرته بمعنى. وروى الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وأمركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من بطنها وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاءكم وأموركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظهرها (. قال حديث غريب." مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ" أي ومما أعطيناهم يتصدقون. وقد تقدم في" البقرة" «2».

[سورة الشورى (42): الآيات 39 الى 43]
وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)
فيه إحدى عشرة مسألة: الاولى- قوله تعالى:" وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ" أي أصابهم بغي المشركين. قال ابن عباس: وذلك أن المشركين بغوا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى أصحابه وآذوهم وأخرجوهم من مكة، فأذن الله لهم بالخروج ومكن لهم في الأرض ونصرهم على من بغى عليهم، وذلك قوله في سورة الحج: [الحج: 40- 39]
__________
(1). آية 159 راجع ج 4 ص 248 وما بعدها.
(2). راجع ج 1 ص 178 وما بعدها.

" أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا «1» ..." الآيات كلها. وقيل: هو عام في بغي كل باغ من كافر وغيره، أي إذا نالهم ظلم من ظالم لم يستسلموا لظلمه. وهذه إشارة إلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود. قال ابن العربي: ذكر الله الانتصار في البغي في معرض المدح، وذكر العفو عن الجرم في موضع آخر في معرض المدح، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعا للآخر، واحتمل أن يكون ذلك راجعا إلى حالتين، إحداهما أن يكون الباغي معلنا بالفجور، وقحا في الجمهور، مؤذيا للصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل. وفي مثله قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فتجترئ عليهم الفساق. الثانية- أن تكون الفلتة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة ويسأل المغفرة، فالعفو ها هنا أفضل، وفي مثله نزلت" وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى " «2» [البقرة: 237]. وقوله:" فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ" «3» [المائدة: 45]. وقوله:" وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ" «4». [النور: 22] قلت: هذا حسن، وهكذا ذكر الكيا الطبري في أحكامه قال: قوله تعالى:" وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ" يدل ظاهره على أن الانتصار في هذا الموضع أفضل، ألا ترى أنه قرنه إلى ذكر الاستجابة لله سبحانه وتعالى وإقام الصلاة، وهو محمول على ما ذكر إبراهيم النخعي أنهم كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فتجترئ عليهم الفساق، فهذا فيمن تعدى وأصر على ذلك. والموضع المأمور فيه بالعفو إذا كان الجاني نادما مقلعا. وقد قال عقيب هذه الآية:" ولمن أنتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل". ويقتضي ذلك إباحة الانتصار لا الامر به، وقد عقبه بقوله:" وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ". وهو محمول على الغفران عن غير المصر، فأما المصر على البغي والظلم فالأفضل الانتصار منه بدلالة الآية التي قبلها. وقيل: أي إذا أصابهم البغي تناصروا عليه حتى يزيلوه عنهم ويدفعوه، قاله ابن بحر. وهو راجع إلى العموم على ما ذكرنا.
__________
(1). آية 39 راجع ج 12 ص (67)
(2). آية 237 سورة البقرة.
(3). آية 45 سورة المائدة.
(4). آية 22 سورة النور. [.....]

الثانية- قوله تعالى:" وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها" قال العلماء: جعل الله المؤمنين صنفين، صنف يعفون عن الظالم فبدأ بذكرهم في قوله" وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ".] الشورى: 37]. وصنف ينتصرون من ظالمهم. ثم بين حد الانتصار بقوله:" وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها" فينتصر ممن ظلمه من غير أن يعتدي. قال مقاتل وهشام بن حجير: هذا في المجروح ينتقم من الجارح بالقصاص دون غيره من سب أو شتم. وقاله الشافعي وأبو حنيفة وسفيان. قال سفيان: وكان ابن شبرمة يقول: ليس بمكة مثل هشام. وتأول الشافعي في هذه الآية أن للإنسان أن يأخذ من مال من خانه مثل ما خانه من غير علمه، واستشهد في ذلك بقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهند زوج أبي سفيان: (خذي من ماله ما يكفيك وولدك) فأجاز لها أخذ ذلك بغير إذنه. وقد مضى الكلام في هذا مستوفى في" البقرة" «1». وقال ابن أبي نجيح: إنه محمول على المقابلة في الجراح. وإذا قال: أخزاه الله أو لعنه الله أن يقول مثله. ولا يقابل القذف بقذف ولا الكذب بكذب. وقال السدي: إنما مدح الله من انتصر ممن بغى عليه من غير اعتداء بالزيادة على مقدار ما فعل به، يعني كما كانت العرب تفعله. وسمي الجزاء سيئة لأنه في مقابلتها، فالأول ساء هذا في مال أو بدن، وهذا الاقتصاص يسوءه بمثل ذلك أيضا، وقد مضى هذا كله في" البقرة" مستوفى «2». الثالثة- قوله تعالى:" فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ" قال ابن عباس: من ترك القصاص وأصلح بينه وبين الظالم بالعفو" فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ" أي إن الله يأجره على ذلك. قال مقاتل: فكان العفو من الأعمال الصالحة. وقد مضى في" آل عمران" «3» في هذا ما فيه كفاية، والحمد لله. وذكر أبو نعيم الحافظ عن علي بن الحسين رضي الله عنهم قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد أيكم أهل الفضل؟ فيقوم ناس من الناس، فيقال: انطلقوا إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة، فيقولون إلى أين؟ فيقولون إلى الجنة، قالوا قبل الحساب؟ قالوا نعم قالوا من أنتم؟ قالوا أهل الفضل، قالوا وما كان فضلكم؟ قالوا كنا إذا جهل علينا حلمنا
__________
(1). راجع ج 2 ص (335)
(2). راجع ج 2 ص (335)
(3). راجع ج 4 ص 207

وإذا ظلمنا صبرنا وإذا سيئ إلينا عفونا، قالوا ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. وذكر الحديث." إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ" أي من بدأ بالظلم، قاله سعيد بن جبير. وقيل: لا يحب من يتعدى في الاقتصاص ويجاوز الحد، قاله ابن عيسى. الرابعة- قوله تعالى:" وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ" أي المسلم إذا انتصر من الكافر فلا سبيل إلى لومه، بل يحمد على ذلك مع الكافر. ولا لوم إن انتصر الظالم «1» من المسلم، فالانتصار من الكافر حتم، ومن المسلم مباح، والعفو مندوب. الخامسة- في قوله تعالى:" وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ" دليل على أن له أن يستوفي ذلك بنفسه. وهذا ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها- أن يكون قصاصا في بدن يستحقه آدمي، فلا حرج عليه إن استوفاه من غير عدوان وثبت حقه عند الحكام، لكن يزجره الامام في تفوته بالقصاص لما فيه من الجرأة على سفك الدم. وإن كان حقه غير ثابت عند الحاكم فليس عليه فيما بينه وبين الله حرج، وهو في الظاهر مطالب وبفعله مؤاخذ «2» ومعاقب. القسم الثاني- أن يكون حد الله تعالى لا حق لآدمي فيه كحد الزنى وقطع السرقة، فإن لم يثبت ذلك عند حاكم أخذ به وعوقب عليه، وإن ثبت عند حاكم نظر، فان كان قطعا في سرقة سقط به الحد لزوال العضو المستحق قطعه، ولم يجب عليه في ذلك حق لان التعزير أدب، وإن كان جلدا لم يسقط به الحد لتعديه مع بقاء محله فكان مأخوذا بحكمه. القسم الثالث- أن يكون حقا في مال، فيجوز لصاحبه أن يغالب على حقه حتى يصل إليه إن كان ممن هو عالم به، وإن كان غير عالم نظر، فإن أمكنه الوصول إليه عند المطالبة لم يكن له الاستسرار بأخذه. وإن كان لا يصل إليه بالمطالبة لجحود من هو عليه من عدم بينة تشهد له ففي جواز استسراره بأخذه مذهبان: أحدهما- جوازه، وهو قول مالك والشافعي. الثاني- المنع، وهو قول أبي حنيفة. السادسة- قوله تعالى:" إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ" أي بعدوانهم عليهم، في قول أكثر العلماء. وقال ابن جريج: أي يظلمونهم بالشرك المخالف لدينهم.
__________
(1). في ل: انتصر المظلوم وفي هـ انتصر ظالم من مسلم.
(2). في ز ل: مطالب بفعله مؤاخذ به.

" ويبغون في الأرض بغير الحق" أي في النفوس والأموال، في قول الأكثرين. وقال مقاتل: بغيهم عملهم بالمعاصي. وقال أبو مالك: هو ما يرجوه كفار قريش أن يكون بمكة غير الإسلام دينا. وعلى هذا الحد قال ابن زيد: إن هذا كله منسوخ بالجهاد، وإن هذا للمشركين خاصة. وقول قتادة: إنه عام، وكذا يدل ظاهر الكلام. وقد بيناه والحمد لله. السابعة- قال ابن العربي: هذه الآية في مقابلة الآية المتقدمة في" براءة" وهي قوله" ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ «1» [التوبة: 91]، فكما نفى الله السبيل عمن أحسن فكذلك نفاها «2» على من ظلم، واستوفى ببان القسمين. الثامنة- واختلف علماؤنا في السلطان يضع على أهل بلد مالا معلوما بأخذهم به ويؤدونه على قدر أموالهم، هل لمن قدر على الخلاص من ذلك أن يفعل، وهو إذا تخلص أخذ سائر أهل البلد بتمام ما جعل عليهم. فقيل لا، وهو قول سحنون من علمائنا. وقيل: نعم، له ذلك إن قدر على الخلاص، وإليه ذهب أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي ثم المالكي. قال: ويدل عليه قول مالك في الساعي يأخذ من غنم أحد الخلطاء شاة وليس في جميعها نصاب إنها مظلمة على من أخذت له لا يرجع على أصحابه بشيء. قال: ولست آخذ بما روي عن سحنون، لان الظلم لا أسوة فيه، ولا يلزم أحد أن يولج نفسه في ظلم مخافة أن يضاعف الظلم على غيره، والله سبحانه يقول:" إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ". التاسعة- واختلف العلماء في التحليل، فكان ابن المسيب لا يحلل أحدا من عرض ولا مال. وكان سليمان بن يسار ومحمد بن سيرين يحللان من العرض والمال. ورأى مالك التحليل من المال دون العرض. روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك وسيل عن قول سعيد بن المسيب" لا أحلل أحدا" فقال: ذلك يختلف، فقلت له يا أبا عبد الله، الرجل يسلف الرجل فيهلك ولا وفاء له؟ قال: أرى أن يحلله وهو أفضل عندي، فان الله تعالى يقول" الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ «3» أَحْسَنَهُ" [الزمر: 18]. فقيل له: الرجل يظلم الرجل؟
__________
(1). راجع ج 8 ص 227.
(2). في ابن العربي: أثبتها.
(3). راجع ج 15 ص 244.

فقال: لا أرى ذلك، هو عندي مخالف للأول، يقول الله تعالى" إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ" ويقول تعالى" ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ" [التوبة: 91] فلا أرى أن يجعله من ظلمه في حل. قال ابن العربي: فصار في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها لا يحلله بحال، قاله سعيد ابن المسيب. الثاني- يحلله، قاله محمد بن سيرين. الثالث- إن كان مالا حلله وإن كان ظلما لم يحلله، وهو قول مالك. وجه الأول ألا يحلل ما حرم الله، فيكون كالتبديل لحكم الله. ووجه الثاني أنه حقه فله أن يسقط كما يسقط دمه وعرضه. ووجه الثالث الذي اختاره مالك هو أن الرجل إذا غلب على أداء حقك فمن الرفق به أن يتحلله، وان كان ظالما فمن الحق ألا تتركه لئلا تغتر الظلمة «1» ويسترسلوا في أفعالهم القبيحة. وفي صحيح مسلم حديث أبي اليسر الطويل وفيه أنه قال لغريمه: اخرج الي، فقد علمت أين أنت، فخرج، فقال: ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال: أنا والله أحدثك ثم لا أكذبك، خشيت والله أن أحدثك فأكذبك، وان أعدك فأخلفك، وكنت صاحب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكنت والله معسرا. قال قلت: آلله؟ قال الله «2»، قال: فأتى بصحيفة فمحاها فقال: إن وجدت قضاء فاقض، وإلا فأنت في حل ... وذكر الحديث. قال ابن العربي: وهذا في الحي الذي يرجى له الأداء لسلامة الذمة ورجاء التمحل «3»، فكيف بالميت الذي لا محاللة له ولا ذمة معه. العاشرة- قال بعض العلماء: إن من ظلم واخذ له مال فإنما له ثواب ما احتبس عنه إلى موته، ثم يوجع الثواب إلى ورثته، ثم كذلك إلى آخرهم، لان المال يصير بعده للوارث. قال أبو جعفر الداودي المالكي: هذا صحيح في النظر، وعلى هذا القول إن مات الظالم قبل من ظلمه ولم يترك شيئا أو ترك ما لم يعلم وارثه فيه بظلم لم تنتقل تباعة المظلوم إلى ورثة الظالم، لأنه لم يبق للظالم ما يستوجبه ورثة المظلوم. (هامش)
__________
(1). في بعض الأصول:" ويستسرون" وفي البعض الآخر:" ويستشرون".
(2). قال النووي" الأول بهمزة ممدودة على الاستفهام، والثاني بلا مد، والهاء فيهما مكسورة. قال القاضي: ورويناه بفتحهما معا، وأكثر أهل العربية لا يجيزون إلا الكسر".
(3). في ابن العربي:" التحلل" وقد كتب على هامش نسخة من الأصل بخط الناسخ:" يقال تمحل أي احتال فهو متمحل قاله الجوهري".] [

وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (44)

الحادية عشرة- قوله تعالى:" وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ" أي صبر على الأذى و" غَفَرَ" أي ترك الانتصار لوجه الله تعالى، وهذا فيمن ظلمه مسلم. ويحكى أن رجلا سب رجلا في مجلس الحسن رحمه الله فكان المسبوب يكظم ويعرق فيمسح العرق، ثم قام فتلا هذه الآية، فقال الحسن: عقلها والله! وفهمها إذ ضيعها الجاهلون. وبالجملة العفو مندوب إليه، ثم قد ينعكس الامر في بعض الأحوال فيرجع ترك العفو مندوبا إليه كما تقدم، وذلك إذا احتيج إلى كف زيادة البغي وقطع مادة الأذى، وعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يدل عليه، وهو أن زينب أسمعت «1» عائشة رضي الله عنهما بحضرته فكان ينهاها فلا تنتهي، فقال لعائشة: (دونك فانتصري) خرجه مسلم في صحيحه بمعناه. وقيل:" صبر" عن المعاصي وستر على المساوئ." إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" أي من عزائم الله التي أمر بها. وقيل من عزائم الصواب التي وفق لها. وذكر الكلبي والفراء أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع ثلاث آيات قبلها، وقد شتمه بعض الأنصار فرد عليه ثم أمسك. وهي المدنيات من هذه السورة. وقيل: هذه الآيات في المشركين، وكان هذا في ابتداء الإسلام قبل الامر بالقتال ثم نسختها آية القتال، وهو قول ابن زيد، وقد تقدم. وفي تفسير ابن عباس" وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ" يريد حمزة بن عبد المطلب، وعبيدة وعليا وجميع المهاجرين رضوان الله عليهم." فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ" يريد حمزة بن عبد المطلب وعبيدة وعليا رضوان الله عليهم أجمعين." إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ" يريد عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأبا جهل والأسود، وكل من قاتل من المشركين يوم بدر." وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ" يريد بالظلم والكفر." أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ" يريد وجيع." وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ" يريد أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح ومصعب بن عمير وجميع أهل بدر رضوان الله عليهم أجمعين." إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" حيث قبلوا الفداء وصبروا على الأذى.

[سورة الشورى (42): آية 44]
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (44)
__________
(1). في ل ز: شتمت.==

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فيديو مولاي صلي وسلم دائما أبدا + عبد العال الجبري

 --------------------------------       000000000000000000000000000000000000000       ---------------------------------